الإسراء والمعراج مسيرة العرفان والحقيقة

قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)[1].

الآيه الشريفة المباركة تتحدث عن رحلتي الإسراء والمعراج، ويطلق العلماء اسم الإسراء على رحلة الرسول (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويطلقون اسم المعراج على عروج الرسول (رحلته) من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا.

المسيرة

وفي تقديري وفهمي أن رحلة الإسراء فيها تصوير رمزي مكثف للمسيرة التاريخية للإنسان، كما أن رحلة المعراج فيها تصوير رمزي مكثف لمسيرة الوجود ككل، الذي يعد الإنسان جزءاً منها وله دور محوري فيها، وأقدر أن رحلة الإسراء والمعراج تمثل ملحمة عظيمة من ملاحم القرآن الكريم. أسأل الله عز وجل أن يوفقني لإبراز بعض فصولها.

حدث ثابت ولكن

حدث رحلتي الإسراء والمعراج ثابت بإجماع علماء المسلمين، لكن الاختلاف وقع بينهم: هل أنه بالجسد والروح معا أم بالروح فقط، وهل هي في اليقظة أم في المنام، وهناك ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الرحلتين تمتا بالروح والجسد معا.

القول الثاني: أن رحلة الإسراء تمت بالروح والجسد معا، أما رحلة المعراج فتمت بالروح دون الجسد، أي هي حالة من حالات الشهود أو الكشف الباطني، وهو يختلف عن القول الثالث.

القول الثالث: أنها رؤية في المنام، وهذا القول ضعيف، ومستبعد عند جل العلماء، ويستدلون على ذلك من قوله تعالى (أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، ولفظ “العبد” في القرآن الكريم يدل على الروح والجسد معا، كقوله تعالى (الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى)[2]. أما الدليل الثاني الذي يستدلون به فهو استنكار المشركين على الرسول بأنه أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى، وعروجه إلى السماء ولو تم ذلك في عالم الرؤيا لما احتاج الأمر إلى استنكار المشركين.

سيناريوهات الحادثة

في واقع الأمر نحن أمام ثلاثة مستويات لتبيُّن الأمر:

المستوى الأول: أن النبي (ص) يدّعي بأنه رأى في المنام ما حدث له في الإسراء والمعراج، وأن المشركين يكذبونه في إخباره بالرؤيا، وليس عدم تصديق إمكان حدوث الرؤيا في حد ذاتها، وهذا مستبعد؛ لأن الرسول موصوف عند المشركين بالصادق الأمين قبل البعثة.

المستوى الثاني: أن الرسول يدّعي بأنه رأى في المنام ما حدَّثَ به عن رحلتي الإسراء والمعراج، ويدّعي بأن له مكانة معنوية وأخلاقية عالية استنادا إلى الرؤيا، وهذا أيضا مستبعد؛ لأن المشركين لا ينكرون هذه المكانة المعنوية والأخلاقية للرسول (ص). ومن جهة ثانية، فإن الرؤيا الحسنة قد تحصل لدى الإنسان الكافر أكثر مما تحصل للإنسان المؤمن، كما حصل لفرعون في عهد النبي يوسف (ع) عندما رأى رؤياه التي عبرت عن مستقبل الدولة، فعندها لا يصبح هذا الأمر ميزة للرسول باعتباره نبيا مرسلا من قبل الله.

موقع وجودي

المستوى الثالث: أن الرسول يدّعي، بأن له موقعا وجوديا، وهذا الموقع الوجودي متصل بصدق النبوة، والاتصال بالسماء والملأ الأعلى، وهذا ما ينكره عليه المشركون، ينكرون عليه هذا الموقع الوجودي أو هذه المكانة الوجودية، والاتصال بالسماء، والملأ الأعلى، يعني النبوة.

ضرورة التفكير المنهجي

وهنا ينبغي أن نقف عند حادثة ارتداد بعض المسلمين، بعد سماعهم بأخبار حادثة الإسراء والمعراج، إننا نتفهم استنكار المشركين لأخبار حادثة الإسراء والمعراج؛ لأنهم لا يؤمنون أصلا بالموقع الوجودي، أو المكانة الوجودية للنبي محمد (ص)، التي تعني النبوة، أما المسلمون فهم يؤمنون بالموقع الوجودي، أو المكانة الوجودية، التي أهلت النبي محمد (ص) للنبوة وتلقي الوحي، وبالتالي فإن أخبار رحلتي الإسراء والمعراج، تنسجم مع هذا الموقع، ومع هذه المكانة، وهذا يشير إلى مسألة في غاية الأهمية، يجب أن نلتفت إليها، ونأخذ منها درسا في عقيدتنا، وهي: أهمية التفكير المنهجي السليم، فكثير من الأخطاء الفكرية والشبهات، هي وليدة الخطأ في منهج التفكير، ولو التفت الباحث أو المفكر إلى هذا الخطأ، لما وقع في الانحراف أو الخطأ الفكري، ولما تولدت الشبهات في تفكيره. إن الكثير من الأخطاء الفكرية والشبهات، لا تحتاج لأكثر من الالتفات إلى الخطأ في المنهج الفكري وتصحيحه.

التنزيه يتطلب

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً)، التسبيح: معناه التنزيه، والناحية البلاغية في الصياغة تدل على المبالغة في التنزيه بمعنى ينزهه تنزيها، والتنزيه يتطلب أن ننفي عن الله كل ما لا يليق بساحة قدسه من الصفات والأفعال والأسماء، وفي المقابل نثبت له كل الأسماء الحسنى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)[3]، والصفات العليا (صفات الجمال والجلال في اصطلاح علم الكلام)، والفعل الجميل، فالإنسان المؤمن إذا فكر في الله وصفاته وأسمائه وأفعاله، يدرك المقام العلي لله ـ جل جلاله ـ وبالتالي يتحرك قلبه ولسانه بتنزيه الله جل وعلا.

يختزن…

 (أَسْرَى بِعَبْدِهِ) المقصود بالعبد الرسول الأعظم (ص)، ولفظ العبد هنا يختزن عدة أمور بالنظر إلى مقام النبي محمد (ص) ورسالته، حيث يختزن اللفظ الإخلاص لله عز وجل في الطاعة والعبادة، والإخلاص للرسالة أي المشروع، في التبليغ والتطبيق والتضحية من أجله، والإخلاص للناس الذين يستهدفهم المشروع أي الرسالة.

وصف الله نبيه بالعبد فيه عدة دروس مستفادة:

ضرورة الفصل

الدرس الأول: يكون من خلال المقابلة بين التسبيح لله وبين وصف النبي بالعبودية، وهذا يفيدنا بضرورة الفصل بين مقام الربوبية والعبودية، فمهما كان العبد عظيما لابد أن يكون بينه وبين الرب فاصل عظيم لا حدود له، هو الحد الفاصل بين المتناهي واللامتناهي، أو بين المحدود والمطلق. وفي ذلك تحذير مما وقع فيه النصارى مع النبي عيسى (ع) عندما ألهوه، وفيه أيضا تحذير مما وقع فيه فرعون عندما ادّعى الألوهية، فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)[4]، وصدّقه الناس في ذلك واتبعوه.

الدرس الثاني: أن هذه الأية فيها إشارة إلى أن الإنسان يصل إلى أعلى درجات الكمال كلما أخلص العبودية لله.

لا نستغرق.. فنألّه

الدرس الثالث: أن الأية تعلمنا كيف نتعامل مع العظماء، سواء كان العظيم ملكا أو قائدا أو رمزا، أو غير ذلك، فالآية تنبهنا بألا نستغرق في شخصية العظيم فنألّهه، بل نستغرق في ذات الله من خلال ذلك العظيم، فيجب أن ننظر إلى عظمة العظماء من خلال إخلاصهم وعبوديتهم لله أولا، ثم من خلال مشاريع عملهم، التي تهدف إلى خدمة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، ولا نستغرق في ذات العظيم من خلال موقعه أو ألقابه، وما يضفيه على نفسه من مظاهر زائفة أو غير حقيقية، بعيدة عن عمله وعبوديته لله.

(أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً)، السُّرى: يعني السير ليلا، فإذا كان الإسراء هو المسير ليلا، فلماذا ذكر سبحانه الليل؟ هنا نجد لهذا التعبير عدة فوائد:

المؤثرات في الدعوة

الفائدة الأولى: أن رحلتي الإسراء والمعراج تمت في ليلة واحدة بل في بعضها.

الفائدة الثانية: تنبّهنا الآية إلى المؤثرات الخارجية التي صاحبت الرحلة، وتركت آثارها في روحية النبي (ص)، والتي تخدم أهداف الرحلة، وهنا نشير إلى: هدوء الليل وسكونه وهيبته، وجمال السماء بنجومها وأجرامها، وأن هذا الجو ترك أثره في معنوية النبي (ص) وروحانيته بحيث تصعَّد روحيا، وتجلت له عظمة الذي أسرى به في ذلك الليل. هذا الصفاء يتناسب وغاية الرحلة ومنتهاها (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَاونستفيد من ذلك درسا مهما، وذلك بأن نهتم بالمؤثرات الخارجية في إيصال الدعوة أو الرسالة إلى الناس، فالرسالة بطبيعتها قوية ومؤثرة، ولكنها تستفيد من الدعامات والمؤثرات الخارجية لتقوية أثرها في النفوس، فإننا نحتاج للمؤثرات الخارجية في إحياء مناسباتنا، فلا نقتصر على القصائد والكلمات بل نضفي شيئا من المؤثرات الخارجية ليكون وقعها أكبر، وقد جاء النص على تحسين الصوت في تلاوة القرآن، وبعض المؤثرات الأخرى في الصلاة مثلا.

واحة سلام

(مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى)، أي من الحرم المكي، الحرم الآمن، وفيه إشارة إلى الأمن (مَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)[5]، فالمسجد الحرام يمثل واحة سلام في صحراء مادية ومعنوية، محفوفة بالمخاطر. نستفيد من القرآن الكريم وهو يحدثنا عن حادثة الإسراء والمعراج، بأنه يعطينا قيمة لهذا البيت، تلك القيمة المعنوية والمادية، التي تنبع من صلة هذا البيت بالله عز وجل، قوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)[6]، فمن يريد الأمن والخير والسلام فليرتبط برب هذا البيت.

بركة عظيمة

(إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ المسجد الأقصى هو بيت المقدس، وسُمّي الأقصى؛ لأنه أبعد مسجد عن النبي (ص) في ذلك الزمان.

(بَارَكْنَا)، نسب البركة إلى نفسه، مما يدل على أن هذه البركة عظيمة، وقوله تعالى: (حَوْلَهُ) يدل على أنها شاملة وذات سعة، وأن البركة نابعة من هذا البيت. والبركة قد تكون مادية بما تعطيه الأرض من زراعة وأنهار، وتجارة وعمران، وقد تكون بركة معنوية، فالبيت كان مركزا للرسالات السماوية، ومأوى الأنبياء الذين يحملون الهداية للإنسان.

فالمسجد الحرام والمسجد الأقصى كلاهما مصدر للخير والأمن والسلام، ومن خلال هذين البيتين هناك حماية للحق والحياة، والسلام والعدل، وذِكرُ هذه الرحلة فيه الكثير من الدروس:

تعصب صليبي صهيوني

الدرس الأول: ما يحدث الآن في فلسطين في ظل الهيمنة الصهيونية على المسجد الأقصى، يعطينا أو يدلنا على أن البيت والرسالة التي يحملها في غربة تامة، ففي ظل الهيمنة الصهيونية هناك انتهاك لحرمة الأقصى والمقدسات الدينية، وذبح وتضييع لتراث الأنبياء، وانتهاك لحقوق الإنسان وحرماته، فلا أمن ولا سلام ولا هداية للناس، بل إضلال وتضييع، وأن ذلك كله يتم تحت رعاية من أمريكا والغرب، بما يقدمونه من دعم مادي سخي للصهاينة، وغطاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة، ضد أي قرار محتمل يدين الصهاينة، في الوقت الذي يدّعون فيه أنهم أتباع المسيح، والصهاينة يدنسون المقدسات المسيحية والإسلامية على حد سواء، ويحاربون رسالة المسيح (ع) ومحمد (ص) على حد سواء، مما يعني أن أمريكا والغرب ينطلقون من تعصب صليبي بغيض ضد الإسلام والمسلمين، بعيد كل البعد عن الرسالة الحقيقية للمسيحية، فالصليبية كالصهيونية لا علاقة لها بالمسيحية كدين، فكما أنه لا علاقة للصهيونية باليهودية كدين، كذلك لا علاقة للصليبية بالمسيحية كدين. فهؤلاء يدّعون بأنهم مسيحيون وهم يقدّمون العون لمن ينتهك المقدسات المسيحية بشكل سافر. هولاء مثلهم مثل الصهيونية لديهم مشروع سياسي صليبي حاقد تجاه الاسلام، والصهاينة لديهم مشروع سياسي صهيوني حاقد تجاه الإسلام، فالصهيونية ليس لها علاقة باليهودية كدين، والصليبية ليس لها علاقة بالمسيحية كدين، سوى التذرّع ولبس الغطاء الديني للوصول إلى مشاريعهم الحاقدة. وقد عبّر الرئيس الأمريكي بشكل فاضح عن ذلك التوجه الصليبي، وعن نواياه تجاه المسلمين، عندما وقّع على قرار الكونجرس بأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

وارث الرسالات والمقدسات

الدرس الثاني: أنه في الأحاديث أن النبي محمد (ص) تمثل له الأنبياء في بيت المقدس، وأنه أمَّهم في الصلاة، وفيه دليل على الوحدة التاريخية لخط الرسالات، قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)[7]، وتمثلت هذه الوحدة في الرموز الذين هم الأنبياء، والمقدسات الدينية التي ترتبط بتاريخهم ورسالتهم، ومن خلال ائتمام الأنبياء خلف الرسول الأكرم نستدل على أن النبي ورث الأنبياء وورث رسالاتهم ومقدساتهم، وأن ذلك كله أمانة اليوم لدى أمة محمد (ص)، وعلينا أن نسأل أنفسنا عن هذه الأمانة، هل حفظناها؟!! أم ضيَّعناها؟!!.

تتجاوز الجغرافيا والسياسة

الدرس الثالث: أن المسئولية الرسالية، وهي المسئولية تجاه العقيدة ورموزها ومقدساتها، هذه المسئولية تتجاوز الحدود السياسة والجغرافيا، فالرسول (ص) خرج من بلده مكة إلى المسجد الأقصى، وبه تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وهذا يدلنا على أن سلطة العقيدة ومقدساتها فوق كل سلطة، ومسئولية المؤمن تجاه رسالته ورموز الرسالة ومقدساتها تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، فلا يجوز أن تتحكم الجغرافيا أو السياسة في حرية الإنسان في عقيدته، ومسئولياته تجاه عقديته ورموزها ومقدساتها، فلا أحد يستطيع اليوم أن يقول – مثلا – بأن المسجد الأقصى هو مسئولية الفلسطينيين فقط.

مؤشر العزة أو الذلة

الدرس الرابع: أن مسألة القدس هي سر عزة المسلمين ومجدهم وكرامتهم، فهي المؤشر على ما هم عليه من العزة أو الذلة. فإذا أردنا أن نعرف عزة السلمين أو ذلهم اليوم، فلننظر إلى وضع القدس لتعطينا مؤشراً لما هم عليه الآن، باعتبارها أمانة لديهم، فإذا انتهكت حرمة المسجد الأقصى على يد الصهاينة، والمسلمون لا يحركون ساكنا تجاه مصيره، فأي عزة وكرامة لديهم؟ فإذا كانت هذه الانتهاكات الصارخة لحرمة المسجد الأقصى لا تحرّك نخوة المسلمين، وضمير المسلمين، فأي شيء بعد الأقصى يمكنه أن يحرّكهم؟ إن وضع الأقصى اليوم، يدلنا على ما يعانيه المسلمون من ذل واستصغار وهوان، وإن استعادة العزة والكرامة للمسلمين، مرهون بتحرير المسجد الأقصى، وسوف تكون قمة الكرامة والعزة، بظهور صاحب العصر الزمان، الحجة ابن الحسن العسكري (عج)، الذي سيحرّر الأقصى والمسلمين من ذلتهم، ويعرج في مدارج الكمال إلى الله رب العباد جميعا.

الغاية من الرحلتين

(لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) تبين الغاية من رحلة الإسراء والمعراج بأن يمتلأ قلب النبي (ص) بآيات الله، فيخشع قلبه ويمتلئ إيمانا، وتزويده بكل ما يحتاجه في قيادته وهدايته للأمة، بحيث يستوعب الرسالة وقيمتها، وتزوّده الآيات بالطاقة التي يحتاجها في السعي لتحقيق أهداف الرسالة وتطبيقها على أرض الواقع. وقد نسب ذو العزة والجلال الآيات إلى نفسه لتعطي دلالة على عظمتها. وقوله تعالى: )مِنْ( تفيد التبعيض بحيث تخبرنا الآية بأن النبي لم يرَ كل الآيات وإنما رأى بعضها؛ لأن الانسان مهما كان عظيما، وإن كان بعظمة النبي (ص)، الذي دنا فتدلى من العلي الأعلى، فبينه وبين الرب حدود لا نهاية لها.

والسؤال ما هي الآيات الكبرى التي رآها (ص)؟

الآيات العظيمة

الجواب: لقد رأى (ص) الكثير من الآيات العظيمة، فقد دنا فتدلى، ورأى من الآيات الكبرى ما لا حدود له في عقل الإنسان. وأول هذه الآيات الفترة الزمنية التي استغرقتها رحلتا الإسراء والمعراج، وهي فترة وجيزة من ليلة واحدة. أما الإسراء، وهي رحلته (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فإن العقل البشري في الوقت الراهن، يستوعب الانتقال السريع بين المكانين في فترة وجيزة بالوسائل المادية، فقد استوعب العقل البشري اليوم، سرعة الضوء، والصواريخ والمركبات الفضائية، ويستطيع أن يفهم “البراق” على أنها وسيلة نقل سريعة هيأها الله – جل جلاله – لنبيه (ص) في ذلك الوقت، وليس ذلك على الله بعسير.

تأثير الملكوت

ونستطيع أن نعطي فهما آخر لوسيلة الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في ضوء آيات ومفاهيم القرآن، وذلك عن طريق تأثير الملكوت في عالم الأشياء، ومثال ذلك من القرآن، قوله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)[8]، فقد استطاع هذا الذي عنده علم من الكتاب، أن ينقل عرش بلقيس، وهو شيء مادي، بكماله وتمامه، وبدون أن يلحق به أي ضرر، أو يتغير شيء من وجوده أو شكله، من اليمن إلى القدس ـ واليمن أبعد مسافة من مكة التي انتقل منها الرسول (ص) إلى بيت المقدس ـ في أقل من طرفة عين، وذلك بفعل أو تأثير عامل ملكوتي، فيمكن أن نفهم أيضا “البراق” بأنها من عوامل الملكوت.

عروج كعروج الملائكة

أما المعراج، فهو يقينا بوسيلة ملكوتية، تماما كعروج الملائكة إلى الملأ الأعلى، قوله تعالى في سورة المعارج: (مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)[9]، وقد جاء في الروايات، أن جبرئيل (ع) حمل رسول الله (ص)، فهذه أول الآيات العظيمة، التي رآها رسول الله (ص) في رحلتي الإسراء والمعراج، وأقدر بأن الرسول الأعظم (ص) قد عرج به، وقطع من المسافة في تلك الفترة الوجيزة، أكثر بكثير مما تقطعه الملائكة في عروجها إلى الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فأي آية عظيمة رآها (ص) في ذلك.

الصور الملكوتية

ومن الآيات التي رآها (ص) تمثل الأنبياء له في المسجد الأقصى وفي السماوات السبع، وتحدّثه إليهم، وتحدّثهم إليه، ورؤيته الملائكة، وتحدّثه إليهم، وتحدّثهم إليه، وقد رأى جبرئيل (ع) في صورته الملكوتية الحقيقية، رآه مرتين في تلك الرحلة على هذه الصورة، ورؤيته المتجسدة للصور الملكوتية للأشياء والأعمال في عالم البرزخ، ورؤيته لسدرة المنتهى، التي تنتهي عندها الأعمال، وعروج الملائكة… إلخ، ورؤيته النار، ودخوله جنة الخلد، ثم ذهب في عروجه إلى الله ودنوّه منه، حتى تجاوز الحجب الأربعة، بعد سدرة المنتهى، التي توقف عندها عروج جبرئيل (ع)، وقال: (لو دنوت أنملة لاحترقت)، وذهب (ص) منفردا في عروجه حتى بلغ السبحة، التي فسرها أهل البيت (ع) بجلال الله، أي أن الرسول الأعظم (ص)، قد بلغ الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق، أي الحد الذي لا يمكن أن يتجاوزه أي مخلوق في كماله، أي مهما بلغت درجة كماله. وإليك أن تتأمل وتفهم عظمة الآيات التي رآها (ص) في هذه الرحلة الملحمية العظيمة، وهي تدل على عظمة رسول الله (ص)، إلى حد يتصاغر دون استيعابها واستيعاب أبعادها عقل الإنسان، ولكي نفهم ذلك، نقف على قوله تعالى عن نبيه العظيم موسى بن عمران (ع): (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا)[10]، فقد صعق موسى (ع) لهذه الآية العظيمة، ولقد رأى رسول الله (ص) من آيات ربه، ما هو أعظم وأعظم بكثير من هذه الآية، ولم يصعق (ص)، فإليك أن تتأمل وتفهم عظمة الرسول (ص).

ورؤية الآيات فيها الكثير من الدروس والعبر منها:

تأهيل.. تفكر.. تطوير

الدرس الأول: أن الآية تنبّهنا إلى ضرورة تأهيل الرموز والقادة، وتزويدهم بكل ما يحتاجونه من علم ومعرفة في أداء مسئولياتهم.

الدرس الثاني: أن الآية لتحض الإنسان على التفكر، وتجاوز حدود المألوف والنظر إلى البعيد، فلا يقيده في ذلك سوى المنهج العلمي المحكم.

الدرس الثالث: تنبهنا الآيات إلى ضرورة التطوير من وسائلنا، والاستعانة بالتكنولوجيا في حياتنا ومسيرتنا؛ لأن البراق وسيلة متطورة، وهو حالة غير مألوفة في الانتقال.

البعد الملكوتي للعلم

الدرس الرابع: وهو نظرتنا إلى العلم، أي يجب أن ننظر إلى العلم من ناحية ملكية وملكوتية، فلا نكتفي بالنظر إلى الأشياء من خلال وجهها المادي الذي يواجهنا فقط، وإنما يجب أن ننظر إلى الأشياء من وجهها الملكوتي، أي الوجه الذي يربطها بالله جل جلاله، فهو الذي خلقها، فهي تدل عليه وعلى أسمائه وصفاته، فنحن بهذا ننظر إلى عظمة الله من خلالها، قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)[11]، فالنظر إلى الأشياء من خلال وجهها المادي فقط ظلم عظيم من الإنسان إلى نفسه، وتضييع إلى الحقيقة، وابتعاد عن الغاية التي يجب أن يتوجه إليها الإنسان في حياته، وهي كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[12]، وقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[13]، فلا نضيِّع الفرصة، بتسخير العلم للأغراض المادية، دون النظر إلى البعد الملكوتي الذي يربطنا بالله جل جلاله، ويخدم الغاية القصوى التي من أجلها خلقنا سبحانه وتعالى.

الدرس الخامس: ترشدنا الآية الشريفة المباركة إلى أهمية وأفضلية السلوك والمعرفة العرفانية.

ساحة قدرة وسلطة ولطف

(إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُالضمير (إِنَّهُ) يعود إلى الله، ويبعث اللفظ إلى قلوبنا الهيبة من الله والرهبة منه، ويدلنا على أن رحلة الإسراء والمعراج جاءت من ساحة القدرة، فبقدرته جل جلاله، أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السماوات العلا، ومن ساحة السلطة، أي بسلطته جل جلاله على مسيرة الإنسان في الأرض، ومسيرة السماء والوجود ككل، أسرى وعرج بعبده، وأيضا من ساحة لطفه وحكمته ورحمته فعل ذلك بعبده ورسوله (ص).

أهلية الرسول

(السَّمِيعُ البَصِيرُ أي السميع والبصير بكل ما دقَّ ولطُف في السماء والأرض، فهو العليم بكل ما هو مسموع ومبصر في الأرض والسماء، ويذكرنا ذلك في سياق الآية بقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء يوم الجمعة: (العليم الذي لا ينسى من ذكره، ولا ينقص من شكره، ولا يخيب من دعاه، ولا يقطع رجاء من رجاه)، فهو السميع بأقوال النبي وهو البصير بأفعاله، ولقد رأى وسمع من أقواله وأفعاله ما يدل على إخلاصه لله جل جلاله، وأهليته لكرامة رحلتي الإسراء والمعراج.

في المكان المناسب والدرس المستفاد بأن نضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وألا نغتر بالمظاهر، وإنما نبحث عن حقائق الرجال وإمكانياتهم الفعلية، لنوليهم المناصب والمسئوليات العامة. وقال بعض المفسرين إن قوله تعالى: (السَّمِيعُ البَصِيرُ) فيها بشارة للمؤمنين، وفيها تهديد للعاصين؛ لأنه تعالى يعلم المؤمنين برحلة الإسراء والمعراج، فيبشّرهم بالجنة والثواب العظيم، ويعلم الكافرين بالإسراء والمعراج، فيحذّرهم من النار والعذاب الأليم.

المراجع والمصادر

  • [1]. سورة الإسراء، الآية: 1.
  • [2]. سورة العلق، الآية: 9 ـ 10.
  • [3]. سورة الأعراف، الآية: 180.
  • [4]. سورة النازعات، الآية: 24.
  • [5]. سورة آل عمران، الآية: 97.
  • [6]. سورة قريش، الآية: 3 ـ 4.
  • [7]. سورة البقرة، الآية: 285.
  • [8]. سورة النمل، الآية: 40.
  • [9]. سورة المعارج، الآية: 3 ـ 4.
  • [10]. سورة الأعراف، الآية: 143.
  • [11]. سورة فصلت، الآية: 53.
  • [12]. سورة الذاريات، الآية: 5.
  • [13]. سورة الأعراف، الآية: 143.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق