محنة الإمام الرضا

الأهداف الإستراتيجية والتفصيلية لعمل الأئمة من أهل البيت (ع)

أيها الأحبة الأعزاء..

الإمام الرضا (ع) هو الإمام الثامن من أئمة أهل البيت (ع)، وللأئمة جميعا هدف إستراتيجي يعملون من أجل تحقيقه، وهذا الهدف هو نفسه الهدف الإستراتيجي لجميع الأنبياء والأوصياء (ع)، وهو إقامة دولة العدل الإلهي العالمية التي تتجسد فيها الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)[1]، والتي تتجلى في أحوالها وأوضاعها العامة صفات الله ذي الجلال والإكرام، مثل: الحياة الروحية العالية، والعلم، والرحمة، والقدرة، والحاكمية، وفرض السيطرة، وغيرها من صفات الجمال والجلال.

أهم الأهداف التفصيلية لعمل الأئمة (ع)

وإلى جانب هذا الهدف الإستراتيجي، هناك أهداف تفصيلية عمل الأئمة (ع) من أجل تحقيقها، على الطريق إلى تحقيق الهدف الإستراتيجي المذكر، وأهم هذه الأهداف التفصيلية، أربعة، وهي:

الهدف (1): إثبات الحق الحصري لأهل البيت (ع) في خلافتهم الشاملة الكاملة التامة للرسول الأعظم الأكرم (ص)، وهذا يتطلب إثبات خطأ الرأي الآخر؛ لكي يسلّم المسلمون بإمامة أهل البيت (ع) ويرجعوا إليهم في أمور الدين والدنيا، كما قال الرسول الأعظم الأكرم (ص): «يا أيّها الناس!! قد تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي»[2].

الهدف (2): التبليغ بعلوم أهل البيت (ع) التي تمثل الإسلام المحمدي الصحيح، وتشمل: الرؤية الكونية والقيمية، والتشريع (الفقه)، وغيرها من العلوم. وهذا يتطلب النقد العلمي للأطروحات الأخرى في العقيدة، والتشريع، والأخلاق، والسيرة، وغيرها.

الهدف (3): بناء الكيان المجتمعي الذي يؤمن بإمامة أهل البيت (ع)، ويحمل علومهم، ويسعى معهم بجد واجتهاد، ويبذل النفس والنفيس في سبيل تحقيق أهدافهم الإستراتيجية والتفصيلية.

الهدف (4): تشخيص القيادة الشرعية للأمة في عصر الغيبة الكبرى، المتمثلة في الفقهاء الجامعين للشرائط؛ لتواصل المسيرة على نفس النهج، وتتحمل مسؤولية الإعداد للظهور.

ثلاث ملاحظات مهمة..

وهنا تجدر الإشارة إلى ثلاث ملاحظات مهمة في عمل الأئمة من أهل البيت (ع)، وهي:

الملاحظة (1): أن عمل الأئمة من أهل البيت (ع) عمل تراكمي متصل، بمعنى: أن عمل كل إمام يتصل بعمل الأئمة الذين قبله، والأئمة الذين بعده، وتتراكم الإنجازات في عمل الجميع على طريق تحقيق الأهداف الإستراتيجية والتفصيلية.

فكل إمام على علم وبصيرة تامة:

• بالمسيرة العامة المتكاملة الحلقات لمجموع الأئمة (ع).

• وبالإنجازات والأهداف التي حققها الأئمة الذين سبقوه.

• والأعمال والأهداف التي يجب أن ينجزها الأئمة الذين بعده.

• والأعمال والأهداف التي يجب عليه إنجازها، في سبيل المحافظة على ما سبق إنجازه، ومواصلة الطريق من حيث انتهى الذين قبله، والتمهيد للذين هم بعده.

الملاحظة (2): أن الأئمة (ع) قد اعتمدوا في جميع عملهم على قوة الحق الذي معهم وقوة الحجة والبرهان، إلا أن أعداءهم واجهوهم بقوة السلاح والعنف والإرهاب، فقتلوا من قتلوا، وسجنوا وعذبوا، ومارسوا النفي عن الوطن للأئمة وشيعتهم، ووطّنوا الأجانب، فقد استخدم كل فريق السلاح الذي يناسبه ويعبر عن حقيقة نفسه وحقيقة أمره، إلا أن قوة الحق والحجة والبرهان، قد انتصرت في هذه المعركة على قوة السلاح والعنف والإرهاب.

ولكي نعرف هذه الحقيقة الناصعة، علينا أن ننظر إلى التأريخ الطويل ونتفحصه جيدا..

• فقد حارب النظام الأموي أهل البيت (ع) بشتى وسائل وصنوف العنف والإرهاب المتاحة لديه في ذلك الوقت، إلا أن النظام الأموي ذهب وبقي أهل البيت (ع).

• ثم جاء النظام العباسي، وقد فعل في أهل البيت (ع) أسوأ مما فعله النظام الأموي، إلا أن النظام العباسي ذهب وبقي أهل البيت (ع).

• ثم جاء النظام العثماني، وقد فعل في أتباع مدرسة أهل البيت (ع) مثل ما فعله النظامان: الأموي والعباسي، إلا أن النظام العثماني ذهب وبقيت مدرسة أهل البيت (ع).

وهكذا يكون دائما: يذهب كل نظام يعتمد في وجوده على الباطل وقوة السلاح والعنف والإرهاب، ويبقى الحق وأصحابه طال الزمن أم قصر.

الجدير بالذكر: أن رئيس الوزراء التركي الحالي: (الطيب أردغان) قد ذكر في خطاب له قبل زمن غير بعيد، وجوب الاعتذار لأهل البيت (ع) عما لحق بهم من الظلم والأذى على أيدي المسلمين أنفسهم، وهذا خطاب جريء، وهو جدير بالاحترام والتقدير حقا.

الملاحظة (3): أن كل إمام من أئمة أهل البيت (ع) قد واجهته محنة أو مجموعة من المحن العظيمة، التي كان عليه أن يواجهها، ويبذل في مواجهتها النفس والنفيس، في سبيل البقاء على الطريق الصحيح والصراط المستقيم، ومواصلة السير لتحقيق الأهداف المطلوبة.

محنة الإمام الرضا (ع)

وكانت المحنة العظيمة التي واجهت الإمام الرضا (ع) هي فرض ولاية العهد عليه.

انظروا أيها الأحبة، فرض ولاية العهد التي تجعل منه الرجل الثاني وصاحب النفوذ القوي في الدولة ـ لو أراد ذلك ـ هي محنة عظيمة، وليست مكسبا بالنسبة للإمام الرضا (ع) الذي ينظر بعين الله ذي الجلال والإكرام، وبعين الحق والعدل والفضيلة والجمال، وليس بعيون الدنيا والمكاسب الدنيوية.

وقد جاء فرض ولاية العهد من الخليفة المأمون على الإمام الرضا (ع) في ظل:

• نتائج الصراع بين الأمين والمأمون على الخلافة، حيث التصدعات والانقسامات الخطيرة في النظام العباسي، التي تتطلب من المأمون معالجتها في سبيل المحافظة على وجوده على رأس السلطة، وعلى نظامه من الانهيار.

• وجود التشيع كقوة عقائدية وسياسية معارضة للنظام، وكانت قوة فاعلة ومؤثرة على الساحة الإسلامية التي تمثل ساحة سلطة النظام العباسي كلها، وكانت مصدر قلق للنظام.

• وجود الإمام الرضا (ع) كقائد عقائدي وسياسي رسالي قوي وفاعل وناجح، وهو قائد معارض للنظام، وكان وجوده مصدر قلق كبير للنظام.

وقد تصرف المأمون بدهاء حينما عرض ولاية العهد على الإمام الرضا (ع)، وفرضها عليه حينها رفضها، وكانت للمأمون ثلاثة أهداف سياسية رئيسية من وراء ذلك، وهي:

• دمج الإمام الرضا (ع) في النظام، وهذه وسيلة جهنمية لاحتوائه وفرض الرقابة على نشاطه. وهذا العمل يستهدف الإمام الرضا (ع) كقائد، والكيان العقائدي والسياسي الذي يقوده، فلا شك أن السيطرة على القائد، مدخل للسيطرة على الكيان الذي يقوده.

• احتواء التشيع ودمجه في النظام؛ للقضاء على استقلاليته، وعلى دوره المعارض للنظام.

• تضليل الرأي العام، والإساءة إلى طهارة الإمام الرضا (ع) كقائد رسالي، وطهارة الكيان الذي يقوده، وهذه نتيجة طبيعة للدخول في أي نظام فاسد بدون حصانة كافية: فكرية، وروحية، وقانونية، وسياسية، وعملية.

مواجهة الإمام الرضا (ع) للمحنة

لم يجد الإمام الرضا (ع) مناصا من القبول بولاية العهد، فهو أفضل في الحسابات: الدينية والقيمية والسياسية، من تقديم نفسه لقمة سائغة وسهلة للمأمون، وقد شرط على المأمون أن يكون توليه للمنصب شكليا، وليس حقيقيا أو فعليا، وقد قبل المأمون بالشرط؛ لأن فيه تحقيق الحد الأدنى من أهدافه، ويغنيه عن المواجهة مع الإمام الرضا (ع) وشيعته ومحبيه.

وفي ظل هذه المحنة: كيف تصرف الإمام الرضا (ع)؟

الجواب: لقد حرص الإمام الرضا (ع) في مواجهة المحنة على أمور عديدة، وهي أمور واضحة لمن وقف على سيرة الإمام (ع)، منها:

• التأكيد على إمامته، وأنها امتداد لإمامة آبائه الطاهرين (ع)، وقد فرض القبول بذلك عمليا على المأمون ورجال السلطة والبلاط، وتعاطوا معه عمليا على هذا الأساس، حتى قال بعضهم بتشيع المأمون!!

• واصل مسيرته العلمية في التبليغ بعلوم أهل البيت (ع)، وسعى لفضح أجندة النظام وخططه، من خلال ممارسات ذكية وقوية في تحقيق أهدافها، مثل: الهيئة التي خرج بها إلى صلاة العيد، حتى اضطر المأمون إلى إرجاعه قبل أن يصل إلى الجامع.

• حافظ على استقلالية التشيع وأصالته وصفاء مشاربه ـ كما فعل آباؤه من قبل ـ ولم يسمح بذوبانه في النظام العباسي بأي شكل من الأشكال، مع المحافظة على سلامة الوجود الإسلامي العام.

وقد ضاق المأمون ذرعا بالإمام الرضا (ع)، ولم يستطع عليه صبرا، فدس إليه السم، فقضى الإمام (ع) حياته ومضى شهيدا مظلوما، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها مع السعداء.

وفي الختام، هنا مسألة أرغب في طرحها باختصار، وأطلب من الجميع أن يفهموها فهما علميا لا غير، فالمناسبة جيدة لطرحِها، وطرحُها والتفكير فيها يمكن أن يفيدنا عمليا في عملنا الإسلامي والوطني، وهذا هو القصد.

أيها الأحبة الأعزاء، منصب ولاية العهد منصب مهم وحساس جدا في تحديد مستقبل النظام، ويجعل صاحبه في موقع نفوذ قوي ومؤثر جدا في الدولة ومصالح المواطنين.

والسؤال: لماذا لم يطبق الإمام الرضا (ع) قاعدة «دفع الضرر» وقاعدة «تحصيل ما يمكن تحصيله»، وهما قاعدتان صحيحتان في نفسهما في القبول التام والفعلي بولاية العهد؟

الجواب: لقد طبق الإمام الرضا (ع) ـ بحسب ما أفهم ـ قاعدة «دفع الضرر» في القبول الشكلي الذي أكره عليه بولاية العهد، ولم يطبق أياً من القاعدتين المذكورتين للقبول التام والفعلي بولاية العهد؛ وذلك لأنه ليس كل قاعدة صحيحة في نفسها يصح تطبيقها في جميع الأحوال والأوضاع، فيجب البحث عن ملاءمة الأوضاع العامة لتطبيق القاعدة الصحيحة في نفسها أو عدم ملاءمتها، ليكون التطبيق صحيحا ويأتي بالنتائج المطلوبة، ولم تكن الأوضاع العامة في زمن الإمام الرضا (ع) ملائمة لتطبيق تلكما القاعدتين للقبول التام والفعلي بولاية العهد، ولهذا لم يطبقهما.

وهكذا ينبغي أن يكون دائما: البحث عن ملاءمة أو عدم ملاءمة تطبيق القواعد الصحيحة في نفسها في الأوضاع العامة، ليكون التطبيق صحيحا، ويأتي بالنتائج المطلوبة، ولا يكفي أن تكون القاعدة صحيحة في نفسها ليكون تطبيقها صحيحا في جميع الأحوال والأوضاع.

أيها الأحبة الأعزاء، أكتفي بهذا المقدار، وأعتذر لكم عن كل خطأ أو تقصير، وأستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم، وأستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء.والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المراجع والمصادر

  • [1]. سورة البقرة، الآية: 30.
  • [2]. صحيح الترمذي: ج5 ص621.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق