إفادة عبد الجليل عبدالله يوسف السنكيس أمام محكمة الاستئناف العليا

التعريف الشخصي

فأنا الماثل أمامكم عبدالجليل عبدالله يوسف السنكيس، بحريني في نهاية العقد الخامس، و من مواليد قرية السنابس- البحرين- من والدين بحرينيين. أنا متزوج و أب لأربعة، و جد لابن في الخامسة من العمر. أنا خريج جامعة مانشستر البريطانية بدرجتي الماجستير و الدكتوراة في أحد التخصصات الفرعية في الهندسة الميكانيكية. أعمل بدرجة أستاذ ، .(Associate professor) مشارك و تسلمت رئاسة قسم الهندسة الميكانيكية في جامعة البحرين التي خدمت فيها لأكثر من ٢١ سنة، كنت فيها مثال الإخلاص و العطاء لمهنة التدريس و خدمة المهنة الأكاديمية و تخريج أجيال من المهندسين -بحرينيين و غيرهم- من الجنسين و يتعين العديد منهم الآن مواقع متعددة في إدارة شركات و مؤسسات خاصة و عامة و في وزارات الدولة.

لي مساهماتي العلمية في دورات عالمية و كنت محكما لإصدارات العديد منها، كما أتمتع بعضوية فاعلة في العديد من مؤسسات المجتمع المهنية و الإجتماعية و السياسية.

النشاط:

من جانب آخر، فأنا مدون و كاتب مقالات، وناشط في حقوق الإنسان ومناهض لكل أنواع التمايز و التمييز و التهميش، و مطالب بالمشاركة الشعبية الحقيقة في صناعة القرار و الانتفاع العادل للثروة الوطنية، و مناهض لكل صنوف الفساد الإداري و المالي و كل مشاريع تغييب الإرادة الشعبية: و التي تشمل فرض و ثيقة أحادية لا تعبر عن إرادة و مطالب الشعب- و السعي لتغيير التركيبة السكانية و المهنية لشعب البحرين الأصيل من السنة و الشيعة.

الاعتقالات و المحاكمات السابقة:

و بسبب نشاطي المعلن و تعبيري عن الرأي- بصوت مرتفع- في قضايا الشأن العام، و مشاركتي الفاعلة في الأنشطة الشعبية السلمية، ليست هذه المحاكمة الأولى التي تهدف لإسكاتي – و إسكات غيري من النشطاء- و تغييبي عن المشاركة في بناء البلد و نقله لمصاف الدول الديموقراطية التي تتمتع بشرعية شعبية في إدارة البلاد و إحترام حقيقي و كامل للحريات و حقوق الإنسان.

و كما قال لي رئيس المحققين فيما يعرف بجهاز الأمن الوطني أثناء الاعتقال السابق في العام ٢٠١٠م :”إننا كنا نريدك و نستهدفك منذ العام ٢٠٠٥م”. ففي يناير من العام ٢٠٠٩م تم اعتقالي و محاكمتي ضمن ما يعرف بمخطط الحجيرة، و في أغسطس من العام ٢٠١٠م اعتقلت من مطار البحرين الدولي أثناء عودتي من الاجازة الصيفية و محاكمتي فيما عرف “بخلية ٢٠”، و بعد ثلاثة أسابيع فقط من إطلاق سراحي من تلك القضية في فبراير ٢٠١١م، تم اعتقالي و محاكمتي في ما عرف بقضية “التحالف من أجل الجمهورية” و التي حكمت علي بالسجن المؤبد وهو أول حكم علي في حياتي.

التهم الكيدية

كانت التهم الأساسية في جميع هذة المحاكمات هي نفسها و تضاف لها تهما أخرى في كل محاكمة جديدة. من التهم الأساسية المتكررة:

1. محاولة قلب نظام الحكم

2. التحريض على قلب نظام الحكم

3. نعطيل القوانين و التحريض على عدم الانصياع لها

4. الدعوة لتعطيل الدستور و قلب نظام الدولة

5. تعطيل مؤسسات الدولة

6. الإضرار بالوحدة الوطنية

7. الاعتداء على حريات الآخرين

8. نشر أخبار و إشاعات كاذبة

9. حيازة محررات تروج لقلب نظام الحكم

10. التخابر مع الخارج

11. الدعوة\التنظيم \الاشتراك في اعتصامات و مسيرات غير مرخصة

12. الانظمام لجماعة محظورة\ تنظيمات غير مرخصة و على خلاف القانون.

و قد صاحب هذه المحاكمات حملات إعلامية و أنشطة عدائية موجهة لي و للنشطاءو ذلك من قبل الصحف و المواقع الإلكترونية المحسوبة على السلطة إضافة للإذاعة المرئية و المسموعة و كذلك عبر الرسائل القصيرة التي تنشر عبر الهواتف النقالة. ويشمل هذه الحملة السب و الشتم و الوصم بالخيانة و الولاء للخارج، و التهديد بالاعتداء علي و على أفراد عائلتي. وقد كانت رسالة جهاز الأمن الوطني واضحة عندما أختطف الناشط موسى عبدعلي من قبل ملثمين في في وقت متأخر في نهاية أكتوبر ٢٠٠٥م بالقرب من منزله في قرية العكر.

تم أخذ موسى- وهو عضو مؤسس و ناشط في لجنة العاطلين و متدني الدخل- لموقع نائي و تم ضربه ضربا مبرحا و التحرش به حنسيا بهدف الاعتداء عليه، و قد أودع الملثمون موسى رسالة- و هو في تلك الحالة التي يرثى لها- مفادها: “تقول للدكتور السنكيس يشيل إيده من لجنة العاطلين، و إلا بيصير له مثل اللي صار إليك”.

في نفس العام ٢٠٠٥م، تم إقالتي من موقعي كرئيس لقسم الهندسة الميكانيكية بجامعة البحرين بعد سنة من تجديد عقد الرئاسة لدورة ثانية(الدورة مدتها سنتان) و ذلك بسبب مشاركتي في أنشطة حقوقية و إعلامية في واشنطن و لندن و جنيف. وقد قالتها لي رئيسة الجامعة السابقة و بشكل صريح أنها لا تستطيع تحمل وضعي أكثر ، وأنه لا يمكن القبول بما أقوم به من أنشطة. هذه الأنشطة لم تكن مرتبطة أو مؤثرة على نشاطي الأكاديمي أو على مهنتي كأستاذ مشارك و رئيس قسم أكاديمي، ومن ضمن ما قالت لي الرئيسة حينها:”لو رايح موزنبيق مافي مشكلة.. رايح واشنطون، هذا مو مقبول”. و كما أوضح رئيس المحققين في جهاز الأمن الوطني أثناء التحقيق في القضية السابقة بإنه كان من المفترض أن يتم عزلي من الجامعة في حينها(يقصد ف عام ٢٠٠٥م) و لكن أوامر الديوان كانت بتنحيتي من رئاسة القسم فقط.

و إضافة لمضايقتي في العمل بحرماني من حقي في التفرغ العلمي، شملت الأنشطة العدائية لي مضايقة أفراد عائلتي، و تحديدا أبنائي الحاملين لشهادات البكالريوس في تخصصات مطلوبة و حرمانهم من العمل، بل اعتقالهم و التحقيق معهم كما حدث لإبني و ابنتي التي أقيلت من عملها بالرغم من تمسك رب العمل بها، و لكن الأوامر كانت بعدم مواصلتها العمل في المدرسة الخاصة. أما ابني الأكبر فإضافة لحرمانه من العمل لفترة زادت عن ثلاث سنوات حيث الأبواب كانت موصدة أمامه سبب اسمه الأخير (السنكيس) تم فبركة تهما ضده و تعذيبه تعذيبا شديدا و إرغامه على الاعتراف على نفسه -رغم برائته- و معاقبته لإنه ابني، نكاية بي و محاولة لإحداث أكبر قدر من الألم لي، كان الإبن العزيز يصر على أن يدفع الكرسي المتحرك الذي استعمله، هذا كل ما قام به. لقد تم سجنه بحكم عسكري جائر لسبع سنوات. و لم تسلم زوجته(لقد كان حديث الزواج) من العقاب و الأذى هي الأخرى. فلقد تم التحقيق معها و ضربها و طلب منها أثناء التحقيق أن تنفصل عن إبن عبدالجليل السنكيس، و حين رفضت، تم إقالتها من عملها الذي كانت تتقنه بجدارة.

الإبن محبوس في مبنى مجاور لي في سجن جو، في محاولة لإحداث أكبر قدر من الألم بسبب مواقفي التي عبرت عنها بشكل متحضر كأي مواطن من هذا الوطن.

التعذيب – المعاملة السيئة

و لم يقتصر النظام على المضايقة الظاهرة السابقة الذكر، بل تعدى ذلك من خلال التعذيب و المعاملة اللا إنسانية التي بدأت منذ الاعتقال السابق في قضية ٢٠١٠م. و بالرغم من علمهم بوضعي الصحي كوني معوق في الرجل اليسرى منذ الطفولة، إلا إن ذلك لم يشفع من إساءة معاملتي و ضربي و حرماني من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أي معتقل و سجين رأي. و أنا هنا لن اتحدث عن تلك المعاملة و التعذيب في قبو القلعة و زنازين الحوض الجاف لفترة (أغسطس ٢٠١٠م- فبراير 2011م)، حيث لم تزل أثارها ماثلة من خلال الإذن اليسري التي عمل معذبو جهاز الزمن الوطني على خرقها. و لكني سوف اتحدث عما تعرضت له من معاملة لا إنسانية و تعذيب في هذه القضية.

الاعتقال:

في فجر ١٧ مارس ٢٠١١م، استيقضت أنا و زوجتي على وقع أصوات بالقرب من غرفة نومنا في الطابق الثاني من منزلنا الواقع في منطقة كرباباد. توجهنا معا(أنا و زوجتي) لباب الغرفة المغلق، و قامت زوجتي بفتح الباب دافعة إياي للخلف بعدما رأت مجموعة من الملثمين وهم على درج الطابق الثاني ، يحمل بعضهم المصابيح و آخرون يحملون البنادق. أغلقت زوجتي الباب بسرعة قائلة:”لقد أتوا”، و ما هي إلا ثوان قليلة قبل أن تفتحه مرة أخرى، فإذا برئيس المجموعة ومعه أحد أفراد القوات الخاصة يندفع داخل الغرفة موجها السلاح إلى رأسي و هو يقول: “ وجدناه، وجدناه- تنخش ها! وين تعتقد تقدر تروح” كلها ثواني و إذا ببندقية أخرى على رأسي و أنا على الأرض. كانت زوجتي تصيح “ “يا الله.. يا الله”، و هو يقول لها (رئيس المجموعة) :”لا تخافي.. لا تخافي” . وهي كانت تقول: “بناتي بناتي” و هو يقول لها :” لا تخافي.. أقولك لا تخافي” .

كنت بملابس النوم الداخلية.. لم يسمح لي بارتداء أي شي (كان الطقس باردا تلك الليلة)، لم يسمح لي بلباس نظارتي الطبية، لم يظهر أي من الملثمين أي أمر قضائي علي أو لتفتيش منزلي و الذي تم بدون وجودي تم إصحابي لجهة غير معلومة.

هي ثوان في تلك اللحظات و أنا واقع على الأرض، و البندقيتان على جانبي رأسي و إذا بابنتي الصغيرة تدخل الغرفة و هي مرعوبة و هي تنادي أمها : البابا وين البابا؟ فهي لم تلحظني على الأرض من كثرة الملثمين الموجودين خارج و داخل غرفة النوم فلقد تم إيقاظها من غرفتها، و جائت غرفتنا لتحظنها أمها و تحاول تهدئتها.

صرخ رئيسهم علي:” قم ..قم”- فقلت : “ آخذ عكاكيزي”- أخذتهم، فكانت هذه كلماتي الوحيدة، تم سحبي من خلف الفانيلة أمام ناظري زوجتي و ابنتي.. و جري بشكل سريع للطابق الأسفل.. رأيت ابنتي الأخرى و هي تنزل من غرفتها وهي محاصرة من قبل الملثمين المسلحين و هي تنادي:” بابا.. بابا”.. لم يسمح لي بالحديث.. أخذت بشكل سريع على الدرج، كدت اسقط على وجهي، و دون أن يسمح لي بلباس نعال، أخذت لخارج المنزل، و لاحظت الأبواب المكسورة.. الباب الرئيسي الخارجي و الداخلي.

تم دفعي لخلف إحدى السيارات ذات الدفع الرباعي، بعد أن أن تم تصميد عيناي بضمادة و ربط يداي بسير بلاستيكي بعد مصادرة عكاكيزي. وضعت في صورة مكبوب على وجهي. و وضع أحدهم (أفراد القوات الخاصة باللباس الأسود) ركبته على رجلي حتى لا أتحرك. بدأت الشتائم و السباب، شغل قائد المجموعة الذي كان بجانب السائق الأغاني بصوت مرتفع و صار يغني و انطلقت السيارة بسرعة كبيرة لجهة غير معلومة، و لا أعلم عن وضع زوجتي و بناتي و هن بين أولئك الملثمين المسلحين، و لا حول ولا قوة. لا أعلم من اعتقلني\ إختطفني (الجهة) فلم يعرف أحد عن نفسه، و لا أعلم السبب وراء ذلك، و لم توجه لي أي تهمة، ولم أرى أي أمر قضائي بكل ذلك.

لا أعلم ما حدث في منزلي حينها و عرفت لاحقا بما قام به أفراد جهاز الأمن الوطني، حيث تعرف الأهل على الشخص الي قام بالتفتيش، فهو نفس الشخص الذي هجم على المنزل في غيابي و قام بالتفتيش دون أمر قضائي في القضية السابقة في أغسطس٢٠١٠م. لقد تم كسر أغلب الأبواب و قلبوا الأثاث و عاثوا التخريب في كل ما وجده الملثمون أفراد جهاز الأمن و الجيش، كان المسئول عن التفتيش يسأل عن حاسوبي (اللاب توب و كذلك الدسك توب) و الفلاش دسكات، وهي نفسها التي استحصلها من القضية السابقة وقد استعدتها يوم الأفراج عني. فهو يعلم عما يبحث عنه، و عرفت لاحقا في النيابة العسكرية (بعد إسبوعين من الإعتقال) بإنه تم تفتيش منزلي بعد اعتقالي و مغادرتي للمعتقل، دون إبراز أي أمر قضائي بالتفتيش، و لم يتم تسجيل ما تم أخذه. فقد تم اختفاء: محفظتي و التي بها أموال لا أذكر كم- و بها بطاقات اعتماد و رخصة القيادة، إضافة لبعض الأجهزة: كاميرا فيديو ديجيتال JVC – كاميرا سوني- جهاز خرائط الطريق (توم توم)- حافظة جلدية بها حوالي ٥٠٠ جنيه استرليني- هواتف نقالة العدد خمسة، جواز السفر- بروجكتر- جهاز دي في دي صغير الحجم و غيرها لا أذكره الآن).

ظللت منكوبا على وجهي مقيد اليدين و مصمد العينين بينما يضع أحد أفراد القوات الخاصة ركبته علي طوال الرحلة من منزلي حتى وصولنا لمنطقة عرفت لاحقا انها سافرة. تم إنزالي و قطع السلك البلاستيكي و أعطيت العكاكيز مع السباب و الشتم الذي كان يلازم كل أمر بالحركة و في كل شاردة و واردة يتم سبي و شتمي دون أن أرد على ذلك.

كانت الرياح شديدة تلك الليلة. تم إيقافي لمدة طويلة من الزمن بعد إنزالي من السيارة أمام هبوب الرياح حيث كنت حافي القدمين و مصمد العينين و بملابسي الداخلية.

أثناء ذلك حدث ما يلي:

كان احدهم يتحرش بي جنسيا بوضع اصبعه خلفي بين الفينة و الأخرى و بشكل متكرر كان يضحك أثناء ردة فعلي إزاء ما يقوم به.

• أحدهم كان يهمس في أذني بالسباب ( يا بن القحبة- وقعت يالخائن- معوق وما هو فايد فيك) إلى غيرها من الإهانات و الشتائم.

• أتى أحدهم و همس في أذني: تم الآن الانتهاء من اغتصاب ابنتك الكبيرة من الخلف، والآن سوف يتناوبون الاعتداء عليها من الأمام، ثم بعدها يعملون الأمر نفسه مع البنت الأخرى و امها.

• علمت و ميزت وجود آخرين معي، فقد سمعت أصوات كل من الشيخ عبدالهادي المخوضر، و الاستاذ إبراهيم شريف و الأستاذ حسن مشيمع.

• بعد فترة جاء أحدهم، و كانوا ينادونه “بالشيخ”، تقدم باتجاه الاستاذ مشيمع و قام بالبصق، و سب الاستاذ و سب المذهب الجعفري: “ طز فيك و في مذهبك و أئمتك الإثني عشر”.

• تم أخذنا بشكل منفرد لداخل مبنى حيث تم تصويرنا فوتغرافيا و قياس ضغط الدم و السكر، ثم ارجاعنا للمكان الذي كنا فيه. فقط أثناء الفحص و التصوير الفوتغرافي تم إزالة الضمادة من على العينين، و اتضح بأننا في أحد المكاتب.

• جاء أحدهم و قال: “أنتم الآن في الطريق لخار البحرين. تعرف وين بتروحون؟ بنسلمكم لجماعة أبو متعب. هناك يعرفون لكم.. هناك قطع الرؤوس. إحنا مالنا سيطرة على الأمر. طلع الأمر من إيدنا.. أنتم جبتون الأمر لكم”.- كان يريد أن نفهم أننا في الطريق للسعودية.

• انتظرنا لفترة من الزمن و نحن واقفون في مهب الرياح الباردة و في ذلك الوضع المرعب.

• تم أخذي باتجاه ما يشبه الباص أو المني باص. و أثناء ذلك قام أحدهم بإنزال صروالي و الهاف و كشف عورتي أثناء مسيري، فوقفت و رفعت الصروال.. أعاد الأمر مرة أخرى و أنزل الصرال و الهاف فقمت بارجاعه و سترت عورتي. حتى تم إركابي السيارة بكم من السب و الشتائم.

• بعدما تم تحديد موقع جلوسي، جاء أحدهم ووقف على باب الباص و قال لي:”ودي أن أطأك (أفعل الفاحشة معك) و لكن للأسف إنت معوق”.

• انتظرت لفترة في الباص وتم اركاب بعض الإخوة معي، لا أميز أي منهم. و قبل أن ينطلق الباص إلى سجن القرين العسكري صعد أحدهم و جلس بجانبي لتبدأ مرحلة أخرى من التعذيب و سوء المعاملة طوال الرحلة.

في الطريق لسجن القرين:

همس في أذني قائلا: هل تميز صوتي؟ قلت له :لا- فعرف نفسه بإنه من جهاز الأمن الوطني الذين قاموا بالاشتراك في التحقيق معي و تعذيبي أثناء القضية السابقة في العام ٢٠١٠م. بعدها و طوال المسافة من الموقع الذي كنا فيه و حتى وصولنا سجن القرين، قام هذا المعذب بتجريعي شتى أنواع المعاملة الا إنسانية منها:

• كان يضربني على وجهي و على رأسي براحة يده و كذلك بمجمع يده(البوكس) مرة أخر، و أنا أصرخ: آه كل مره ،و هو يواصل اسكت!، لا تقول آه.

• كان يشتمني: يا بن القحبة، يالخائن، ما فاد فيك اللي سويناه فيك المرة السابقة.

• كان يسحب حلمة صدري.

• كان يسحب الشعر في صدري، و في يداي و رجلي.

• كان يأخذ نعاله و يدفعه في فمي، ثم يمسح به على وجهي قائلا:”قبله.. قبله.

• كان يدوس برجله على قدمي الحافيتين.

• كان يضربني بنعاله على رأسي ووجهي و صدري ، وكلما صرخت : آه – آه كان يرد، لا ترفع صوتك.. لا تقول آه.

• أخرج مسدس صغيرا ووضعه على جسمي، متسائلا إن كنت أعرف ماذا كان ذلك ؟ ثم وضعه في فمي.

• ضربني بالمسدس على رأسي.

• وضع المسدس على جانبي رأسي و كان يقول:” أود لو أفرغ هذا في رأسك.

• قام بالتعرض بذكر ابنتي بسوء و كلام فاحش عنها.

• و تواصل ذلك الأمر حتى وصلنا لسجن القرين العسكري. وقف الباص، و فتح الباب، و جاء أحدهم و قال:” وصلتم إلى مصنع الرجال- هنا يصنع الرجال”.

في سجن القرين:

تم سحبي بقوة، و أنا مصمد العينين، وتم جري بشكل سريع من الخلف وأنزلت من الباص و مباشرة إلى الزنزانة الإنفراديةرقم ١ في عنبر رقم ٤ .

تم سحب العكاكيز مني و أمرت أن أقف على رجل واحدة حيث أنني مصاب بشلل في رجلي اليسرى منذ الطفولة،بينما أضع يداي مرفوعتان على الجدار.

جاء أحدهم ، و صرخ في أذني قال لي: “ جئتم إلى مصنع الرجال” و طلب مني تكرار تلك العبارة، ثم قال:” أنتم لستم في البحرين الآن”.

الزنزانة بمساحة ٢+٣ أمتار تقريبا و هي خالية من أي إضاءة أو نوافذ، بابها حديدي فيه فتحات في الأسفل (لتمرير الماء في كأس) و أخرى في الأعلى تسمح للأضاءة من الممر في العنبر الذي يحتوي على زنازين انفرادية.

كما يوجد على ارتفاع متر تقريبا فتحة بجرار معدني ثقيل يحدث صوتا هائلا عند فتح أو غلق تلك الفتحة. يمرر من خلال الفتحة صحن الأكل، كما تستخدم للتواصل مع العسكريين و الملثمين حين يريدون الحديث كما تستعمل كأحد أساليب التعذيب (الحرمان من النوم) كما سيوضح لاحقا.

بقيت مع أربعة من رفاقي الذين اعتقلوا معي في ذات الليلة من ١٧ مارس- ١٧ مايو ٢٠١١م، حيث نقلنا لعنبر رقم ٢ ذي الزنازين الكبيرة نسبيا و بقينا فيها بشكل انفرادي حتى١٠ يونيو من نفس العام. تم نقلنا من عنبر ٢ إلى عنبر رقم ١ بزنازين بنفس الحجم السابق، و لكن بواقع سجينين في كل زنزانة، حتى تم نقلنا لسجن جو الركزي بتاريخ ٢٨ نوفمبر ٢٠١١م.

في عنبر ٤ الانفرادي بسجن القرين تعرضت- مع رفاقي الأربعة للتعذيب و سوء المعاملة لمدة شهرين كاملين. تناوب على التعذيب و سوء المعاملة مجموعات مختلفة من الملثمين، أغلبهم بلباس مدني، إلا أن بعضهم كان يمارس المعاملة اللاإنسانية بلباسه العسكري لقوة دفاع البحرين.

كان بجانبي في العنبر زنزانة الشيخ سعيد النوري، إلى جانبه زنزانة إبراهيم شريف، و إلى جانبه زنزانة الشيخ عبدالهادي المخوضر و أخيرا زنزانة الحر يوسف الصميخ. كنا نعذب بشكل متسلسل و كان كل منا يسمع الأذى و الضرب و الصراخ و الكلام البذيء الذي كان يوجه للآخرين في نفس العنبر. كان المعذبون الملثمون يصرون على أن يرفعوا أصواتهم ليسمعونا ما يحدث مع السجناء الآخرين وما يحدث لهم من سوء معاملة. كانوا يتعمدون استخدام استلال الأصوات و الصراخ من بعضنا أثناء الحديث أو ردة الفعل للضرب و التعذيب، يقولون سمع اللي وياك.. إرفع صوتك و يتجه ضرب و سب و شتم.

كانت أرضية الزنزانة مغطاة بالسيراميك، و سرعان ما تتغطى بالأتربة التي تدخل من فتحات الباب التي لا تمنع الحشرات البرية. لا يوجد فيها فراش أو أي شيء يمكن أن يسمح للراحة، و استمر ذلك في أول أيام منذ لحظة وصولي للزنزانة قبل وقت الفجر حتى الظهيرة، حين جلبوا الفراش الاسفنجي القذر، و اللحاف القطني النتن و الوسادة الوسخة، و قد تم رميها علي مع جرعة من السباب و الشتم و طلب مني الجلوس حيث كنت واقفا طوال الفترة الماضية و أنا مواجه الجدار.

طلبت الذهاب للحمام للوضوء و الصلاة، لا يوجد نعال و لم يسمح لي بالانتعال حينما اعتقلت، حين الذهاب للحمام، يأتي عسكريان ملثمان، واحد يقف عند باب العنبر الذي يقفل من الخارج فقط، و آخر يسير خلفي و هو شاهر للهراوة و في وضع الانقضاض و الاستعداد للضرب. أدخل الحمام ، و يصر العسكري على بقاءه مفتوحا أثناء قضاء الحاجة أو استعمال أي من مرافق الحمام بما في ذلك الاستحمام الذي بدأ بشكل متقطع بعد ١١ يوم من الاعتقال، يصر الحارس العسكري الملثم على الاستعجال مهما كان الظرف و العودة للزنزانة في أسرع وقت.

الحراس الملثمون لا يتكلمون معنا، و كانوا يتصرفون بعدائية مفرطة و قسوة و كان بعضهم يشارك في إحداث الأذى بنا، بل إن بعضهم يبادر بالتعذيب و إلحاق الأذى بنا طوال الفترة التي قضيناها في الحبس الانفرادي، ينتمي الحراس لجنسيات آسيوية و بعضهم من الشام(سوريا).

و مع حلول الظلام، و من أول يوم في سجن القرين، تبدأ جرعات التعذيب على أيدي مجموعات من الشباب الملثم – بقيادة أحدهم ـ تقوم بالدخول علينا في الزنازين و تضربنا، تسبنا تشتمنا، تقدح من معتقداتنا و رموزنا الدينية، تقوم بالبصق علينا و وصمنا بالخيانة.

إحدى فرق التعذيب أمرت بإيقافي بجانب الجدار (واقف على رجل واحدة و يداي للأسفل) و دون غطاء على وجهي، و أمرهم قائدهم بالنظر للخائن و هو يشير على، و أمرهم بالدخول علي فردا فردا،. و يقوم كل واحد منهم بالبصق في وجهي مع الشتم و الوصم بالخيانة، بينما يقول قائدهم :” امسح وجهك.. ماء ورد.. ماء ورد”.

فرقة أخرى دخلت علي- أمرتني بالوقوف مواجها الجدار، و بعد الحديث عن اغتصاب أهلي و بناتي، قال أحدهم: “ أريد أن أطأك”. و طلب إنزال السروال، فلم أفعل، و كرر الأمر، و كان موقفي نفسه، فقام أحدهم بإنزاله عنوة و تركني هكذا، و خرج الجميع من الزنزانة، فرفعت السروال و سترت العورة. و هكذا توالت علي- و على رفاقي- فرق التعذيب الذي يستمر حتى وقت متأخر من الفجر.

من وسائل التعذيب التي تعرضت لها في الفترة الأولى أثناء الحبس الانفرادي ما يلي:

١- الوقوف على رجل واحدة لمدة طويلة مع رفع اليدين للأعلى: حيث يتم إرغامي على الوقوف- بدون عكاكيز- لساعات طويلة، و حيث أن رجلي اليسرى مشلولة كما أسلفت، فيصب عبء الوقوف على الرجل اليمنى، بينما أرف اليدين للأعلى. واضعا إياها على الجدار. و يستمر ذلك لمدة طويلة تبدء يداي خلالها بالتنمل و الاصفرار و الاعياء. كما أحس بالتنمل على طول في الرجل اليمنى و قد تسبب هذا النوع من التعذيب في تقوس رجلي و تأثر مفصل القدم و كذلك الركبة مع آلام مبرحة فيهما و في أسفل الظهر.

٢- الحرمان من النوم:و يتم ذلك بالوسائل الآتية:

أ- من خلال صب الماء الباردعلي و أنا نائم، أو أن يتم إيقاضي و في وضع الجلوس أو الوقوف على الفراش الاسفنجي يتم صب الماء من أعلى رأسي إلى أسفل جسمي، كما يتم صبه على بقية الفراش و على اللحاف و على المخدة ثم نؤمر بالنوم على تلك الحالة، و يكون المكيف يعمل في أكبر طاقته حيث الوقت شتاءا و يشمل هذا النوع من التعذيب الوقوف في زاوية الزنزانة مع مواجهة الجدار، حيث يصب الماء من على الرأس و كامل الجسم ثم الإرغام على النوم على أرضية الزنزانة السيراميكية.

ب- الإيقاظ بالقوة ثم أمري بالذهاب للاستحمام- بسرعة-بالماء البارد، حدث ذلك في الفترة الأخيرة من الحبس الانفرادي في عبنر ٤.

ت-الطرق على باب الزنزانة و على الجدار الخارجي و الرمي بقطعة معدن على أرضية العنبر لإحداث أصوات عالية المستوى، و يتم ذلك لمدة طويلة و بشكل متكرر طوال الليل و على جميع الزنازين في العنبر.

ث- تحريك الجرار الحديدي الموجود في باب الزنزانة بشكل سريع و قوي

ج- الصراخ بقوة و بشكل قوي يضمن الصحوة و عدم القدرة على النوم أو استمراره.

ح- إطفاء الأنوار في ممر العنبر ليصبح المكان داخل الزنزانة مظلم بشكل دامس، و تجلب الكلاب و تركها تنبح على باب الزنزانة حتى يخيل إليك أنها سوف تدخل عليك و تنقض عليك.

خ- الدخول للزنزانة و الضرب و الأمر بالوقوف بوجه الجدار مع رفع اليدين لساعات طويلة.

ط- بعض الحراس يوقظك ليسألك إن كنت تريد الذهاب للحمام، و بعد أن تستيقظ يمنعك من قضاء الحاجة و يطلب منك العودة للنوم.

٣- الحرمان من التغسيل والسباحة: لمدة ١١ يوم من الإعتقال بقيت بملابس النوم الداخلية التي كنت فيها، حيث منعت من السباحة أو التغسيل و كنت حافي القدمين حتى اسودت رجلاي و أصبحت رائحة الجسم نتنة خاصة بعد جرعات صب الماء على الرأس و على الفراش و اللحاف ومن ثم النوم في تلك الحالة، و تكرار ذلك بشكل شبه يومي. و حتى بعد اليوم الحادي عشر، لم نتمكن من السباحة بشكل منتظم بل يتكرم علينا من يأتي من المدنيين في الصباح حيث يسمح بالغسل و السباحة، و نظل بدون سباحة لعدة أيام قبل أن يسمح بالسباحة مرة أخرى، و لبس الثياب نفسها.

٤- التعذيب بترتيل السلام الوطني: يدخل المعذبون، و يطرقون باب الزنزانة عدة مرات ثم الدخول علي و ضربي و إرغامي على ترتيل السلام الوطني. و يجب أن أرتله بشكل و طريقة محددة و أن أرفع صوتي و أكرر ذلك حتى يقول لي كفى.. يحدث ذلك و أنا واقف على رجلي الوحيدة و يداي مرفوعة للأعلى مواجها الجدار، و متى ما لم يعجب المعذبون ذلك(الطريقة و مستوى الصوت) يتم ضربي و أعيد الترتيل حتى يقول لي كفى. بل إن هذا النوع من التعذيب يستعمل لإيقاضي من النوم، فالمعذب يأتي فقط لأن أرتل السلام و يذهب. كما يطلب مني ذلك في أوقات مختلفة و أمام فرق تعذيب مختلفة و زوار عديدين . في إحدى المرات جاء أحد المعذبين و كان منفعلا، و بدأ بأول زنزانة في العنبر – زنزانتي- قائلا:”إذا لم تتل السلام الوطني عدل بتشوف شغلك” قلت السلام الوطني و بعد أن انتهيت و أنا واقف و يداي للأعل، أمر باقي السجناء في العنبر بالتصفيق و قال:” صدق أنقذت روحك””

٥- الحرمان من الاتصال بالأهل أو بالمحامي: بعد سبعة أيام من اختطافنا من المنزل في فجر ١٧ مارس ٢٠١١م تم تمكيننا من الاتصال بالأهل لمدة ٩٠ ثانية فقط حيث تم أمرنا بإن نخبر الأهل بأننا في حالة صحية جيدة و أن لا نخبرهم بمكان وجودنا أو أي شيء آخر. و لم يتم الاتصال مرة أخرى بالأهل إلا بعد يوم من عقد لجلسة المحاكمة الأولى التي بدأت بتاريخ ٨ مايو ٢٠١١م . استمرت المكالمة ثلاث دقائق فقط لإخبار الأهل بتعيين محام لي، حيث حضرت المحكمة و لم يكن هناك محام لي، بعد أن تم اعتقال المحام الخاص بي بسبب مطالبته بالإفراج عنا في مكان عام.

٦- الضرب على أنحاء مختلفة من الجسم: تولت إحدى فرق الملثمين مسئولية تعذيببنا بشكل شبه يومي، و كنا لا نستطيع الخلود للنوم إلا بعد قدوم فرقة التعذيب هذه و الانتهاء من تجرع التعذيب و الضرب و الإهانات و السب و الشتم. و إذا لم يأت المعذبون قبل منتصف الليل ، فإنهم يباغتوننا قبل الفجر و يستمر تعذيبهم حتى بعد أذان الفجر.

يدخل المعذبون العنبر بشكل عنيف و يصيحون:” اقعدوا يا قحاب” نايمين ها الحين نراويكم”. و بعد أن ينتهوا من التعذيب يخرجوا من العنبر بعد أن يغلقون الباب بقوة و عنف يصدر صوتا مرعبا، و يصيحون:” ناموا يا قحاب”.

يبدأ مسلسل التعذيب بإن يدخل اثنان إلى ثلاثة من المعذبين الملثمين يقودهم شخص أساس. و هو معروف من قبل سجناء قرين بصوته و علائم هيأته- هو الذي يقرر متى و كيف يبدأ و ينتهي التعذيب. يدخلون الزنزانة و يجب الوقوف حال فتحهم لفتحة الباب الحديدي أو دخولهم العنبر أو سماع صوتهم. و يتجرع زيادة في الضرب من يتأخر عن الوقوف و مواجهة الجدار، و الأيدي مرفوعة لأعلى الجدار.

يتكاتف المعذبون بالسباب و الشتم و الإهانة، سب المذهب و السخرية من معتقداتنا، يبدأ المعذبون بالأسئلة و هم يضربون على الرأس – الرقبة- الظهر- الصدر- اليدين- الخاصرة باليد، بالعصاة، بالنعال، و لايهم ماهية الإجابة فالضرب يستمر، و يزيد الضرب و قسوته إذا تم التأخر عن الإجابة أو كانت الإجابة بغير ما يريدون أو يتوقعون. يتحول الضرب بقبضة اليد في بعض الأحيان. كل ذلك يحدث أثناء الوقوف على رجل واحدة و اليدين على الجدار، و الرأس منحني للأسفل، وبعض الأحيان يطلب مني أن أغمض عيني فوق كل ذلك، برغم من كون المعذبين ملثمين إلى جانب ذلك، يتم رفسي بالرجل على جانبي يدي و أسفل البطن و على خلفي حتى أسقط، و يطلب مني أن أقف مرة أخرى، و يعاود المعذب ضربي و يتكرر السقوط و القيام.

٧- التعرض للمذهب و الحرمان من التعبد: في إحدى المرات جاء أحد المعذبين الملثمين و يدعى أبو يوسف ( كشف لنا وجهه لاحقا و نستطيع تمييزه) و دخل الزنزانة بغرض أخذ الفراش الاسفنجي و اللحاف و الوسادة المشبعة بالماء و هي آثار تعذيب الليل بصب الماء- و ذلك بغرض وضعهم في الشمس كي يجفوا، إذا به يرى قطع اسفنج صغيرة تحت الفراش. صرخ في وجهي و ضربني على رأسي قائلا:” هنا لا تستطيع استخدام الترب.. هنا مافي تربة”. قلت له هذه ليست ترب. قال :”بلى- أنت تستخدمها مثل التربة”.

هو – أبو يوسف- نفسه من انقض علي في الزنزانة بعصاة يلوح بها في يده و كان ينوي ضربي بعد أن أخبره الحراس بإننا نصوم و نطلب منهم أن يؤخروا العشاء للسحور، و أن يوقضوننا قبل الفجر للإسحار. كان يلوح بالعصاة و يقول:” هنا مافي صيام، أنت سجين”، و لم يكف عني إلا بعد أن أخبرته بأني توقفت عن الصيام . و قد تكرر الأمر نفسه مع الشيخ سعيد النوري الذي كان يشاركني الصيام لعدة أيام.

و قد تكرر أكثر من مرة أن يتعمد الحراس أن لا يوقضوننا للصلاة في الفجربالرغم من طلبنا قبل النوم، فهم من يسمع صوت الأذان في الخارج و من لديهم معرفة الوقت.

٨- السب و الشتم و سماع معاناة الآخرين: كان المعذبون يسبوني بشكل دائم.. و يتعرضون لوالدتي ووصمها بالعهر و يصفوني ب إبن الزنا.. نغل.. ابن متعة.. كانوا يصفوني بالخيانة و عدم الولاء للوطن، كانوا يتعرضون لزوجتي و بناتي بالقدح و الكلام البذيء.

في الآونة الأخيرة دأب المعذبون على إهانة أحدنا و يجعلون من ذلك ما يضحكون منه، ثم يطلبون من جاره في الزنزانة المجاورة أن يقول تلك الإهانة أو السخرية، و يكون ذلك على مسمع من الجميع. و قد حدث ذلك الأمر مع الحر في الزنزانة الخامسة حيث أرغم على السخرية من جاره الشيخ عبدالهادي المخوضر، كما أرغم الشيخ المخوضر على قول كلام في حق جاره إبراهيم شريف. كما طلب من إبراهيم شريف أن يسخر من نفسه، و طلب من الشيخ النوري أن يسخر من إبراهيم شريف كما يطلب من الشيخ النوري أن يقول كلام في حق نفسه و جاره… و كان المعذبون أثتاء ذلك يضحكون بأعلى أصواتهم.

و مما كان مثيرا للألم سماع تلك الإهانات و السخرية كما تسمع صرخات من يتم تعذيبهم و ضربهم في الزنازين المجاورة كما يسمع أولئك معاناتك.

و قد حدث الشتم و السخرية في حضور المدعو أبو يوسف و كذلك شخص آخر يعرف بأبي راشد، و هو لم يؤذينا و يعرف بكثرة تلاوته للقرآن، كان ملثما طوال الوقت.

٩- الحرمان من الشمس و التشمس: ففي الفترة التي قضيناها في الحبس الإنفرادي والتي استمرت حوالي ثلاثة أشهر، لم يسمح لنا بالمشي في الساحة و التعرض للشمس إلا لفترات وجيزة جدا و كان بعضها لدقائق وفي وقت متأخر من الليل أو بعد غروب الشمس.

١٠- الضمادة و الكيس العزل (الخيشة): منذ أن وطأت أرجلنا سجن القرين العسكري و حتى وقت قصير من مغادرته، كان الأسلوب المتبع في أخذنا من الزنزانة هو إضافة للقيد الحديدي، تصميد العينين بضمادة سوداءو بعض الأحيان تعوض برباط متين  و مشدود. وفوق كل ذلك يوضع كيس من الخيش فوق جميع الرأس يمنع من الرؤية و يعطي إحساس بالاختناق و عدم القدرة على التنفس. و ليس فقط لا نستطيع الرؤية من خلال الضمادة و الكيس، بل دائما تجعلك في وضع مخيف من عدم القدرة على العلم بما يدور حولك أو ما سوف يحدث لك، ناهيك عن عدم القدرةعلى التنفس بشكل طبيعي و التعرق المؤذي. و يشمل لبس الضمادة و الكيس الخروج من الزنزانة للتحقيق أو غيره إضافة للخروج من سجن القرين للنيابة العسكرية أو غيرها. بالنسبة لي و بسبب استعمال العكاكيز للحركة، يوضع القيد في الباص عند الانتقال من و إلى النيابة العسكرية و المحكمة، إلا إن ذلك الأمر توقف مؤخرا.

١١- الحرمان من الحاجات الطبية: (العكاكيز\ النظارات الطبية\ العلاج) فمنذ إدخالي الزنزانة في العنبر الإنفرادي، تم حرماني من العكاكيز التي تمكنني من الوقوف و الحركة، و تعطى لي وقت الخروج من الزنزانة، سواء للذهاب لقضاد الحاجة أو التحقيق داخل أو خارج سجن القرين أو المحاكمة. فبعد أن يتم تصميد العينين و وضع الخيشة على الرأس، يتم إعطائي العكاكيز، و يتم أخذهم بعد العودة و انتهاء المهمة.

و كان ضمن ما تقوم به فرقة التعذيب لإيذائي هو إرغامي على الحبو و التندر أثناء ذلك المشهد.

أما عن النظارة الطبية التي رفض أفراد الأمن الوطني و الجيش- الذين هجموا على منزلي و اقتادوني تحت السلاح و أنا بملابسي الداخلية- أن آخذها معي حيث لم يسمح لي بالحصول على النظارة إلا بعد الشكوى عند النيابة العسكرية و مضي أكثر من شهر على الاعتقال. تركت النظارة معي لمدة اسبوع و كان المعذبون يرفضون أن ألبسها و هم موجودين، حتى لا أتعرف عليهم بأي صورة كان. ففي إحدى الليالي قامت إحدى فرق التعذيب بمصادرة النظارة مرة أخرى بعد و جبة تعذيب و صب الماء على رأسي و كل أنحاء جسمي و إرغامي على الوقوف في زاوية من الزنزانة و أنا في ذلك الوضع حتى أرغمت على النوم مكاني على أرضية الزنزانة السيراميكية.

و لم ترجع لي النظارة إلا بعد عدة أيام من أخذها، أصبت حينها بآلام في الرأس بسبب عدم استعمالها لفترة من الزمن. و حين انكسرت النظارة، لم تأبه إدارة سجن القرين في اتخاذ الخطوات السريعة للحصول على نظارة أخرى، ولم يحدث ذلك إلا بعد الشكوى لدى النيابة العسكرية. أما مستشفى قوة الدفاع، فلم يقم القسم الخاص بعناية العيون بأخذ الفحوصات اللازمة للنظر و اكتفى بالقياس و هو أمر لا يتبع في مراكز عناية العيون.

و أما عن الاحتياج للعناية الطبية، فلم يتم توفيرها بالشكل المطلوب، فقد اشتكيت من التنمل في اليدين و الرجل، و من الآلام في الضلع الأسفل جهة اليسارو كذلك في الظهر و في أسفل الكتف الأيمن، فلم أحصل سوى على بعض – المسكنات من قبل الممرضين -الذين كانوا ملثمين -الذين يتواردون علينا بين الفينة و الأخرى.

١٢- الأكل السيء و قلة الماء و الشراب: قامت إدارة سجن القرين بتوفير ثلاث و جبات فقط، لكنها كانت تستعمل في بعض الأحيان كجزء من العقاب من خلال تأخير تقديمها. كما تميزت تلك الوجبات بالرداءة نوعا و كما، و لا تحوي من الاحتياجات المطلوبة لتوفير الطاقة و الحماية للجسم. فإضافة للشحة في توفير المياه الكافية للشرب، و قلة و رداءة الأكل فقدت أكثر من ١٠ كجم بشكل سريع، و كنت لا أستطيع أن أسير بالبنطلون الذي تم تويره لي لاحقا إلا بعد ربطه بخيط أربطه حول خصري. و يتم توفير هذا الخيط من قبل ملثمين و يتم استعادته بعد عودتي من الخارج و خلع البنطلون الذي كان ضيقا على جسمي قبل الاعتقال.

• ما سبق هو مجمل ما أتذكره من تعذيب و سوء معاملة

التحقيقات : الجهات و الانتهاكات

تعرضت للتحقيق من قبل أربع جهات مختلفة إثنتين داخل سجن القرين العسكري و اثنتين خارجه، أحدهما في فيلا خاصة. و قد لازم التحقيقات المعاملة اللا إنسانية و التعذيب الجسدي و النفسي.

١) التحقيق من قبل جهاز الأمن الوطني- سجن القرين:

تم التحقيق معي من قبل محققي جهاز الأمن الوطني في جلستين (اليوم الثالث و الخامس من الاعتقال) حيث تم أخذي من الزنزانة، بعد جرعات من التعذيب لأيام و ليالي ثلاثة تعرضت فيها للمعاناة و الأذى و الترهيب و سوء المعاملة، و أنا في ثيابي الداخلية التي تم خطفي بها، حافي القدمين، و بعد أن تم تصميد عيني بالضمادة السوداء و إلباسي الكيس العازل (الخيشة).

قبل البدء عرف المحقق نفسه، و قد ميزت صوته، بإنه كان أحد المحققين الأساسيين الذين قاموا بالتحقيق معي و ضربي و تعذيبي أثناء التحقيق معي في قبو (سرداب) جهاز الأمن الوطني في القضية السابقة. و قام بتذكيري بما تعرضت له في ذلك التحقيق و تلك الأيام العصيبة التي مررت بها في القلعة، و أنه إذا لم أتعاون سيتم تشغيلي كالسيارة (في إشارة للصعق الكهربائي) و قد استعرض معي بعض الكلمات التي ألقيت في الدوار (دوار اللؤلؤة) و كان يسألني عن القصد من وراء بعض التعابير فيها، و كان يحاول إرغامي على قول ما لم أقصده. و كان حينما لا يسمع ما يريد، يذكرني بما سبق من معاملة في القضية السابقة، و يقول لي:” تكلم عدل أو أخلي الشباب ما يخلونك تنام الليلة” و كذلك قال:” تكلم عدل لا أضربك سلف(الصوت الذي يخرج عند تشغيل السيارة)”

بعد جلستين ، جاء اثنان من المحققين الملثمين من أفراد جهاز الأمن الوطني و معهم أفراد الحرس العسكري إلى زنزانتي، و إرغماني على التوقيع على إفادة تم تجهيزها سلفا، و كان يقول لي كبيرهم:” توقع لا أدوس في بطنك”. و قد أخبرت النيابة العسكرية أثناء التحقيق معي بخصوص البراءة من تلك الإفادة و مما جاء فيها و قد تم توثيق ذلك في المحضر الخاص بالنيابة العسكرية.

٢) التحقيق من قبل النيابة العسكرية- خارج سجن القرين: تم التحقيق معي من قبل النيابة العسكرية في جلستين ، الأولى بتاريخ ٢٩ مارس و الثانية بعد إسبوع من ذلك التاريخ. تخلل ذلك التعذب و سود المعاملة في مبنى النيابة العسكرية نفسها و كذلك في سجن القرين فبالرغم من إخطار رئيس النيابة بذلك منذ الجلسة الأولى.

فبعد إسبوعين من اعتقالنا و دون الوصول أو التواصل مع العالم الخارجي بما في ذلك المحامي الخاص بي أو الأهل، تم أخذي بشكل مرعب لمبنى النيابة العسكرية خارج سجن القرين. فقد تم توفير بيجاما لي و نعال (مطاطي للحمام) و سمح لنا بالاستحمام بعد ١١ يوم من الاعتقال و التعذيب. تم إلباسي ضمادة العين ذات الطبقتين و الكيس العازل (الخيشة) و أخذت بعنوة للباص الذي أقلني لمبني النيابة بعد أن تم تقييدي بالقيد الحديدي بشكل قاس و تضييقه حول المعصمين ، الأمر الذي كان واضحا من خلال الآثار البارزة التي تركها القيد على اليدين، وقد وثق المحامي هذه الحالة حين التقى بي عند رئيس النيابة العسكرية.

بعد وصولي لمبنى النيابة العسكرية، تم جرّي من الباص و أنا لابس القيد الحديدي، و كان هناك من يضربني على رأسي بعقب سلاح أو بهراوة. إضافة للضرب بقبضة و راحة اليد على الرأس و الوجه و خلف الرقبة، كما تم توجيه السب و الشتم لي أثناء ذلك. أخذت لمكان الانتظار و كانت الأغاني تعمل بشكل مركزي في المبنى، و بينها السلام الوطني الذي متى ما جاء دوره في سلسلة الأغاني المتكررة، يتم إرغامي على الوقوف، و أنا مقيد اليدين و مغطى الرأس بالخيشة، يسبقه الضرب على الرأس. و يتكرر هذا الأمر كلما جاء دور السلام الوطني.

أخبرت رئيس النيابة العسكرية بما حدث لي من تعذيب و سوء معاملة في سجن القرين، و نزعت قميصي- بحضرة المحامي الأستاذ محمد التاجرـ لأكشف عن مواقع الإصابات على جسدي- في الضلوع، العضد الأيمن، و في المعصمين. كما أخبرته عما أتعرض له و بقية السجناء في نفس العنبر من تعذيب و سوء معاملة. لا ينزع القيد الحديدي أو الخيشة التي تأتي فوق الضمادة على العينين إلا حين الدخول على رئيس النيابة لعسكرية و متى ما أخرج من ذلك المكتب حتى يتم تصميد العين و تغطية الرأس و التقييد بالقيد الحديدي. و في مكان الانتظار، تبدأ المعاملة اللا إنسانية و الإهانات و الضرب من العسكريين الموجودين هناك.

في اليوم التالي من الذهاب للنيابة العسكرية، جاء لزنزانتي شاب أسمر اللون ملثم و طويل القامة بلباس عسكري، و دخل الزنزانة و أمرني بالوقوف، و قام بضربي على الوجه و ذلك- بحسب قوله- أن هناك شكوى بالتعذيب عند النيابة العسكرية. اتضح لاحقا أنني لست الوحيد من رفاقي في العنبر من أخبر النيابة العسكرية بما تعرض له من تعذيب و سوء معاملة في سجن القرين العسكري.

و جاءت مساء ذلك اليوم فرقة التعذيب التي التزمت بتعذيبنا حتى ١٠ يونيو ٢٠١١م، حيث قامت بضربنا بشكل جماعي و شتمتنا بشتى الشتائم، و تم تهديدي بتجرع الألم بما في ذلك الاعتداء الجنسي و الصعق الكهربائي إذا ما ذكرت تعرضي للتعذيب حين يتم سؤالي عن المعاملة. و قد شارك في هذا الأمر المدعو “أبو يوسف” و كذلك أحد الممرضين الذين تناوبوا على زيارتنا.

تكرر سيناريو سوء المعاملة و الضرب في مبنى النيابة العسكرية(كنت أسمع صوت الطائرات العسكرية بالقرب من المبنى) و ذلك قبل و بعد حضور جلسة التحقيق الثانية. قد حضر معي في نفس الباص الشيخ عبدالجليل المقداد و الذي تعرض لذات المعاملة السيئة و الضرب على الرأس بالهراوة\عقاب البندقية، وبراحة اليد و قبضتها بشكل متكرر بحيث احدثت تلك الضربات انتفاخا مؤلما في فروة الرأس. كما شمل الضرب على الوجه و الرقبة، و كيل الشتائم و الكلام البذيء.

٣) التحقيقات من قبل المخابرات العسكرية (داخل سجن القرين): و قد تم ذلك من خلال جلستين عقدتا في سجن القرين و كانت أثناء النهار. قبل أن يتم أخذي للتحقيق، جاء أحدهم و كان شابا صغير السن و كان ملثما، طلب الهراوة من الحارس العسكري الموجود في العنبر فأعطاها إياه، فضرب على باب الزنزانة و طلب مني الوقوف . دخل الزنزانة و قال لي: و هو يضرب بالهراوة على يده الأخرى و يقول “ها سنكيس، تعرف هذه شنو؟ بناخذك للتحقيق، و بتعيد نفس الكلام اللي في الإفادة اللي قدمتها”. قلت له:” لا أعرف ما الموجود في الإفادة” . قال:” إحنا بنذكرك” . كان المحققين ملثمين( ثلاثة في الجلسة الأولى و اثنين في الجلسة الثانية) كان أحدهم – وهو نفس الشخص الذي حضر لي الزنزانة- بين الفينة و الأخرى يقف على رجليه، و يسبني و يسب والدتي، ويهددني بأهلي و بناتي. كان يهم بالانقضاض علي بنعاله إلا أن المحقق الأساسي و الذي يتم مناداته “بالشيخ” يوقفه، و يقول له: “ ما يحتاج.. بيتعاون .. بيتعاون” سألتهم لأي جهاز ينتمون، فقال لي “الشيخ” : “مو شغلك”.

لم يتم توقيعي على أي إفادة، بل تم عرض بعض المشاهد من الفيديوات و الصوتيات و المقابلات الصحفية.

في الجلسة الثانية، كان الشاب الذي يمارس السب و التهديد و الشتم قد ذكر بأنني يجب أن أعدم مثلما أعدم علي السنكيس و ذلك بعد صدور حكم درجة أولى بالإعدام في القضية الأولى فيما عرف بقضايا السلامة الوطنية. و كان يشير إلى أنه تم تنفيذ الحكم في علي السنكيس، و أنني سوف أتبعه، أي سأعدم أيضا.

٤) التحقيق من قبل ممثل الديوان (خارج سجن القرين): تعرضت للتحقيق في فلة خاصة خارج سجن القرين (مسافة ١٥-٢٠ دقيقة) بالسيارة حيث يتم تصميد عيني ولبس الخيشة على الرأس في وقت متأخر من الليل (حوالي منتصف الليل). قبل الذهاب يتم حلاقة شعري و ظهوري بنفس المظهر الذي أظهر به حين كنت خارج السجن. يقوم أربعة شبان باستلامي من بوابة سجن القرين و يستقبلوني بالشتم و السباب، و تبدء الرحلة بالضرب على الرأس و الوجه و الرجل، الاستهزاء و التحقير من المعتقدات و المذهب، التحرش الجنسي و التعرض بكلام بذيء جدا- يقشعر منه الجلد- عن ابنتي و زوجتي. و يتم ذلك في الذهاب و الإياب الذي يكون بحلول الفجر.

حدث التحقيق في جلستين منفصلتين، واحدة في الاسبوع الأحد قبل بدء المحاكمة العسكرية، و الثانية في نهاية الإسبوع الأول منها. يقوم بالتحقيق شاب صغير السن بلباس مدني (ثوب و غترة) و قد عرف نفسه بإنه الممثل الشخصي للملك. عرفت من رفاقي الآخرين تم التحقيق معهم بإنه يدعى الشيخ صقر آل خليفة (من الذين تم التحقيق معهم من نفس الشخص أ. عبدالوهاب حسين، أ. حسن مشيمع، أ. عبدالهادي الخواجة، ش عبدالجليل المقداد، ) كان الحديث يتمحور حول محاولة إرغامي على تقديم اعتذار عما حدث و تلاوة إفاة معدة سلفا و مكتوبة على شاشة أقرأها أمام كاميرا. و هو أمر رفضته بشكل قاطع. و قد تم تهديدي قبل الجلسة الثانية و أنا على الأرض و ضربي و تعذيبي إذا لم استجب لما يقوله أو يطلبه “الشيخ”. انتهت الجلسة الثانية بعد أكثر من ثلاث ساعات من التحاور و الحديث مع الشيخ صقر آل خليفة، و لم يتم استصدار أي اعتذار مني بأي صورة كانت كما لم أتل أو أقدم أي إفادة- بأي صورة كانت.

المحاكمة العسكرية \ الانتهاكات و الظروف

عشية الجلسة الأولى للمحاكمة العسكرية(درجة أولى) بتاريخ ٧ مايو ٢٠١١م جاءنا الملازم أول عبدالله من النيابة العسكرية و أعطانا لائحة الاتهام و أخبرنا بموعد الجلسة و هو صباح اليوم التالي ٨ مايو ٢٠١١م. الملازم عبدالله كان الوحيد الذي كان كاشف الوجه من الذين زارونا لحد تلك اللحظة، حتى تاريخ ١٠ يونيو ٢٠١١م . فلقد كان الجميع ملثما: و يشمل الحراس، الممرضين، الأطباء، الإداريين، الطباخين إضافة لشخصيات أخرى بلباس مدني و أخرى عسكري و كلها إما تلبس لثاما يغطي كل الرأس و الوجه، أو جزء من الوجه لإخفاء ما يمكن أن يشير لهويتها.

فمنذ الاعتقال في ١٧ مارس و حتى ٧ مايو ٢٠١١م (حوالي ٥٠ يوما)لم نكن نعلم ما هي التهم التي سوف نحاكم على أساسها، ولم نلتق بالمحامي الخاص بنا، و لم يكن لدينا سوى أقل من ١٢ ساعة فقط من علمنا بالتهم لتبدأ محاكمتنا.

بدأت الجلسة الأولى ولم يكن للبعض منا محاميا، مما اضطر القاضي العسكري المقدم منصور لتأجيل الجلسة حتى ١١ مايو (ثلاثة أيام فقط) حتى يتم الاتصال بالأهل و يتم تعيين محام. و هكذا تم دون أن يتمكن أي محام من الحصول على ملف القضية بشكل كامل إلا في الاسبوع الثاني من المحاكمة التي دامت ثلاثة أسابيع فقط قبل أن تنتهي جلساتها (٨ مايو – ١ يونيو ٢٠١١م) قبل جلسة النطق بالحكم بأحكام وصلت للسجن مدى الحياة في ٢٢ يونيو ٢٠١١م.

فجلسات المحاكمة العسكرية لنا – نحن المدنيين- استمرت ٣ أسابيع فقط (بمعدل جلسة أو اثنتين كل اسبوع) و لم يتم تمكين المحامين من تقديم المرافعات الشفهية، و أعطاهم القاضي مهلة اسبوعين حتي ١٥ يونيو- أي بعد إسبوع قبل النطق بالحكم – لتقديم المرافعات المكتوبة.

لم يمكننا القاضي – أنا و من معي في القضية- من الالتقاء بالمحامي بشكل كاف، كان اللقاء لا يزيد على ربع ساعة بعد إنتهاء الجلسات، كما يشمل لقاء الأهل الذين كانوا قلقين علينا حيث انقطعت اخبارنا عنهم منذ اختطافنا من منازلنا في ١٧ مارس ٢٠١١م.

لم يسمح القاضي العسكري لأي منا بالحديث عما تعرضنا له من تعذيب و سوء معاملة أثناء الاعتقال و التحقيق و الاحتجاز. كما لم يستجب لطلبات المحامين التي يمكن أن تحسن من الوضع القانوني و تصحيح الصورة التي رسمتها- بشكل سيء- النيابة العسكرية التي تنصلت هي الأخرى من تحقيق دور الخصم الشريف و النزاهة. فقد اعتمدت النيابة العسكرية و القاضي العسكري على الاعترافات التي تم استلامها من خلال الإكراه و التعذيب و أجواء الرعب و الترهيب التي خلقتها أجهزة الأمن و الاستخبارات (الأمن الوطني- الداخلية- الجيش) كما استندت إلى شهادات أفراد جهاز الأمن الذين مارسوا التعذيب، و كذلك على مصادرهم “السرية” غير معروفة الهوية.

كل ما سبق يدلل على فقدان المحكمة العسكرية لكل مباديء المحاكمة العادلة و كان جليا من سرعة المحاكمة و عدم الالتفات لطلبات المحامين إلى وجود أحكاما جاهزة للمجموعة المراد إلحاق أقسى العقاب و الأحكام بسبب مواقفها و أنشطتها السياسية و الحقوقية.

أما المعاملة المصاحبة للمحاكمة فقد شملت الانتهاكات التالية:

١- تصميد العينين و الخيشة و القيد الحديدي، و يستمر منذ الصباح الباكر في سجن القرين و حتى العودة له ما بعد الظهيرة ( وصلت بعض الحالات إلى ٨ ساعات تقريبا) و لا ترفع القيود و الضمادة و الخيشة إلا قبل دخول صالة المحكمة، أو للإلتقاء بالمحامي و الأهل، و التي لا تتجاوز مجموع تلك اللحظات الساعة الواحدة على الأكثر، نظل ما عدا ذلك محبوسين في القيد و الكيس العازل (الخيشة).

٢- المعاملة السيئة من قبل الشرطة العسكرية: فإضافة للقيود الحديدية و الضمادة على العينين و الخيشة على الرأس، يتم معاملتنا بشكل لا إنساني و قاسي سواء كان أثناء وجودنا في الميني باص القفص، أو في غرفة الانتظار الموجودة خارج مبنى القضاد العسكري (كابينة الانتظار). كما يتم حشرنا جميعا (١٤ فردا إضافة للعسكر)في غرفة صغيرة. و يرغم أغلبنا – في الوضع المقيد- الجلوس على الارض ما عدا فردا أو اثنين يسمح لهم بالجلوس على كرسي نظرا لوضعهم الصحي مثل حالتي.

يتعرض الجميع للأذى من خلال القسوة في التعامل و التضييق في الذهاب للحمام لقضاء الحاجة، و عدم توفير مياه صالحة للشرب (مياه من الحنفية) كما يسمح بشرب كميات قليلة من الماء و مشاركة الجميع في قنينة واحدة.

٣- الضرب و الإهانات في غرفة الانتظار المجاورة لصالة المحكمة، قام الشرطة العسكرية بدفعنا بقوة و ضربنا بعد النطق بالحكم و بعد أن قلنا بشكل جماعي: “سلمية.. سلمية.. شعب يطلب حرية”. تم إخراجنا من مبنى المحكمة و تقييدنا ومواجهة الجدار ثم الاعتداء بشكل عشوائي على الجميع بالضرب على الرأس بالهراوة و الركل و الرفس على الخلفية و الظهر إضافة لتوجيه الكلمات الجارحة و الشتم . و بعد فترة لا تقل عن نصف ساعة حيث كنا واقفين تحت أشعة الشمس الحارقة، تم أخذنا بقسوة إلى غرفة الانتظار خارج مبنى القضاء العسكري (الكبينة) حيث تم حشرنا مع سجناء آخرين و تم ضرب الجميع بالرفس على الظهر، و الضرب على الرأس و الرقبة، و إلزام الجميع بالنظر لأسفل لمدة طويلة. و ما أن يحاول أحد منا النظر لأعلى أو تحريك رأسه، يتم ضربه و إهانته و تحقيره أمام الجميع.

و رغم علم النيابة العسكرية بالأمر، إلا أنها لم تحقق في القضية- قضية الاعتداء و الضرب من قبل العسكريين علينا- “لعدم كفاية الأدلة” كما ادعت.

تجدر الإشارة إلى أن الأمر حدث في وضح النهار و أمام الجميع ( العسكريين و سجناء آخرين في قضايا أخرى).

و فيما يخص المحاكمة:

١- أؤكد تعرضي للتعذيب و المعاملة اللا إنسانية أثناء القبض و الاعتقال- و الذي حدث دون أمر قبض قضائي- و أثناء التحقيقات المختلفة التي تمت معي، و أثناء التوقيف و الاحتجاز قبل و أثناء و بعد المحاكة العسكرية. و قد تم فحصي من قبل الأطباء الشرعيين التابعين للجنة الملكية لتقصي الحقائق و تم إدراج حالتي في الإفادات في آخر تقرير اللجنة في الحالة رقم ٧.

٢- أؤكد على إرغامي على التوقيع على إفادة جاهزة من قبل جهاز الأمن الوطني، وتم محاكمتنا عسكريا و نحن مدنيين- و لم يسمح للمحامي باستنفاذ الوسائل المتاحة قانونيا لأي متهم.

و لهذا فالمحاكمة التي سلفت جلساتها لم تتجاوز فترة مدتها ٣ أسابيع قبل جلسة النطق بالحكم قد خلت من مبادىء المحاكمات العادلة بحسب المعايير الدولية، و اتصفت بالعداء و عدم النزاهة و قامت بمصادرة حقوق المتهمين بدلا من تثبيتها و رعايتها . ناهيك عن الخلل و الانتهاكات التي تمت أثناء القبض و التحقيق و التي تم من خلالها انتهاك القوانين المحلية و الدولية، و التعرض للتعذيب المفضي للإكراه و الاجبار على الاعتراف و التوقيع على الإفادات الجاهزة سلفا. و بناءا على ذلك، فإنه كان من الواجب إسقاط حق التقاضي و إسقاط- تباعا لذلك- كل التهم، بغض النظر عن جدية و حقيقة هذه التهم.

من جانب آخر و كما أسلفت فإن هذه المحاكمات لم تكن الأولى التي يعمل من خلالها النظام على تغييب و تجريم من يعبر عن مواقفه في العلن في قضايا الشأن العام (الدستور- المشاركة في صناعة القرار- المطالبة بالتوزيع العادل للثروة- محاربة الفساد و الفاسدين و تقديمهم للمحاكمة- الحكومة الديموقراطية المنتخبة– المجلس التشريعية الكاملة و المستقلة- مناهضة التمايز و التمييز و التهميش- إستعادة الأراضي و الجزر المنهوبة- استعادة المال العام المسروق – مناهضة مشروع تغيير التركيبة السكانية و المهنية (التجنيس السياسي) – احترام و صيانة حقوق الإنسان و غيرها من المواضيع).

لجنة بسيوني تقر:

و لإننا – أنا و من معي- نعبر عن رأينا في قضايا الشأن العام فقد تم استهدافنا بشكل ممنهج واستخدمت القوانين و الأجهزة الأمنية و القضائية ( التي تخضع لإرادة و توجيه النظام) بحبسنا و تغييبنا ظنا بأن هذا الأمر سوف يحل الأزمة السياسية و الحقوقية في البلاد. وقد أقرت اللجنة الملكية لتقصي الحقائق هذه الحقيقة في الفقرة ١٢٧٩ من تقريرها إلى : إن حكومة البحرين استخدمت مواد القوانين المحلية لمعاقبة و ردع المعارضة السياسية”.

كذلك في الفقرة ١٢٨٠ من التقرير و التي تشير إلى: إن تطبيق القوانين المحلية ضد أصحاب الرأي المخالف لا يتسق مع أحكام القانون الدولي لحقوق الانسان”.

أما عن ممارسة حرية التعبير فهي حق مشروع بحسب المواثيق الدولية التي انضمت لها البحرين، و تشمل كما جاء في الفقرة ١٢٨١ من تقرير لجنة التقصي: الآراء التي تعبر عن معارضة نظام الحكم القائم في البحرين ، و الآراء التي تدعو لأي تغيير سلمي في بنية الحكم أو نظامه أو تدعو إلى تغيير النظام”

إن تقرير لجنة التقصي – الذي وعد النظام في مواقع مختلفة و من خلال رموزه بالإلتزام بما جاء فيه- قد عدد صورا مختلفة لممارسة حرية التعبير و تشمل : (الإشارة لفقرات من تقرير اللجنة الملكية لتقصي الحقائق)

أ- حيازة أو توزيع مواد تدعو إلى إسقاط النظام (الفقرة ١٢٥٧)

ب- إلقاء الخطب و كتابة المقالات (الفقرة ١٢٥٨-أ)

ت- تنظيم الإضرابات و الدعوة لها (الفقرة ١٢٥٨-ب)

ث- الدعوة و المشاركة في التجمعات و التظاهرات ( الفقرة ١٢٥٩)

ج- انتقاد ممارسات السلطة (الفقرة١٢٦١)

ح- كتابة التقارير و نشرها (الفقرة ١٢٦٢)

خ- دعوة الآخرين و تشجيعهم و حضهم علي حضور مظاهر الاحتجاج و الاعتصامات (الفقرة ١٢٦٠)

أليست هذه صور حرية التعبير التي تم اتهامي- و اتهام النشطاء الآخرين بها- في هذه المحاكمة و المحاكمات السابقة؟! هذه محاكمة ضمير و مواقف عبر أصحابها عنها بكل سلمية و علانية.

و بناء على ما سبق فإن لجنة التقصي قد أوصت بإلغاء الأحكام و العقوبات التي صدرت بحق جميع الأشخاص الذين اتهموا بارتكاب أعمال ذات صلة بحرية التعبير السياسي، كما جاء في الفقرة ١٢٩١ من تقرير اللجنة الملكية لتقصي الحقائق بل ان الفقرة ١٢٨٥ أشارت في أسفل الصفحة التي جاءت فيها، رقم الإشارة ٦٢٩footnote “حكومة البحرين قد أسقطت التهم التي بنيت على مواد القانون الخاصة بحرية التعبير في حق المجموعة “١٤” التي أدينت في محاكم السلامة الوطنية”.

و لكن لحد الان فإن السلطة تتنصل من إلتزاماتها تجاه المواثيق الدولية التي انضمت لها، و كذلك مما جاء في تقرير لجنة التقصي فيما يخص الإفراج عن معتقلي و سجناء الرأي المخالف، و الذي ينطبق علينا و على جميع سجناء الاحتجاجات الشعبية منذ فبراير ٢٠١١م و ما تلاه.

لماذا استهدفنا النظام

أما لماذا حكم علينا النظام عبر أجهزته القضائية بالسجن المؤبد؟ و الإجابة على هذا السؤال تكمن في المواقف و الأنشطة التي شاركنا فيها و المطالب التي رفعناها و اعتبرها النظام منطقة محضورة و خطوطا حمراء تم تعديها.

من هذه المطالبات و الأنشطة التي فبرك على أساسها النظام كل التهم في هذه القضية و كذلك القضايا السابقة:

• العريضة الأممية التي وقع عليها أكثر من ٨٣ ألف من البالغين يطالبون فيها بكتابة دستور ديموقراطي عصري للبحرين؛ دستور من الشعب للشعب و ليس من الملك للملك NOT FROM KING BY KING < FOR PEOPLE BY PEOPLE

• العريضة الشعبية التي وقع عليها أكثر من  ٥٤ألف من البالغين يطالبون بتنحي رئيس الوزراء الحالي، و بحكومة ديموقراطية منتخبة من خلال آليات التداول السلمي للسلطة.

• عريضة شعبية و قع عليها أكثر من ٣٣ ألف من البحرينيين يطالبون بمحاكمة المعذبين و المسئولين عنهم و المتورطين في التعذيب، وإلغاء قانون حماية الجلادين – المرسوم بقانون ٥٦ للعام ٢٠٠٢، كما تطالب بتأهيل ضحايا التعذيب و جبر ضررهم.

• المطالبة بإيقاف مشروع تغيير التركيبة السكانية و المهنية في البحرين و المعتمد على منح الجنسية البحرينية بشكل استثنائي لحاملين جنسيات أخرى من خلفية مذهبية و ثقافية معينة، و وقف مشروع الجوازات العابرة للحدود.

• المطالبة بإيقاف برنامج التمايز و التهميش و كل أنواع التمييز الطائفي و القبلي و الطبقي و الجندري المعتمد في مؤسسات الدولة و هيئاتها.

• المطالبة باسترجاع الأراضي العامة( في اليابسة و البحر و كذلك الجزر المنهوبة إلى الملكية العامة)

• المطالبة بالتوزيع العادل للثروة- دون تمييز- و محاربة الفساد المالي و الإداري المتغلغل في الأجهزة الرسمية و محاكمة الفاسدين بغض النظر عن نسبهم و مواقعهم.

• المطالبة باحترام و صيانة الحريات العامة و حقوق الإنسان من خلال الممارسة و التشريع و مواكبة ذلك العهود و المواثيق الدولية.

هذه الملفات و المطالبات الأساسية التي طالبنا بها و طالب بها النشطاء ومن خلفهم القواعد و المجاميع الشعبية من شعب البحرين، بكل الوسائل السلمية و الحضارية.

و لكن الآذان صماء و القلوب غير واعية، و بدلا من الاستجابة لهذه المطالب الحقة تم تحريك الماكنة الإعلامية و الأمنية بكل الصلاحيات المفتوحة لها. و تعرضنا خلال ذلك للاستهداف بكل عناوينه بما في ذلك الاعتقال و التعذيب و التهم الكيدية المفبركة و المحاكمات الصورية المفضية لأحكام جائرة بالسجن، إضافة للقذف و تشويه السمعة لي و لعائلتي، بغرض إحكام القبضة و إخراس كل من تسول له نفسه الحديث أو التعبير عن رأيه في هذه القضايا.

الموقف الشعبي (تغيير النظام)

و لما لم يستمع النظام لهذه المطالب الشعبية عبر العرائض و الاعتصامات و الاحتجاجات الشعبية السلمية، و أصر على مواجهة قبضات الأيادي بالرصاص و كل أسلحة الفتك و وسائل التعذيب و القتل و العقاب الجماعي، أيقنت القواعد الشعبية بأن النظام غير راغب أو غير قادر على التغيير و مواكبة المطالب الديمقراطية، جاءت المطالبات بأن يتغير النظام. فالشرعية لأي نظام هي من القواعد الشعبية، و عندما لا يستمع النظام لمطالب الشعب، بل يستخدم كل وسائل العقاب و أسلحة الفتك و القتل ضده، فإنه من الطبيعي أن يعتلي سقف المطالب الشعبية من الإصلاح إلى التغيير، و من الاستمرار مع نفس العقلية و النظام إلى إسقاط النظام و إستبداله من خلال الوسائل السلمية و عبر الآليات الديموقراطية المتعارف عليها. و تكرس هذا المطلب بعد أن سعى النظام في إثارة و تمويل الفتنة الطائفية باستخدام كل الوسائل الإعلامية- المرئية و المسموعة و المقروءة- و عمل على تمزيق المجتمع البحريني الذي عرف بتآلفه و انسجامه و استهداف تمزيق النسيج الإجتماعي مستخدما السياسة الاستعمارية فرق تسد و مستفيدا من الولاءات و التحزبات و أصحاب الضمائر المريضة و النفعيين.

و هذا ما حدث و هذه حقيقة الأمور التي لا يريد النظام و أتباعه أن يقروا بها ، فمن أجل نظام ديموقراطي، لا بد من فسح المجال لأبناء الشعب -الذين يعطون الشرعية لأي نظام – لأن يقولوا كلمتهم و يختاروا النظام الذي يحكم حياتهم و يكون مسئولا أمامهم من كل صغيرة و كبيرة عبر السلطات الثلاث: التشريعية- التنفيذية- القضائية، فهذا الحق الانساني أقرته الشرائع السماوية قبل شرائع الأرض.

إن استمرار الأزمة في البلاد في ظل القبضة الأمنية سوف لن تقنع أبناء الشعب بالعدول عن مطالبهم؛ و يكفي عبرة من التاريخ الذي دلل في أكثر من تجربة على أن الشعوب هي المنتصرة و هي الباقية و أن الأنظمة التي تعارض و تقاوم المطالب الشعبية مآلها للزوال، طال الزمان أو قصر.

إن القادة الحاذقين الذين يطمحون لترسيخ وجودهم و الحفاظ على مواقعهم و كراسيهم هم الذين يختارون صف الشعب و يحققون مطالبه التي بها تزدهر البلاد و تصبح منارة للأمم. و إن صنع الولاء في قلوب المواطنين ليس بشراء الذمم و العسكرة و استعمال القوة و أساليب الترهيب، و إنما بتحقيق: العدل – الحرية- الكرامة- الإنسانية لجميع أبناء الشعب.

حضرات القضاة – أيها الحضور الكريم –

لقد عرفت بالتعبير عن رأيي في العلن متناولا قضايا الشأن العام، و المشاركة في الأنشطة الشعبية و الإعلامية التي تتناول هذه القضايا. لم يخف النظام موقفه مني- ومن جميع النشطاء- عبر القضايا و المحاكمات السابقة و في هذه المحاكمة أيضا، و من خلال سوء المعاملة و التعذيب و كيدية الاتهامات، و الأحكام الجائرة عبر محاكم و قضاء يتحكم فيها بشكل مباشر.

لا شك لدي- و هذا أيضا رأي- بإن هذه المحاكم لا تملك قرارها، و أن الأحكام تأتيها جاهزة من الدواوين و القيادات السياسية لهذا البلد. في القضية السابقة كان رئيس المحققين في جهاز الأمن الوطني يقول لي مؤكدا هذه الحقيقة:” إنت تقول القضاء مسيس، و أنا أقول لك هذا صحيح. لقد جهزنا ضدك ٢٧ اعترافا، هذه المرة، إنت طايح طايح.. يا دكتور”.

هذه المحكمة لن تختلف عن سوابقها، فالتهم كيدية، و الاستدلالات فاسدة، و الإجراءات المتبعة في الاعتقال و التحقيق غير قانونية، و القوانين المستخدمة تنتهك الحقوق، و النيابة موجهة و ليست خصما شريفا- كما تدعي و القضاء تصله الأحكام من الديوان الملكي، عبر نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى. فأي عدل و أي محاكمات عادلة ترجى -إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي- كما يقول المثل.

فلا اعتبار لمقدرة الدفاع و قوة حججهم في رد التهم الكيدية و تفنيدها، بينما الأحكام و القرارات جاهزة و لا استقلالية لهذا القضاد و هو أمر معروف للجميع..

الموقف و المطالبات

كان الدافع من مواصلة الاستئناف و التمييز هو لاستنفاذ الأدوات القانونية المحلية- كما هو مطلوب من قبل المنظمات الدولية المراقبة، و ذلك لإثبات -مرة بعد أخرى- بأن القضاء مسيس و غير مستقل و لا يملك قرار نفسه. و إن بقاءنا في السجن لحد هذه الساعة و تشويه سمعتنا على المنابر و من خلال وسائل الإعلام و النيل منا ما هي إلا دلائل أخرى على ذلك.

كان الأولى- بعد صدور تقرير لحنة التقصي- بأن تغلق المحاكم السياسية، و يتم تبييض السجون، و تقديم الجناة الحقيقيين للعدالة ولكن هذا الأمر لم يحدث لسبب واحد و هو عدم تغير العقلية التي تدار بها البلاد، و هو السبب وراء الأزمات التي تعاني منها البحرين منذ عشرات السنين.

إن استمرار محاكمتنا – و محاكمة جميع النشطاء و المحتجين منذ فبراير ٢٠١١م و حتى الآن، لمؤشر على عدم القدرة على التعاطي مع متطلبات الديموقراطية و احترام حقوق الإنسان و تكريس للتسلط و الدكتاتورية و إلغاء الإرادة الشعبية التي هي المصدر الوحيد لشرعية السلطات.

مستعدون للتضحية

يجب على النظام أن يعي بأننا لسنا في القرن التاسع عشر، و أننا نرفض أن نكون رعاياه (subjects)، إنما نحن مواطنون (citizens) أحرار نطمح بل و من حقنا العدل .. الحرية.. الكرامة.. الإنسانية، و مستعدون للتضحية بالغالي من أجل ذلك. فليتفنن في التعذيب و ليملأ السجون بالأحرار، و يمعن في القتل و العقاب الجماعي و إلحاق المعاناة و الأذى فينا ، فإن ذلك لن يزيدنا إلا إصرارا على مواصلة الطريق، طريق العدل.. الحرية.. الكرامة.. الإنسانية.

و ليعلم النظام أيضا بإن سجننا و تغيبنا سوف لن يقلل من تمسكنا بهذه المبادئ و المطالب كما لن يقلل من تمسك الأحرار بها و التضحية من أجلها. و إن السجن الحالي- بدون تحقيق هذه المطالب- لن يختلف عن خارجه، حيث تكون البحرين سجنا كبيرا. و ليقضي النظام ما يقضي، إنما يقضي هذه الحياة الدنيا.. و إن العطاء سيستمر حتى لو بقينا خلف القضبان حتى الموت أو يقضي الله أمرا كان مفعولا.

لكل ما سبق أطالب بالآتي:

١) الإفراج الفوري و الغير مشروط عن جميع سجناء الرأي و معتقلي الاحتجاجات الشعبية التي جرت في البحرين منذ فبراير ٢٠١١م حتى الآن. و يشمل ذلك تعويضهم و جبر ضررهم من كل ما أصابهم من أذى جسدي و نفسي ومالي.

٢) محاكمة جميع المعذبين و المسؤولين عنهم و المتورطين في التعذيب و سوء المعاملة في جميع الأجهزة الأمنية- بغض النظر عن رتبهم و نسبهم و مواقعهم الإدارية و ذلك من خلال لجنة أممية مستقلة و محايدة و بحسب ما جاء في تقرير اللجنة الملكية لتقصي الحقائق.

كما أعلن عن الاتي طالبا توثيقه بشكل منفرد في محضر الجلسة اليوم:

أولا: إن حضوري هذه الجلسات الأولية هو بهدف تسجيل إفادتي و توثيق ما تعرضت له من تعذيب و سوء معاملة إضافة للانتهاكات التي جرت علي أثناء الاعتقال و التحقيق و المحاكمة: مما ينتقص من مبدأ المحاكمة العادلة. ففي المحاكمات السابقة لم نتمكن من الحديث.

ثانيا: سأتوقف عن حضور الجلسات المستقبلية و عن أي ترافع بأي صورة رافضا الاستمرار في المحاكمة التي لا تتمتع بمقومات الاستقلالية و العدالة.

ثالثا: مع شكري و تقديري لهيئة الدفاع و جهود فريق المحامين الخاص بي، أطلب منهم – بكل إحترام و تقدير( و أخص هنا المحامين الخاصين بي) الانسحاب من هذه المحاكمة ابتداءا من هذه الجلسة و عدم تمثيلي في أي مرحلة من مراحل هذه المحاكمة السياسية.

رابعا: أرفض أن يقوم أحد بتمثيلي قانونيا في هذه المحاكمة كما لا أجيز انتداب أي محام ليمثلني دون موافقتي المعلنة و الرسمية.

الرحمة و السلام على شهداء الوطن الأبرار و النصر للأحرار طلاب العدل.. الحرية.. الكرامة .. الإنسانية

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، و لا بد لليل أن ينجلي و لا بد للقيد أن ينكسر.

عبدالجليل السنكيس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق