تفسير آية: كتب عليكم القتال وهو كره لكم

قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة، الآية: 216

الإشارات والمضامين

1- وجوب الدفاع والجهاد على المؤمنين كافّة: عبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، أوجبت القتال، والآية تخاطب المؤمنين كافّة، فالجهاد والدفاع واجب عليهم كافّة إلا من استُثني لدليل معتبر كالمريض، والأعمى، والجريح و…، وقد أجمع المفسِّرون على أنّ هذه الآية دالّة على الوجوب الكفائي للجهاد، فإذا تخلّف الناس عنه أَثِمُوا جميعاً، وإن قام به من يكتفى بهم سقط عن الباقين.

2- معنى كُره المؤمنين للجهاد: من الواضح أنّ الجهاد تكليف إلهي، وأما في كونه مشقّة وكرهاً للمؤمنين، فهذا فيه أكثر من تفسير:
الأول: إنَّ في الجهاد مشقّة للمؤمنين، ولهذا لا رغبة لهم فيه، ولكنّ كراهتهم له كراهة طِبَاع وليس على وجه السخط، لأنّ الشيء قد يكون مكروهاً عند الإنسان في طبعه، ونفسه تنفر منه، ولكنّه يقوم به لأنّ الله تعالى أمره بذلك كالصوم في الصيف .
الثاني: القتال متضمّن لفناء النفوس، وتعب الأبدان، والإضرار بالمال، وانعدام الأمن والرفاهية، وبالتالي كان كرهاً وشاقّاً لبعض المؤمنين بالطبع.

الثالث: إنَّ المؤمنين في صدر الإسلام كانوا يرون أنّ القتال مع الكفّار، – مع ما لهم من العدّة والقوّة -، ليس فيه صلاح الإسلام والمسلمين، وأنّ الحزم إنّما هو في تأخيره حتى يتمّ لهم الاستعداد المطلوب.

الرابع: إنَّ المؤمنين لكونهم متربّين بتربية القرآن، كان فيهم خُلُق الشّفقة على خَلْق الله، وملكة الرحمة والرأفة، فكانوا يكرهون القتال مع الكفّار، لكونه مؤدّياً إلى فناء نفوسهم في معاركهم مع الكفر، ولم يكونوا راضين بذلك، بل كانوا يحبّون أن يداروهم، ويُخالطوهم بالعشرة الجميلة، والدعوة الحسنة لعلّهم يُرشدون بذلك.

3- مصلحة الجهاد ومفسدة تركه للمؤمنين: حيث إنّ الجهاد ينطوي على ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إمّا النصر والغنيمة وإما الشهادة والجنّة، فهو منشأ الخيرات للمسلمين، وفي أدائه مصلحة. وبما أنّ في تركه ذلّاً وحرماناً من الغنيمة، والثواب الأخروي، ففي تركه مفسدة لهم ، ولأنّ المؤمنين كانوا كارهين للحرب، محبِّين للصّلح والسّلم، أراد الله تخطئتهم في الأمرين معاً، وبيان أنّ ملاك المصلحة والمفسدة ليس بحسب رغبتهم وكراهتهم، فأورد كلمة (عسى) في الجملتين المستقلتين للدلالة على ذلك.

4- ترغيب المؤمنين بالجهاد: في الآية ترغيب للمؤمنين بالجهاد، لأنّهم إذا ما عرفوا قصور علمهم، وكمال علم الله تعالى بالمصالح والمفاسد الحقيقية لهم، وعلموا أنّه سبحانه لا يأمر العبد إلاّ بما فيه خيره ومصلحته، وجب عليهم الامتثال لما أمرهم الله تعالى به، سواء أكان مكروهاً للطبع أو لم يكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى