صلح الامام الحسن هل هو مسايرة؟

تمهيد

السؤال هو: هل يدخل صلح الإمام السبط: الحسن بن علي (ع) في دائرة مسايرة الحكم الأموي الجائر؟

الجواب: لا يدخل صلح الإمام الحسن (ع) في دائرة مسايرة الحكم الأموي الجائر. حيث كشفت الأحداث كلها أن منهج الإمام الحسن (ع) هو المعارضة للحكم الأموي بكل أشكال المعارضة المشروعة إسلاميا، ولم يتغير ذلك المنهج بعد الصلح. نعم، نقل الصلح المعارضة (لأسباب موضوعية) من المواجهة العسكرية إلى المواجهة السياسية السلمية، مع التأكيد على حق وشرعية المواجهة العسكرية مع النظام الأموي الجائر، وقد أظهر الإمام الحسن (ع) وأصحابه الكرام في المعارضة السياسية، إيمانا وصبرا واحتسابا وثباتا على المبادئ منقطع النظير، فلم يغيروا ولم يبدلوا ولم ينثنوا، وقدموا في المواجهة السياسية الكثير من التضحيات الجسيمة. وذروتها حياة الإمام الحسن (ع) وحياة الكثيرين من خيرة أصحابه الكرام أمثال: حجر وأصحابه، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهم من الشهداء الأبرار، كنتيجة للعنف السلطوي من طرف واحد في المواجهة السياسية. وكان العنف السلطوي الأموي متعدد الوجوه، حيث كان معاوية يقتل أصحاب الإمام الحسن (ع) على التهمة والظنة، ويعرضهم إلى التعذيب والتشريد والسجن والمطاردة، ويسقطهم من دواوين العطاء للتضييق عليهم في أرزاقهم، والتأثير السلبي على حياتهم المعيشية وحياة أسرهم، وكان يرد شهاداتهم في القضاء (وغيره) كجزء من الحرب النفسية ضدهم، ولكن لم يستطع ذلك العنف السلطوي الأموي متعدد الوجوه أن يسقط تلك المعارضة (الطاهرة) المحمدية العلوية الحسنية، بل كان عامل قوة لصمودها وانتشارها في شتى الولايات الإسلامية، ولا سيما الكوفة الممتحنة. كما أن الصلح يدخل في دائرة التكتيك العسكري، ولم يكن تخليا (بصورة دائمة) عن المواجهة العسكرية المشروعة ضد السلطة الأموية الجائرة. وعليه لم يتوقف الإمام الحسن (ع) وأصحابه (في ظل المعارضة السياسية الشجاعة) عن فضح ممارسات النظام الأموي على جميع الأصعدة: الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولم يتوقفوا عن نشر الوعي، وشحذ الهمم، وتقوية العزائم، وترسيخ ثقافة الرفض والتحدي والمواجهة  بأشكالها كافة، والتأكيد على شرعيتها، وبناء قواعد المعارضة وتطوير أدائها على كل المستويات، والاستعداد للمستقبل ولأسوأ الاحتمالات. وقد ربط، على ضوء ذلك، الكثير من المحللين السياسيين (قديما وحديثا) بين صلح الإمام الحسن وثورة أخيه الإمام الحسين.

عدي بن حاتم والإمام الحسن (ع)

ذكر المؤرخون أن عدي بن حاتم (وهو أحد الخواص) جاء إلى الإمام الحسن (ع) وقال: «يا بن رسول الله، لوددت أني مت قبل ما رأيت!! أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا».

فرد الإمام الحسن (ع) قائلاً: «يا عدي، إني رأيت هوى معظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كلّ يوم هو في شأن».

فلم يستنكر الإمام الحسن (ع) روح العزة والكرامة، وثقافة الرفض والتحدي والمواجهة، ورفض الباطل والظلم والمذلة والخنوع، والإصرار على مواجهتها بكافة أشكالها وتلاوينها بعزيمة وشكيمة لدى عدي بن حاتم، وإنما أقرها وأخبره عن إرجاء الحرب (تكتيكا) إلى يوم آخر؛ لأن الجماهير لم تكن مستعدة في ذلك الوقت لأن تخوض مع الإمام الطاهر الشجاع الحسن بن علي (ع) الحرب ضد معاوية. ففي هذا النص نجد: تمسك السبط الكريم الإمام الحسن (ع) بحق المواجهة العسكرية ضد معاوية بن أبي سفيان، والتأكيد على شرعيتها في مواجهة الحاكم الباغي المغتصب للحقوق والساعي بين الناس بالباطل والظلم ونشر الفساد، وامتلاكه (ع) الإرادة القوية الفولاذية لخوض غمارها، ولكنه وجد المسلمين بحاجة إلى إعداد جديد للدخول في المعركة العسكرية، مما دفعه للصلح (تكتيكا) ونقل المعركة من المواجهة العسكرية إلى المواجهة السياسية السلمية، وإتاحة الفرصة لنشر الوعي وبناء المعارضة. وعليه تم تأجيل المواجهة العسكرية إلى حين تتهيأ الظروف المناسبة إليها.

ومن مواقف المواجهة السياسية للإمام الحسن (ع)

بعد الصلح ضد معاوية قوله في خطاب له بحضور معاوية: «وليس الخليفة من دان بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أبا وأما، ولكن ذلك ملك أصاب ملكا تمتع به، وكان قد انقطع عنه واستعجل لذته، وبقيت عليه تبعته، فكان كما قال الله (عز وجل): (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[1])[2].

ومن مواقف أصحابه في المواجهة السياسية

موقف الأحنف بن قيس في مجلس معاوية، حين عرض معاوية أمر البيعة ليزيد. فقال الأحنف: «وقد علمت يا معاوية، أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليه قعصا (يعني: بالقتال)، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود ما قد علمت، ليكون له الأمر من بعدك، فإن تفي فأنت أهل الوفاء، وإن تغدر تظلم، والله إن وراء الحسن خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، وسيوفا حدادا، وإن تدن له شبر غدر تجد وراءه باعا من نصر، وأنت تعلم من أهل العراق: ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم»[3].

ومنها موقف عدي بن حاتم  حين دخل على معاوية فسأله: ما فعلت الطرفات (يعني أولاده)؟

فقال: قتلوا مع علي!!

فقال معاوية: ما أنصفك علي، قتل أولادك، وبقي أولاده!!

فقال عدي: ما أنصفت عليا، قتل وبقيت بعده!!

فقال معاوية: أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان، ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن (يعني بذلك عدي)!!

فقال عدي: والله إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فترا (الفتر: ما بين طرف الإبهام والسبابة إذا فتحتهما) لنُدنينَّ لك من الشر شبرا، وإن حز الحلقوم (قطع الرقبة) وحشرجة الحيزوم (تردد النفس وقت الاحتضار) لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي، فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف.

فقال معاوية متراجعا: هذه كلمات حكم فاكتبوها، وأقبل على عدي محادثا له، كأنه ما خاطبه بشيء[4].

المراجع والمصادر

  • [1]. سورة الأنبياء، الآية: 111.
  • [2]. المحاسن والمساوئ، البيهقي: ص63.
  • [3]. الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ص147.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق