قراءة في بيانات الثورة – فلسفة الثورة

المناسبة : توديع الصحابي الثائر ( أبي ذر الغفاري ) سنة ( 30هـ / 650م ) وقد أخرجه الخليفة الثالث ( عثمان بن عفان ) من المدينة المنورة إلى منطقة الربذة ( على بعد ثلاثة أميال من المدينة ) بعد أن أخرجه ( معاوية بن أبي سفيان ) قبل ذلك من الشام ، بسبب ثورته على الانحراف والظلم والاستبداد والاضطهاد والتمييز بين المسلمين والفساد المالي في الدولة الإسلامية ، وقد فشل الخليفة ( عثمان بن عفان ) في إسكاته بكل وسائل الترهيب والترغيب ، فأمره بالرحيل إلى الربذة ، وكلف ( مروان بن الحكم ) بالإشراف على خروجه ، ومنع الناس من الخروج لوداعه ، فلم يخرج لوداعه غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولديه : الحسن والحسين ( عليهم السلام ) وأخيه عقيل بن أبي طالب وتلميذه النجيب عمار بن ياسر ( رضي الله تعالى عنهما ) وقد حاول ( مروان بن الحكم ) منعهم من التوديع ، إلا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) تقدم إليه وضرب بسوطه رأس راحلته قائلا : ” تنح نحاك الله إلى النار ” فرجع ( مروان بن الحكم ) شاكيا إلى الخليفة ( عثمان بن عفان ) وقام الأشخاص الأربعة بواجب التوديع ، وقد تكلم كل واحد منهم بكلام يتناسب مع المقام .. وكان كلام الإمام الحسين ( عليه السلام ) وهو في الثلاثين من عمره :

نص البيان : ” يا عماه : إن الله قادر أن يغير ما قد ترى ، والله كل يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ، ومنعتهم دينك ، وما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم ، فسأل الله الصبر والنصر ، واستعذ به من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وأن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا ” .
( أبو ذر الغفاري . السيد الأمين . ص 50 ) .

أولا ـ بين يدي البيان : إن خروج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولديه : الحسن والحسين ( عليهم السلام ) والصحابيين : عقيل بن أبي طالب وعمار بن ياسر ( رضي الله تعالى عنهما ) لوداع الصحابي الثائر أبي ذر الغفاري ( رضي الله تعالى عنه ) مع منع الخليفة عن توديعه ، يؤسس ( إسلاميا ) لقاعدتين مهمتين في العمل الإسلامي المعارض للسلطات المستبدة الظالمة في العالم الإسلامي .. والقاعدتين هما :

القاعدة الأولى : أن الالتزام بالحق والحقوق والعدل والفضيلة ، مقدم على الالتزام بالقوانين المخالفة لها .

القاعدة الثانية : أن القوانين المخالفة للحق والحقوق الثابتة ( دستوريا ) باطلة وليس لها حرمة قانونية .. وينبغي الخروج عليها في سبيل : إحقاق الحق ، وإقامة العدل ، ونشر الفضيلة ، واسترجاع الحقوق .

ثانيا ـ قراءة في البيان : لقد لخص الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذه الكلمات القليلة ، النظرة الفلسفية لدى الثوار المؤمنين التي يستندون إليها في ثوراتهم على الظلم والاستبداد طوال التاريخ ، وعلى ضوء أنوارها القدسية ، نفهم حقيقة ثورته المباركة العظيمة ضد الخليفة الطاغية ( يزيد بن معاوية ) .

ويتضمن البيان الكثير من الحقائق والأفكار .. وهي كالتالي :

أولا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” يا عماه : إن الله قادر أن يغير ما قد ترى ، والله كل يوم هو في شأن ” .

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة .. منها :

النقطة الأولى : رؤية الله ( تبارك وتعالى ) للواقع الذي يعيشه الناس وهيمنته عليه وقدرته على تغييره .

النقطة الثانية : الإشارة إلى عدم توقف الله ( تبارك وتعالى ) عن الخلق والإبداع ، مما يجعل تغير الأوضاع مأمولا ، وهذا من شأنه ( بالتأكيد ) أن يبعث الأمل في قلوب المستضعفين والثوار المؤمنين .

قال الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ” الله تعالى كل يوم في شأن ، فإن من شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ويضع آخرين ” ( من وحي القرآن . فضل الله . ج 21 . ص 313 ) .

ويدل هذا المقطع من البيان على أمور عديدة مهمة .. منها :

الأمر الأول : أن الأحداث تجري بعين الله ( تبارك وتعالى ) وهو القادر ( وحده ) على أن يفعل ما يشاء .. وعليه : فإن الوضع الاستكباري والاستبدادي الظالم مهما عظم وكبر ، فإنه لا يدخل اليأس إلى قلوب المؤمنين ، لأن الله ( تبارك وتعالى ) ( عندهم ) أعظم منه وأكبر ، وأنه ( جل جلاله ) قادر على تغييره متى شاء . فالإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة تعيش ( دائما ) في ظل العقيدة التوحيدية العظيمة المباركة ، الأمل في تغيير الأوضاع الظالمة والمنحرفة ، ولا تيأس من تغييرها ، مهما عظمت وكبرت ، وعظم تجبر القائمون عليها وعظم طغيانهم ، وعظم بطشهم وتنكيلهم ، وعظمت وكبرت إمكانياتهم وقدراتهم المادية والبشرية ، وعظمت وكبرت وكثرت الصعوبات في وجه التغيير .

ومن جهة ثانية : فإن الإنسان المؤمن ( نفسه وعمله ) والقوى الثورية المؤمنة هم بعين الله ( تبارك وتعالى ) ولن يصيبهم إلا ما كتبه الله ( رب العزة والكبرياء والجلال والعظمة ) عليهم ، فلا أحد يستطيع أن يضرهم أو ينفعهم إلا بإذن الله السميع العليم ( جلت وعظمت قدرته ) وهذا مما يشعر الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة ( دائما ) بالاطمئنان إلى التسديد الإلهي لهم في التفكير والعمل ، وعدم خوفهم من القوى الاستكبارية والطاغوتية المستبدة والظالمة أثناء قيامهم بدورهم الجهادي التغييري في الحياة .

الأمر الثاني : أن الهزيمة الظاهرية ( السياسية أو العسكرية ) للقوى الثورية المؤمنة ، أتباع الحق وأنصار العدل والحرية والفضيلة والكرامة ، لا تمثل نهاية المطاف في الصراع بين قوى الحق والباطل ، وقوى النور والظلام ، وقوى الخير والشر ، وقوى العدل والظلم ، وقوى الفضيلة والرذيلة ، وقوى الكرامة والمذلة . فالحق والعدل والنور والفضيلة والكرامة والحرية هي المنتصرة ( من الناحية الواقعية ) دائما وابدأ ، لأنها قادرة ( ذاتيا ) على الاستمرار والبقاء ومواصلة الصراع مع أضدادها ، وإن هزم أتباعها في معركة ( سياسية أو عسكرية ) في وقت معين .

والخلاصة : لا ينبغي أن يدخل اليأس إلى قلوب القوى الثورية المؤمنة أتباع الحق ، وأنصار العدل والحرية والفضيلة والكرامة مهما قست الظروف عليهم ، وعليهم أن يستفيدوا من الأخطاء ، ويطـوروا التجربة الثورية والجهادية بتوفير الشروط الموضوعية للنصـر ( بصورة أفضل ) ويعيدوا الكرة تلو الكرة دون وهن أو ضعف أو سأم ، حتى يستطيعوا في نهاية المطاف أن يحققوا النصر الظاهري إلى جانب النصر الواقعي للحق والعدل والحرية والفضيلة والكرامة على وجه الأرض .

قال الله تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } .
( آل عمران : 139 ـ 142 ) .

وقد أثبتت تجارب التاريخ الطويل : أن الحق هو المنتصر رغم تعرض أتباعه لهزائم كبيرة وخسائر فادحة ، بدليل سقوط دول الباطل والظلم والقهر والعدوان الواحدة تلو الأخرى ، والحق قائم وصامد وثابت وقادر على المقاومة مدى التاريخ ، وتزداد فرصه يوما بعد يوم لتحقيق النصر المطلق على دول الباطل والقضاء النهائي عليها .

الأمر الثالث : أن تكليف المؤمنين والقوى الثورية المؤمنة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ( عز وجل ) والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين والمستضعفين في الأرض ، وأن يبذلوا وسعهم في توفير الشروط الموضوعية المطلوبة لتحقيق النجاح وتحصيل أفضل النتائج .. وأهمها : القيادة الحكيمة ، والكفاءة في الأداء ، والانضباط التنظيمي ، والشجاعة ، والصبر ، والإخلاص ، والاستعداد التام لتقديم التضحيات اللازمة ، واختيار الظروف والتوقيت المناسب للمعركة .. غير أن النتائج في الحقيقة ليست بأيدهم ، وهم غير مسؤولين عنها بعد أن يستفرغوا وسعهم في تشخيص الواقع ، وأداء التكليف على أحسن وأكمل وجه ، فالنتائج بيد الله ( تبارك وتعالى ) وحده ، وليس على الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة إلا أداء تكليفهم الشرعي في الحياة ، وأن يسلموا الأمر في النتائج إلى الله ( تبارك وتعالى ) وحده .. مع التأكيد : أن الصدق والإخلاص إلى الله ( تبارك وتعالى ) واستفراغ الوسع في توفير الشروط الموضوعية ، وتقديم التضحيات اللازمة .. هي : من أكثر العوامل تأثيرا لتحقيق النجاح وتحصيل أفضل النتائج .

الأمر الرابع : أن أفضل النتائج هي النتائج التي تحافظ على وجود الدين والقيم المعنوية في المجتمع ، وعلى المصالح الجوهرية ( المادية والمعنوية ) للناس ، وقد تتطلب المحافظة عليها من الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) التضحية بأنفسهم ، وأموالهم ، وراحتهم ، وأمنهم ، واستقرارهم ، وما يملكون .. وأن عليهم أن يفعلوا ذلك بنفس راضية مطمئنة .

قال الله تبارك وتعالى : { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } ( آل عمران : 157 ) .

وهذا لا يعني بأنهم لا يفكرون بصورة واقعية ، وإنما يعني تقديمهم لرضا الله ( تبارك وتعالى ) ومصلحة الدين ، والقيم المعنوية ، على المصالح المادية ، وتقديم المصالح العامة للدين والمجتمع على مصالحهم الخاصة والشخصية .. قربة إلى الله ( عز وجل ) .

ونخلص من ذلك إلى ثلاث نتائج رئيسية .. وهي :

النتيجة الأولى : أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة في حسابات الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة في الحياة ، وأنهم يرون أن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة يعود عليهم بنفع أكبر في الدنيا والآخرة .

النتيجة الثانية : أن التضحيات وإن عجزت عن تغيير الواقع .. في وقت معين ، إلا أن النتائج الإيجابية التراكمية للتضحيات المستمرة ، سوف تؤدي حتما إلى إصلاح الواقع وتطويره { وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } بينما يؤدي العزوف عن التضحيات إلى تراكم الانحراف والفساد والظلم والاضطهاد والاستبداد والتخلف ، مما يؤدي بالإنسان إلى أن يعيش ذليلا مظلوما مقهورا ، ويدفع من إنسانيته وكرامته ومصالحه الجوهرية ثمنا أكبر بكثير من التضحيات التي تتطلبها الثورة والتغيير والإصلاح ، ويقع عليه من جراء السكوت والتقاعس الضرر البليغ في الدين والدنيا والآخرة . وهذا ما لا يدركه أصحاب النظرة المادية للحياة ، الذين تخضع حساباتهم للتحليل المادي في الربح والخسارة ، ولا يدركه ضعاف الإرادة والنفوس ، الذين لا يدركون الأبعاد الحقيقية للأوضاع ، ويقدمون مصالحهم الشخصية الآنية ( طائعين أو تحت تأثير الترهيب والترغيب ) على مصلحة الدين والقيم المعنوية والمصالح العامة للمجتمع ، كما لا يدركه أصحاب النظرة الآنية القصيرة الذين تتجمد عيونهم وعقولهم وقلوبهم على اللحظة القائمة ( فعلا ) بعيدا عن النظر إلى حركة التاريخ ، وتبدل الأوضاع ، وتغير موازين القوى في المجتمعات والدول .

القرآن الكريم يؤكد لنا على أن موازين القوى في المجتمعات والدول تتغير وتتبدل ، فالقوي يمكن أن يتحول إلى ضعيف ، ويتحول الضعيف إلى قوي ، والمنهزم يمكن أن يتحول إلى منتصر ، ويتحول المنتصر إلى منهزم .. وهكذا .

قال الله تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } ( آل عمران : 139 ـ 140 ) .

وقال الله تعالى : { غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ( الروم : 2 ـ 5 ) .

وهذا ما تثبته التجربة التاريخية المستوعبة ( كحقيقة ) لنا جميعا ، مما لا يجعل أي مجال للشك فيها .. ومع ذلك : نجد أمامنا منهجين في تعاطي القوى السياسية مع الحكومات المستبدة والقوى الاستكبارية .. والمنهجان هما :

المنهج الأول : يرى أصحابه بأن تغيير ميزان القوى لا يأتي دفعة واحدة وإنما بالتدريج ، وذلك في ظل تطوير الشعوب المستضعفة لتجاربها في الثورة والمقاومة ، وتقديمها التضحيات المستمرة والمتواصلة التي من شأنها أن تزيد من قوة المستضعفين ونفوذهم بالتدريج ، وتنقص من قوة المستكبرين ونفوذهم بالتدريج ، حتى تحين ساعة تغير ميزان القوة ، التي يتحول فيها الضعيف إلى قوي ، والمنهزم إلى منتصر .

وعليه : يصر أصحاب هذا المنهج على الرفض والثورة والمقاومة ، والسعي إلى تطوير التجربة الثورية والجهادية ، وتقديم التضحيات اللازمة حتى تحين ساعة النصر على الأعداء . وهذا هو المنهج القرآني الذي يعمل من خلاله الثوار المؤمنون ، وكان في طليعتهم الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الطيبين الطاهرين ( عليهم السلام ) حيث كان الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يأمر أصحابه ( في مكة ) بالصبر أمام جبروت واضطهاد قريش ، حتى حانت ساعة الانتصار والقضاء النهائي على الأعداء .

المنهج الثاني : يجمد تفكير أصحابه على اللحظة وإدراك صعوبة الواقع فيها ، ويرون من خلالها عدم إمكانية التغيير ، وعبثية المقاومة والتضحية ، فيستسلموا ويقبلوا بالأمر الواقع صاغرين ، ويدعوا إلى القبول به تحت عنوان الدبلوماسية والحكمة والواقعية .. وأرى في هذا المنهج بأنه :

أولا ـ غير واقعي : لأنه أغفل التجربة التاريخية برمتها .
ثانيا ـ غير حكيم : لأنه قبل بالذل والصغار .
ثالثا ـ مخالف للعقل والفطرة : لأنهما يرفضان القبول بالذل والصغار والهوان .
رابعا ـ غير قرآني ومخالف للدين : لأنه يتصرف على خلاف الحقائق التي يطرحها القرآن الكريم وسير الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) .

وباختصار شديد : هو منهج قصيري النظر ، وضعاف النفوس والإرادة ، وقليلي الخبرة والتجربة ، الذين يعملون على غير بصيرة ولا هدى ولا كتاب منير .

النتيجة الثالثة : أن المصالح المعنوية مقدمة على المصالح المادية في حسابات الإنسان المؤمن والقوى الثورية المؤمنة في الحياة ، لأن إنسانية الإنسان وعزته وشرفه وكرامته وسعادته في الدنيا والآخرة تتوقف على ذلك .

والخلاصة : أن الثوار المؤمنين والمجاهدين الأعزاء ، لا ينطلقون في جهادهم وثورتهم من مصالحهم المادية والشخصية ، وإنما ينطلقون من رضا الله ( تبارك وتعالى ) والمحافظة على الدين والقيم المعنوية والمصالح الجوهرية ( المادية والمعنوية ) إلى الناس ، وإن تطلب ذلك منهم التضحية بأنفسهم ، وأموالهم ، وراحتهم ، وأمنهم ، واستقرارهم ، وما يملكون ، وأنهم لا يتجاهلون النتائج المباشرة للحدث ، وإنما ينظرون إلى النتائج التراكمية الإيجابية للتضحية ، وإلى النتائج التراكمية السلبية للعزوف عنها أيضا .

ثانيا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” وقد منعك القوم دنياهم ، ومنعتهم دينك ، وما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم ” .

يتضمن هذا المقطع نقاط عديدة .. منها :

النقطة الأولى : الإشارة إلى منطلقات الصراع والاختلاف الدائر بين أبي ذر ( رضي الله تعالى عنه ) والسلطة ، حيث ينطلق أبو ذر ( رضي الله تعالى عنه ) من خوفه على الدين والآخرة والعدالة الاجتماعية ، وخوف السلطة على الدنيا والثروة والنفوذ .

النقطة الثانية : الغنى المعنوي لأبي ذر ( رضي الله تعالى عنه ) عما في أيدي السلطة من النفوذ والثروة ، وفقرهم المعنوي إلى مـا عنده من الإيمان والقيم السماوية والإنسانية العالية .

ويدل هذا المقطع من البيان على أمور عديدة .. منها :

الأمر الأول : أن نظام الحكم القائم على الرؤية المادية للحياة هو نظام عقيم وظالم ، وهو عبارة عن كتلة قذرة من المنافع المادية وشهوة الحكم وجنون العظمة ، تمتاز بالصلابة والعفونة .. وأن الحكام في ظل هذا النظام : ينظرون إلى الإنسان على أنه مجرد وسيلة لإشباع نزواتهم وطموحاتهم غير المشروعة إلى السلطة والثروة ، وهم لا يتنازلون عن ظلمهم وامتيازاتهم وصلاحياتهم ومصالحهم غير المشروعة .. إلا مكرهين ، وإنهم يمتلكون كامل الاستعداد لأن تجري الدماء أنهارا على وجه الأرض لكي يحتفظوا بالسلطة والثروة والامتيازات المحرمة .

الأمر الثاني : لقد ربى الإسلام العظيم المؤمنين على الثورة والمطالبة بالحق والعدل والحرية والفضيلة والكرامة وكافة الحقوق ، فهم دائما في حالة استنفار ضد قوى الباطل والظلم والظلام والاضطهاد والاستبداد والتخلف والفساد ، وقد أعطى للمظلومين الحق في انتزاع حقوقهم من الظالمين ، وحرضهم على ذلك ، ليكون الجهاد أوسع باب من أبواب الجنة .. وأكثر الأعمال محبوبية إلى الله ( تبارك وتعالى ) .

قال الله تعالى : { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
( الشورى : 41 ـ 42 ) .

وقال الله تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ( الحج : 39 ـ 40 ) .

وقال الله تعالى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا . وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا . الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ( النساء : 74 ـ 76 ) .

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : ” أما بعد : فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنته الوثيقة .. فمن تركه رغبة عنه : ألبسه الله ثوب الذل ، وشمله البلاء ، وديث بالصغار والقماء ، وضرب على قلبه بالأسداد ، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد ، وسيم الخسف ، ومنع النصف ” ( نهج البلاغة . ص 121 ) .

الأمر الثالث : ينطلق الثوار المؤمنون في صراعهم مع السلطات الحاكمة المستبدة وسائر خصومهم السياسيين والعسكريين ، من حرص الثوار المؤمنين على دينهم والآخرة ، والالتزام بما يأمرهم الله ( تبارك وتعالى ) به من المحافظة على الحق والعدل والفضيلة والكرامة والمصالح الجوهرية إلى الناس . بينما ينطلق القائمون على السلطة المستبدة الظالمة وسائر الخصوم السياسيين والعسكريين للثوار المؤمنين ، من حرصهم على الدنيا وسعيهم النزق للاستئثار بالسلطة والثروة ، فيوقعهم ذلك في الظلم والرذيلة والاستبداد والاضطهاد والتعدي على حقوق الآخرين وظلمهم ، فيقع الصراع بينهم وبين الثوار المؤمنين .

ومن النتائج المهمة لهذا الطرح : أن المؤمنين الصادقين قد يختلفوا مع بعضهم في الآراء والمواقف السياسية ، ولكن هدفهم من وراء الاختلاف هو رضا الله ( تبارك وتعالى ) والمصلحة العامة وليس المصالح الخاصة .. وعليه : فالمؤمنون لا يتحولون إلى خصوم وأعداء سياسيين ، فضلا عن أن يقع بينهم القتل والقتال ، لأن المؤمن لا يهدد المؤمن في دينه وآخرته ، ولا يسعى للإضرار بمصالحه المادية المشروعة ، والتنافس على المناصب والوجاهة والمصالح المادية يمكن حدوثه بين عامة المؤمنين لا خاصتهم ، إلا أنه لا يمكن أن يخرج عن دائرة ما هو مسموح به شرعا ، مما يمنعهم من تحويل هذا التنافس إلى عداء وخصومة وصراع وقتل وقتال بينهم .. فإذا حدث شيء من ذلك : فسوف يكون الإخلاص والالتزام بالدين وتوخي المصلحة العامة موضع تساؤل وشك لدى سائر المؤمنين .

الأمر الرابع : أن الإنسان لم يخلق عبثا ، وإنما خلق لغاية وهدف ، وأن حياته تقوم على أصول واقعية ، تجعل من الإنسان الذي يراعيها ويتمسك بها ( تحت تأثير الدين والعقل والفطرة ) سعيدا في الدنيا والآخرة ، والإنسان الذي يخالفها ويخرج عليها ( تحت تأثير أهواء النفس وشهواتها ، وإتباع الشيطان ، والاستسلام لرغبات الطواغيت والمنحرفين ) شقيا في الدنيا والآخرة .. ويرى الإمام الحسين ( عليه السلام ) : أن أبا ذر من الصنف الأول ، وخصومه من الصنف الثاني .

الأمر الخامس : أن الإنسان المؤمن الثوري المجاهد في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخلاص العباد من الظلم والجور والاضطهاد والإذلال ، غني في نفسه وإنسانيته بربه ودينه وآخرته عن دنيا السلاطين وغيرهم من عبيد الدنيا وأعداء الإنسانية ، بينما خصومه وأعداؤه في حاجة ماسة ( كبشر ) إلى الدين والآخرة ، فقد كتب الله ( جل جلاله ) على الإنسان الموت ، فلن تدوم له الحياة الدنيا ، وسوف يفارقها أراد فراقها أم لم يرد ، وأن السلطة والثروة والجاه والمنصب والمكانة البعيدة عن الله ( تبارك وتعالى ) وعن دينه الحنيف والقيم الإنسانية الرفيعة ، لن تنفع أصحابها بشيء في الآخرة ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا جنود ، إلا من أتى الله بقلب سليم .. بل سوف تكون وبالا عليهم في يوم القيامة .

قال الله تبارك وتعالى : { يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ . وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا . يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ . وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ . كَلَّا إِنَّهَا لَظَى . نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى . تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى . وَجَمَعَ فَأَوْعَى } ( المعارج : 8 ـ 18 ) .

والخلاصة : أن تمسك الثوار المؤمنين بطريق الجهاد في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخدمة الإنسانية ، ومقارعة الظلم والظالمين ، والدفاع عن المظلومين والمستضعفين والمضطهدين في الأرض ، خير لهم من السلطة والثروة والمكانة التي يتهالك عليها السلاطين وعبيد الدنيا وخنازير الشهوة .

ثالثا ـ قوله ( عليه السلام ) : ” فاسأل الله الصبر والنصر ، واستعذ به من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وأن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا ” .

بعد أن أسس الإمام الحسين ( عليه السلام ) للثوار المؤمنين السير في طريق الجهاد في سبيل الله ( عز وجل ) وخدمة الإنسانية وتحرير العباد من الظلم والإذلال والاضطهاد ، أوصاهم بأمرين وحذرهم من أمرين .

أوصاهم أولا : بأن يسألوا الله ( تبارك وتعالى ) أن يمدهم بالصبر على السير في طريق ذات الشوكة ، طريق الجهاد والثورة ومقارعة الظلم والظالمين ، وأن يسعوا للحصول عليه من خلال تعلقهم بالله العزيز الجبار الرحيم بعباده المؤمنين .. والصلاة أفضل وسيلة .

وقال ( عليه السلام ) : ” فإن الصبر من الدين والكرم ” لأن الله تعالى أوصى بالصبر ، ووعد أن يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب .

قال الله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ .. إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } ( الزمر : 10 ) .

والصبر من كرم النفس العزيزة الأبية ، وهو سبيل إلى العطاء والجود بالنفس والنفيس في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخدمة البشرية والحياة الإنسانية الكريمة .

وأوصاهم ثانيا : بأن يسألوا الله ( جل جلاله ) النصر والظفر على الأعداء ، لأن النصر لا يأتي إلا من عند الله ( تبارك وتعالى ) وحده .. وليس بالأسباب المادية وغيرها .

قال الله تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } ( آل عمران : 126 ) .

وقال الله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } ( التوبة : 25 ) .

وحذرهم أولا ـ من الجشع : وهو صفة تتصل بسلوك الشخصية حيال إشباع ذاتها ، وهو يعني أمور عديدة .. منها :

الأمر الأول : الحرص الشديد على المصالح المادية .
الأمر الثاني : عدم اكتفاء الإنسان الجشع بنصيبه في الأشياء ، وإنما يتعداه للاستحواذ على نصيب الآخرين ونهب حقوقهم .
الأمر الثالث : أن الإنسان الجشع لا يلتزم بالإشباع المشروع ، وإنما يتعداه إلى الإشباع غير المشروع .
الأمر الرابع : أن الإنسان الجشع يحب أن يمدح بما ليس فيه من الخصال والأفعال .

وللجشع صورتان أساسيتان .. وهما :

الصورة الأولى : الحرص على الإشباع الزائد عن الحاجة .
الصورة الثانية : الانغلاق على الآخرين .

فالجشع : إنسان مريض ، خبيث النفس ، سيء الظن بالله ( تبارك وتعالى ) وبالمجتمع ، سيء السلوك ، متخلق بالباطل والظلم والرذيلة والفحش .. غير منتج وضار بالمجتمع .

والخلاصة : أن الإنسان الجشع أبعد ما يكون في فكره وأخلاقه وسلوكه عن فكر وأخلاق وسلوك الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) ولا يمكن أن يكون واحدا منهم بأي حال من الأحوال .

وقال ( عليه السلام ) : ” أن الجشع لا يقدم رزقا ” وذلك لأنه ليس للإنسان من الرزق إلا ما كتبه الله ( تبارك وتعالى ) له .

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالـب ( عليه السلام ) : ” أعلموا أن عبدا وإن ضعفت حيلته ، ووهنت مكيدته ، أنه لن ينقص ما قدر الله له . وإن قوي عبد في شدة الحيلة ، وقوة المكيدة ، أنه لن يزداد على ما قدر الله له ” ( ميزان الحكمة . ج4 . ص 107 ) .

وهذا لا يعني الحث على التوقف عن طلب الرزق والتوسع فيه والاهتمام به من خلال الأسباب الطبيعية ( فذلك من التواكل المنهي عنه ) وإنما يعني التأكيد على أن الرزق لا يتوقف على سعة الحيلة وطلب العبد وجهوده فقط ، وإنما يتوقف على طلب العبد وجهوده بالإضافة إلى تقدير الله ( تبارك وتعالى ) له ( وهو التوكل ) مما يؤدي إلى إيجاد الأمل في قلوب المستضعفين وعدم يأسهم من فتح أبواب الرزق عليهم وتغير سوء حالهم .

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ” لا تدع طلب الرزق من حله ، فإنه عون لك على دينك ، وأعقل راحلتك وتوكل ” ( البحار . ج 71 . ص 137 ـ 138 ) .

وحذرهم ثانيا ـ من الجزع : وهو الحزن والخوف وعدم الصبر على ما ينزل بالإنسان من الشر والبلاء . وهو يدل على الجبن ، وضعف النفس ، وقلة العقل والدين ، وغلبة الهوى ، وسوء الظن بالله ( تبارك وتعالى ) ويورث الهم والفشل ، ويقطع الأمل ، ويعظم الفجيعة ، ويحبط الأجر ، وهو سيد الانحراف ، ومفتاح كل شر .

وقد أجمعت الاتجاهات النفسية بأكملها : على أن الصبر هو جوهر الإرادة الضابطة للسلوك ، لكي تكون الغلبة للعقل والدين والقيم ، وهو من خواص كمال الشخصية ، والوسيلة الأساس التي ينبغي أن يركبها الإنسان في مواجهة الشدائد والمحن ، وبدونه يضيع العقل والدين والتقوى ، وتتفاقم المشكلات ، ويتراكم الانحراف ، وتتحطم الشخصية ، وتفشل في تخطي الصعوبات وتحقيق أهدافها الكبيرة في الحياة .

والخلاصة : أن الإنسان الجزوع أبعد ما يكون في فكره وأخلاقه وسلوكه عن فكر وأخلاق وسلوك الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) ولا يمكن أن يكون واحدا منهم بأي حال من الأحوال .

وقال ( عليه السلام ) : ” والجزع لا يؤخر أجلا ” لأن الأجل ( المدة المحددة للشيء ) مقدر عند الله ( تبارك وتعالى ) فلا يموت الإنسان قبل أجله مهما كانت الأحداث وفعل المتربصون .. فالأجل حصن وحارس للإنسان قبل كل شيء .

قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } ( آل عمران : 145 ) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ” كفى بالأجل حرزا ، إنه ليس أحد من الناس ، إلا ومعه حفظة من الله يحفظونه أن لا يتردى في بئر ، ولا يقع عليه حائط ، ولا يصيبه سبع ، فإذا جاء أجله خلوا بينه وبين أجله ” ( البحار . ج 78 . ص 64 ) .

والخلاصة : أن التخلي من الجشع والجزع ، والتحلي بالصبر والكرم ، من الأمور الأساسية الجوهرية ، لكي يكون الإنسان من الثوار المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله ( تبارك وتعالى ) وخدمة الدين والإنسانية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق