الشهيد عبدالقادر محسن الفتلاوي

بطاقة الشهيد

  • العمر: 18 سنة
  • المنطقة: الدراز
  • تاريخ الاستشهاد: 13/1/1995م
  • سبب الاستشهاد: إصابته برصاصة في رقبته.

بطل آخر يلتحق بقافلة الشهداء غير آسف على عيش الذل والاستعباد. حماس منقطع النظير ومحلمة بطولية يسجلها عبدالقادر محسن الفتلاوي قبل أن يسقط شهيداً على أيدي حثالات من المرتزقة. شتان بين الذي يتصدر المجاهدين ويدعو ربه بنيل الشهادة ومن يرى سعادته في الخنوع والاستسلام لقوى الظلم والارهاب. لم تكن الرصاصة التي أصابت عبدالقادر في رقبته إلا طلقة غدر من قلوب حاقدة على هذا الشعب وأرضه وقيمه ومثله. ما بين مغرب الثاني عشر من يناير 1995 ومنتصف الليل ساعات شهدت كراً وفراً بين شباب الانتفاضة في منطقة الدراز وقوات الشغب الغادرة، شباب لا يملكون سوى الحجارة والحناجر والعزم والإيمان في مقابل جيش جرار غارق بأحدث ما توصلت إليه حضارة الغرب من وسائل القمع. بالقرب من حديقة الدراز كان عبدالقادر يشارك في تنظيم المسيرات الاحتجاجية الليلية ولا يعبأ بما سيحدث له ما دام مرتبطاً بربه وبشعبه. كانت كل مجموعة مكلفة بمهمة محددة؛ فواحدة ترفع الشعارات وأخرى تكتب على الجدران وثالثة تتراشق مع قوات الشغب بالحجارة وقنينات المولوتوف، وكلها تعمل في اتساق واحد لتسجّل تاريخاً جديداً لهذه البلاد التي رزحت عقوداً طويلة تحت القمع والاضطهاد.

في تمام الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم (الخميس) كان عبدالقادر يسير في التظاهرة التي انطلقت في الدراز وكان الشهيد البطل في المقدمة وهو الذي كثيراً ما كان يقول: “الرب واحد والعمر واحد، ولا يستطيع أحد أن يأخذ لحظة من عمري إلا بإرادة الله”. في هذه الأثناء كانت قوات الشغب تخطط للانقضاض على الثلة المؤمنة وتقترب شيئاً فشيئاً منهم.

يقول أحد أصدقاء عبدالقادر وقد كان معه تلك الليلة: “كان هذا الشهيد يقضي آخر لحظات عمره ووجهه يزهو بالنور، وكنا نخاف عليه من سقوط اللثام، وكان ينتابنا شعور بأن شيئاً ما يتربص له”. كان الشباب قد اتفقوا في ما بينهم على خطة للتناوب لأداء المهمات التي في مقدمتها التصدي لقوات الشغب واشغالها عن المتظاهرين. فتقوم مجموعة بقذف الحجارة باتجاه قوات الشغب، وتقوم أخرى بحرق الاطارات، وثالثة تستعمل قنينات المولوتوف. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة عند منتصف الليل عندما همّ عبدالقادر بعبور الشارع لتأمين الطريق للمجموعة، فما كاد يخرج رأسه من وراء جدار أحد البيوت حتى عاجلته رصاصة غادرة من قوات الشغب اصابته في رقبته، وقد اطلقت من مكان قريب؛ وكان وراءه بعض رفاقه فجرّوه إلى الخلف ليكون في مأمن من المعتدين. وقتها لم يكن لدى المجموعة سيارة لنقله إلى المستشفى.

يقول أحد زملاء الشهيد: “ركضت بأسرع ما أستطيع في كل اتجاه بحثاً عن سيارة حتى رأيت مجموعة من الشباب خارج القرية فأخبرتهم بالأمر وطلبت منهم المعونة، فلم يترددوا لحظة، بل ذهبنا جميعاً على وجه السرعة إلى موقع الحادثة، ونقلنا الشهيد إلى منزله”. ومن هناك نقله والده إلى مستشفى السلمانية.

كان عبدالقادر يصارع الآلام بقسم الطوارئ بدون ان يكون هناك من يسعفه؛ فلدى الأطباء تعليمات بعدم علاج أي جريح في الحوادث! وحاول اخوه عبثاً الضغط على الاطباء للإسراع في المعالجة، ولكنهم كانوا غير مكترثين. وبعد هذا التراخي واللا مبالاة فارقت روحه الحياة في الساعة السابعة 7:45 صباحاً، أي بعد حوالي ثماني ساعات على اصابته. فما كان من مرافقيه من أصدقاء وأهله إلاّ الصراخ والعويل، بينما أصيب موظفو المستشفى بالذهول.

لم تنته معاناة أهل الشهيد هنا، بل ان مراسم تشييعه كانت هي الأخرى سجلاً مريراً من الارهاب السلطوي؛ فقد حمل المواطنون الذين احتشدوا بأعداد غفيرة جسد الشهيد من منزله وطافوا به في شوارع القرية حتى وصلوا الشارع العام (شارع البديع). هذا في ما كانت الهتافات تدوي في القرية، ثم عادوا به إلى المقبرة لتغسيله ودفنه. كانت المقبرة مليئة بالرجال والنساء والأطفال من كل مكان بانتظار تغسيل الشهيد لتشييعه إلى مثواه الأخير. في هذه الأثناء اقتحمت قوات الشغب وعناصر المباحث المقبرة وأحاطوا بها من كل جانب وأطلقوا الغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية على المشيّعين بدون أدنى مبرر! ولاذ الكثيرون بالفرار، بينما دخل بعضهم إلى المنازل المجاورة. في هذه الأثناء جاءت طائرة مروحية واستعملت ضد النساء والأطفال الأسلحة المذكورة بدون رحمة. وكانت تهبط فوق رؤوس المواطنين إمعاناً في الارهاب، وكان هناك شاب يخاطبهم عبثاً بمكبر الصوت طالباً منهم الكفّ عمّا يقومون به، بينما كانت النساء تتساقط على الأرض وصراخ الأطفال يملأ المنطقة، وأصيب الكثيرون بالجروح، وفي الوقت نفسه أخذ عدد كبير من الشباب إلى المسجد وحبسوا في داخله وأغلقت عليهم النوافذ والأبواب، وأطلقت عليهم عبوات كثيفة من الغازات الخانقة حتى أغمي على الكثيرين منهم وتكسر زجاج المسجد، وبقيت آثار الرصاص على جدرانه حتى الآن. وجمع الكبار في المقبرة وضربوا بالأنابيب البلاستيكية، واعتدى الجلادون على حرمة البيوت المجاورة واعتقلوا من لجأ إليها وضربوا أهلها. وبقيت جثة الشهيد ملقاة في المغتسل دون تغسيل!

وبعد أن أخلوا المقبرة من الشباب، جمعوا من بقي من كبار السن الذين لم يتجاوز عددهم العشرين شخصاً وطلبوا منهم تغسيل الشهيد ودفنه في مدّة لا تزيد على نصف ساعة وإلاّ تعرضوا للاعتقال والقتل. وكان مشهد المغتسل رهيباً وكأن حرباً كبرى قد دارت على أرضه!

هذه قصة استشهاد عبدالقادر الفتلاوي الذي ولد في شهر مايو 1970م والذي لقي ربه في صباح الثالث عشر من شهر يناير 1995م. وهو الشاب المحبوب في قريته والذي يتمتع بعلاقة حب واحترام من والديه واخوانه واخواته. وكان يعمل مع شركة ألمنيوم المجلس بعد ان اكمل دراسته الثانوية الصناعية. وعرف في قريته بمشاركته في المسيرات الدينية والمواكب الحسينية، كما شارك في الندوات الفكرية والثقافية في القرية وخارجها. وكان قد عقد قرانه على إحدى الفتيات قبل شهادته ببضعة شهور. وقد فجعت هذه الفتاة الصابرة المحتسبة بالشاب الذي كانت تأمل أن يكون شريك حياتها وسلواها أنها أرملة شهيد لقي ربه مدافعاً عن شعبه ووطنه ودينه وكرامته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق