بحث حول حياة الإمام السجاد عليه السلام

القائد آية الله السيد علي الخامنئي

إن الحديث عن الإمام السجاد عليه السلام وكتابة سيرته عمل صعب، لأن أساس التعرف من قبل الناس على هذا الإمام تم في أجواء غير مساعدة إطلاقاً. ففي ذهن أغلب كتَّاب السيرة والمحللين أن هذا الإنسان العظيم قد انزوى للعبادة ولم يكن له أي تدخل في السياسة. حتى أن بعض المؤرخين وكتَّاب السيرة ذكروا هذه المسألة بشكل صريح، أمَّا الذين لم يقولوا هذا الأمر بصراحة فإن مفهومهم عن حياة الإمام السجاد عليه السلام ليس سوى هذا الأمر. وهذا المعنى موجود في الألقاب التي تنسب إليه والتعابير التي يطلقها الناس عليه: كما يطلق البعض “المريض” لقباً له، في حين أن مرضه لم يستغرق أكثر من عدة أيام في واقعة عاشوراء.

ومن الطبيعي أن كل إنسان يمرض في حياته عدة أيام، وإن كان مرض الإمام للمصلحة الإلهية حتى لا يكلف هذا العظيم بالدفاع والجهاد في سبيل الله في تلك الأيام حتى يستطيع في المستقبل أن يحمل الحمل الثقيل للأمانة والإمامة على كتفه، ويبقى حيّاً بعد والده لمدة 35 أو 34 سنة ويقضي أصعب عصور الإمامة عند الشيعة.

أنتم عندما تنظرون إلى ماضي حياة الإمام السجاد عليه السلام سوف تجدون حوادث متنوعة وملفتة جداً، كما حدث لبقية أئمتنا، حتى أننا إذا جمعنا سيرة الأئمة معاً فلن نجد مثل سيرة السجاد.

إن سيرة كل إنسان بالمعنى الواقعي للكلمة تتضح عندما نعرف التوجه العام له ومن بعدها نقوم بملاحظة الحوادث الجزئية في حياته. فإذا عرف التوجه العام فإن الحوادث الجزئية سوف يصبح لها معنى أما إذا لم يعرف ذلك التوجه العام أو فهم خطأ فإن تلك الحوادث الجزئية سوف تصبح بدون معنى أو بمعنى خطأ. وهذا لا يختص فقط بالإمام السجاد أو سائر أئمتنا بل أن هذا يصدق وينطبق على سيرة كل إنسان.

مثلاً في خصوص الإمام السجاد عليه السلام نجد أن رسالته إلى محمد بن شهاب الزهري تعتبر نموذجاً لإحدى الحوادث في حياته. فلو أخذنا هذه الحادثة بنفسها وبمعزل عن بقية الحوادث في تلك المرحلة، لا يمكن أن نفهم شيئاً. فقد تكون هذه الرسالة من أحد الذين ينتسبون إلى آل الرسول لأحد العلماء المعروفين في ذلك الزمان وهي تمثّل جزءاً من جهاد واسع وأساسي، ويمكن أن تكون صادرة عن مفكّر عادي، أو يمكن أن تكون اعتراض شخصية على شخصية أخرى كالاعتراضات التي تشاهد على طول التاريخ بين شخصيتين أو عدة أشخاص. وهذا ما أردت أن أشير إليه في هذه المسألة وهو أننا إذا التفتنا إلى الحوادث الجزئية وقطعنا النظر عن التوجه العام في حياة الإمام فلن تفهم سيرة الإمام فالمهم أن نعرف التوجه العام.

نذكر بحثنا الأول بشأن التوجه العام للإمام السجاد في الحياة ونقرنه بكلماته وحياته، وأيضاً بالمفهوم العام عن حياة الأئمة عليهم السلام ثم نوضحه.

التوجه العام للأئمة
نحن نرى أنه بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام الذي وقع في السنة الأربعين للهجرة، لم يقنع أهل البيت في البقاء داخل البيت وبيان الأحكام الإلهية فقط، بل نجد منذ أول أيام الصلح أن برنامج كل الأئمة كان تهيئة المقدمات لإقامة الحكومة الإسلامية التي يرونها هم. وهذا ما نلحظه بوضوح في حياة وكلمات الإمام المجتبى عليه السلام.

هدف الأئمة الأطهار إقامة الحكومة الإلهية العادلة
بعد أن صالح الإمام الحسن معاوية، فإن الجهال، والمغفلين تعرضوا له بألسنة مختلفة: أحياناً اعتبروه مذل المؤمنين وكانوا يقولون: إنك جعلت المؤمنين المتحمسين لمواجهة معاوية بصلحك وتسليمك له أذلاء، وأحياناً يصفوه بتعابير أكثر تأدباً واحتراماً ولكنها تحمل نفس المضمون.

الإمام الحسن قال مواجهاً هذه الاعتراضات والملامات ولعلنا لا نجد أدق وأفضل من جملته هذه في بقية أحاديثه: “ما تدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين“. وهو مضمون آية قرآنية.

وهذا يدل وضوح على أن الإمام كان ينتظر المستقبل، وهذا الآتي الذي ينتظره هو أن هذه الحكومة التي لا تريد القبول بنظر الإمام الحسن عليه السلام والتي هي ليست على حق، ينبغي أن تزول وتأتي الحكومة المطلوبة مكانها. لهذا كان يقول لهم إنكم لا تعلمون شيئاً من الحكمة في هذا العمل، فلعل مصلحة توجد في هذا العمل. في بداية الصلح جاء اثنان من زعماء الشيعة (مسيب إلى الإمام الحسن عليه السلام وقالوا: نحن نمتلك قوة كبيرة، من خراسان ومن العراق و… ونحن سوف نجعلهم تحت طاعتكم ومستعدون أن نتعقب معاوية حتى الشام. فطلبهم الإمام في خلوة وتحدث معهم قليلاً، وبعد أن خرجوا هدأوا وتركوا قواهم ولم يعطوا أي جواب واضح للذين كانوا معهم.

إدّعى طه حسين أن هذا اللقاء في الحقيقة قد وضع حجر الأساس الأصلي لجهاد الشيعة، أي يريد أن يقول أن الإمام الحسن جلس معهم وشاورهم، وفي هذا اللقاء أسس التشكيلات الشيعية العظيمة.

ويتضح هذا المعنى في حياة الإمام الحسن عليه السلام من خلال كلماته. في تلك المرحلة لم تكن أرضية القيام معدة لأن وعي الناس ورشدهم كان قليلاً، وإعلام العدو وإمكاناته المادية كانت كثيرة جداً. كان العدو يستفيد من أساليب لم يكن بمقدور الإمام الحسن استعمالها، مثل إعطاء الأموال بدون حساب وجمع الأفراد الغير صالحين، وهذا ما لا يفعله الإمام الحسن، لقد كانت يد معاوية مبسوطة ويد الإمام مغلولة.

لهذه الجهة كان عمل الإمام الحسن عليه السلام عملاً أساسياً وعميقاً جداً. لقد عاش الإمام الحسن مع كل تلك التحولات عشر سنوات، في هذه المدة اجتمع حوله أفراد وتربوا على يديه. توزع قسم منهم في كل زاوية لمواجهة نظام معاوية وإضعافه بشهادتهم واعتراضاتهم وصرخاتهم.

وبعده وصل الدور إلى الإمام الحسين عليه السلام الذي تابع هذا النهج في المدينة ومكة وأماكن أخرى حتى مات معاوية وجرت واقعة كربلاء. وإن كانت هذه الحادثة نهضة عظيمة الفائدة للإسلام في المستقبل. ولكنها على كل حال أخرت الهدف الذي كان يتابعه كل من الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام. ولأجل إرعاب الناس فقد تعرضوا لأتباع الإمام الحسن والإمام الحسين. لو لم تكن نهضة الإمام الحسين بهذا الشكل فإن الحدس على هذا أن بعده وفي المستقبل القريب كان هناك إمكانية للحركة التي تجعل الحكومة بيد الشيعة. بالطبع هذا الحديث لا يعني أن هذه النهضة ما كان ينبغي أن تقوم، بل أن الظروف التي كانت لهذه النهضة، كانت ظروفاً لا بد فيها من حدوث النهضة وليس في هذا أي شك. لكن لو لم تكن تلك الظروف ولو لم يقتل الإمام الحسين شهيداً، لكان الاحتمال الكبير أن يحدث ما كان يتأمله الإمام الحسن عليه السلام بسرعة.

وفي هذا الصدد يوجد رواية آتي على ذكرها، في الكافي ينقل أبو حمزة الثمالي (عن الإمام الباقر عليه السلام): “سمعت أبي جعفر عليه السلام يقول: “يا ثابت إن الله تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين“.

هذا الأمر: يعني حكومة وولاية أهل البيت عليهم السلام، وفي كافة الروايات التي جاءت فيها كلمة هذا الأمر، أو لنقل في أغلب الروايات التي استعملت فيها هذه الكلمة كان المقصود منها حكومة أهل البيت. وفي جزء من الموارد كان المعنى هو القيام لا الحكومة. على كل حال “هذا الأمر” تعني في هذا الحديث ذلك الموضوع الذي كان رائجاً بين اتباع التشيّع واتباع الإمام ومعمولاً به حيث كان الحديث عنه لسنوات ويخطط له كثيراً.

يقول الإمام الباقر عليه السلام في هذه الرواية أن السنة كانت السبعين، يعني عشر سنوات بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام، ثم يقول:
فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض إلى أربعين ومئة“، أي ثماني سنوات قبل شهادة الإمام الصادق عليه السلام. ولي في باب سيرة الإمام الصادق عليه السلام حول هذه الكلمة “مئة وأربعين” بحث مفصل، وتصوري أنه هو القائم وولي الأمر الذي كان ينبغي أن يقوم ويحق الحق، ولكن في ذلك الوقت قام بنو العباس بحركتهم العجولة، ولأجل الدنيا وهوى النفس، بالاستفادة من كل أسلوب، وسلبوا أرضية العمل من أهل البيت بحيث تأخر الوعد المقرر أيضاً.

ثم يقول في الرواية: “فحدثناكم فأضعتم الحديث وكشفتم الستر (أو قناع السر في نسخة أخرى) ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب“.

وفي عقيدتنا الإسلامية ليس هناك شك في أن ما يفرض بصورة مسلّمة للمستقبل فليس قابلاً للتغيير من ناحية الرب والقدرة الإلهية. يقول أبو حمزة: “حدثت بذلك أبا عبد الله عليه السلام فقال: كان كذلك”. ومن هذه الفئة من الروايات يوجد الكثير، وإن كانت هذه الرواية هي الأوضح من الجميع. لقد كان الأئمة وراء هذا الخط وهذا الهدف وكانوا يسعون دائماً لأجل تشكيل الحكومة الإسلامية.

عندما استشهد الإمام الحسين في واقعة كربلاء وأسر الإمام السجاد في تلك الحالة من المرض، بدأت في الحقيقة منذ تلك اللحظة مسؤولية الإمام السجاد عليه السلام. ولو بقي مقرراً في ذلك التاريخ أن ينجح الإمام الحسن والإمام الحسين في تأمين ذلك المستقبل لتقرر أن يقوم الإمام السجاد في ذلك الوقت بالتحديد بهذا الأمر ومن بعده الأئمة الباقون.

بناء على هذا ينبغي أن نبحث في طول حياة الإمام السجاد عليه السلام عن هذا الهدف الكلي والمنهج الأصلي، وأن نعرف بدون شك أن الإمام السجاد كان يسعى لأجل تحقق ذلك الهدف الذي كان يسعى لأجله الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام.

أضف تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق