وقفة مع عيد الغدير الأغر

النقطة (1) أهمية الولاية في الإسلام

عيد الغدير الأغر يعبر عن الفرح الروحي بالولاية للأئمة من أهل البيت (ع)، وأوّلهم وأفضلهم أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي توّجهُ الرسول الأعظم الأكرم (ص) بتاج الإمامة والولاية في يوم الغدير بتاريخ (18/ذو الحجة/10هـ)، وأمر المسلمين بمصافحته ومبايعته والإقرار له بالولاية، وفعلوا ذلك ولم يتخلف منهم أحد. والاحتفال بعيد الغدير ـ الذي هو عيد الإمامة والولاية ـ يدل على الأهمية العظمى للإمامة والولاية في الإسلام، ونظرا لأهميتهما فقد عُدّ عيد الغدير العيد الأكبر في مدرسة أهل البيت (ع)، إذ قال فيه الإمام الرضا (ع): «وإن يوم الغدير بين الأضحى والفطر والجمعة كالقمر بين الكواكب»؛ لأن الولاية لأهل البيت (ع) من الإسلام بمثابة الروح من الجسد، فالطريق إلى الله ذي الجلال والإكرام لا يمرّ إلا عبر النبوة والولاية لأهل البيت (ع)، وأن ما في الإسلام من الخير والصلاح والفلاح والهداية والسعادة مشروط بالولاية لأهل البيت (ع)، فبدون النبوة والولاية:

• لا يمكن أن يُعرف الله سبحانه وتعالى حق المعرفة.

• ولا يمكن أن يُعبد الله سبحانه وتعالى ويُطاع بشكل صحيح.

• ولا يمكن أن يُطبق الإسلام الحنيف، وتُقام دولة العدل الإلهي على أرض الواقع بشكل تام وصحيح.

• ولا يمكن أن تُقام الحجة التامة لله عز وجل على الناس.

ويدل على ذلك من ناحية النص:

قول الله تعالى قبل التبليغ بالولاية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)[1]، حيث يدل على أن عدم التبليغ بالولاية يلغي كل الجهد التبلغي الذي قام به الرسول الأعظم الأكرم (ص) للرسالة.

وقول الله تعالى بعد التبليغ بالولاية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)[2]، حيث يدل على أن كمال الدين وإتمام النعمة الربانية على الإنسانية والمسلمين قد تم بالتبلغ بالولاية ـ التي تمثل الامتداد الطبيعي لمشروع الرسالة ـ وليس قبلها.

ويدل على ذلك من الناحية الواقعية: اختلاف المسلمين حول القرآن الكريم والسنة الشريفة وشروط الإمامة، وقد ذهب بعض المسلمين إلى القول بصحة خلافة الفاسق وحرمة الخروج عليه، وما جرى بين المسلمين في عهد مبكر من حروب وفتن، وصراعات دامية وتمزق، وضياع الخلافة والسيادة، وهيمنة القوى العظمى على أراضي المسلمين ومقدراتهم، وما تعيشه الشعوب الإسلامية اليوم من مآزق لا تعرف السبيل للانتصار عليها ولا كيفية الخروج منها، وأصبح من المستحيل ـ وفق رؤية مدرسة الخلفاء للخلافة الإسلامية ـ تحقيق الوعد الإلهي بظهور المهدي الموعود في آخر الزمان وقيامه بالدور الموعود يإظهار الدين الحق على الدين كله وإقامة دولة العدل الإلهي العالمي، إذ يستحيل ـ نظريا وعمليا ـ الاجتماع على إمامته، إذ لا يعدو كونه ـ من الناحية الدينية ـ مجتهدا في مقابل المجتهدين الآخرين ـ ومن الناحية السياسية ـ سلطانا في مقابل السلاطين الآخرين، فلا يمكن الاجتماع على إمامته (عج) إلا إذا كان إماماًَ منصوصاً عليه ينوب عن الرسول الأعظم الأكرم (ص) في التشريع والحكم والقضاء، فهو يمتلك التصور المعصوم الواضح للإسلام وتطبيقاته على الواقع بنفس القوة التي كان يمتلكها الرسول الأعظم الأكرم) ص)، فيحفظ بذلك للإسلام خطه وامتداده الطبيعي ونقاءه وعمقه وقوته، وبهذا يكون اختياره أمراً لا دخل للناس فيه، كما لا دخل لهم في اختيار الأنبياء، فيكون هو الفيصل في فهم النصوص الشرعية وتطبيقاتها، وفي فضّ المنازعات بين المتخاصمين، وفض الاختلافات السياسية كما كان الرسول الأعظم الأكرم (ص)، فيمنع بذلك الاختلاف في الدين، والانقسام والتناحر في السياسة.

النقطة (2) الولاية ووحدة الأمة

رغم تمسّك الإمام علي بن أبي طالب (ع) بحقه في الخلافة بعد وفاة الرسول الأعظم الأكرم (ص) إلا أنه لم يتخذ ذلك سبيلا لمواجهة الخلفاء، وإضعاف الأمة، وتقويض دعائم المجتمع الإسلامي، والإخلال بالنظام العام للمجتمع والدولة، وإنما كان له كامل الحرص على حفظ الدين الحنيف، وحفظ وحدة الأمة ومصالحها العليا.

• فقد أبان (ع) حقه في الخلافة، وعمل على تكوين الحركة التصحيحية في الأمة في بعدها: الفكري، والعملي، والمجتمعي.

• ونصح للخلفاء وأشار عليهم بما فيه مصلحة الدين والأمة، وزهد في المنافسة الدنيوية على السلطة والتزاحم على المكانة والزعامة السياسية، فلم يدخل فيها، وابتعد عنها ابتغاء لمرضاة الله عز وجل ونصيحة للمؤمنين والمسلمين، وقام فقط بما يمليه عليه التكليف الشرعي في جميع الظروف والأحوال.

• ونظر إلى الحركة التصحيحية التي أقامها على أنها جزء لا يتجزأ من الأمة، وأنها غير منفصلة عنها، وأنهما (الأمة والحركة) يرتبطان بمصير واحد، فلم يفرط في مصير الأمة ومصالحها العليا، بدعوى مقتضى مصلحة الحركة التصحيحية التي أقامها.

• ودفع بشيعته – وخاصة أصحابه – للمشاركة في الأنشطة العامة للأمة والفتوحات الإسلامية بقيادة الخلفاء، وقدم كل ما لديه من الدعم المادي والمعنوي، ولم يأمر شيعته – وخاصة أصحابه – بالعزلة أو الانفصال عن الأمة وأنشطتها العامة.

وقد سار الأئمة من أبنائه (ع)، ثم خلفاؤهم الفقهاء في عصر الغيبة، على المنهج ذاته الذي سار عليه، ولم يخالفوه.

لنقطة (3) الولاية والمعارضة

رغم تأكيد الإمام علي بن أبي طالب (ع) على أنه الإمام المفترض الطاعة في التشريع والحكم والقضاء، بالنص الإلهي على إمامته، إلا أنه لم يتخذ ذلك سبيلا لمنع الرأي الآخر، ومنع مراقبة الحاكم والمسؤولين في الدولة ومحاسبتهم، بهدف التصحيح والتطوير في المجتمع والدولة.

• فقد سمح للمدارس الفكرية بالظهور ودعاها للحوار والمناقشة، وناقش آراءها مناقشة علمية تقوم على الحجج الشرعية والبراهين العقلية، ورفض سياسة الانغلاق والسباب والشتم والعنف والخداع؛ لأن هدفه في الحياة هداية البشرية، وإنقاذها من الجهالة والضلال.

• ومارس المعارضة النزيهة الصادقة، وسمح بظهورها وإبداء رأيها في كل الشؤون العامة – السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها – في فترة حكمه، ولم يتعرض للقائمين على المعارضة بسوء، ما لم يخرجوا على قواعد المعارضة وشروطها الشرعية واستخدامها كوسيلة للإفساد في الأرض والإخلال بالنظام العام والإضرار بالمصالح العليا للمسلمين، فلم يبطش بهم، ولم يكرههم على الالتزام بسياسته، ولم يحرمهم من حقوقهم الطبيعية، ولم يقطع معهم سبل الحوار، ولم يمنعهم العطاء من بيت المال، ومن أخلَّ بالقواعد والشروط قام بمواجهته سياسيا وعسكريا ـ بمقدار الحاجة بدون إفراط ولا تفريط ـ حفاظا على الدين والنظام والمصالح العليا للمسلمين، وليس من أجل الاستبداد بالرأي والدكتاتورية في الحكم. وأدار الحكم على أساس الشورى، وسمح للأمة بالمراقبة والمحاسبة والنقد، ورتّب على ذلك آثارا فيما يتعلق بالمواقف والولاة والمسؤولين في الدولة.

النقطة (4) الولاية والكفاءة

إن تمسك مدرسة أهل البيت (ع) وشيعتهم بعقيدة الإمامة والولاية له دلالات عديدة، منها:

• الرفض والمقاومة وعدم القبول بالأمر الواقع، فلم يقبل الأئمة (ع) وشيعتهم بالأمر الواقع الذي فرضه الخلفاء على الأمة، وقاوموه بالأساليب المشروعة.

• أن الأصل في مدرسة أهل البيت (ع) هو التمسك بالمبادئ الربانية، وفي مقدمتها: الحق والعدل الاجتماعي، وعدم التنازل عنها تحت طائلة الترغيب والترهيب، وكان لديهم الاستعداد التام لتقديم التضحيات الجسام في سبيل إقامتها.

• تتشدد مدرسة أهل البيت (ع) في صفات وشروط القيادة، مما يؤكد شرط الكفاءة لدى القيادة، وقدرتها على خدمة القضايا العامة للأمة، وتحقيق الأهداف الرسالية في الدولة والمجتمع. وبحسب مدرسة أهل البيت (ع) فإن الأهداف الرسالية والقضايا العامة للأمة مقدّمة على الأشخاص وليس العكس. وهذه القاعدة تشمل القيادة، بل القيادة هي أول ما يُنظر إليه في العمل بهذه القاعدة وتطبيقها؛ لأن القيادة هي الوسيلة إلى تحقيق الأهداف وخدمة القضايا العامة، وأن التسامح في شروط القيادة وصفاتها وكفاءتها يؤدي إلى ضياع القضايا والفشل في تحقيق الأهداف، وهذا بخلاف العقل والحكمة والدين.

• أن عقيدة الولاية تقتضي الالتزام بمرجعية أهل البيت (ع) الدينية والزمانية، وبمنهجهم الفكري والتشريعي والسياسي والأخلاقي، والاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم السامية، مثل: العلم، والحلم، والسخاء، والإيثار، والصبر على النوائب، والشجاعة في المواقف، وتحمل المشاق، والتضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله عز وجل، وإعلاء كلمة الحق، وإقامة العدل، ونشر الفضيلة، والتوكل على الله عز وجل، والتسليم لأمره، والابتعاد عن كل فتنة وتنازع وتفريق بين المسلمين والمؤمنين، والتعاون على البر والتقوى والعمل الصالح ابتغاء مرضاة الله عز وجل والزلفى لديه، وبدون ذلك تفقد الولاية فلسفتها وقيمتها العملية في الحياة.

أيها الأحبة الأعزاء، أكتفي بهذا المقدار، وأستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم، وأعتذر لكم عن كل خطأ أو تقصير، وأستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المراجع والمصادر

  • [1]. سورة المائدة، الآية: 67.
  • [2]. سورة المائدة، الآية: 3.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق