حوار مع عائلة الشهيد أحمد الملالي

إن الموت ورحيل أحد الأحبة هو بحد ذاته مصيبة نازلة، يقام لها العزاء وتلطم عليها الصدور، وإن كان الموت بطريقة وحشية –كالإعدام الجائر -فإن المصيبة تكون أشد وأكبر، ولكن شهداؤنا مختلفون.. فالموت بالنسبة إليهم هو مجرد حركة خفيفة خاطفة تنتقل بهم من عالم الدنيا نحو عالم الملكوت، من عالم السكون إلى عالم مليئ بالحركة؛ ولذلك تكون اللحظات الأخيرة في هذا العالم بالنسبة إليهم مليئة بالاطمئنان والثقة والرضا بقضاء الله وقدره، بل إن الشهيد يكون له ذلك التأثير العجيب على من يحيط به ويقرب منه.

في هذا اللقاء القصير مع عائلة الشهيد المجاهد أحمد الملالي نستشف بعضا من ذلك التأثير العجيب، هدوء، طمأنينة، وانسياب للكلمات.

من هو الشهيد أحمد الملالي؟

أحمد الملالي شابُّ قريةٍ بحرينية عريقة، لازَم خُطىٰ الحسين مُصاحِباً لِهلِ الولاية مِن قريتِه .. تَرَّبىٰ علىٰ بُقعةِ البلاد القديم وانتسبَ لها مُنْذُ نعومةِ أظافِرهِ.. يرتادُ هنا وهناك ويُزاول العيش محبوباً كأي طِفلٍ طليق.. لَم نتصور قَطْ أن ذاك الطليق هو طيرٌ سيُرَدُّ لِجُنان الرحمٰن ولو بعد حين.. كان لقلوب العامة خفيف الظل.. ذو الحِنِّ الكبير.. وللكبير يحتَرِم.. حبلُ العبادة بينهُ وبين الله خفياً.. ولا الأقربون في عِلمٍ بِروحِهِ البيضاء النزيهة.. كانَ لِنَهجِ الآل الكرامِ حاضِراً مُطَبِّقاً.. وبِكامِل سِعَةِ روحِهِ مُمتلئاً بِوِلاية عليّ بن أبي طالِب.. ولم يكُن يَعلم أن في خفاهُ للشهادة طالِب.

هو من رجِال الله.. ورفيقٌ من رفِاق الدربِّ الخفي.. مِن ذوي الحظ العظيم.. مِن أصحاب القدسية المباركة.. وشذرٌ بين شذراتِ الفردوس الأعلىٰ.

تعرض الشهيد لملاحقة أمنية منذ بداية شبابه وكانت تلك الفترة مليئة بالصعوبات والتحديات، كيف عاش الشهيد هذه المدة؟

إذا أراد الله أمراً هيأ لَهُ أسبابه وأزال عواقِبه وأتَمّه. شَهيدُنا الحُّر.. لم يَبرح طُفولتَهُ بسهولةٍ ميسّرة.. ابتدأ شبابهُ وربيع عُمرهُِ هَرباً مِن يد العدو، قاطِعاً عُمرهُ بِغصة، مُتَّجِهاً للمجهول، تَجَرَّع الغُربة الأليمة علىٰ ستّةُ أعوامٍ كَحيةٍ عثَّت بِروحِه .. سِتَّةُ أعوامٍ من حديدٍ مُحمَرٍ ثِقال.. تُقَرِحُ الأحشاء.. وتسطو علىٰ أحلامٍ ورديةٍ، فمظلومة.. غُربةٌ وسط وطنه.. بين نخيل الديار الحبيبة، بين أزقِّة بَحرَينِه، أبات الغربة ليلةً تلو الأخرى، أبات الوحشة، وتوسد القبور العتيقة.. شَهِد بزوغ الشمس مِن مَقبرةٍ مهجورة، أبات الغربة بين أحضان الأشجار العارية.

أحمد لَم يَكُن لِيُرزَقْ ويُهدىٰ شهادة الأبرار هذِه.. لَولا التَعَصُّر، لولا التَشتُتْ، لولا الإنحصار تَحتَ ضَغطِ العدو، لولا انحِباس النفس خَلفَ شهيقِ الانقِطاع عن رؤية الأهل وجَرِّهِ بحرقة بين حُضن أمِّه الصابِرة.. لولا أن وَضَعهُ الله علىٰ قارِبٍ ذو حوافٍّ محدودة، تُحاصِرُهُ المياه مِن كُلِ جِهاتِ الأرض.. وسط رصاصٍ مُتطاير.. أتَذْكُر صبي القرية الصغير أحمد.. أحمد حسيني النهج.. أحمد شاهِد المأتمَ ومراسِمُ العزاء.. أحمد ذاك بالتحديد.. قد حضَر من جديد.. فجأة ليُبَدِل الأحلام والطريق.. أتىٰ القارِب لِيرسم الدرب بِوضوحٍ تام.. ليراه ومفترقاته بِعينٍ بصيرة.. يُقابِلُ الرصاص بقَلبٍ تائِق.. مُغمِض العينين.. متوجِهاً لِلِّقاء المنتظر.. وفجأة تنقطِعُ الرؤية أمام العين بِرصاصة في رُسْغِه، ولكنها لم تُنسِه الطريق.. باقية في الذُهن، مُتعلقِة بالفِكر لا تزول. أتذكرُ رُبوعَ البحرين المُحِفة به.. التي توهِمُهُ الأمان الدائم، تقلَّصت مِنْ حولهُ فجأة.. أذاقتهُ الوِحدة التي لا وجود لها.. لا مكان لها في وجود الله.. حُلم الدنيا الوردية.. أصبح الشهادة والرحيل للحياة الأبدية. أترىٰ أن الله إذا أراد أمراً هيأ لهُ أسبابه.

كيف تصفون الزيارة الأخيرة قبل ارتقاء الشهيد نحو الملكوت الأعلى؟

رُبما يعتقِد البعض أن تِلك كانت زيارة توديعٍ بحت، رُبما يعتقِد البعض أن هالةً مِن الأسى كانت تُحيطُ بِأرواحِنا، أن الغصة وصلت لأعلىٰ نقطةٍ لها، رُبما يعتقد البعض أن أرواحنا أُبرحِت تعذيباً، أنها تقطَّعت وتورمت ألماً، ولكننا علىٰ عكسِ ذلك كُلِّه .. أرأيت الرحمة الإلٰهية والرأفة بالعبد وما تصنع، إنها إذا حلَّت أنستهُ الألم المحيط، إنها إذا حلَّت أماتت يأساً بالقلب تولد، وأراحت ما بِنفسٍ ذائبةٍ مِن جَرحٍ قد توقد.. كانت تِلْكَ الرحمةُ الإلٰهية قد أحاطت بِالأنفس.. قبل شروعنا بالنزول.

نَحنُ نَعلَمُ ما الحسينيُّ قادرٌ علىٰ فِعلِه.. نَحْنُ نؤمن.. بلْ نُوقِن أن الطريق أمامَهُ ليس مجرد طريق.. إنما خارطِةُ الدرب الطويل.. خارطِة التواصل المشتَبك، لَهُ البدايةُ المخطوطة الواضحة، بدايةُ الحُسين بن علي بن أبي طالِب، إنها خارطِةُ سيد شُهداء أهلِ الجنّة.. ونَحنُ على خطاها سائرون.. بدمائنا الأبية هائجون. نَحنُ نعلم أن بِوِسعه ومقدوره قهر العداء.. وذلك ما رأيناهُ.. رأينا الابتسامة العريضة المستبشرة.. رأيناه وكأن بِروحه حرباً هائجةً قد توقفت لتوِها، ولكن لا خسائر بعدها، إنما فوزٌ عظيم.. رأينا بزوغ الشمس بِكُلِ ثانيةٍ كامِلاً.. رأينا الشمس عن كَثب.. نحنُ لسنا أمام أحمد ذاك.. نَحْنُ أمام طُهرٍ حقيقيٍ جالِسٍ بِجِوارنِا.. أحقا تربىٰ هذا البطل بيننا.. وبالقُربِ منا.. فَخراً.. بل عِزَّة تعلو كُل شي.. بكُل ذلكَ الشموخ عِند رؤيتِه.. وبِذِكر الله والآل الكرام.. أسقطنا أحدهُم.. بل هو تعالىٰ من بَثَّ فيهُم الرهبة القاطِعة.

نَصِفُ تلك الزيارة الأخيرة.. بالأولىٰ.. بيننا وبين شهيدٍ لله مُاقٍ، نصِفُها باللقاءِ الأقوىٰ، نَصِفُها بِذاتِ الإنشِراح.

ما هي الرسائل التي تودون توجيهها للناس بعد استشهاد الشهيد؟

علينا أن نستحِّق أن يُضحىٰ لِجلِنا، أن تراق الدماء لِجلِنا، أن يُزَفَّ الربيعُ لِجلِنا، أليست عِزَتُنا السبب، أليست كرامة الأمة هي السبب، أليس المسير نحو خطىٰ الحسين هو الدافِع الأهم.. علينا أن نستحِّق التضحيات، وكلُّ ذلك.. علينا أن نُشهر غضبنا أمام وجه الظالم، عَلينا الانعِكاف تَحت الكَلِمةِ الحق.. مهما طالت يدُ العداء.. فيَدُ الله فوقَ أيديهِم.. أن لا نتخطىٰ كلَُّ ما يحدُث ونختبئ وراء – هذا قضاء الله وقدره – ونُكمل كما السابِق، علينا وعليكُم التصدي مثل من قبلِنا، أن نُعلِنَ صارخين.. بِحناجِر تُعبِرُ عن الذاتِ الأصيلة – هيهات من الذلة – هيهات للخضوع والركوع، فنَحنُ أمة (لا أبرُح حتىٰ أبلُغ (يدُنا بأيدِكمُ لنِصرة درب سيد الشهداء.


المصدر: نشرة إضاءات – العدد التجريبي الثالث | الإثنين 5 أغسطس 2019 | الموافق 5 ذي الحجة ه

أضف تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق