مسألتان من سيرة الإمام السجاد

نبذة عن الإمام السجاد (ع)

الإمام السجاد (ع) هو الإمام الرابع من أئمة أهل البيت الاثني عشر (ع)، وقد ولد في الكوفة، بتاريخ: (5/شعبان/38هـ)، في زمن خلافة جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، أي: قبل سنتين من شهادته غيلة على يد أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم (عليه اللعنة) بتاريخ: (21/رمضان/40هـ)، وقد سجد جده أمير المؤمنين لولادته شكرا لله تبارك وتعالى، وسماه عليا.

وقد تولى الإمام السجاد (ع) زمام الإمامة في يوم الجمعة، بتاريخ: (10/محرم/61هـ)، بعد شهادة سيد الشهداء أبيه الإمام الحسين (ع) مظلوما عطشانا في كربلاء، وكان عمر الإمام السجاد (ع) يوم توليه الإمامة (22 سنة)، ودامت إمامته لمدة (34 سنة)، حيث استشهد مسموما في المدينة المنورة على يد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، بتاريخ: (25/محرم/95هـ).

وبهذه المناسبة سوف أتحدث عن مسألتين من سيرة الإمام السجاد (ع):

المسألة (1) نجاته من القتل في كربلاء: من المعلوم أن الإمام السجاد (ع) كان مريضا مرضا أقعده عن القتال في كربلاء، وكان ذلك هو الحجة الشرعية الظاهرة لعدم مشاركته في القتال لنصرة أبيه الإمام المظلوم الحسين بن علي؛ قول الله تعالى: )لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[1]، والعلة الظاهرة لنجاته من القتل، إلا أن وراء نجاته من القتل علة كبرى، وهي أرادة الله العليا التي تعلقت ببقائه وذلك لتوقف بقاء الرسالة التي تكفل الله عز وجل ببقائها ووصولها للناس كما أنزلها على بقائه (ع)، فقد تكفل الله عز وجل ببقاء الرسالة، قول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ([2]، وبقاء الرسالة متوقف على بقائه (ع)، فهو الإمام الحامل للرسالة والحافظ لها بعد أبيه الإمام الحسين (ع)، وهو السبيل الوحيد الباقي بعد فاجعة كربلاء لبقاء نسل الإمام الحسين (ع)، ومنهم الأئمة الأطهار (ع)، فمن المعلوم: أن الأئمة التسعة المتبقين بعد الإمام الحسين (ع) هم جميعا من نسله، وقد قتل في كربلاء جميع أولاد الإمام الحسين (ع)، ولم يبق منهم إلا الإمام السجاد (ع)، ففيه انحصر نسل الإمام الحسين (ع) من الأئمة ومن سواهم. وقد كانت أسباب الموت القريبة والشديدة تخفُق فوق رأس الإمام السجاد (ع)، وتحف به من كل جانب وصوب في كربلاء أثناء الفاجعة وفي الكوفة والشام أثناء الأسر، وقد شمل القتل في كربلاء حتى بعض الأطفال من آل الحسين (ع)، إلا إن إرادة الله عز وجل تعلقت ببقاء الإمام علي بن الحسين السجاد، فلو اجتمع أهل الدنيا كلهم جميعا على أن يقتلوا الإمام السجاد (ع) لما استطاعوا قتله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، فإرادة الله عز وجل التي تعلقت ببقائه لا تقهر ولا تغلب ولا بأي حال من الأحوال، قول الله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)[3].

والدرس: أن لله عز وجل إرادة نافذة لا تقهر ولا تغلب في تدبير المسيرة التاريخية للإنسان، وأن هذه المسيرة سوف تنتهي حتما للنتائج التي يريدها الله تبارك وتعالى بدون أن يعطل ذلك ملكة الاختيار لدى الإنسان أو يعطل دوره ومسؤوليته في حمل الرسالة والدفاع عن الحق والحقوق، حيث تكفل الله عز وجل بأن يقيّض لحمل الرسالة أناساً شرفاء صادقين يكونون في نصرة الحق والعدل والخير والفضيلة دائما وأبدا، فإن لم نكن نحن فسوف يكون غيرنا، قول الله تعالى: (وَالله الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[4]، فعلى كل إنسان أن ينظر لنفسه ويحدد موقعه من هذه الإرادة الربانية القاهرة:

فإما أن يكون معها وفي صفوف أناسها فيكون من الفائزين.

أو يكون ضدها وخارج صفوف أناسها فيكون من الخاسرين.

وقد ورد ضمن الدعاء المأثور للقائم الحجة المهدي (عج) المروي عن الإمام الرضا (ع) قوله: «واجعلنا ممن تنتصر به لدينك وتعز به نصر وليك، ولا تستبدل بنا غيرنا فإن استبدالك بنا غيرنا عليك يسير وهو علينا كثير»[5].

المسألة (2) خصوصية دوره (ع): الإمام السجاد (ع) هو الإمام الرابع من الأئمة المعصومين من أهل البيت (ع)، وقد سبق القول أن ولادته (ع) كانت في الكوفة في زمن خلافة جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فهو أول إمام من أئمة أهل البيت (ع) لم يكن موجودا في عصر النبوة، فالأئمة الذين سبقوه: (الإمام علي بن أبي طالب، والإمام الحسن بن علي، والإمام الحسين بن علي) كانوا جميعا موجودين في زمن النبوة، وقد قال فيهم الرسول الأعظم الأكرم (ص) الكثير من الأحاديث الشريفة التي تُعرّف الناس بمنزلتهم عند الله تبارك وتعالى، وبموقعهم القيادي كأئمة للمسلمين، وقد أحاطتهم تلك الأحاديث بهالة قدسية لدى المسلمين جميعا، ولم تكن للإمام السجاد (ع) في أول عهده بالإمامة مثل تلك الهالة من القدسية، وكان ذلك يمثل له تحديا في ممارسة دوره الرسالي كإمام في الأمة الإسلامية.

كما واجه الإمام السجاد (ع) تحدياً آخر، حيث إن إمامته جاءت بعد شهادة أبيه الإمام الحسين (ع) بشكل مروّع في كربلاء، وبروز الشعور بالذنب والغضب لدى المسلمين، والحاجة إلى الانتقام من قتلته والتكفير عن ذنب خذلانه والتقصير في نصرته، وهذا يتطلب مواقف ثورية من الإمام السجاد (ع) في مواجهة النظام الأموي الباغي.

وفي الوقت نفسه: فإن خطة عمل الأئمة من أهل البيت (ع) في التبليغ بالرسالة وتصحيح مسار الأمة، تقتضي انتقال عملهم بعد مقتل الإمام الحسين (ع) من المواجهة العسكرية إلى العمل الفكري والسياسي وبناء الكيان المؤمن (كيان التشيع)، وبالتالي فإن الإمام السجاد (ع) كان أمام مهمتين تسيران في اتجاهين متعاكسين:

  • الانتقام من قتلة الإمام الحسين (ع)، وهذا يتطلب مواجهة عسكرية.
  • انتقال عمل الأئمة (ع) من المواجهة العسكرية إلى مرحلة العمل الفكري والسياسي وبناء الكيان المؤمن.

وقد نجح الإمام السجاد (ع) في السير المتوازن جدا بحكمة بالغة على الحد الحاد والدقيق في الإدارة السياسية للملفات الساخنة والمواقف المطلوبة سياسيا ودينيا.

فسمح لحركات الانتقام والثورة في الانطلاق بدون إعاقة، والانتقام من قتلة الإمام الحسين (ع)،  وتصفية جميع زعمائهم المجرمين، والتمهيد لسقوط النظام الأموي الباغي، فكانت ثورة المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة الأنصاري في العام (63هـ)، وثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي في العام (65هـ)، وثورة المختار الثقفي في العام (66هـ)، وغيرهم.

وسار هو مع بعض أصحابه بكفاءة منقطعة النظير في العمل الفكري والسياسي، وبناء الكيان المؤمن، والمحافظة على الممثلية الحقيقية للرسالة وعملها على المدى البعيد للرسالة، وتصحيح الأوضاع العامة في الأمة الإسلامية.

وقد نجحت خطط الإمام السجاد (ع) وسياساته في كسب ثقة العامة والخاصة من أبناء الأمة، فغرس فيهم الولاء العميق والواعي لخط الإمامة، وظهرت له في الأمة قدسية ضخمة لا تقل عن القدسية التي كانت للأئمة المعصومين الذين سبقوه من أهل البيت (ع)، وهم: (الإمام علي بن أبي طالب، والإمام الحسن بن علي، والإمام الحسين بن علي)، وحظي في وسط الأمة بولاء جماهيري واسع النطاق، والدليل على ذلك ما حصل في البيت الحرام مع الزعيم الأموي هشام بن عبد الملك، فقد روى المؤرخون أن هشام بن عبد الملك بن مروان، حضر في أحد مواسم الحج، وقد حاول أن يستلم الحجر الأسود، فلم يستطع لزحمة الحجيج، فأمر مرافقيه من أهل الشام أن يُحضروا له منبرا ليجلس عليه حتى تحين فرصة يقل فيها تدفق الحجيج فيستلم الحجر، وبينما هو جالسٌ ومرافقوه محيطون به بالقرب من الكعبة الشريفة، إذ أقبل الإمام السجاد (ع) يسير على سكينة ووقار، فطاف حول البيت حتى بلغ الحجر الأسود، فانفرج الناس إجلالا له، فاستلم الحجر في يسر وسهولة، وأدى منسكه – وهذا يدل على عمق تأثير الإمام السجاد في الأمة وصلتها غير الاعتيادية به – مما أذهل الشاميين المرافقين لهشام بن عبد الملك، فسألوه من يكون هذا الذي انفرج له الناس إجلالا ليستلم الحجر الأسود ويؤدي منسكه ولم ينفرجوا لك وأنت الزعيم الأموي الكبير؟ فأجاب بأنه لا يعرفه!! وكان الشاعر المعروف (الفرزدق) حاضرا، وكان من الموالين لأهل البيت (ع)، فقال: أنا أعرفه، فطلب الشاميون تعريفهم به، فأنشد قصيدته المعروفة التي قال فيها:

هذا الذي تَعرِفُ البطحاءُ وطأتَهُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنتَ جاهلَهُ
هذا ابنُ خيرِ عِبَادِ اللهِ كلِّهِمُ
وليس قولُكَ مَن هذا بضائرِهِ
إذا رأتْهُ قُرَيشٌ قَالَ قَائِلُهَا

  والبيتُ يَعرِفُهُ والحِلُّ والحَرَمُ
بجدِّهِ أنبياءُ اللهِ قد خُتموا
هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ
العُربُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ والعَجَمُ
إلى مَكَارِمِ هذا يَنتَهِي الكَرَمُ

وقد قُبض على الفرزدق بعد هذه القصيدة وحبس في عسفان بين مكة والمدينة.

والدرس: أن نميز بين القيادة الشجاعة التي تمتلك رؤية واضحة في العمل وتسير بوعي كامل على هديها، وبالتالي تستطيع الاستجابة الواقعية المناسبة لمقتضيات الرسالة والساحة، وبين القيادة الضعيفة أو القيادة التي ليس لها رؤية واضحة فتتخبط في العمل ذات اليمين وذات الشمال ولا تدري ماذا تفعل، أو تستجيب للحوادث استجابة انفعالية، وبالتالي لا تستطيع أن تستجيب الاستجابة الواقعية المناسبة لمقتضيات الرسالة وساحة العمل..

إما بسبب الضعف.

أو بسبب فقدان الرؤية الواضحة.

أو بسببهما معا.

أو الوقوع تحت تأثير الانفعال ونحوه.

خطأ يتداوله بعض المؤمنين

وفي ختام الحديث عن الإمام السجاد (ع)، أرغب في التنبيه إلى خطأ يتداوله بعض المؤمنين، وهو القول بتعايش بعض الأئمة من أهل البيت (ع)، مثل: الإمام الحسن، والإمام السجاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق (ع) مع الظلم والظالمين، وذلك لتبرير سلوك سياسي ما، فهذا القول ـ بحسب فهمي ـ لا يستند ـ مع حسن النية ـ إلى فهم صائب لحقيقة الإمامة، ودور الأئمة (ع) في الحياة، وصاحبه يفتقر إلى البصيرة الكاشفة عن الحقائق في موضوع البحث، فجميع الأئمة الأطهار من أهل البيت (ع) هم القيادة العليا لمشروع السماء لهداية الأرض، وإخراج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والهداية، فهم قادة إصلاح ومواجهة لكافة أشكال الباطل والظلم والفساد والشر والرذيلة، وهم قادة بناء حضارة الخلافة الإلهية للإنسان على وجه الأرض، وذلك على أنقاض حضارات الفساد والطاغوت، والله تعالى يقول: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ)[6]، فلا أحد من الأنبياء والأئمة (ع) والأولياء والصالحين يركن إلى الظلم والظالمين، لأنه ركون إلى غير الله عز وجل، وإلى غير الحق، وهو من الجهل والضلال، وعاقبته النار.

المراجع والمصادر

  • [1]. سورة التوبة، الآية: 91.
  • [2]. سورة الحجر، الآية: 9.
  • [3]. سورة المجادلة، الآية: 21.
  • [4]. سورة محمد، الآية: 38.
  • [5]. مفاتيح الجنان: ص712.
  • [6]. سورة هود، الآية: 113.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق