لماذا نحن بحاجة إلى الشهداء؟

قال الله تعالى: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون”.

الشهداء أدوا رسالتهم بشهادتهم بالدم في محكمة التاريخ. ومضوا بهدوء بعد أن اختاروا موتا بالحياة والمجد والخلود”.

لكن.. لماذا نحن بحاجة إلى الشهداء؟ لماذا يجب أن يسقط الشهداء في البحرين هذه الأيام؟ لماذا الدم والألم؟ وهل هناك ضرورة لكل ذلك؟ ألا تكفينا كربلاء وعاشوراء واحدة حتى تتحول كل أرضنا إلى كربلاء وأيامنا إلى عاشوراء؟ ثم ألا يوجد سبيل آخر للحرية والكرامة بدون شوك؟ وهل أن الشهداء ضرورة فعلا؟ لماذا نقدم قرابين الشهداء كل يوم وإلى متى؟ ثم لماذا تمتليء السجون بالأحرار والشرفاء وخيرة شباب هذا الوطن الذي يشهد بالنكبات تلو النكبات وهجمات على البيوت وتدنيس للمقدسات؟ ثم لماذا نحن دائما نبحث عن آيات الجهاد بدل الابحث عن آيات الصلح والسلام؟

أليس من الأفضل أن يضع البحرانيون أيديهم في أيدي أعدائهم ليتفرغوا للتنمية والبناء؟ ثم آليس من الأفضل أن نستبدل العنف باللين.. والسيف بالورد.. وأصوات الرصاص بالأهازيج؟ ألا يكفي ما تحمله هذا الشعب من سجن وإرهاب وقتل وتشريد ودماء طاهرة زكية؟

تساؤلات كثيرة تأخذ مكانها في أدمغتنا كلما حلت هذه الذكرى، أو سمعنا بسقوط شهيد هنا أو هناك.. قد تبدو بعض هذه التساؤلات معقولة إذا نظرنا إلى تطلعات الأشخاص الفردية بعين الاعتبار.. فنحن كبشر لا نحب منظر الدماء، ونحن كعقلاء نعرف جيدا أنه إذا اتخذنا طريق التنازل عن الحقوق فإنه لن يلفنا السجن ولن نضظر إلى الهجرة ولن نتعرض لأي أذى.. كما أننا نعرف الطريق جيدا إلى “مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح”، شأننا شأن أولئك الذين باعوا أنفسهم للشيطان فارتاحوا في الدنيا أياما معدودة ثم انقلبوا إلى جهنم وبئس المصير.

لكن هناك قضية خطيرة.. فلو كنا حين ننظر بعين البصيرة إلى البحرين، فنرى فيها سلاما ودعة وأمانا، لربما لم يكن البحرانيون ليثوروا.. لكننا على العكس من ذلك، فحينما نوجه أنظارنا إلى البحرين لا نرى غير وحوش كاسرة نزع الله الرحمة من قلوبهم تتحكم في مصير أهلنا فتقتل وتعذب الشباب والأطفال والشيوخ والنساء، وتدنس المقدسات وتهلك الحرث والنسل وتقصف الآمنين بالغازات السامة. فهل يجوز للبحراني أو أي إنسان آخر أن يسكت؟ هل تسمح لنا ضمائرنا أن نستعرض كل هذه المآسي ولا نفعل شيئا تجاه ذلك؟ وهل خلقنا الله لكي نعيش في غابات أم أننا بشر ومن حقنا وواجبنا أن نجاهد ونكفاح وأن ندفع ضريبة الدم لكي نتخلص من الظلم والعدوان الذي يجري على شعبنا؟

إن شعبنا البحراني البطل ثار لتغيير المعادلة بعد أن يئس من الوعود، وقدم شبابنا أرواحهم لكي يمنعوا الإذلال حيث حرم الله الذلة على المسلم “وهيهات من الذلة”. لقد ثار شعبنا لأن أسباب ثورته على الظلم والاحتلال قد تحققت. إن شعبنا في البحرين يجاهد للتحرير، ويناضل للتخلص من العبودية، ويكفاح للحرية.. إلا أن ذلك كله مع قدسيته ليس الدافع الحقيقي والأساسي لأن يقوم شباب في هذا عمر الزهور بالتضحية بأرواحهم، بل هو من أجل الله وفي سبيله.. إنهم يؤمنون بأن للشهيد مكانة عظيمة عند الله، إذ لا تسيل على الأرض قطرة دم شهيد إلا ويبنى مكانها مسجد ولو كان ذلك قبل ألف عام.

ولكل ذلك، فسقوط الشهداء أصبح ضرورة حضارية في عضرنا هذا، وإلا فسوف ينقضي علينا ألف عام ونحن على وضعنا إذا لم يتغير فينا شيء.. ألف عام من الذل والهوان.. وعلى البحرانيين وحتى لا تتحول البحرين إلى ما تحولت إليه مناطق أخرى في عالمنا العربي والإسلامي، أن يسقوا أرض البحرين بدماء الشهداء ويروا نخيلها بدمائهم الطاهرة لكي تبقى البحرين منبع الثورة، وضمير الحق المغتصب، والأصل الذي يستمد منه الثوار صمودهم وإيمانهم وثوريتهم.

ثم كيف لا يقدم البحرانيون أنفسهم قرابين وهم يرون أن أمريكا التي تحمي قاتليهم ومنتهكي حقوقهم والتي تفتخر برقيها وتقدمها؛ تكرس إعلامها لإدانة من يصطاد عصفور أو يقطع شجرة، فهذه جرائم في نظرهم بحق الحضارة. لكنها تصمت أمام من يصطاد الأرواح البحرانية الآدمية، وتكتسح مدرعاتها المناطق والقرى أمام أعين الكاميرات.. لقد بغلت رقة الإنسان المتحضر في أمريكا والغرب حدا جعله يتألم على حشرة مهددة بالانقراض، أو ماشية يتغذى عليها بنو الإنسان، فتنتشر المنابر التي تستهجن حتى مستخدمي فراء الحيوانات.. لكن كل تلك الرقة تنام أمام مشهد الأطفال الذين يختنقون بالغازات السامة جراء قصف مناطقنا وقرانا بها.. تنام كل تلك الرقة أمام مشهد جثة شاب قطعتها عجلات سيارات المرتزقة.. منظر فتاة يتم الاعتداء عليها من قبل وحوش بني البشر.. فأي دين وأية عقيدة، وأية شريعة، وأي مذهب.. بل أية وثنية يمكن أن تصمت أمام تلك المناظر؟

إن ما يدفع البحرانيون إلى استرخاص أنفسهم يتجاوز كل التشخيصات والحذلقات السياسية.. فاليأس في كثير من الأحيان يستولد الأمل من رماد الحياة، ومن صميم الموت ذاته.. إن الذين يقدمون أرواحهم في ساحات الوغى في البحرين ليسوا كارهين للحياة، وليسوا عشاق موت، فلديهم من لدى البشر من أسباب البقاء، لكن العدو الذي يقف كالسد بينهم وبين الحياة حول نفسه إلى مشروع موت، يطارد كل حي وميت منهم، إنما يقترح نفسه عدوا للحياة برمتها.. وهكذا يعيد شعبنا المعادلة التي تعرضت إلى تحوير فيما مضى إلى جذورها وهي إما الحياة وإما الموت.. إما التخلص من العبودية أو الاستشهاد.

عبر هذه الثنائية الحاسمة ضاعت كل الأبعاد الوهمية التي يصيغها المبشرون بإصلاح النظام.. إن سلاح الشهادة والدماء التي تعددت مستوياتها وتصاعدت أيضا، هي الاستجابة الوحيدة الممكنة لتحد من هذا الطراز.. فآل خليفة تعلن اليوم شعارها القديم المتجدد والمتجذر في عمق عقليتها القبلية، وهو إبادة شعب كامل إذا تطلب الأمر!

ولكي لا يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى، ولكي لا تأتي مجموعة من المشككين ليصدروا الفتاوى بحق الشهداء، فتذبح أطفالنا وتنتهك أعراضنا من دون أن تكون لنا ردة فعل.. فإن الشهداء ضرورة.. وإن الدماء ضرورة.. ولن ننجو من القتل إلا باستمرار الثورة حتى تحقق الأهداف التي من أجلها تساقط الشهداء وسالت الدماء.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الوسوم

أضف تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق