الإطعام من موجبات الرزق

الطعام حاجة أساسية لابدّ منها لعيش الإنسان وبقائه على قيد الحياة. والإسلام لا يريد أن يُترك الإنسان فريسة الجوع. وعليه لابدّ من تفعيل مبدأ التكافل من أجل إطعام الجياع وسد رمقهم. فمن الضرورة بمكان أن يبدأ الإنسان بسد جوع من يقرب له نسباً أو مكاناً، وفي هذا الصدد يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «والذي نفس محمّد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان وأخوه ـ أو قال: جاره ـ المسلم جائع»[1].

وفي هذا الحديث إشارة تستحق التأمل، وهي أن الاتجاه التكافلي جزء لا يتجزء من الإيمان القلبي. فالإسلام ـ كما هو معلوم ـ إيمان وعمل، والتكافل هنا يقع ضمن دائرة الإيمان العملي، وبدون ذلك لا يمكن إطلاق صفة الإيمان الكامل على من لا يمارس التكافل.

ويبدو أن لإطعام الطعام تقدم رتبي على بعض أعمال الإحسان، يظهر ذلك من قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لأن أطعم مؤمناً محتاجاً أحبّ إليَّ من أن أزوره، ولأن أزوره أحبّ إليَّ من أن أعتق عشر رقاب»[2].

وليس خافياً بأن هناك أولوية وتقدم رتبي في الإسلام لبعض أعمال التكافل على بعض، وإنّ لكلّ عمل خيري ثوابه الخاص به، وحسب أهميته، وما يدخله من نفع أو خدمة على المؤمنين.

ضمن هذا السياق للإطعام في الإسلام غاية سامية هي سد رمق الجياع، وإبعاد شبح المجاعة عنهم، وليس الغاية منه التفاخر، أو تحقيق أغراض مصلحية ببذله للأغنياء وحجبه عن الفقراء. ومن الشواهد على ذلك: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب إلى ابن حنيف عامله على البصرة يعنّفه بشدّة: «يابن حنيف! فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تُستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ وغنيّهم مدعوّ»[3].

وكان الأولى بهؤلاء أن يدعوا الفقراء إلى طعامهم، ولكن يبدو أن الغايات المصلحية أو المجاملات كانت لها الأرجحية، فالإطعام إذن يراد منه وظيفة اجتماعية تكافلية بعيداً عن الإسراف والتبذير والتشريفات الفارغة أو الأغراض المصلحية.

ومن روائع القرآن تصويره البديع لحال الكافرين إذ يقولون في اليوم الآخر بعد أن يسألهم المؤمنين: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)[4].

ومن أدب الإسلام في الإطعام أن يبلغ الغاية في إشباع الجائع، ويصيب الهدف المراد به إسعاف المحتاج إلى الطعام بما يُلبي حاجته الفعلية منه، فمن وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) القيّمة: «إذا أطعمت فأشبع»[5]. والإطعام المؤدي إلى الكفاية يستوجب الثواب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من أطعم مسلماً حتّى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ماله من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ الله ربّ العالمين، ثمّ قال (عليه السلام): من موجبات الجنّة والمغفرة إطعام الطعام السغبان»… ثم تلا قول الله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)[6].

وهناك روايات تؤكد على أن إطعام الطعام يعود بفوائد تظهر آثارها ولو كان المطعم من أهل النار، فهو على الأقل يسهم في تخفيف العذاب، ومن الشواهد على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله): «إن أهون أهل النار عبدالله بن جدعان، فقيل له: ولم يا رسول الله؟ قال: إنّه كان يطعم الطعام»[7].

وعموما فإن إطعام الطعام هو أحد المنجيات، قال الصادق (عليه السلام): «المنجيات إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصّلاة باللَّيل والناس نيام»[8].

ثم إن الإطعام له معطيات حميدة على المطعم، إذ يسهم في زيادة الرّزق، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله): «الرّزق أسرع إلى من يُطعم الطعام من السكين في السنام»[9]. وبالمقابل هناك عواقب غير حميدة سوف يواجه تبعاتها كل من يطمس رأسه في رمال اللامبالاة تجاه إخوانه المؤمنين، وخاصة أولئك الذين يصابون بالتخمة بينما المحيطون بهم يبيتون وبطونهم خاوية، وفي هذا الخصوص قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) محذرا: «من بات شبعاناً وبحضرته مؤمن طاوٍ، قال الله تعالى: ملائكتي! اُشهدكم على هذا العبد أنّي أمرته فعصاني وأطاع غيري فوكلته إلى عمله، وعزّتي وجلالي لا غفرت له أبدا»[10].

وكان هذا الإمام العظيم يخرج في اللّيلة الظلماء ويحمل الطعام أو الحطب على ظهره حتّى يأتي باباً باباً فيقرع ثمّ يناول من يخرج إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه، فلمّا توفي فقدوا ذلك، فعلّموا أنّه كان علّي بين الحسين[11] عليهما‌السلام.

عن سفيان بن عيينة قال: رأى الزّهري علي بن الحسين عليهما‌السلام في ليلة باردة مطيرة وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي، فقال له: يابن رسول الله، ما هذا؟ قال: «أريد سفراً اعدّ له زاداً أحمله إلى موضع حريز، فقال الزّهري: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى قال: أنا أحمله عنك، فإني أرفعك عن حمله، فقال عليّ بن الحسين: لكنّي لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري ويحسن وردي على ما أرد عليه، أسألك بحقّ الله لمّا مضيت لحاجتك وتركتني، فانصرف عنه، فلمّا كان بعد أيّام قال له: يابن رسول الله، لست أرى لذلك السّفر الذي ذكرته أثراً، قال: بلى يا زهريّ، ليس ما ظننت، ولكنه الموت، وله كنت أستعد، إنّما الاستعداد للموت تجنّب الحرام وبذل الندا والخير»[12].

وعن أبي حمزة الثّمالي رضي‌الله‌عنه أنّه سمع علي بن الحسين عليهما‌السلام يقول لمولى له: لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه، فإن اليوم يوم الجمعة، قال: فقلت له: ليس كل من يسأل مستحقاً، فقال: يا ثابت، أخاف أن يكون بعض من يسألنا مستحقاً فلا نطعمه ونردّه، فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب وآله، أطعموهم، إن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشاً، فيتصد منه ويأكل هو وعياله منه، وإن سائلاً مؤمناً صواماً محقاً له عند الله منزلة وكان مجتازاً غريباً مر على باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره يهتف على بابه، اطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم، يهتف بذلك على بابه مراراً وهم يسمعونه، وقد جهلوا حقه ولم يصدّقوا قوله، فلما يئس أن يطعموه، وغشيه الليل استرجع واستعبر وشكا جوعه إلى الله عزّ وجل، وبات طاوياً وأصبح صائماً جائعاً صابراً حامداً لله، وبات يعقوب وآل يعقوب شباعاً بطاناً، وأصبحوا وعندهم فضلة من طعام، قال: فأوحى الله عزّ وجل إلى يعقوب: في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت يا يعقوب عبدي ذلة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي، ونزول عقوبتي، وبلواي عليك وعلى ولدك»[13].

وعن بعض أصحابنا قال: لما وضع علي بن الحسين عليهما‌السلام على السّرير ليُغسل نظر إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل ممّا كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين[14].

وكان أئمة أهل البيت: يحرصون على أداء صدقة السرّ، فيحملون الأطعمة في الليالي المظلمة للناس، ضاربين بذلك أروع أمثلة التكافل، وكان الناس سرعان ما يكتشفون أن الرجال الذين يوزعون عليهم الأطعمة والمعونات في الخفاء هم أهل البيت: .. هيهات تكتم في الظلام مشاعل. فعلى سبيل الاستشهاد كان الإمام السجاد (عليه السلام) يعول مائة بيت من فقراء المدينة، وكان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والأضرّاء والزمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم، وكان يناولهم بيده، ومن كان له منهم عيال حمله إلى عياله من طعامه، وكان لا يأكل طعاماً حتى يبدأ فيتصدق بمثله[15].

وهناك شهود عدول يروون لنا بأمانة مشاهداتهم عن سلوك أهل البيت: التكافلي، ومن هؤلاء الشهود (المعلّى بن خنيس) يقول: «إن الإمام الصادق (عليه السلام) خرج ومعه جراب من خبز، فأتينا ظلّة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين حتّى أتى على آخرهم ثمّ انصرفنا، فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحقّ؟ فقال: لو عرفوه لواسيناهم بالدُّقة! والدقّة هي الملح»[16].

فالإمام هنا يتكفل الناس بالخبز كطعام أساسي، ولا يفرق بين من يعرف حق آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ومن لا يعرفه في منهجه التكافلي، وخاصة في الأطعمة التي لابد منها. نعم ورد عنه (عليه السلام) قوله: «ولا تطعم من نصب لشيء من الحق، أو دعا إلى شيء من الباطل»[17].

وهناك شهادة قيمة عن المنحى التكافلي للإمام الثامن علي بن موسى الرِّضا (عليه السلام) يرويها عنه أحد أصحابه، وهو (معمر بن خلاّد)، قال: كان أبو الحسن الرِّضا (عليه السلام) إذا أكل أتي بصحفة فتوضع بقرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به، فيأخذ من كلّ شيء شيئاً، فيضع في تلك الصحفة ثمّ يأمر بها إلى المساكين. ثمّ يتلو هذه الآية: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)[18]، ثم يقول (عليه السلام): «علم الله عزّ وجلّ أنّه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم السبيل إلى الجنة باطعام الطعام»[19].

وكان والده الإمام الكاظم (عليه السلام) أوصل الناس لأهله ورحمه، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل، فيحمل إليهم فيه العين والورق والدقيق والتمور، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو[20].

لقد اقتدى أهل البيت: برسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان لهم به (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة، ومما عُرف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه: «ما شبع ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شاء لشبع، ولكنه كان يؤثر على نفسه»[21].

التكافل الاجتماعي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) – بتصرّف يسير

المصادر

[1] سورة الحديد، الآية 26.
[2] سورة يونس، الآية 92.
[3[1] الأمالي / الشيخ الطوسي: 598 / 1241، المجلس (26).
[2] اُصول الكافي 2: 203 / 18، باب إطعام المؤمن من كتاب الإيمان والكفر.
[3] نهج البلاغة، الكتاب 45.
[4] سورة المدثر: 74 / 42 ـ 44.
[5] عيون الحكم والمواعظ: 134.
[6] المحاسن / البرقي 2: 389 / 17. والآية من سورة البلد: 90 / 14.
[7] المحاسن 2: 389 / 21.
[8] الكافي 4: 51 / 5 باب فضل إطعام الطعام من كتاب الزكاة.
[9] الكافي 4: 51 / 10 من نفس الباب.
[10] المحاسن 1: 98 / 26.
[11] الخصال / الشيخ الصدوق: 517 / 4.
[12] علل الشرائع 1: 231 باب 165.
[13] علل الشرائع 1: 46 / 1 باب 41.
[14] علل الشرائع 1: 231 / 6 باب 165.
[15] الخصال / الصدوق: 518 / 4 أبواب العشرين وما فوقه.
[16] الكافي 4: 8 ـ 9 / 3، باب صدقة الليل من كتاب الزكاة.
[17] الكافي 4: 13 / 1، باب الصدقة على من لا تعرفه من كتاب الزكاة.
[18] سورة البلد: 90 / 11.
[19] المحاسن / البرقي 2: 389 / 20، باب الإطعام.
[20] الإرشاد 2: 231.
[21] مجموعة ورّام 1: 172، باب الإثيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى