مرافعة الشيخ عبدالهادي المخوضر في المحكمة

التعريف الشخصي

أنا عبد الهادي عبد الله مهدي حسن (المخوضر) وعمري ينيف على الأربعين عاما (كانت نشأتي نشأة ثقافية وعلمية)، فبعد تخرجي من الثانوية العامة هاجرت للنجف الأشرف بالعراق، وبعدها وإثر أحداث العراق في التسعينات رجعت إلى الوطن وأكملت دراستي في حوزة الشيخ عبد الأمير الجمري وكنت من مرافقيه، ورغم اشتغالي بالثقافة والأدب حيث عرفتُ بأني شاعر، وفزتُ بجوائز المركز الأول في الشعر على مستوى الخليج العربي، ولي ديوان مطبوع، وأسست دار نشر في التسعينات ودار نشر أخرى في عام 2003، وقمت بطباعة أكثر من 150 إصدار أدبي وثقافي, رغم ذلك كله إلا أن مرافقتي في التسعينات للشيخ عبد الأمير الجمري جعل من جهاز أمن الدولة سيء الصيت يلفق لي تهماً لا تتناسب مع شخصي، وذلك إثر أحداث منتصف التسعينات من القرن المنصرم، وقضيت 6 سنوات في السجن وتحت وطأة شديدة من التعذيب والقهر.

(وتكرر نفس السيناريو، فبالرغم من اهتمامي بعد الانفراج عام 2001 بالثقافة والأدب إلا أن جهاز الأمن الوطني لفق لي تهماً لا تتناسب معي ولا تتلاءم مع تاريخي عام 2010، وأيضاً عام 2011).

ويبدو أن الطريق الوحيد للقضاء على كل من يخالف الدولة في الرأي هو تلفيق التهم الزائفة لتصدر بعدها الأحكام الجائرة, ويتجرع التعذيب والتنكيل والسجن.

وهذا ما جرى بالنسبة لي ولإخوتي سجناء الرأي، وكذلك للأطباء والمدرسين وكل شرائح التعليم، حيث لفقت لهم تهم لا تتناسب مع شخوصهم وجهودهم وإخلاصهم وخدمتهم للوطن.

وأضيف هنا أني ممن يعنى بشؤون المجتمع ويهتم ويقوم بنشاطات اجتماعية محضة، مثل تأسيس مشروع جمعية الإمام السجاد للأعمال الخيرية والتزويج..

البداية

بالرغم من مرور عام وأكثر من شهرين على هذه الأحداث، التي سأتطرق لها مقتصراً على ما يعنيني منها مراعاةً لمقام الاختصار معرضاً عن التطرق إلى جميع ما حدث مكتفياً بالنزر اليسير, اعتماداً على ما ذكره رفقتي في القضية, حيث تتشابه الصور, وتتكرر الأساليب, وتتقارب الأحداث والوقائع, فبالرغم من مرور أكثر من عام إلا أن تلك الصور لا تزال منقوشة في الذهن محفورة في المشاعر، فهي كالجراح تدمى إذا نكأتها ولا تهدأ إنْ تركتها, أحداث لم يبرح وقعها لا يفارقني ورنينها يداهمني وسياطها تتهجمني.

ليلة المداهمة والاعتقال وخلفيته

بعد الهجوم على دوار اللؤلؤة بهمجية ووحشية انتشرتْ قوات الأمن, والتي كانت تلبس لباساً مدنياً في أرجاء البحرين, وخيم القلق واجتاح الهلع على الناس، وسقط بعض القتلى من الشهداء الأبرار مرةً أخرى، بعد أن سقط في المرة الأولى 7 شهداء مع بدء أحداث 14 فبراير من عام 2011, وأشير هنا إلى أني كنت قبل أحداث 14 فبراير بل وحتى 23 فبراير معتقلاً على إثر تهمة كيدية فيما عرفت باسم الخلية الإرهابية عام 2010, وهي في الحقيقة خلية وهمية ليست موجودة إلا في أذهان أفراد جهاز الأمن الوطني. وقضيتُ ستة أشهر ونصف بين رحى التعذيب القاسي المرعب, ذلك التعذيب الذي كان الموتُ أيسر من تحمله، حيث كنت تسعين ساعة متواصلة تحت التعذيب, ذلك التعذيب الذي تجرعتُ فيه زُعاق الموت وشربتُ فيه ذعاف مرارة الألم ضمن مجموعة لم يزل التاريخ يقص مأساتها ويحكي عناءها ,ولستُ في مقام شرح ما جرى في تلك الواقعة بل أنا مقتصر على سرد الوقائع الأخيرة مع أن الأساليب متشابهة والأيدي الآثمة هيَ هيَ إذ أُوعز لها بالمزيد بدلاً من أن تقطع ,إلا أني أشير إلا أنه وإثر محاكمات صورية (في القضية المسماة بالخلية) لم تستطع فيها المحاكم المدنية والنيابة العامة رغم استخدامها ومشاركتها للقمع والتعسف بل والتعذيب أيضاُ حيث كانت النيابة مشتركة في تعذيب مجموعتنا تلك ومع ذلك لم يستطع القاضي أن يثبت تهمةً واحدةً لواحدٍ منّا وبعد اثني عشر جلسة تغيّر العنوان وخرجنا وبقدرة قادر تحت عنوان الإفراج عن (سجناء الرأي) بعد أن كنا (خلية إرهابية) وشتان بين العنوانين, وليتَ شعري هل أُنصِفْنا ,وهل حوكمَ الجلاد وهل قُطِعَ السوط العاتي؟ كلا, فبعد أن أفرج عنا بتاريخ 23 فبراير 2011 م وإثر أحداث نهضة 14 فبراير, بقيتُ خارج المعتقل 20 يوماً, والجرح لمّا يندمِلْ ثم بتاريخ 17 مارس 2011, وإثر اقتحام الدوّار, وفي وقت متأخر من الليل هاجمتنا ذئابُ البشر واقتحمتْ منزلي وكسرت بابه قوات مدنية متلثمة وعسكرية غاشمة, دون إخبار عن هويتهم, فما راعني إلا وهم عند رأسي بقبضاتهم وعتاد أسلحتهم, ولم يكن لديهم تصريح للإذن بالقبض عليًّ, بل ظننتهم بدءًا بعضً من ميليشيات البلطجية الذين كانوا يهاجمون الآمنين آنذاك, شهروا السلاح في وجه ابني وعائلتي وهددوهم بالقتل وقيدوا ابني (محمد)الذي كان نائماً في غرفته, وقال له قائد قوات الملثمين(اذا تحركت حركة واحدة سأطلق النار عليك) قال ذلك بعد أن شهر المسدس في وجهه, وهكذا انهالوا على ولدي وعليَّ وعلى سائر أفراد اسرتي بالسب والشتم, قيدوني بطريقة الشد إلى الخلف بعنف مؤلم وقادوني إلى سيارة الأمن بعد أن صادروا 3 أجهزة كمبيوتر محمول لأولادي وهي لم تزل في عهدة النيابة رغم خلوها من أي علاقة بالقضية ورغم مطالباتي المتكررة بها ومطالبات المحامي الفاضل(حميد الملا) برجاء تسليمها.

محنة التعذيب

في تلك اللحظة بدأ مسلسل التعذيب بكل أنواعه المختلفة ,وأصنافه الكثيرة المخزية ,الضرب المبرح القاسي دون توقف بالأيدي والأهواز السوداء والرفس واللكم بضراوة ,الدوّس على كل أجزاء الجسم بشدة ,السب والشتم بأبشع الألفاظ وأدناها ,الإهانة والتعرض للدين والمذهب ,كانوا يقولون لي : يا أبناء المتعة ,أليست المتعة حلال عندكم أنتم إذن أبناء متعة ,ما رأيك بأن أتمتع بزوجتك ,كانوا يلقون هذه الألفاظ الدنيئة وكنتُ أردّ عليهم فألقى من العذاب أشدّه وأقساه, كانوا يسبونني ويسبون أهلي وزوجتي, كنا نسمع منهم كل يوم بل كل حين أبشع الألفاظ والشتائم والسب, منذ أول يوم وعلى مدى ثلاثة أشهر ونصف, كانوا يرددون كل حين (يا أبناء الفاعلة, يا أبناء الزنا, أيها الزناة) طبعاً الألفاظ المبتذلة التي تعرفونها وأجلكم عن سماعها, وكان التعرض بالشتم والسب للدين والمذهب ورموزه متكرر يومياً (أيها الشيعة الحقراء, يا أبناء الفاعلة)وأراني مضطراً هنا لذكر واحدة من بعض الألفاظ المستقبحة (كانوا يقولون: طز فيكم وفي أئمتكم الاثني عشر). وهذا سبّ لأبناء الرسول وللإمام علي(ع), أيضاً منعت من الوضوء والصلاة في اليوم الأول يوم 17/3/2011 م, ومنعت من الذهاب للحمام واستخدام دورة المياه ولم يسمح لي بالسباحة والتنظيف بل لم يكن لدي أية ملابس غير التي ارتديها, وكنت مقطوعاً عن العالم الخارجي لمدة ثلاثة أشهر, وأستمر المنع من السباحة لمدة تسعة أيام, وبتاريخ 27/3/2011 تم السماح لنا بالسباحة وأحضروا لنا ملابس ليست بمقاسنا, كان فريق التعذيب من الملثمين بل كان الجميع كذلك حتى الفريق الطبي.

أنواع اخرى من التعذيب

كانوا يسكبون الماء البارد عليّ وعلى جميع رفقتي كل يوم لأكثر من مرة, كانوا يأتون ويقولون(إن رائحتك نتنة هل تحتاج إلى السباحة) فإذا قلت نعم بل وحتى لو قلت لا سكبوا الماء البارد الكثير ليغرقوا ملابسي وجسمي وفراشي الذي كانت قطعة بالية من الإسفنج, ويغرقون أيضاً الزنزانة التي كانت 2 متراً في 3 متراً.

في كل ليلة يأتون لينهالوا علي وعلى الأخوة بالضرب والركل والرفس واستخدام الأسلاك البلاستيكية,(كان معي في ذات القسم كل من الأستاذ إبراهيم شريف, والحر الصميخ, والشيخ سعيد النوري, والدكتور عبد الجليل السنكيس)وكان كل واحد في زنزانة مستقلة نسمع أنين بعضنا, ولا يسمح لنا بالكلام مع بعضنا, لقد كان مسلسلا يوميا قاسيا مليئاً بالرعب.

وفي ليلة من الليالي وعند منتصف الليل جاء فريق التعذيب وبالتحديد بتاريخ 25 مارس 2011 وعندما كنا نائمين بعد منتصف الليل جاؤا برفقة كلاب متوحشة وسلطوها علينا وأطلقوها في العنبر لمدة طويلة بهدف ارهابنا بعد أن اطفأوا الأنوار وقال قائلهم: (الآن ستنهشكم هذه الكلاب).

لقد كان الضرب بالهراوات وبطريقة الرفس والركل كثيراً ولمدة اسبوعين بشكل متواصل وبكثرة, ثم وبعد الاسبوعين استمروا بنفس الاساليب ولكن بصورة متقطعة وفي هذه الفترة وبتاريخ 26/3/2011 م اجبروني على التوقيع على الافادات التي هم سطروها وكل ما ناقشتهم وقاومتهم نالوني ضرباً ورفساً وبشتى أساليب التعذيب, ان صور التعذيب التي مارسوها معي ومع رفقتي كثيرة جداً ومنها الحرمان من النوم, وفرض الوقوف الاجباري لمدة 4 ساعات يومياً, وأحيانا يقومون بالضرب الوحشي على أبواب الزنزانات وثم تهديدي عدة مرات باستخدام الصاعق الكهربائي, وكان فريق التعذيب من الملثمين يبصق في فمي ويجبرني على ابتلاع البصاق.

الحبس الانفرادي

كنت في قسم الزنزانات الصغيرة في القرين, كانت الزنزانة لا تتعدى 2*3،واستمر الحبس الانفرادي لأكثر من ثلاثة اشهر, ثم أضافوا واحداً لكل واحد، ولم تتحسن الظروف إلا عند 10/6/2011 م بشكل بسيط حيث بقيت الزنزانات مغلقة إلا عند الرياضة لمدة ساعتين، وتحسنت الاوضاع بشكل ملحوظ قبل مجئ لجنة تقصي الحقائق في اغسطس.

كنا معصوبين العينين في الاوقات التي يسمح لنا فيها استخدام دورات المياه, وكذلك عند النقل الى النيابة او المحكمة او الى غرف التحقيق في نفس سجن القرين, ولم يكن يسمح لأحد بالكلام مع الآخر بل كانوا يجبرون كل واحد على سب رفيقه في الزنزانة المجاورة بصوت مرتفع بأقبح الألفاظ, وأحياناً لا يسمح لنا بالذهاب للحمام لأكثر من دقيقة واحدة.

وحرمت من الرعاية الطبية بشكل كامل, حتى مع اشتداد المرض واشتداد آلام الرجل والظهر, وكان يأتي ممرض ملثم ولا يعطينا غير المسكنات ولا يقبل بتحويلنا للمستشفى مطلقاً, ومنعت من استخدام المصحف الشريف لمدة اسبوع, وبعد احضاره تم نزعه في بعض الأوقات كما حدث في تاريخ 27/3/2011, هذا فضلاً عن الحرمان من سائر الحقوق, فلا يسمح لنا بالحديث مع أحد حتى مع الشرطة, ولا يسمح لنا بالرياضة مطلقاً, وكان الأكل سيئاً جداً وقليلاً, ولقد كنا نجبر على الوقوف الطويل في الظهيرة الحارة في مواجهة الشمس مع الضرب في كل مرة نحمل إلى المحكمة, وكنا نجبر على تقبيل صور الملك ورئيس الوزراء وملك السعودية وكانوا يقولون :أنتم الآن في السعودية وستحكمون بأحكامها.

مآسي سجن قرين

لقد حفل سجن القرين التابع لقوة الدفاع والذي كان تحت سلطة جهاز الأمن الوطني بشكل مشترك مع عسكر المشير, على صور بشعة من التعذيب تفوق ما يحدث في كوانتنامو وما حدث في سجن أبو غريب سجن تزما مارت في المغرب وسجون صدام الوحشية, لقد نزعوا الملابس كاملة عن بعض رفقتي بمشهد مني, وحاولوا كذلك معي ولكن الله صرفهم عن ذلك بعد أن قاومتهم كثيراً, أما التحرش الجنسي والتهديد بالاعتداء جنسياً فسجلهم حافل به.

هذا نزر يسير مما حدث أما الخطبُ فجلل عظيم ولولا قدر الله ولطفه لمات أكثرنا في زنزانات البطش تحت التعذيب الشديد والتنكيل العسوف كما استشهد بعض الأبرار في هذه السجون وفي نفس الفترة مثل الشهيد عبد الكريم فخراوي والشهيد صقر وغيرهما من شهداء التعذيب.

مآسي استجواب النيابة والمحاكم العسكرية

أما عن مآسي استجواب النيابة العسكرية, وويلات المحاكمة فالحديث عنها يطول, ولو لا ما عهدت اليكم من عزم الاختصار لما وسعني أن ادع الحديث عن تلك التجاوزات المضحكة المبكية, فلا لقاء مع محامي, ولا لقاء مع أحد من الأهل وانقطاع تام عن العالم الخارجي وعزل عن كل شيء في الحياة, ولم يسمح القاضي لي أو لغيري بالحديث مطلقاً بل لم يسمح للمحامي بالدفاع, ومن يحاول أن يتحدث يضرب ويطرد من القاعة, وعندما حاول عبد الهادي الخواجة أن يشتكي محاولة اغتصابه للقاضي رفض شكواه وطرده من القاعة ثم تعرض للضرب, وكنا نحمل إلى المحكمة مقنعين بالأكياس الخانقة, وكنا نضرب ونهان ونسب في كل مرة, وفي جلسة النطق بالحكم ضربنا ضرباً مبرحاً وحشياً لمجرد أننا عبرنا عن مشاعرنا بعد النطق بالحكم وقلنا(سلمية سلمية, شعب يطلب حرية)ولم تختلف محكمة الاستئناف عن محكمة (درجة أولى).

لقد حكمت مدة 15 سنة على تهم لا أصل لها, وكان ذلك وفق دوافع كيدية انتقامية نتيجة مشاركتي في المطالبات السلمية والدفاع عن المحرومين والمضطهدين بالأسلوب السلمي فقط, فأنا لا أزال أقول: أنا سجين رأي ولا علاقة لي بأية تهمة ولست مذنباً, هذا وقد أوضح السيد بسيوني في تقريره ضرورة الإفراج عنا بحسب النص الإنجليزي/الأصل.

وختاماً

السيد رئيس المحكمة, ايها القضاة السادة, إن التهم التي أدنت بها محض افتراء ولا أصل لها, فأرجوا من سيادتكم كما هو المأمول منكم أن تصدحوا بصوت العدل بشجاعة عالية, وأن تأمروا بالإفراج عني وعن رفقتي في هذه اللحظة الحاسمة, والتي سوف يسجل لكم التاريخ أنكم وقفتم بجانب الحق ولم تخافوا لومة لائم, وذلك لعدم وجود أي دليل ولا مبرر لإبقائنا في السجن.

إن حكم الإفراج ليس كثيراً في حق مجموعة شهد العالم كله على مظلوميتهم, ونادت المنظمات العالمية بحقهم ,وحفل سجل الزمن بظلامتهم, وإن هذا الإجراء لهو أجلى برهان على عدالة شخصكم.

إن حكم التمييز بالإحالة رغم النقض لم يكن منصفاً لنا, فأي احتجاز صحيح لنا بعد الطعن في التسبيب وبعد تهاوي أركان الجريمة المدعاة, إذ التهم كلها باطلة فلا مبرر لإبقائنا تحت وطأة السجن المرير.

تحية لكل غيور صبور ولكل مضحٍ من أجل الدين والوطن, تحية لأصحاب الضمائر التي تسعى لإحقاق الحق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبد الهادي عبد الله مهدي المخوضر

الثلاثاء 22 / مايو/ 2012م

الوسوم

أضف تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق