نصرة الحسين (ع)

تمهيد

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ)[1].

وقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ)[2].

وقال عز من قال (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)[3].

هذه هي المعادلة التي يطرحها القرآن الكريم، معادلة شراء النفس من المؤمنين وبذل الإنسان بالتجارة مع الله سبحانه وتعالى ما يحب وإنفاقه ما يحب في سبيل الله وفي سبيل قضيته وكرامته ومبادئه.

ماذا يحب الإنسان؟ الإنسان يحب الحياة والدنيا والمتعلقات بالدنيا، متعلقات الدنيا من النساء والبنين والأموال والخيل المسوّمة، كل هذه الأمور هي علائق الإنسان بالدنيا، عندما يحب الإنسان نفسه والحياة وأبنائه وزوجته وعياله وأمواله وممتلكاته، هذه الأمور تجعل الإنسان يخلد إلى الأرض ويتعلق بالدنيا، الله سبحانه وتعالى يقدم عرض للإنسان بأنه يشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ويقدم لهم الجنة في المقابل، كيف هو التجارة؟ قال ( يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ )[4] وهذا ( وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا )[5]، الوعد الحق هو الواعد الذي لا يتخلف، لذلك كلنا يتمنى البر، البرهو الخير الكثير ولكن الله سبحانه وتعالى يقول ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ )[6]، لن تأكيد فيها بأنه لن تنالوا البر، متى؟ قال ( حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )[7]، الإنسان يحب الراحة والحياة وأبنائه والمال والدعة، الله سبحانه وتعالى يخاطبنا إذا أردتم البر وهو الخير الكثير عليكم أن تنفقوا في سبيل الله وهذا الذي تحبوه من أنفسكم وأموالكم وأبنائكم، تنفقوه في ماذا؟ في سبيل الله والقضايا العادلة والمبادئ الإسلامية الراقية، الله سبحانه وتعالى يختبر الأمة في المنعطفات الخطيرة والحساسة في حبهم لله أم للدنيا، في أنهم هل يبذلون أنفسهم لله وهل باعوا أنفسهم لله أم لا زال هناك تشبذٌ بالدنيا؟ ففي المنعطفات الحساسة والخطيرة هناك ثلاثة أصناف من البشر:

الصادقين

  • الصنف الذي يعبر عنه القرآن بالصادقين حيث يعبر ( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )[8] وفي آية أخرى ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ )[9] هؤلاء يسميهم القرآن بالصادقين، من هم أولئك الصادقين؟ الصادقين هم أولئك الذين تخلوْا عن كل عوالق الدنيا وقطعوا وصلتهم بالدنيا وذابوا في الله وقدموا أنفسهم في الله، لذلك ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا )[10]، فالصادقين هم أولئك الذين هدموا وقطعوا كل جسور العودة للدنيا وانطلقوا إلى الله سبحانه وتعالى بلا تردد أو تراجع أو قلق أو شك أو ترديد.

نحن في ساحة كربلاء لدينا مشاهد كثيرة من مشاهد الصدق مع الله ولكن نذكر مثالاً واحداً من هذا الصنف وهو صنف الذين صدقوا، حينما حلّت ليلة عاشوراء وقف الإمام الحسين (ع) خطيباً في القوم فقال: «اللهم إنك تعلم أن أهل بيتي أوفى أهل بيتٍ» وبدأ يثني على أهل بيته «ولا أصحاب أوفى من أصحابي» وبعدين قال لهم «هذا الليل فاتخذوه جملاً»، قال لهم بإمكانكم أن تذهبوا وترحلوا فالقوم يريدوني فقام أحدهم من بني هاشم وقال: «كيف تريدنا أن نرحل؟» ويقال أنه عبدالله بن مسلم بن عقيل، كيف تريدنا أن نرحل يا أبا عبدالله، كيف يقول عنا الناس؟ إننا تركنا ابن عمنا وسيدنا ورحلنا عنه، فقام زهير بن القين ووقف خطيباً وقال: «وددت لو أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت يُفعل ذلك بي مئة مرة والله ما تركتك يا حسين»، هذا الثبات هذا اليقين هذا الصدق، هذه الحماسة والاندفاع في سبيل الله وعدم الشك والتردد يجعل الإنسان مستعد لأن يُقتل ويُنشر مئة مرة ولكن لا يترك الحسين، لن يترك الحسين ليس لأنه شخص بل لأنه قضية ورسالة، الحسين يمثّل رسالة الله في الأرض، لذلك كان زهير بن القين يمثل موقف الصدق وهو الصنف الأول الذي تحدثنا عنه.

النصرة المشروطة

  • أما الموقف والصنف الثاني من الناس، هم يحبون الخير والله والآخرة ويقدمون في سبيل الله ويقدمون في سبيل الله ولكن مشكلتهم أنهم لم يقطعوا جسور الوصال بالدنيا، كانوا قد جعلوا لهم خط رجعةٍ، يقدمون من أنفسهم وأموالهم في سبيل الله ولكنهم يبحثون عن خط رجعةٍ للدنيا، يذكر لنا التاريخ «الضحّاك بن عبدالله المشرقي» أحد أصحاب الإمام الحسين (ع) ومحبيه، جاء هو مع صديقه «مالك بن النظر الأرحبي»، عندما اقترب الإمام الحسين (ع) من الكوفة فذهبوا إليه ليسلموا عليه ويتبركوا برؤيته، فعندما وصلوا عند الإمام الحسين، دعاهم الإمام الحسين (ع) لنصرته في كربلاء، فالصنف الثاني الذي نريد أن نتحدث عنه هو «الضحّاك بن عبدالله المشرقي»، قال له: «إن عليّ ديْن وأن لي عيال»، انظر ما الذي يبرر به، هو علائق الدنيا، قال إن عليّ ديْن وأن لي عيال ولكن أنا مستعد أن انصرك ولكن بشرط واحد وهو إذا كان نصرتي يسبب دفع الضرر عنك وعن عيالك أنا مستعد أن أبقى وأقاتل معك ولكن في حال وجدت لا أنصار لك وأن قتالي معك لا ينفعك فأذن لي بأن ارحل من كربلاء، هذا الصنف كان لديه الجرأة في أن يقاتل مع الله وكان لديه الاستعداد للجهاد في سبيل الله وكان يحب الإمام الحسين (ع) وقد قاتل في كربلاء حتى بقي مع الحسين أربعة أشخاص فذهب إلى الحسين (ع): «هل أنت على الاتفاق الذي كنا عليه؟» قال له الإمام الحسين: «نعم»، فكان قد خبأ خيله في فسطاطٍ قريب من كربلاء ومن ساحة المواجهة، فقاتل قتالاً شرساً وقتل منهم أفراداً وقطع أيدي بعضهم وفر إلى خيله وهرب من ساحة المعركة، هذا الصنف نجده  في مجتمعنا بشكلٍ كبير جداً، يحب الخير ولديه استعداد للعطاء ولكنه لا يقطع جسور الوصال بالدنيا، يبقى هناك أمور تعلقه بالدنيا، يبحث عن خط رجعة بحيث إذا حصلت فرصة للرجوع إلى الدنيا يبقى له هذا الخط، لا يقطع جسور العودة إلى الدنيا مع أنه وصل إلى كربلاء ومن أحسنُ حظاً منه وهو يقاتل بين يدي الحسين ولكن في اللحظات الأخيرة من يوم عاشوراء يترك الإمام الحسين (ع) وحيداً ويرحل من ساحة كربلاء، هذا الصنف مجتمعاتنا مبتلاةٌ به كثيراً جداً، يحب الخير وأهل الخير وأولياء الله والجهاد في سبيل الله ولكنه دائماً يفكر في خط العودة، إذا لن يقطع الإنسان خط العودة وجسور العودة، لن يهدم جسور العودة إلى الدنيا كان ذلك تهديداً في أنه في أي لحظةٍ ممكن أن يسقط ويتراجع ويتخلى عن طريق الحق، هذا الضحّاك اختلف المحللون للسيرة، كثيرٌ منهم لا يعرفون ماذا يقولون عن الضحاك، هل هو خذل الإمام الحسين ويكون مشمولاً باللعنة الذي: لعن الله أمة سمعت بذلك، ولم تنصر الإمام الحسين (ع)، أو أنه لا هو قام بنصرة الإمام الحسين (ع) بما يستطيع وبعد ذلك هو فرّ من ساحة كربلاء، الباحثون في حيرةٍ من أمره ولا يعرفون ولا يستطيعون أن يعطون قراراً حتمياً في شأنه لأنه تخلى عن الإمام الحسين في نهاية المطاف وكان نصرته نصرة مشروطة بأنه إذا نفعتك نصرتي أبقى وأنه قاتل في ساحة كربلاء وقتل من الأعداء ولكن عندما وجد موقف الإمام الحسين موقف ضعيف ولا ناصر له ولا معين ترك الإمام الحسين (ع) وفرّ من ساحة كربلاء.

عدم نصرة الحسين (ع)

  • الذي كان يرافقه «مالك بن نظر الأرحبي» هو من الصنف الثالث، كان من أصحاب الإمام أو من محبين الإمام الحسين (ع) وقد خرج من الكوفة إلى كربلاء من أجل التشرف بلقاء الإمام الحسين (ع) ولكن حينما دعاه الإمام الحسين (ع) إلى النصرة، تعذّر للإمام بقوله: «أن عليّ ديْن وليي عيال فاعفني يابن رسول الله» ولم يقبل أن يشارك مع الإمام الحسين (ع)، تعذّر لأن لهُ عيال يجب عليه أن يرعاهم ويحفظهم وأن عليه ديون يجب عليه أن يسددها، ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ )[11] الذي تعذّر به هو علائق الدنيا، ما يربط الإنسان بالدنيا ويدفع الإنسان ليخلد إلى الأرض، الإمام الحسين لم يستطع أن يجبره فإذن له بأن يرحل.

المفارقة العجيبة بينن هذه الأصناف الثلاثة وهي مفارقة يجب علينا أن نتوقف عندها، الأول هو زهير بن القين وقد كان معروفاً أنه عثماني الهوى، زهير بن القين كان يعلم بأن الحسين مقبلٌ إلى الكوفة فخرج من الكوفة لكي لا يلتقي مع الحسين لأنه لا يحب الحسين، كان عثماني الهوى ولكن حينما دعاه الإمام الحسين (ع) بالنصرة نصره خيرة النصرة وقال: «وددت لو أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت تم قتلت ثم نشرت، يُفعل بي ذلك مئة مرة والله ما تركتك يا حسين»، أما أولئك أنهم يدعون أنهم من محبين الإمام الحسين (ع) ومن أولياء الحسين (ع) والذين يسبّحون باسم الحسين، في كل المجالس يذكرون اسم الحسين ويرفعون الحسين بيرقاً بأنهم موالين ومحبين له تخلفوا عن نصرة الحسين في المنعطف الحساس والخطير، هذه المسألة تحتاج منا التأمل، كثير من أولئك الذين يدّعون بأنهم قريبين من القادة وقريبين من القيادات في اللحظات المصيرية والخطيرة يتخلفون عن القادة وكثيرٌ من أولئك الذين لا تربطهم أي رابطةٍ بالقادة حينما تحل لحظة النصرة ولحظة الفداء تجدهم يضحون بأنفسهم وأموالهم ويتركون كل عوالق الدنيا، أمر ملفت آخر وهو أن زهير بن القين – جيد أن نلتفت إلى هذه النكات – زهير بن القين كان ثرياً وسيداً في قومه، أما الضحاك بن عبدالله المشرقي ومالك بن النظر الأرحبي لم يكن لديهم مال ولم يكونوا أشرافاً في قومهم، يعني الذي كان ينبغي أن يتعلق بالدنيا من؟ من يملك الدنيا، كان سيداً في قومه وكان لديه تجارة كبيرة جداً ولم يكن من المحسوبين على الإمام الحسين (ع) ولكن حينما دعاه الإمام الحسين (ع) تخلى عن كل دنياه وذهب إلى زوجته وقال: «ارجعي لأهلك»، وذهب لنصرة الإمام الحسين (ع) وقاتل قتالاً شرساً حتى وقع في ساحة كربلاء، جاء له حبيب بن مظاهر قال له أوصني قال: «أوصيك بهذا الغريب خيراً»، لم يوصيه بعياله وزوجته وماله، قال: «أوصيك بهذا الغريب خيراً»،وأولئك الذين يرفعون اسم الإمام الحسين وشعار الإمام الحسين ولم يكونوا يمتلكوا من فتات وزخارف الدنيا شيء، تخلفوا عن نصرة الإمام الحسين.

الصنف الثاني الذي نصر الإمام الحسين نصرةً مشروطة وترك الإمام الحسين في كربلاء وذهب ورحل عنه والآخر الذي لم يقبل حتى أن يشارك في نصرة الإمام الحسين.

علينا أن نراقب أنفسنا ومواقفنا فقد لا نملك من الدنيا شيء ولكن قلوبنا متعلقة بالدنيا وقد يأتي ذلك الذي يمتلك من الدنيا زخارفها وزبارجها وذلك يكون هو الذي يضحي من أجل الدين والمبادئ  والقضايا المصيرية في الأمة.

أسال الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا مع الصادقين، اللهم لك الحمد حمد الشاكرين لك على مصابهم الحمدلله على عظيم رزيتي اللهم ارزقنا شفاعة الحسين يوم الورود وثبت لنا قدم صدقٍ مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع).

والحمدلله رب العالمين وصل اللهم على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

المراجع والمصادر

  • [1]- التوبة: 111
  • [2]- الصف: 10-11
  • [3]- آل عمران: 92
  • [4]- التوبة: 111
  • [5]- نفس المصدر
  • [8]- التوبة: 119
  • [9]- الأحزاب: 23
  • [10]- نفس المصدر
  • [11]- الكهف: 46
الوسوم

أضف تعليق

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق