قراءة في بيانات الثورة – شرارة الثورة

المناسبة : لما هلك ( معاوية بن أبي سفيان ) في يوم الجمعة بتاريخ ( 15 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 23 / أبريل ـ نيسان / 680م ) جلس أبنه ( يزيد ) على كرسي الخلافة الأموية ، وقد كتب إلى والي المدينة وهو ابن عمه ( الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ) يأمره أن يأخذ البيعة من أهل المدينة بوجه عام ، ومن حفيد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة الإمـام الحسين ( عليه السلام ) وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر .. بوجه خاص ، أخذا عنيفا ليست فيه رخصة ، وألحق بالكتاب قصاصة كتب فيها : ” ومن أبى فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه ” .

فلما وصل الكتاب إلى الوليد : أرسل إليهم يطلب منهم الحضور إلى دار الإمارة في ليلة السبت ( 27 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 5 / مايو ـ آيار / 680م ) وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد توقع الأمر واستشعر الخطر ، ولكنه أصر ( من بين الأربعة ) على مقابلة الوليد ، فاستدعى جماعة من أهل بيته وقال لهم : ” إن الوليد استدعاني ، ولا آمن أن يكلفني أمرا لا أجيبه إليه ، فكونوا على الباب ، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي لتمنعوه عني ” وقد أمرهم بحمل السلاح . فلما دخل الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الوليد وجد عنده ( مروان بن الحكم ) فنعى الوليد إليه معاوية ، فاسترجع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ثم قرأ الوليد عليه كتاب يزيد ، فقال له الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ” أما البيعة : فإن مثلي لا يبايع سرا ، ولا يجتزأ بها مني سرا ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ، كان الأمر واحدا ” فقبل منه ( الوليد ) ذلك ، غير أن الوزغ بن الوزغ ( مروان بن الحكم ) تدخل قائلا : ” والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع ، لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم ، ولكن احبس الرجل حتى يبايع أو تضرب عنقه ” .

فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ” يا ابن الزرقاء : أنت تقتلني أم هو ؟
كذبت والله وأثمت ” .

ثم أقبل الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الوليد .. وقال :

نص البيان : ” يا أمير : إنا أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، بنا فتح الله ، وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أينا أحق بالخلافة والبيعة ” .
( البحار . ج 44 . ص 325 ) .

وكان قد ارتفع صوته ( عليه السلام ) فدخل أبناؤه وأخوته وخلصوه .

أولا ـ بين يدي البيان : وفيه نقطتان أساسيتان .. وهما :

النقطة الأولى : لم يفاجأ الإمام الحسين ( عليه السلام ) بما جرى في دار الإمارة ، فقد كان متوقعا لديه ، واستعد من أجل مواجهته ماديا ومعنويا . ولم يكن موقفه ( عليه السلام ) مجرد ردة فعل انفعالية آنية على أطروحة ( مروان بن الحكم ) وإنما كان الموقف محسوبا ومخطط إليه ضمن إستراتجية عمل محددة . فالإمام الحسين ( عليه السلام ) كان متهيئا ومستعدا ومنتظرا لساعة الصفر ، لكي يطلق شرارة الثورة ضد النظام الأموي الظالم المستبد ، وجاء البيان في اللحظة المناسبة ، ضمن سياق تسلسل الأحداث وتطورات الأوضاع ( كما تدل على ذلك التفاصيل ) .

ونخلص من ذلك إلى النتائج المهمة التالية :

النتيجة الأولى : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) كأي قائد يمتلك الكفاءة المطلوبة للقيادة ، كان على درجة عالية من الملاحقة والمتابعة للأحداث على مستوى القراءة والفهم والتحليل الدقيق والكشف المكثف عن الأوضاع واستشراف المستقبل ، ورسم السيناريوهات المطلوبة للمواقف المتوقعة ، والحضور بروح المسؤولية ( الدينية والاجتماعية ) مع الحدث ، من خلال المواقف المطلوبة فعلا .. وليس المبررة ، والاستعداد الدائم للتكيف مع ما هو جديد ، وتقديم التضحيات اللازمة إذا تطلب الأمر .

النتيجة الثانية : أن المواقف السياسية القوية تأتي ( غالبا ) في سياق سياسي وتاريخي مرصود بدقة ، وأنها لا تنفصل عنه ، وهذا يستدعي أن يكون القائد على قدر كبير من المتابعة ودقة التحليل واستشراف المستقبل ، ويمتلك الشجاعة الكافية لاتخاذ الخطوات والمواقف المطلوبة ( فعلا ) في الوقت المناسب لخدمة القضايا المصيرية في مشروع عمله بدون خوف أو تردد .

النتيجة الثالثة : لقد كان البيان الذي أطلقه الإمام الحسين ( عليه السلام ) في دار الإمارة ، الحد الفاصل بين مرحلتين من حياته الجهادية كأحد أئمة المسلمين الذين يتحملون مسؤولية الأوضاع في الأمة الإسلامية ، فقد انتقل الإمام الحسين ( عليه السلام ) من مرحلة الاستعداد والترقب ، إلى مرحلة الفعل والحركة في ساحة المواجهة والتحدي .. وذلك : حينما أصبحت الظروف ملائمة والثورة مطلوبة .

النقطة الثانية : لم يكن البيان مجرد خطاب سياسي استهلاكي ، فقد بدأ الإمام الحسين ( عليه السلام ) من فوره بالتحرك ، واستعد للخروج من المدينة متوجها إلى مكة المكرمة ، في أول خطوة على طريق الثورة المباركة ، كاشفا بذلك عن خاصية من أهم خصائص الخطاب الإسلامي الثوري .. وهي : إن الخطاب الإسلامي الثوري ، خطاب عمل ذو مصداقية عالية في التطبيق .

وكان خروجه ( عليه السلام ) من المدينة متوجها إلى مكة ، في ليلة الأحد بتاريخ ( 28 / رجب / 60هـ ) الموافق ( 6 / مايو ـ آيار / 680م ) أي : بعد ليلة واحدة من البيان .

وفي البحث عن المصداقية في الخطاب السياسي نجد أمامنا حالات أربع ينبغي علينا الوقوف عندها .. وهي :

الحالة الأولى : تعمد الخطيب الكذب على الجماهير وخداعها ، فيقول ما يعلم بأنه سوف يخالفه في العمل ( اختيارا ) سرا وعلانية ، وهذا عمل قبيح ومدان عند الله ( جل جلاله ) والعقلاء من الناس .. وهو يدل على الغدر والخيانة والنفاق .

الحالة الثانية : أن يكون مراد الخطيب الصدق والوفاء ، ثم تأتي الظروف التي تحيل بينه وبين الوفاء ( قسرا ) رغم شدة حرصه على الوفاء بما وعد به الناس وكامل استعداده للتضحية من أجل الوفاء بوعده ، وهذا الخطيب معذور عند الله ( جل جلاله ) وعند العقلاء من الناس .

الحالة الثالثة : أن يكون مراد الخطيب الصدق والوفاء ، ثم تواجهه ظروف صعبة في وقت العمل تتطلب منه الصبر والتضحية ، فيتراجع ويلغي إرادته ( اختيارا ) تحت تأثير الضعف والخوف ، وهذا عمل قبيح ومدان عند الله ( جل جلاله ) والعقلاء من الناس ، وصاحبه مستحق للوم والتوبيخ ( إسلاميا ) وبعيد عن حقيقة الإيمان ، ومبغوض عند الله ( تبارك وتعالى ) والحالة تدل على نقص الكفاءة والتربية الصالحة .

الحالة الرابعة : أن يكون مراد الخطيب الصدق والوفاء ، ثم يفي بما قاله مادام قادرا على الوفاء ، وإن تطلب منه الوفاء بذل التضحيات التي يقرها العقلاء من الناس . وهذا هو الخطاب الوحيد ذو المصداقية ، القادر على مواجهة الانحرافات والتحديات الصعبة في المجتمع ، وتغيير الإنسان والتقدم بالحياة العامة إلى الأمام وصياغتهما ( الإنسان والحياة ) إسلاميا ليكونا تجسيدا حيا للمشروع الإسلامي العظيم في أبعاده الفردية والمجتمعية ، وهذه الحالة هي الحالة التي تمثل خط الخطباء من الثوار المؤمنين الذي أراد اللـه ( تبارك وتعالى ) لهم السير فيه .

قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ } .
( الصف : 2 ـ 4 ) .

وقد روى علماء التفسير ( من المدرستين ) روايات كثيرة في سبب نزول الآية الشريفة المباركة المذكورة أعلاه .. خلاصتها : أن جماعة من المؤمنين كانوا يقولون : وددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به ، فأخبرهم الله ( تبارك وتعالى ) أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه ، والجهاد في سـبيل الله ، فكـره أناس الجهاد ، وشـق عليهم ، وتباطؤوا عنه .

وفي بعض الروايات : أن الله ( تبارك وتعالى ) أخبرهم عن الثواب العظيم لشهداء بدر فقالوا : ما دام الأجر هكذا ، فإننا سوف لن نفر في الغزوات المقبلة ، إلا أنهم فروا في غزوة أحد ولم يثبتوا ، وقد شج وجه الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكسرت رباعيته بسبب فرارهم .

ومن خلال هذه الروايات تتضح لنا قيمة المصداقية في القول وفضلها ، والفرق الكبير بين التمني والوفاء .

ونخلص من ذلك كله إلى النتائج المهمة التالية :

النتيجة الأولى : أن الخطاب الإسلامي الثوري ، خطاب ذو مصداقية عالية ، فهو لا يأتي من فراغ ، ولا يأتي من أجل الاستهلاك والمناورات الكلامية واللعب السياسية الجوفاء ، وإنما هو ( حقيقة ) خطاب مدروس ، ومخطط له بعناية فائقة ، وأنه مسبوق بإستراتيجية واضحة وخطة عمل محددة ، وهو يدل عليهما ويعبر عنهما . فهو يحدد المواقف السياسية ويؤسس لها فكريا وسياسيا وأخلاقيا واجتماعيا على أضواء مشروع عمله الشامل ، ويمهد لها الطريق ، ويحشد إليها ، ويدافع عنها ويحميها من التشويه والانتقاص .. والجماهير الواعية : هي الجماهير التي لا تخدعها الكلمات البهلوانية الاستعراضية ، ولا الكلمات المنمقة المشبعة بفنون التمثيل والخداع والاستهلاك واللف والدوران ، فهي تنظر إلى المواقف على الأرض ، وإلى المحطات الرئيسية في السيرة الشخصية للخطيب ، وتعيش النقد والتقييم الواعي والواقعي للكلمات أو الخطب والخطوات السياسية التي تتخذ على الأرض ، لكي تحدد مصداقية الخطيب ، والقيمة العملية لخطابه ، فهذا ما تعلمناه من مدرسة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وثورته .

النتيجة الثانية : أن المشروع الإسلامي مشروع واقعي حي متحرك على الأرض ، ومن أجله يأتي الخطاب الإسلامي ، ويؤسس للمواقف السياسية على أضوائه ، ومن خلال المواقف السياسية يتحول المشروع الإسلامي إلى واقع فعلي حي متحرك على الأرض .

إني أأكد هنا : أن قيمة الخطاب تتمثل في تحويله إلى فعل ، وبدون ذلك يفقد الخطاب مصداقيته وقيمته العملية والسياسية ، ويتحول إلى عقبة وسبب من أسباب اهتزاز الواقع والفشل والضياع وإفساح المجال لتغلل القوى المضادة ودخولها على الخط لممارسة دورها في التشويش وتخريب التفكير وإقلاق الواقع .

قراءة في البيان : لقد تضمن البيان الكثير من الأفكار والحقائق .. وهي كالتالي :

أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” يا أمير “

تدل هذه العبارة على تأدب الإمام الحسين ( عليه السلام ) في مخاطبة الآخرين ، فقد خاطب الوليد بلقبه الرسمي ” يا أمير ” وهذا يدل على التأدب ولا يعني إضفاء الشرعية على المنصب ، وقد كثر مثل هذا في سيرة الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) في مخاطبتهم للخلفاء وأصحاب المناصب الرسمية .. ولا يصح القول : بأن ذلك جاء في مجرى التقية ، لأن الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد أعلن في هذا البيان عن موقف ثوري في غاية القوة والصلابة والتحدي .. وهو موقف ليس فيه أي مكان للتقية .

ونخلص من ذلك إلى النتيجة التالية : أن الثورية الحقيقية لا تعني سوء الخطاب للآخرين ، وتجريد أصحاب المناصب من ألقابهم ، وإنما تعني قوة المواقف وصدقها ، والتزام الأدب والمبادئ الأخلاقية والذوق الإنساني الرفيع في خطاب الثورة وكامل فصولها .

ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” إنا أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ” .

يتضمن هذا المقطع من البيان نقطتين أساسيتين .. وهما :

النقطة الأولى : الإشارة إلى أنه من أهل البيت الذين أذهب الله ( تبارك وتعالى ) عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

النقطة الثانية : أن أهل البيت ( عليه السلام ) هم حملة الرسالة والمدافعين عنها والقائمين عليها بعد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وهذا يدل على أن الأمام الحسين ( عليه السلام ) لا يتحدث هنا عن انتمائه المادي لبيت النبوة ( الدم والقرابة ) وإنما يتحدث عن الامتداد الرسالي الذي يمثله لخط النبوة ، والانتماء الصادق لمدرستها الربانية العظيمة .. فكريا وروحيا وأخلاقيا وسياسيا .

يريد الإمام الحسين ( عليه السلام ) أن يقول لنا : بأن موقفه الثوري من الحكم الأموي المستبد الظالم مبني على انتمائه الصادق إلى مدرسة النبوة العظيمة وتمثيلـه لـها ، وأنـه ( عليه السلام ) ملتزم بما يمليه عليه انتماؤه إليها من القيم الأخلاقية الرفيعة ، والمبادئ الإنسانية السامية ، والمواقف السياسية والثورية الصادقة ، ولن يحيد عنها ( قيد شعرة ) مهما كلفه ذلك من ثمن وتضحيات جسيمة .

وعليه : فإن كل من ينتمي بصدق وإخلاص إلى هذه المدرسة الربانية العظيمة ، فهو يسير على نفس المنهج الذي سار عليـه الإمام الحسين ( عليه السلام ) سبط الرسول الأعظم الأكـرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة ، في الثورة على الانحراف والظلم والاستبداد والتخلف والفساد ، وتقديم التضحيات اللازمة في هذا السبيل ، وعدم الانحناء أمامها مهما كان الثمن .. مادام في دائرة التكليف .

ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” بنا فتح الله ، وبنا يختم “ .

هذه العبارة تشير إلى بداية المسيرة الإسلامية الثورية ( في مرحلتها الأولى ) على يد الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونهايتها ( في مرحلتها النهائية ) على يد الإمام القائم المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ليقول لنا : أن ثورته المباركة تأتي في السياق التاريخي لهذه المسيرة الثورية الربانية المباركة الطويلة ، وأنها تخدم نفس الأهداف ( تطهير الأرض من كل أشكال الباطل والظلم والاستبداد والتخلف والرذيلة ، وإقامة نظام اجتماعي عقائدي عادل ) وأنها تأتي بنفس القوة والثبات على المبادئ والاستعداد للتضحيات العظيمة . فهو على وعي كامل بتاريخ المسيرة الثورية الطويل ومتطلباتها ، وانه يمتلك مقومات السير فيها ، والاستعداد الكامل لتقديم التضحيات من أجل تحقيق أهدافها المباركة العظيمة .

الجدير بالذكر : أن من شعارات أصحاب الإمام القائم المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) شعار : [ يا لثارات الحسين ] ( البحار . ج 52 . ص 308 ) .

ونصل مما سبق إلى النتيجة التالية : أن صدق الانتماء لمدرسة النبوة العظيمة ، ولمسيرتها الثورية المباركة ، يفرض على المنتمي إليها : أن يكون على وعي بتاريخها ومتطلباتها التاريخية ، وأن يكون على كامل الاستعداد لتقديم التضحيات اللازمة لـتحقيق أهدافها المقدسة العظيمة .

رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، ومثلي لا يبايع مثله ” .

يتضمن هذا المقطع من البيان نقطتين رئيسيتين .. وهما :

النقطة الأولى : الإشارة إلى صفات ( يزيد بن معاوية ) .
النقطة الثانية : رفض الإمام الحسين ( عليه السلام ) البيعة لـ( يزيد ) .

ويدل هذا المقطع من البيان على أمور مهمة عديدة .. منها :

الأمر الأول : أن الخليفة أو الحاكم في منطق الإسلام ( وهو منطق الفطرة والعقل ) يجب أن يتحلى بصفات معينة .. منها : الاستقامة والالتزام العملي بالدين ، وإقامة العدل بين الناس ، وإلا أصبح وجوده في الحكم مضر بالمجتمع والدين ، ويجب على كافة المسلمين عدم تمكين الفاسقين والظلمة من الحكم في المجتمعات الإسلامية .

الأمر الثاني : أن إنسانية الإمام الحسين ( عليه السلام ) وصدق انتمائه للدين ، لا يسمحان له بمبايعة ( يزيد بن معاوية ) وتمكينه من الحكم في المجتمع الإسلامي ، وأنه ملتزم بذلك وفاعله مهما كلفه من تضحيات ٍ.

قال الإمام الحسين ( عليه السلام ) لأخيه محمد بن الحنفية ( رضي الله تعالى عنه ) قبيل خروجه من المدينة المنورة : ” يا أخي !! لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ” ( البحار . ج 44 . ص 329 ) .

الأمر الثالث : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يشخص بأن مصلحة الدين والمجتمع تفرض عليه رفض البيعة لـ( يزيد بن معاوية ) ومقاومة حكمه ، وهذا هو تكليفه الديني ، وأنه سائر في هذا الطريق ، ومستجيب لهذا التكليف ، مهما كلفه ذلك من تضحيات .

ونصل مما سبق إلى النتائج المهمة التالية :

النتيجة الأولى : أن تكليف المسلمين هو عدم تمكين الفاسقين والظلمة من الحكم والقيادة في المجتمعات والدول الإسلامية .. ما وجدوا إلى ذلك سبيلا . هذا هو الأصل ، والاستثناء يحتاج إلى عذر واقعي نابع من الدين ، وليس عذرا وهميا نابعا من الخوف أو الطمع في الدنيا .

النتيجة الثانية : ضرورة التأسيس الفكري ( إسلاميا ) للمواقف السياسية ، لأن التأسيس الفكري هو الذي يمنح للمواقف السياسية هويتها ، ويحدد قيمتها المعنوية ، ويتيح الفرصة لتقييمها بدقة وموضوعية ، وأن المواقف السياسية التي لا يتم التأسيس لها ، هي مواقف فاقدة للهوية والقيمة المعنوية .. وتمثل شكلا من أشكال الضياع والعبث في الحياة .

رابعا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أينا أحق بالخلافة والبيعة ” .

يتضمن هذا المقطع من البيان نقطتين أساسيتين .. وهما :

النقطة الأولى : الإشارة إلى عزم الإمام الحسين ( عليه السلام ) على الثورة ، ووضع سلطة ( يزيد بن معاوية ) على المحك من الناحية الشرعية والعملية .

النقطة الثانية : أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يقدم نفسه كبديل يحظى بالشرعية الدينية والقبول الشعبي له بالخلافة لدى المسلمين .

ولمزيد من الفائدة وتسليط الضوء على كلام سيد الشهداء في هذا المقطع من البيان ، نبحث بشيء من الاختصار في مصادر السلطة وأهم عناصرها الأساسية .

إن السـلطة التي تتولى زمام القيـادة في الدولة ، تحتاج إلى عنصرين أساسيين تتألف منهما .. وهما :

العنصر الأول ـ القوة : التي من خلالها تستطيع السلطة فرض إرادتها وتحقيق أهدافها في الدولة ، وبدونها تفقد السلطة مصداقيتها وواقعها كسلطة على الأرض ، بغض النظر عن شرعية الأساليب المتبعة للحصول عليها ، فقد تتبع الأطراف المتصارعة على السلطة أساليب مشروعة .. مثل : الإقناع ، وقد تتبع أساليب غير مشروعة .. مثل : الإغراء والتخويف والإرهاب .

العنصر الثاني ـ الشرعية : والتي من خلالها يسوغ للسلطة إعمال إرادتها واستخدام قوتها لفرض النظام في الدولة ، وبدونها تتحول السلطة إلى ظاهرة استبداد وظلم يجب على أبناء الشعب مواجهتها بهدف القضاء على الاستبداد والظلم أو إزالة السلطة المستبدة وتبديلها بسلطة أخرى تتمتع بالشرعية .. لأن القبول بالسلطة المستبدة : من شأنه أن يقضي على الإرادة الحرة الواعية للشعب ، ويقضي على كرامته الإنسانية واستقلاله .

ومصدر القوة هو : الإرادة الاجتماعية الغالبة في الدولة ، فمن يمتلك هذه الإرادة يستطيع أن يمتلك السلطة وأن يحافظ على ديمومتها ، ومن يفقدها لا يستطيع الوصول إلى السلطة أو المحافظة على ديمومتها .

وعليه : فالسبيل إلى السلطة والمحافظة على ديمومتها هو الحصول على الإرادة الغالبة في المجتمع .. وذلك عن طريق : الهيمنة على مجموعة من الإرادات الفردية وتوجيهها توجيها يجعل منها إرادات متراكمة منسجمة تبلغ المستوى الذي تكون به الإرادة الغالبة ، ليكون من خلالها الوصول إلى السلطة ( بغض النظر عن شرعية أو عدم شرعية الأساليب المتبعة للحصول عليها ، وشرعية أو عدم شرعية الموازين التي تقوم عليها من جهة كونها متطابقة مع موازين الحق والعدل والفضيلة أو مخالفة لها ) .

والمطلوب في الأصل : صدور السلطة عن الإرادة الشعبية الحرة الواعية ، والتعبير الصادق عنها ، والتبادل السلمي للسلطة في ظل الشرعية ورضا أبناء الشعب .

أما مصدر الشرعية : فهو الله ( تبارك وتعالى ) ( وحده ) في الدين الإسلامي الحنيف ، والشعب في المذاهب الوضعية الأكثر شهرة ومقبولية .

وبالرجوع إلى قول الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ” ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أينا أحق بالخلافة والبيعة ” نجد أنه ( عليه السلام ) يطرح خلافة ( يزيد بن معاوية ) للمحاكمة الشرعية والسياسية أمام الناس ، ويدعي عدم شرعيتها الدينية ، وعدم رضا الناس بها ، ويقدم نفسه ( عليه السلام ) كبديل شرعي ، ويدعي بأن الخيار لو ترك للناس ، فإنها لن تختار ولن تبايع غيره . فخلافة ( يزيد بن معاوية ) خلافة غير صحيحة بالمقاييس الشرعية والعقلائية ، وأنها مفروضة على الناس بالقوة على خلاف إرادتهم ومصلحتهم .. مما يعطي الشرعية للخروج عليها ومقاومتها بالسلم والقوة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق