الإمامة بين المنهجين الذاتي والموضوعي

قال الرسول الأعظم الأكرم (ص): «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».

هذا الحديث ورد في مصادر الحديث لمدرسة أهل البيت (ع) ولمدرسة الخلفاء، وهذا يعني اتفاق المسلمين على أن الرسول الأعظم الأكرم (ص) هو من أطلق وصف الإمامة على الحسنين، ولم يطلق على أحد من الخلفاء والأصحاب سواهما إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وقد أطلق المسلمون هذا الوصف مقيدا على غيرهم مثل: الإمام مالك والإمام أحمد، والمراد أنه إمام في الفقه والحديث، فإمامته مقيّدة على غرار إمام الصلاة، أما إمامة أمير المؤمنين والحسنين فمطلقة، ولهذا دلالته لمن يطلب الحقيقة في معرفة مقام أهل البيت (عليهم السلام).

وليس هذا موضوع حديثي في هذه الليلة المباركة، وإنما أردت فقط التبرك وتحريك الفكر في هذه المسألة، أما موضوع الحديث، فهو: «الإمامة بين المنهجين الذاتي والموضوعي».

الإمامة والمنهجان الذاتي والموضوعي

قول الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إمامان قاما أو قعدا» يدل على أن الإمام الشرعي قد يقوم وقد يقعد في مواجهة الظالمين، فالحكم الشرعي ليس متعلقاً بذات القيام أو القعود، وهما ليسا مطلوبين في نفسيهما، ولكن السؤال: هل شرعية المنهج والموقف وصوابيتهما تنبع من ذات الإمام، فما يراه شرعيا وصائبا فهو كذلك، وما يراه غير شرعي وخاطئ فهو كذلك، أم تنبع الشرعية والصوابية من الشؤون الموضوعية المتعلقة بالموضوع؟

الجواب: إن الاعتقاد بالموضوعية من الثوابت في الرؤى الإسلامية ـ بحسب مدرسة أهل البيت عليهم السلام ـ في مختلف مجالات المعرفة، فمثلا:

• الحق هو ما طابق الواقع، وليس ما يراه الإنسان صواباً فهو صواب، وما يراه خطأ فهو خطأ، أو ما يرى فيه منفعة فهو صحيح، وما يرى فيه مضرة فهو خطأ.

• والعدل هو الإنصاف والاستقامة على طريق الحق والبعد عن المحظور، والعدل في الجزاء أن يكون موافقا للعمل، قول الله تعالى: (جَزَاء وِفَاقًا)[1]، ولهذا رفضت مدرسة أهل البيت (ع) الرأي القائل: بأن العدل هو ما يفعله الله عز وجل، فلو أدخل المؤمنين الصالحين إلى النار، وأدخل الكافرين والفاسقين إلى الجنة، فليس في ذلك مخالفة إلى العدل!

• والجميل هو ما يتوفر على صفات موضوعية، مثل: الوحدة، والاعتدال، والتناسب، والانسجام بحيث تجعل منه شيئا جميلا وتولد في النفس الشعور بالبهجة والرضا، وليس ما يراه الإنسان جميلا فهو جميل بغض النظر عن صفاته الموضوعية، وما يراه قبيحا فهو قبيح بغض النظر عن صفاته الموضوعية.

وهذا ينطبق على الأطروحات والمناهج العملية والسلوك والمواقف للمعصوم وغيره، فشرعيتها وصوابيتها لا ينبعان من ذات الإمام، وإنما من الشؤون الموضوعية المتعقلة بالموضوع، قول الله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)[2].

فشرعية القيام والقعود وصوابيتهما ينبعان من الشؤون الموضوعية وليس من ذات الإمام، بحيث يكون القيام أو القعود شرعيا وصائبا لمجرد أن الإمام فعله، ولا علاقة لذلك بالشؤون الموضوعية.

وأرى في القول بأن الشرعية والصوابية في الأطروحات والمناهج العملية والسلوك والمواقف أنهما ينبعان من ذات الإمام يؤدي إلى:

• تهافت أطروحات الأئمة (ع) وسيرتهم.

• ويسقط حجيتها.

• ويجعل الاقتداء بهم في دائرة غير المعقول وغير الممكن.

إلا أن الحديث يدل على شرعية وصوابية سلوك الإمام ومواقفه دائما، وهذا لا يعني أن الشرعية والصوابية ينبعان من ذات الإمام، وإنما يعني أن الإمام بما هو معصوم:

• يكون ـ بشكل دائم ـ صائبا في تشخيص الحق في الأطروحات والمناهج، والعدل والمصلحة في السلوك والمواقف، وذلك على أساس موضوعي.

• وأنه يمتلك من الشجاعة والنضج بحيث يلتزم بما هو شرعي وصائب، ولا يخالفه إلى غيره مهما كانت الصعوبات والتضحيات.

وقد وضع لنا أهل البيت عليهم السلام قاعدتين:

القاعدة (1) للتعاطي مع المعصومين: قول الرسول الأعظم الأكرم في علي عليهما السلام: «علي مع الحق والحق مع علي»، فالمعصوم دائما على الحق، والاختلاف معه يدل إما على الخطأ في الفهم والتشخيص أو على الضعف في الالتزام، فعلى كل من يختلف مع المعصوم أن يراجع نفسه ويصحّح خطأه. وليس ذلك من التقليد الأعمى، وإنما العقل يحكم بأن قول المعصوم وفعله دليل على الحق في الأطروحات والأقوال، والصواب والعدل في السلوك والمواقف، فقول المعصوم وفعله بمنزلة الأدلة والبراهين التي يطلبها العقل لإثبات الحق في الأطروحات، والعدل والصواب في المناهج والسلوك والمواقف.

القاعدة (2) للتعاطي مع غير المعصومين: قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «اعرف الحق تعرف أهله»، فغير المعصوم مطالب بأن يقيم الدليل ويأتي بالبرهان على صحة أطروحاته وصوابية منهجه ومواقفه، وتقبل منه على هذا الأساس، ولا يصح القول بأن الأطروحة صحيحة والمنهج أو السلوك أو الموقف صائب لأنه من فلان بدون دليل وبرهان.

ومما يؤسف له: سعي بعض المؤمنين لفرض المنهج الذاتي في بعض الساحات الإسلامية، فيدعون لقبول الأطروحات والمناهج والمواقف لأنها من فلان، ورفض الأطروحات والمناهج والمواقف الأخرى لأنها من غيره، فالشرعية والصوابية لديهم تنبع من الشخص وليس من الشؤون الموضوعية المتعلقة بالموضوع، مما يؤدي إلى إهمال البحث في شرعية وصوابية الأطروحات والمناهج والمواقف بشكل موضوعي، وقد نزل البعض بالشرعية إلى حالة شبيهة بالصكوك الكنسية في العصور الوسطى، فإذا أثبت الباحث أو المحاور خطأ أطروحة أو منهج أو موقف ما، يرد عليه أصحاب هذا المنهج: لنا شرعية في هذه الأطروحة أو هذا المنهج أو هذا الموقف، وأعتقد:

• أن الأخذ بهذا المنهج يدل على السذاجة في التفكير، ولا دليل عليه من عقل أو دين، حتى مع الأخذ بالرأي القائل بأن الإمام مفوّض في التشريع؛ لأن هذا الرأي يستند إلى الاعتقاد بتطابق إرادة المعصوم مع إرادة الرب الجليل، وليس فيه دليل على المنهج الذاتي.

• وأن نتائجه كارثية على الوعي والتربية ومصالح العباد، وتؤدي إلى التخلف والفساد.

وأحب أن أؤكد بخصوص الولاية الشرعية: أنها حق، وهي للرسول الأعظم الأكرم (ص)، ثم من بعده للأئمة الطاهرين من أهل بيته (ع)، ثم للفقهاء العدول المتوفرين على كافة الشروط في عصر الغيبة الكبرى، إلا أن الولاية الشرعية لا تعطل المنهج الموضوعي. فينبغي للعاملين:

• توفير الغطاء الشرعي الولائي لعملهم.

• والبحث بشكل موضوعي في شرعية وصوابية الأطروحات والمناهج والسلوك والمواقف.

المراجع والمصادر

  • [1]. سورة النبأ، الآية: 26.
  • [2]. سورة الحاقة، الآية: 44 ـ 46.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق