إفادة سماحة العلامة الشيخ عبدالجليل المقداد أمام المحكمة الخليفية

المحطة الأولى: (الاعتقال ومحنة التعذيب)

  إن التعذيب الذي تعرضنا له والإساءة لا يمكن للبيان أن يستوفيه في هذه العجالة ، ويعجز القلم عن سطره ، ويعترض اللسان لجلجة عند ذكره ، وقد أسرف القوم فيه وأساؤوا ولا أقول ذلك مبالغة ولكنها الحقيقة لا يشوبها شكٌ ولا ريب ، إنما حصل في سجن القرين ، وبقية السجون جرح لا يندمل وعارٌ لا يمسح ، وانتكاسة لقيم الإنسانية.

في 27 من مارس 2011 وفي قرابة الثالثة بعد منتصف الليل تمت مداهمة منزلي وكنت حينها نائماً مع زوجتي وابني البالغ من العمر 7 سنوات ، وقد فُوجئتُ باقتحام الغرفة و الرشاشات موجهةٌ إليّ مما أثار كثيراً من الرعب و الخوف في قلب زوجتي.

أخذوني من غرفتي وأوقفوني في صالة المنزل، وقاموا بتفتيش المنزل بعد أن قيدوا يدي خلف ظهري، وقد هدّدوني بعض التهديد، ولم يبرزوا لي مذكرة القبض و التفتيش، ولم يعرفوا أنفسهم لي، ثم اقتادوني حافي القدمين رغم أني أعاني من الألم في قدمي اليسرى بسبب الإصابة بانزلاق في غضروف فقرات الظهر.

أركبوني السيارة وأخذوني إلى مكانٍ أجهله لأنه كانت على عيني عصابةٌ، وكانوا يسخرون مني .

وعندما أنزلوني من السيارة لطمني أحدهم على وجهي، ثم حققوا معي في وقت متأخر من الليل، وكنتُ أسمع صراخاً كثيراً لأفراد كانوا يتعرضون للضرب و التعذيب، وعند الصباح قادوني إلى سجن القرين.

وبمجرد وصولي إلى السجن شرعوا في ضربي وإيذائي وإهانتي وقد أمرني بعضهم ويُدعى أبا يوسف بنزع سراويلي فأبيت وقلت له: اتقِ الله أنا بمنزلة أبيك. فكأنه استحى وخرج غاضباً مهدداً.

وبعد خروجه بقليل جاءت مجموعة من الملثمين وانهالوا عليّ بالضرب والركل واللكم على الوجه الظهر والجانبين، وأجبروني على وضع لساني في حفرة صغيرة تجتمع فيها الأوساخ، كما أجبروني على وضع لحس الأرض بلساني وعلى تقبيل أحذيتهم، وكنت أُجبر على الوقوف على القدمين، وأجبروني حين الوقوف على رفع يدي دون أن تعتمد على الجدار، وكانوا يسكبون عليّ الماء وعلى فراشي ووسادتي، وقد عِشتُ ظروفاً قاسيةً جداً فقد كنتُ أنام على الأرض وثيابي مبللة بالماء.

في يوم من الأيام وضعوني على الأرض، وقاموا بجلدي بعد أن سكبوا عليّ الماء وكنت أتألم من الضرب في داخلي، وأظن أن الجَلد كان بحزام من الجلد أو بنعلٍ.

في يوم من الأيام جاء إليّ أبو يوسف وأجبرني على فتح فمي وقام بالبصق فيه وأمرني ببلع البصاق ، وأكرهني على ذلك.

وفي مرة من المرات دخل علي رجل يرتدي الزي العسكري لقوة الدفاع، وسألني عن الشيخ محمد عن المكان الذي يختفي فيه فقلتُ: لا أعلم فانهال عليّ بالضرب و الركل.

وفي ليلة من الليالي وبعد منتصف الليل جاءت مجموعة من الملثمين قال أحدهم “إن الله شديد العقاب” وتوجّهوا إلى زنزانة الشيخ محمد وضربوه فقلتُ: إنه سيموت على أيدهم من شدة الضرب وقد نذرتُ لله نذراً إن سلمه من أيدهم أن أطعم الطعام. وكان أبو يوسف يدخل على الشيخ محمد ويقول له قل أبوك كلب ويجبره على ذلك مغلوباً على أمره وإلا تعرض للضرب، وكان يقول له أيضاً قل أمك ” قحبة ” فيقول ذلك مغلوباً على أمره، وكان يكرّر عليه من هو أبوك فيقول أبي .. ومن هي أمك فيقول أمي كذا.

وفي ذات يوم بصق أبو يوسف في حلق الشيخ ميرزا وأمره ببلع البصاق فلم يستطع وأرجع البصقة فصفعه على وجهه صفعةً سمعتُ صوتها، نعم لقد كنتُ اعتقد أنها صفعة لكن الشيخ أخبرني بعد ذلك بأنها كانت ضربة بخرطوم مطاطي.

وقد استمر معنا التعذيب النفسي و الجسدي قرابة الشهرين والنصف.

هذه هي المحطة الأولى من محطات التعذيب ذكرتها باختصار شديد جداً.

المحطة الثانية: (في النيابة العسكرية)

في النيابة العسكرية حينما كنتُ أقادُ للتحقيق ، أوقفوني في المرة الأولى خارج غرفة التحقيق وكنتُ أضربُ على رأسي بجسم صلب مرات حتى أني شعرتُ بإختلال في رأسي ، وكانوا يوجهون إلي اللكمات على رأسي وجبهتي وكنتُ معصب العينين وأظن ظناً قوياً أني مقيد اليدين وكانت المعاملة قاسية جداً ، وقد أخبرتُ من حقق معي واسمه محمد علي بذلك ، وطلبتُ منه أن لا يوقفني خارج غرفة التحقيق إذا ما تم إستدعائي ثانيةً حتى لا أتعرض للضرب والإساءة ، وأخبرته بما تعرضتُ له من ضرب وإساءة وطلبتُ منه أن يتناول موضوع التعذيب الذي تعرضتُ له في ملف التحقيق ، وقد وعدني بذلك وبعرضي على طبيب لكنه لم يف بوعده.

المحطة الثالثة : (في مبنى الجهاز الوطني)

وهي الأشد على نفسي حيث إقتادوني ليلاً إلى مبنى أظن أنه لجهاز الأمن الوطني ، وما أن وطأت قدمي السيارة التي أركبوني فيها حتى بدأوا بالنيل مني سباً وشتماً واستهزاءً ، وتحرشاً وإساءةً ، ونالني منهم الكثير .

وعندما وصلنا إلى المبنى أجلسوني على سرير وقال لي أحدهم إنا لا نضرب ولكن سنهينك ، ونؤذيك حتى تكره نفسك، وهكذا فعلوا فقد اجتمع علي منهم ما لا يقل عن خمسة أشخاص ، وأساوا إلي اساءة يعجز البيان عن وصفها وتضيق العبارات عن شرحها. لقد قاموا بسبي وسب أمي وزوجتي وبناتي ومذهبي وعلماء مذهبي وكان السبُ و الشتم يقرعُ إذني من كل جانب وقد وضع أحدهم رجله على فخذي وآخر وقف على رأسي ورقبتي وهو يحرك جهازه التناسلي وثالث وضع يده اليمنى على كتفي متكئاً ، ورابع كان يحاول سحب سراويلي وأنا أمنعه وكانت العصابةُ على عيني .

وأسمعني بعضهم تسجيلاً صوتياً زعم أنه لصدام حسين وأنه لازال حياً وسيقضي على الشيعة، ووضع بعضهم جهاز الإتصال في جيبي، وكان يتصل بي ويلزمني بالرد عليه وكان يقول : إنه فولتر أو لفظة قريبة منها ، وبعضهم أسمعني تسجيلاً صوتياً لعزاء الإمام الحسين (ع) للشيخ الأكرف ، وألزمني باللطم على وقع العزاء ، ولم يتوقفوا عن سبي وشتمي وشتم أمي وزوجتي والإساءة إلي طوال المدة التي استمرت كما أخبروني بذلك، ثم أدخلوني على تلك الشخصية وقيل إنها تدعى بالشيخ صقر وامرهم برفع العصابة عن عيني وكان جالساً وأمرني بالجلوس وكان بيننا طاولة مستديرة .

شعار تغيير النظام

 لم يكن شعار تغيير النظام مطروحاً في الوسط الشعبي، إلا أن السلطة وبعد أن أصابها الصمم عن الاستماع للنداءات الوطنية المخلصة بإصلاح السياسات الفاسدة وبعد أن استيأس اليأس من الاستجابة لمطالباتهم بالإنصاف والإنتصاف، وهم يشاهدون الظلم والتمييز والاستئثار بالثروة والتفرد بالقرار هي التي دفعت الناس واضطرتهم إلى رفع شعار تغيير النظام، فلا تلوموا الناس ولوموا أنفسكم.

جاء في تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصير الحقائق فقرة 625 (( ….. وفي بداية الأحداث في البحرين وكما حدث في عقود سابقة كان المطلبُ الأساس هو إجراء الإصلاحات وليس تغيير النظام ، وهو ما كان عليه الحال في المراحل الأولى من المظاهرات و الإحتجاجات التي جرت في كلٌ من تونس ومصر وسوريا و اليمن ولكن كما بينت التجربة فإنه عند عدم الإستجابة لمطلب الإصلاح فإن الأمر يتطور ويرتفع سقف المطالب ليكون المطلب هو تغيير النظام ))

وأعتقد أن هذه الفقرة من التقرير قد وضعت الأصبع على الجرح وأشارت إلى سبب الأزمة في هذا البلد بعبارة واضحة وهو عدم الإستجابة لمطالب الإصلاح وأرى ان الحكومة لو استجابت لمطالب الإصلاح لجنبت البلاد و العباد الأزمات التي مر بها هذا البلد ومنها الأزمة الأخيرة.

إن الانتفاضة التي بدأت في 14 فبراير تعبر عن انطلاقة ذاتية لشعبٍ تعرض للظلم والجور وأصبح ضحية سياسات فاسدة لفترات طويلة.

إن من أخطأً في حق إنسان حسن منه تقديم الاعتذار وجبر الكسر، فكيف بمن أساء إلى الإنسان وانتهك كرامته أو تسبب بإهماله وتقصيره في ذلك، ومن هنا فالمتحتم على السلطة أن تعتذر لأبناء هذا الشعب الذين أساءت وقصرت في حقهم.

سلطة بلا قابلية للحكم

إن مثل هذه السلطة تفقد اللياقة والأهلية للإستمرار في موقعها لو كانت لها القابلية من الأساس ، وإنه لمن المؤسف حقاً أن يتم الحديث عن التعويض المادي للضحايا و الإعراض عن الإعتذار و الإعتراف بالتقصير .

هل الدماء التي أريقت ظلماً وعدواناً تقبل التعويض ؟

هل كرامة الإنسان تعوض بثمن ؟

ما أسهلها من معادلة حينما يُسئ الإنسان لأخيه الإنسان ، ويسرف في حقه ثم يتخذ المال وسيلة لمحو ما سلف منه من إساءة وتقصير !

لا أدري عن أي عنف تتكلم السلطة ؟

هل تتكلم عن العنف الذي ازهق أرواح ابنائنا وشبابنا في السجون ؟ أو عن العنف الذي مزق أجساد ابنائنا وأخواننا ؟ فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من فقد بعض أعضاء جسده .

أو عن العنف الذي ستتحدث به جدران السجون إن أذن الله لها ؟

ولا ينقضي عجبي من حديث السلطة عن العنف وإدانته

لا أدري عن أي عنف تتكلم السلطة ؟

هل تتكلم عن العنف الذي ازهق أرواح ابنائنا وشبابنا في السجون ؟ أو عن العنف الذي مزق أجساد ابنائنا وأخواننا ؟ فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من فقد بعض أعضاء جسده .

أو عن العنف الذي ستتحدث به جدران السجون إن أذن الله لها ؟

أو عن العنف الذي روع النساء والأطفال وهتك الحرمات ، وخالف الأعراف وتجاوز الأخلاق و القيم

أو عن العنف الذي أتلف الأموال و الممتلكات ، بلا مبرر سوى الإمعان في التشفي وإلحاق الضرر ؟

أو عن العنف الذي امتد إلى صفاء القلوب ، فعبث بنقائها ممزقاً روابط المحبة والألفة بين أبناء شعب عرفوا بالتسامح و التعايش ؟

أو العنف الذي نشر روائحه النتنة الخانقة واستنشقها أحرار الوطن ثمناً لإستنشاق نسيم الحرية و الكرامة ؟  ما لكم كيف تحكمون !

زعموا أنهم بتلك الممارسات سيقضون على إرادة شعب طلق الخنوع و الذل ثلاثاً وهام قلبه حباً وعشقاً في وصال العزة و الحرية و التحرر من الأغلال.

قضاء مسيس

لقد كان القضاء ولازال مسيساً تتلاعب به السياسية ، وتوجهه حيث شاءت وتضرب به من شاءت ، وهو سلاح من أسلحة السلطة تَشهره في وجه المعارضين لها.

أقول إلى الذين طالبوا بإنزال أقصى العقوبات في حقنا ، إلى الذين لا زالوا يفترون علينا ويرموننا بالخيانة ، إلى الذين تناسوا قوله سبحانه (( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))

إلى الذين علقوا صورنا ، وعلقوا صور أبنائنا وشبابنا على المشانق ، وطالبوا بإعدامنا، إليهم جميعاً أقول : غداً نلتقي بين يدي الله سبحانه وتعالى ونقول : أردنا الكرامة و العزة و الحرية لأبناء الوطن ، فماذا سوف تقولون ؟

أقول إلى أبنائنا وفلذات أكبادنا وإلى شبابنا الذين يقبعون في السجون : (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ )) ثقوا بالله فهو معنا وهو ناصرنا .

كم عانى الشرفاء من أحكام السلطة القضائية ، ومواقفها المتناغمة مع السلطة و الدائرة في فلك رغباتها وميولها ، وبذلك فقدت سلطة القضاء في كثير من المواقع الإستقلالية و الحيادية ، مما تسبب في ضياع الحقوق وتفشي الظلم وفقد الأمل عند أبناء الوطن في عدالة هذه السلطة وتجردها عن النظر في القضايا المرفوعة إليها.

يوم النطق بالحكم حيث رددنا ” سلمية سلمية شعب يطلب حرية ” بعد أن حكم القاضي بالسجن المؤبد على بعضنا وبأحكام أخرى على البعض الآخر .

عندها أخرجنا أفراد من الشرطة العسكرية من قاعة المحكمة وشرعوا في ضربنا وركلنا بالأيدي والأرجل وقيدونا بالقيود الحديدية وأيدينا إلى الخلف .

وقد ضربني بعضهم ضربة قوية على رأسي دفعتُ أمتاراً إلى الأمام ، ورأيت الأستاذ عبد الهادي يتألم عندما تم ضربه على فكه موضع العملية ، كما رأيتُ الشيخ ميرزا المحروس وقد إحمرت عينه وتورمت من ضربة إصيب بها .

تهمة التحريض على كراهية نظام الحكم والإزدراء به

إنه كلامٌ فضفاض وذو عرضٍ عريض ، يمكن إلصاقه بكل أحد.

ما كنتُ أقوله في خطبي هو لسان مقال البعض ولسان حال الآخر . إنما كنتُ انتقد سياسات فاسدة جرت الويلات والمشاكل إلى هذا الوطن.

كنتُ أنتقد سياسية التفرد بالقرار والإستئثار بالثروة ، وكنتُ أنتقد سياسة التمييز و التجنيس و الفساد المالي ، وهذا حديث يتحدث به الكثير أو الأكثر من أبناء الوطن ، وتلك إنتقادات تجري على لسان القاصي و الداني.

إن إبداء الرأي وتوجيه الإنتقاد أمرٌ تقره المواثيق والأعراف الدولية ، وهو أمر ضروري لمواجهة الفساد والأخطار التي تستتبعها السياسات الفاسدة وما أكثرها !

إن في هذا البلد الكثير من السياسات الفاسدة التي تحتاج إلى علاج جذري ، وليس من العقل و الصواب أن يُمنع الإنسان من توجيه النقد ومواجهة فساد السلطة على ما هي عليه من الشطط و التقصير .

تحذير من محكمة الله عز وجل

وأما محكمتكم هذه فهي على المحك تتنازعها قيم العدالة و الضمير من جهة ، و السلطة وضغوطها ومصالحها من جهة آخرى ، وسوف يصدر الحكم بشأنها في محكمة لا إستئناف فيها ولا تمييز ، ملف دعواها ((اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا )) ، و القاضي فيها هو العالم بما تخفي الصدور ، وشهود إثباتها الجوارح ، إما شهود النفي فيها فكما قال سبحانه وتعالى : (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ )) يوم لا شفيع ولا نصير ولا محام ولا ظهير.

الشيخ عبدالجليل المقداد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق