دراسات عسكرية

الأيام القتالية: الإدارة الإسرائيلية لمعركة “وحدة الساحات”

في ظل صراع طويل الأمد بين حركات المقاومة في المنطقة والكيان المؤقت، ومع اختلاف التكتيكات المعتمدة وبشكل متكرر عند كل معركة أو اشتباك، إلا أن الاستراتيجية لدى العدو واحدة، وهي القضاء على الطرف المعادي. لكن معركة وحدة الساحات التي جرت العام الماضي، أظهرت تحولاً في خطط العدو ضد فصائل المقاومة والفلسطينية منها تحديداً، حيث أجرى العدو وبسرعة خاطفة وبتحييد باقي الفصائل عن “الجهاد الإسلامي”، ضربةً للفصيل الأخير في قطاع غزة في ظل وضع إقليمي- دولي غير مناسب لحرب شاملة، وغيرها من العوامل التي استطاع من خلالها الانتهاء من المعركة خلال ثلاث أيام فقط، محققاً أهدافه من دون أن يعطي الفرصة للجهاد، بكسر أي معادلة أو تكبيده خسائر معينة.

اليوم، وخلال الأسابيع القليلة الماضية، زادت احتمالية حصول حرب بين الكيان المؤقت ومحور المقاومة، ذلك بعد سلسلة من الرشقات الصاروخية التي أطلقتها المقاومة رداً على الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، بالإضافة لما سببته عملية “مجدو” من ارباك إسرائيلي داخلي في لحظة انقسام سياسي كبير بين اليمين واليسار في الحكومة وما كان لذلك من انعكاس على المستوطنين في الشارع، الذي انقسم أيضاً وباتت الاحتجاجات هي الواقع الإسرائيلي الحالي.

ولأن “الأيام القتالية”، باتت إحدى حلول خروج الكيان المؤقت من المأزق  بأقل التكاليف، كما جرى العام الماضي، فإن احتمالية توجه العدو الإسرائيلي نحو هكذا سيناريو “مرتفعة”، وعليه ولفهم السياقات الآخذة في التصعيد ومعالجة أبرز المحطات التي تدل على “التغير” الذي يجب ملاحظته في حركة العدو قبل المعركة وخلالها، نعالج عبر هذه الورقة “الإدارة العملية لوحدة الساحات”، عبر سلسلةً من المراجعات والتحليلات لأبرز محطات معركة “وحدة الساحات”، بعرض كرونولوجي وتحليلي للسياقات والخطوات المتبعة آنذاك من فصائل المقاومة والمسؤولين في الكيان المؤقت.

كرونولوجيا “وحدة الساحات”

قبل بداية عملية “وحدة الساحات” في الـ 5 من آب عام 2022، لم تكن هناك مؤشرات تظهر أن سياق ما يجري ذاهب نحو تصعيد بين المقاومة في غزة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، إذ أن ما كان يجري على الصعيدين الإقليمي والدولي يظهر، تجنباً أمريكياً لأي صراع في الشرق الأوسط في ظل تصاعد حدة الحرب الروسية- الأوكراني المجهولة الأفق، بالإضافة لمأزق تايوان في ظل مناورات صينية متكررة. ضف على ذلك الزيادة في تخصيب اليورانيوم والتي أكدته السلطات الرسمية في إيران. جميع ما تم ذكره كان يشير إلى أن الظروف الحالية غير مواتية لأي تصعيد خطير مع حركات المقاومة في المنطقة، ولإيضاح أبرز ما كان يجري على الصعيدين الدولي والإقليمي آنذاك، نعرض بشكل متسلسل أبرز الأحداث والتصريحات التي سبقت عملية “وحدة الساحات” بيومين فقط:

3 أب 2022

  • بيلوسي: رسالتنا هي وقوف الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب تايوان.
  • وزارة الدفاع التايوانية: المناورات العسكرية الصينية تنتهك مياهنا الإقليمية وتعرض النظام الدولي للخطر.
  • رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: ضخ الغاز في أجهزة الطرد المركزية جاء ردا على العقوبات الأمريكية الجديدة.
  • الخارجية السعودية: نرحب بتمديد الهدنة في اليمن شهرين إضافيين ونؤكد على أهمية فتح المعابر الإنسانية في تعز.
  • الخارجية الصينية: الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية نتيجة هذه الزيارة وستكون إجراءات ردنا عليها حازمة.

4 آب 2022

  • صحيفة معاريف: رئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لابيد يلغي إجازته الصيفية بسبب التوتر على الحدود مع غزة.
  • مكتب وزير الدفاع الإسرائيلي: غانتس يوجه الأجهزة الأمنية باستخدام كل الوسائل لإزالة التهديد عن منطقة غلاف عزة.
  • الناطق العسكري الإسرائيلي: تعزيز فرقة غزة العسكرية بقوات إضافية لرفع حالة الجهوزية.
  • قائد الحرس الثوري الإيراني: العدو أمام طريق مسدود لشن أي عمل عسكري ضد إيران.
  • قائد الحرس الثوري الإيراني: حزب الله اللبناني يمتلك أكثر من مئة ألف صاروخ جاهزة لفتح باب جهنم على إسرائيل.
  • مصدر قيادي بالجهاد الإسلامي للجزيرة: سرايا القدس في حالة استنفار للرد على جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
  • مصدر قيادي بالجهاد الإسلامي للجزيرة: ما لم تستجب إسرائيل لمطلبنا بشأن السعدي وعواودة لن يعود الأمن لمستوطناتهم.

5 آب 2022/ صباحاً

  • المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: اختتام مناورات بحرية مشتركة مع الأسطول الخامس الأمريكي جرت في عمق البحر الأحمر.
  • هيئة البث الإسرائيلية: رئيس الأركان زار قطاع غزة 3 مرات اليوم لتقييم الوضع العملياتي مع التصعيد في الجنوب.
  • يائير لابيد: قيمنا الوضع الأمني في قطاع غزة ونعمل على إعادة الحياة اليومية للسكان إلى طبيعتها في أقرب وقت.
  • مصادر إعلامية إسرائيلية: الجيش الإسرائيلي يجري تحضيرات لدعوة قوات الاحتياط بسبب تصعيد متوقع
  • وزير الدفاع الإسرائيلي: أقول لأعدائنا ولقادة حماس والجهاد إن وقتكم محدود وسنتخلص من التهديد بشكل أو بآخر.
  • الجيش الإسرائيلي: ننفذ غارات حاليا على قطاع غزة وإعلان وجود حالة خاصة في الجبهة الداخلية.

5 آب 2022/ مساءاً

وكما ذكرنا مسبقاً، بأن الجو العام على الصعيد الدولي لم يكن سامحاً بأن يحصل تصعيد بين إسرائيل وأي فصيل من محور المقاومة، ولكن بدأ التصعيد يظهر، عقب اعتقال قوات الاحتلال لأحد قياديي الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية “بسّام السعدي”، ما أعقب ذلك أيضاً إرسال تعزيزات من قبل جيش العدو نحو الحدود الجنوبية.

وبعد عملية اعتقال “السعدي” وتعزيزات الجيش الإسرائيلي في الجنوب، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي مباشرةً قائلاً: “أقول لأعدائنا ولقادة حماس والجهاد، وقتكم محدود وسنتخلص من التهديد بشكل أو بآخر”.

لم تكن الغارات التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة عشوائية، إذ استهدفت بشكل خاص قياديين من “الجهاد الإسلامي”، حيث أسفرت الاعتداءات عن استشهاد قائد المنطقة الشمالية في الجهاد “تيسير الجعبري” بالإضافة لعدد من أعضاء المنظمة وعدد من المدنيين لتصل حصيلة الاستهداف إلى استشهاد 48 فلسطينياً وإصابة 360 آخرين، ليسمّي العدو العملية التي بدأها في قطاع غزة باسم “الفجر الصادق”، في المقابل أطلق الجهاد اسم “وحدة الساحات” عليها.

وبشكل كرونولوجي نستعرض خلال يومي الاشتباك أبرز الأحداث والتصريحات حول المعركة مع تحليل لها:

  • الوساطات:
    • مصدر قيادي بالجهاد الإسلامي: الوسيط المصري، قدّم تطمينات عن الوضع الصحي للشيخ بسّام السعدي.
    • أكسيوس: مسؤولون مصريون وقطريون وأمميون أجروا اتصالات مع حماس والجهاد الإسلامي وإسرائيل لمحاولة تجنب التصعيد.
    • المتحدث باسم الجهاد الإسلامي للجزيرة: جرت اتصالات مع المسؤولين المصريين قبل ساعة من القصف وكانت ردودنا إيجابية.
    • هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل وجهت رسائل لمصر وأطراف أخرى بأن المستهدف هو حركة الجهاد وأنها سترد على أي تصعيد.
    • هآرتس عن مسؤول مصري: جهود الوساطة لم تتوقف وتركز حاليا على منع تصعيد العنف.
    • الخارجية القطرية: نشدد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل لوقف اعتداءات الاحتلال المتكررة بحق المدنيين.
    • المبعوث الأممي إلى الشرق الأوسط:
      • الوضع في غزة خطير للغاية أدعو جميع الأطراف إلى تجنب المزيد من التصعيد.
      • المبعوث الأممي إلى الشرق الأوسط: الأمم المتحدة تعمل مع كل الأطراف المعنية لتجنب المزيد من التصعيد في غزة.
    • الخارجية الأردنية: حل مشكلة قطاع غزة يكمن في إيجاد أفق سياسي حقيقي بالعودة للمفاوضات لتحقيق السلام العادل.
  • إجراءات العدو الاحترازية:
    • تعليمات لسكان البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المتاخمة لقطاع غزة بالبقاء قرب الملاجئ.هيئة البث الإسرائيلية:
      • الجيش الإسرائيلي يفعل منظومة القبة الحديدية تحسبا لإطلاق صواريخ من غزة.تم تحويل مسار الطائرات في مطار بن غوريون إلى الشمال خشية إطلاق صواريخ من غزة.
      الجيش الإسرائيلي:
      • نشر بطاريات القبة الحديدة في المنطقة الوسطى.إصدار تعليمات خاصة بالمناطق التي تقع في نطاق 80 كيلومترا من قطاع غزة.إستدعاء قوات الاحتياط ونقل لواء النخبة “جولاني” وسلاح المدرعات إلى حدود قطاع غزة.
      بلدية تل أبيب وبلديات عدد من البلدات المحيطة بها تعلن تجهيز الملاجئ وفتحها استعدادا لحدوث تصعيد.رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يوعز بالانتقال إلى حالة الطوارئ وفتح غرفة العمليات العليا لقيادة الأركان.
    • وزير الدفاع الإسرائيلي يصدق على أمر عسكري استثنائي باستدعاء 25 ألفا من قوات الاحتياط.
  • تصريحات العملية والتصعيد:
    • الجيش الإسرائيلي:
      • أطلقنا حملة عسكرية تستهدف الجهاد الإسلامي في قطاع غزة تحت اسم الفجر الصادق.استهداف ثلاث مواقع مختلفة في ق77طاع غزة.
      مراسل هيئة البث الإسرائيلية: الجيش الإسرائيلي يغتال قياديا بارزا في حركة الجهاد الإسلامي في غزة.وزير الدفاع الإسرائيلي: لن نسمح لأي طرف بتهديد أو إيذاء الإسرائيليين ومن يحاول ذلك سيتعرض للأذى.بيان مشترك لرئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين: العملية في غزة تهدف لإزالة تهديد ملموس على مواطني إسرائيل.الجيش الإسرائيلي:
      • استهداف عبد الله قدوم قائد منظومة الصواريخ المضادة للدروع في شمال غزة بحركة الجهاد الإسلامي.نشر صور للحظة استهداف الشقة التي كان يوجد بها تيسير الجعبري في برج فلسطين في غزة.نشر صور لاستعدادات جنوده في غلاف غزة.
      رئيس الوزراء الإسرائيلي:
      • سنقوم بكل ما في وسعنا لحماية أمن مواطنينا.لن نقف مكتوفي الأيدي أمام التهديدات ضد مواطنينا ولا نريد حربا لكننا جاهزون لها.العملية في غزة تستهدف تهديدات ملموسة على مواطنينا في جنوب إسرائيل.
    • وزير الدفاع الإسرائيلي:
      • لا يستطيع أي شخص أو أي تنظيم إرهابي احتجاز الشعب الإسرائيلي رهينة.
      • سياستنا واضحة مفادها أن من يهددنا لن يبقى على قيد الحياة.

لم يكن للوساطات خاصةً المصرية منها أي تأثير على مسار ما يجري، إذ إن “الجهاد الإسلامي” لم يقبل بأي عروض تهدئة، بل سارع في الرد على العدوان الإسرائيلي مستهدفاً عدداً من المستوطنات بالصواريخ، وبين أخذ ورد بين الطرفين من قصف، كان الكيان المؤقت يجري عدداً من الإجراءات الاحترازية أمام ما قد يحصل، لضمان سلامة المستوطنين وغيرها من الإجراءات الأمنية اللازمة في ظل احتمالية تدهور الأمور، والتي أعرب الإسرائيلي من خلال تصريحاته بعد الاستهداف بأن لن يقف مكتوف اليدين وأنه جاهز للذهاب نحو مواجهة طويلة، مبرراً اعتداءه على أن المستهدف بات يشكل تهديداً لأمن الكيان.

لكن وبعد تصعيد اللحظات الأولى التي تلت الضربة، أصبحت نوايا العدو أكثر وضوحاً بما يتعلق بأهداف العملية وهو ما سنستعرضه من خلال تسلسل الأحداث التي أظهرت كيف بدأت إدارة العدو للاشتباك القائم.

ولحصر العملية بمواجهة جهة واحدة وهي “الجهاد الإسلامي”، عمد الإسرائيلي وبشكل مكثف “إعلامياً على تحييد باقي فصائل المقاومة الفلسطينية عبر التأكيد المتكرر بأن المستهدف ليس سوى “الجهاد”، وذلك لمنع توحد الساحات وهو ما يعد تكتيكاً في هذه المعركة-“الأيام القتالية”، الذي اعتمده الإسرائيلي منعاً لتدهور الاشتباك والذهاب نحو مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.

  • فصل الساحات:
    • مصادر إعلامية إسرائيلية: الجيش الإسرائيلي يستهدف الآن مواقع لحركة الجهاد الإسلامي في غزة.الجيش الإسرائيلي: أطلقنا حملة عسكرية تستهدف الجهاد الإسلامي في قطاع غزة تحت اسم الفجر الصادق.يديعوت أحرونوت عن مصدر أمني إسرائيلي: نسعى جاهدين لإبقاء حركة `حماس خارج الصراع.أكسيوس:
      • إسرائيل وجهت بعد الغارات في غزة رسائل إلى حماس عبر وسطاء تؤكد أن العملية تستهدف الجهاد الإسلامي فقط.إسرائيل وجهت بعد الغارات في غزة رسائل إلى حماس عبر عدد من الوسطاء بتفادي المزيد من التصعيد في غزة.
      هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل وجهت رسائل لمصر وأطراف أخرى بأن المستهدف هو حركة الجهاد وأنها سترد على أي تصعيد.الجيش الإسرائيلي:
      • نشن غارات جديدة ضد مواقع تابعة لحركة الجهاد الإسلامي في غزة بعد اغتيال الجعبري.ننفذ حاليا غارات على مقرات تابعة للجهاد الإسلامي في قطاع غزة.
    • رئيس الوزراء الإسرائيلي:
      • العملية العسكرية استهدفت قياديا في الجهاد الإسلامي ومعركتنا ليست مع أهالي غزة.
      • لا نرغب في الحرب لكننا جاهزون لها ولا نخشى حدوثها.

أظهرت الاعتداءات الإسرائيلية في يومها الأول، أن العدو يريد حصر الجولة القتالية فقط مع الجهاد الإسلامي، من دون أن تتوحد الفصائل وتدخل الموجهة لمساندة “الجهاد” وبشكل خاص حماس، التي كان لها دور محوري في معركة سيف القدس. لذا أظهرت التصريحات التي ذكرناها أعلاه التكتيك الأول المعتمد من قبل العدو وهو “تحييد الفصائل” وفصل الساحات الأخرى في محور المقاومة وحصر القتال مع فصيل واحد. ولكن ظهر أيضاً من التصريحات والجو الإعلامي، أن العدو لا يريد معركة طويلة، أو تدهور لها، فقط اقتتال صغير يعيد من خلاله ردعه المتآكل جرّاء معركة سيف القدس.

  • الأيام القتالية:
    • هآرتس عن مسؤول عسكري إسرائيلي بارز: العملية في غزة ستستغرق بعض الوقت.يديعوت أحرنوت عن مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع: تركيزنا فقط على الجهاد الإسلامي والعملية لن تنتهي خلال ساعات.المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: ليس لدينا مصلحة في إطالة أمد الحملة العسكرية في غزة لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت.رئيس الوزراء الإسرائيلي:
      • لن نقف مكتوفي الأيدي أمام التهديدات ضد مواطنينا ولا نريد حربا لكننا جاهزون لها.لا نرغب في الحرب لكننا جاهزون لها ولا نخشى حدوثها.
    • لابيد: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام التهديدات والمساس بمواطنينا ولا نريد حربا لكننا جاهزون لها.

ككل بداية لمعركة يخوض غمارها الكيان المؤقت، يبدي في أولها دائماً عبر مسؤوليه ووسائله الإعلامية، استعداده التام للذهاب نحو أقصى الحدود ولو كلّفته خسائر، ولكن وبعد “الموجة الأولى”، تبدأ التصريحات والتعليقات تأخذ مجراها الطبيعي أو المفترض أن تكون عليه والتي تحدد “أحياناً” الغاية الإسرائيلية من العمل العسكري، لذا يمكن ملاحظة من خلال التصريحات أعلاه أن الانحراف في الخطاب كان مباشراً، من تصعيد عالي الوتيرة يظهر استعداداً إسرائيلياً لحرب مفتوحة إلى تأطير المعركة بحدود زمنية لا تتخطى الأيام، وهي ما أظهر النية الحقيقية للعدو في أن تكون هذه الجولة، جولة “أيام قتالية” والتي عنصرها الرئيسي هو التوقيت الذي لا يدفع الأمور نحو التدحرج إلى حرب شاملة، بالإضافة إلى ما ذكرناه مسبقاً من عوامل مساعدة مثل تحييد الفصائل وحصر المعركة بواحد فقط، وعامل المباغتة الذي يحجّم أي ردة فعل ويجعل عامل الصدمة المفرمل لأي تدحرج قد يحصل.

6 آب 2022

صباحاً هدأت الأجواء في قطاع غزة، ولكن استمر القصف الإسرائيلي المتقطع على مواقع “الجهاد الإسلامي”، ضمن تكتيك تحييد باقي الفصائل عن المواجهة، وللمحافظة على الوتيرة القائمة ومنع حصول تصعيد، ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يهدد بتوسيع نطاق عملياته في غزة إذا تدخلت حماس ودعمت الجهاد الإسلامي، وأكد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أن الجيش لديه خطة عسكرية معدة مسبقاً ويجري العمل بموجبها حتى تحقيق الأهداف.

وعند الساعة الثامنة من صباح السادس من آب، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قد نفّذ 30 غارة على أكثر من 40 هدفاً تابعاً للجهاد الإسلامي بواسطة 55 صاروخاً وقذيفة.

وفي ظل إصرار “الجهاد الإسلامي” على رفض الوساطات والاستعداد للمعركة كان الرد على القصف الإسرائيلي قائماً برشقات صاروخية نحو المستوطنات ليضاف على إجراءات العدو الاحترازية إغلاق شواطئ عسقلان وأسدود وبلماخيم وزيكيم.

كان واضحاً أن العدو الإسرائيلي لديه بنك أهداف يريد استكماله، وأن المعركة لم تنته بالنسبة إليه، وهو ما أكده الناطق باسم الجيش الإسرائيلي عن خطة لدى الجيش معدة مسبقاً وسنواصل العمل بموجبها حتى تحقيق الأهداف.

هذه الخطة التي تكلم عنها المتحدث باسم الجيش، لم تأتي في سياق حرب أمنية استخباراتية، أو ضربات ما بين الحروب، بل كان لها إعداد مسبق بأن تكون ضمن معركة لا تتعدى الأيام وهو أسلوب جديد الاستراتيجيات الإسرائيلية ضد فصائل المقاومة في المحور، إذ إن المعركة المفتوحة تتيح للعدو أن يقوم بكل ما تحده باقي أنواع المواجهات، وللإبقاء على زمام المبادرة شرع الجيش الإسرائيلي في توضيح ما يخطط له بالتدريج وعلى الشكل التالي:

  • الخطة الإسرائيلية:
    • الناطق باسم الجيش الإسرائيلي للقناة 12: لدينا خطة عسكرية معدة مسبقا وسنواصل العمل بموجبها حتى تحقيق الأهداف.
    • الجيش الإسرائيلي: أسمينا العملية الفجر الصادق لتأكيد تركيزنا على حركة الجهاد التي تتخذ اللون الأسود شعارا.
    • الجيش الإسرائيلي: نستعد لعملية عسكرية قد تدوم أسبوعا وليس هناك مفاوضات لوقف إطلاق النار مع حركة الجهاد.
    • أ.ف.ب: الجيش الإسرائيلي يقول إنه يعد لعملية جوية على غزة تستغرق أسبوعا.
    • رئيس أركان الجيش الإسرائيلي:
      • حان الوقت لتوجيه ضربة قاتلة لحركة الجهاد الإسلامي.
      • نحن في ذروة عملية تهدف في المقام الأول لحماية مواطني وسيادة إسرائيل.
    • قائد فرقة غزة بالجيش الإسرائيلي:
      • هناك هدف واحد هو وقف التهديد وإذا أوقفت حركة الجهاد نيرانها سيصبح الأمر وراءنا.
      • حماس كانت حكيمة في قرارها عدم الانضمام الى جانب الجهاد الإسلامي.
    • الجيش الإسرائيلي: اغتيال قائد اللواء الجنوبي في حركة الجهاد الإسلامي خالد منصور في غارة على رفح.

7 آب 2022

أثبتت الضربات الإسرائيلية على القطاع، بأن الجيش الإسرائيلي يمتلك بنك أهداف يريد تحقيقه لضبط سلوكه وسلوك الطرف الآخر، وآخرها كان اغتيال زياد المدلل نجل القيادي أحمد المدلل، وتلا سلسلة الاغتيالات هذه، الاكتفاء الإسرائيلي من المواجهة القائمة.

  • إيقاف المعركة:
    • رئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي: قتلنا أبرز قيادات الجهاد الإسلامي في غزة والعملية ستستمر لأيام أخرى.الجيش الإسرائيلي:
      • نعلن “تحييد” القادة “العسكريين” لحركة الجهاد الإسلامي في غزة.قضينا على القيادة الميدانية لحركة الجهاد الإسلامي في غزة منذ بدء العملية العسكرية.
      رئيس الوزراء الإسرائيلي: العملية في غزة ستستمر حسب الضرورة ونتصرف بطريقة مركزة ومسؤولة.القناة 13 الإسرائيلية: إطلاع المجلس الوزاري المصغر بأن جميع الأهداف تحققت ولا توجد نية لتوسيع العملية العسكرية.
    • إعلام إسرائيلي: رئيس الشاباك أوصى المجلس الأمني الوزاري المصغر ببدء العمل لإنهاء العملية العسكرية في غزة.

وبالرغم من هذه التصريحات الدالة على انتهاء العملية بالنسبة للإسرائيلي إلا أن المعركة ظلّت قائمة في ظل وساطات واتصالات دولية برز فيها التدخل الأمريكي لوقف الصراع القائم بعدما حقق الإسرائيلي ما يريد، وهنا يمكن أن نضيف إلى العوامل السابقة التي استفاد منها الإسرائيلي في حصر المعركة بأيام، العنصر الدولي الداعم والضاغط لوقف الحرب.

  • استكمال الوساطات:
    • المقررة الخاصة للأمم المتحدة للجزيرة: يجب رفع الحصار عن غزة والسماح للناس بالعودة إلى الحياة الطبيعية.القناة 12 الإسرائيلية: مسؤول إسرائيلي كبير يؤكد وجود اتصالات لوقف إطلاق النار بوساطة مصرية.وسائل إعلام اسرائيلية: مسؤولون إسرائيليون كبار يجرون محادثات للتوصل إلى اتفاق وقف لإطلاق النار في غزة.القناة ١٣ الإسرائيلية عن مسؤول سياسي بارز: السعي لوقف إطلاق نار عام قريبا.يديعوت أحرونوت: تأييد بين أعضاء المجلس الوزاري الأمني المصغر لوقف شامل لإطلاق النار بعد تحقيق إنجازات كبيرة.رويترز عن مصدر أمني مصري:
      • وسطاء مصريون طلبوا هدنة في غزة بدءا من الساعة السابعة من مساء اليوم بتوقيت غرينتش.إسرائيل وافقت على مقترح هدنة غزة والقاهرة تسعى للحصول على رد من الجانب الفلسطيني.
      الاتفاق على إعلان مصر بيانا عند الساعة 5عصرا يدعو لوقف إطلاق النار بحلول الساعة 8 مساء اليوم.القناة 13 الإسرائيلية نقلا عن مسؤول إسرائيلي: نتجه نحو إعلان لوقف إطلاق النار.نص اتفاق وقف إطلاق النار: مصر تدعو إلى وقف إطلاق النار بشكل شامل ومتبادل عند الساعة الحادية عشرة والنصف.
    • بيان حركة الجهاد: نعلن بدء وقف إطلاق النار اعتبارا من الساعة 23:30 ونؤكد ترحيبنا بالجهود المصرية.

التزم الطرفان بوقف إطلاق النار، وانتهت المعركة بعد تصريح أمين عام الجهاد الإسلامي “زياد النخالة” الذي اعتبر أن المعركة مع الكيان المؤقت لم تنته وأن المقاومة في غزة والمحور جاهزة لأي مواجهة أخرى قد يغامر الكيان في خوضها.

وعليه وبعد عرض كرونولوجي/ تحليلي، للإدارة العملياتية والإعلامية لمعركة “وحدة الساحات” يمكن تحديد العناصر الأساسية التي استند عليها الكيان في رسم أطر استراتيجية “الأيام القتالية” المتبعة في المعركة وهي على الشكل التالي:

  • التخطيط المسبق لضرب الأهداف والمستند على بنك معلوماتي.
  • عنصر المباغتة والسرعة في الاستهداف.
  • تحييد الفصائل الفلسطينية عن المعركة وحصرها بالجهة المستهدفة.
  • المتابعة الإعلامية في رسم مسارات المعركة من خلال التضليل وتوضيح السياقات.
  • الاعتماد على عنصر الوساطات الدولية حسب الحاجة، إما عبر القبول بوقف التصعيد بعد تحقيق الهدف أو عن فشل المهمة.
  • التنفيذ الكامل للخطة عبر تحقيق مجمل الأهداف المخطط تحقيقها مسبقاً والكافية للخروج من المعركة بأقل الأضرار والقدرة على إضفاء طابع النصر.

أهداف “وحدة الساحات”

أتت عملية “وحدة الساحات” العام الماضي لتحقق للعدو عدداً من الأهداف، وذلك بعدما تأكد المسؤولون في الكيان أن ما قبل معركة “سيف القدس” ليس كما بعدها، إذ إن الردع قد بدأ يتآكل وحركة “الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة والضفة بدأت تنشط بشكل مريب بالنسبة له، بالإضافة لتوحد فصائل المقاومة في الداخل وبين بعضها في المنطقة. وعليه، فإن أهداف معركة “وحدة الساحات” جاءت لتحقق الأهداف التالية:

  • استهداف قيادة الجهاد الإسلامي (فصل الرأس عن الجسد).
  • أيام قتالية (الخروج بأقل الخسائر وتحقيق أكبر عدد ممكن من الأهداف).
  • أهداف استراتيجية (إضعاف “الجهاد الإسلامي” بشكل كبير، ومنع توحد الفصائل الفلسطينية).
  • أهداف ردعية (ترميم الردع المتآكل).

بين “وحدة الساحات” واليوم

خلال هذه الفترة، شهد الكيان أزمةً سياسية كبيرة، إذ كان الانقسام بين اليسار واليمين هو سيد المشهد، وقد أثار هذا الأمر بلبلةً لدى صنّاع القرار وبالتحديد لدى “بنيامين نتنياهو”، الذي كان له النصيب الأكبر من الضغوطات من اليسار المطالب بتنحيته وإسقاط حكومته.

ومع ازدياد الشرخ الداخلي، كان للعمليات المنفردة الفلسطينية ضد الكيان، أثر كبير في تراكم الضغوط على الحكومة وازدياد الغضب الشعبي منها، وصولاً إلى أيام شهر رمضان، التي نشهد خلالها في السنين الأخيرة توتراً متكرراً مع توافق الشهر الفضيل وما يمثله لدى الفلسطينيين وأهالي القدس بشكل خاص، مع الأعياد اليهودية وما تمثله لليهود المستوطنين، عاد التصعيد بين الفصائل والكيان المؤقت.

في الـ5 من نيسان، تم إطلاق تسعة صواريخ من قطاع غزة باتجاه مستوطنات غلاف غزة، بعد اعتداءات الشرطة الإسرائيلية على المعتكفين في المسجد الأقصى، وردّ الكيان على إطلاق الصواريخ بغارات جوية على قطاع غزة. كان واضحاً بأن التصعيد بدأ يأخذ مساره، وبات توقع حصول معركة مرجحاً بشكل كبير، إلا أن ما لم يكن في الحسبان هو إطلاق عدد من الصواريخ من الأراضي اللبنانية تجاه مستوطنات الشمال، لم يرد عليها الإسرائيلي سوى بضربات جوية على أراض زراعية غير مأهولة.

وانهمرت التصريحات الإسرائيلية بشكل متسارع وكبير مهددةً لبنان ومقاومته، ولكن وحتى اليوم لم تترجم هذه التصريحات المطلقة على أرض الواقع، سوى أن رئيس الحكومة قد أعلن بأن الكيان قد ردّ على حزب الله وأن الأخير علم ما قام به الإسرائيلي وأن الرد كان مؤذياً، لكن لا أثر يدل على أن الكيان قد رد على حزب الله.

وللاطلاع أكثر على كرونولوجيا الأحداث بشكل دقيق يمكن مراجعة ورقة “الضفة درع القدس– أبرز الأحداث والتصريحات”.

بالإمكان القول بأن ما جرى العام السابق مقارنةً بما حدث خلال الشهر الفائت، متشابهين بشكل كبير، لناحية مسببات الصراع والتي أساسها “القدس”، وهو أمر متكرر كما ذكرنا سابقاً، وكانت الأمور متجهة نحو معركة لولا عوامل ساهمت بشكل كبير في تراجع العدو عن خوض غمار أي مواجهة في ظل إصرار من المقاومة الفلسطينية ومن خلفها محور المقاومة بالذهاب نحو أي احتمال في سبيل تثبيت معادلة “الأقصى”، وهي على الشكل التالي:

  • توحد فصائل المقاومة وإظهار الاستعداد في خوض معركة مع العدو:

كان للصواريخ المنطلقة من لبنان أثر كبير على عملية صنع القرار لدى الحكومة الإسرائيلية، إذ سببت تخبط غير مسبوق أعاد خلط أوراق الحسابات لديها وجعلها أسيرة مخاوف حصول تبعات مجهولة قد تؤدي لخسائر على الصعيد السياسي الداخلي وعلى الصعيد الأمنية وصولاً لتآكل الردع بشكل كبير.

  • التوقيت:

كانت معركة “وحدة الساحات” العام الفائت، بتوقيت إسرائيلي وبتخطيط مسبق، أما اليوم فإن المحور ظهر على أنه المحدد لتوقيت الحرب نظراً للجهوزية التي أبداها، ابتداءً من عملية مجيدو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى