فتحٌ بالشهادة

الليلة العاشرة من شهر محرم الحرام 1443 هـ

النقطة الأولى: القيادة:

وهي فن التأثير في السلوك، بغية تحقيق مهمة بالأسلوب الذي يرغب فيه القائد. وقد تحقق بأعلى مستواه في كربلاء.

من سمات القائد الناجح: الواقعية والعملية والتصرف بعقلانية والبعد عن الادعاءات الزائفة للبطولة. وفي كلمات الأمير (ع) للأشتر: “فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ – أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّه ولِرَسُولِه ولإِمَامِكَ – وأَنْقَاهُمْ جَيْباً وأَفْضَلَهُمْ حِلْماً- مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ ويَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ – ويَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ ويَنْبُو عَلَى الأَقْوِيَاءِ – ومِمَّنْ لَا يُثِيرُه الْعُنْفُ ولَا يَقْعُدُ بِه الضَّعْفُ -“.

‎قال الإمام في كربلاء: “الا وأني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر”. عبارة تجمع كل أسباب الهزيمة. لكنها الهزيمة العسكرية ولا تمنع من النصر بالشهادة فهو القائل لبني هاشم في رسالته إليهم: “من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلف لم يبلغ الفتح”.

‎في كربلاء تقابلت استراتيجية تفكير الجند مع استراتيجية تجنيد الفكر فكان معسكر عمر بن سعد يجمع العدة والعدد ويخطط للاستئصال وكان معسكر الحسين يخطب ويحاور ويخطط لكسب الحرب العقائدية والأخلاقية.

‎النقطة الثانية: السمات الإيجابية للشخصية العسكرية:

  1. الثقة بالنفس:

    أ. تجعل من الجندي لا يتردد.
    ب. لا يكثر من الاعتماد على الآخرين.
    ج. لا تنتابه مشاعر العجز وعدم القدرة على التصرف. وثقة أنصار الحسين من ثقة الحسين وثقته بثقته بربه فهو القائل: “اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل به ثقة وعدة…”
  2. المخاطرة.
  3. مركز الضبط أو محوره: وقُسِّم مركز الضبط على وجهتين: الجهة الداخلية: تصور أنه قادر على الوصول إلى أهدافه بنفسه أو بمجهوده الخاص، وأنه مسؤول عن مجريات حياته اليومية أو وقائع هذه الحياة. الجهة الخارجية: تصور أن المواقف الخارجية هي المؤدية إلى حصوله على أهدافه، وأن دوره في ذلك لا يعتد به. والوجهة الأولى هي الأنجح.

النقطة الثالثة: الروح المعنوية للجندي:

هي حالة نفسية يكون عليها الجندي، بحيث يتميز بعلو الهمة، والدافعية للقتال، وحسن القيام بما يكلف به من مهام، مع وجود الثقة بالذات والثقة بالقيادة ومن علاماتها وجودها بين الجنود:

  1. الشعور بـ (النحن) وأنهم جميعاً على قلب رجل واحد.
  2. الجاهزية النفسية لمواجهة المهام الصعبة التي يكلّف بها أفراد الجيش. والقدرة على مواجهة الأحوال الطارئة.
  3. انتفاء أسباب الصراع أو التنازع بين أفراد الجماعة، فهم على أكبر قدر من التماسك والانضباط. ومن تناسي الحزازات الشخصية.
  4. كون القائد محل حب وثقة بحيث طاعته عن قناعة.
  5. التنافس الشريف في تحقيق الأهداف.

 أسس الروح المعنوية والقتالية في القرآن:

  1. التحريض: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
  2. استحقاقات الشهادة: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

    معطيات القتال فيها:

    أ. القتال ليس لإظهار الرجولة، بل إيمان وابتغاء مرضاة الله.
    ب. أن القتال في سبيل الله يرتكز على محور الآخرة.
    ج. أن المقاتل غانم إحدى الحسنيين.
    د. أن الشهداء أحياء فرحون يرزقون: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
  3. العدو أن من أولياء الشيطان: يكسب الحرب القداسة، وممارسة دور الشعور بالعضوية والشأنية. وأن هذه الحرب حربه، وأنه مسؤول عن أداء الوظيفة. ويتولد الشعور بالغضب والبراءة من العدو، ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
  4. الإمداد الإلهي للمؤمنين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۞ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
  5. الوعد بالنصر لمن ينصر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

أسس الروح المعنوية والقتالية لدى أمير المؤمنين (ع):

  1. تقديم الله على جميع العلاقات والروابط: “ولَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه (ص) – نَقْتُلُ آبَاءَنَا وأَبْنَاءَنَا وإِخْوَانَنَا وأَعْمَامَنَا – مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وتَسْلِيماً – ومُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ وصَبْراً عَلَى مَضَضِ الأَلَمِ – وجِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ – ولَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا والآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا – يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا – أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَه كَأْسَ الْمَنُونِ – فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ومَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا – فَلَمَّا رَأَى اللَّه صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ – وأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ – حَتَّى اسْتَقَرَّ الإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَه ومُتَبَوِّئاً أَوْطَانَه -“.

    المتحصل من حب الله والقتال في سبيله:

    أ. الارتقاء في سلّم الإيمان بالله.
    ب. التسليم لله.
    ج. الاصرار على المضي والوصول إلى الهدف.
    د. الصبر على مضض الألم.
    هـ. الجد في جهاد العدو.
  2. الصدق: فمن كان صادقاً مع الله، وصادقاً مع نفسه، وصادقاً مع قضيته، فهو قد بلغ رتبة استحقاق نزول النصر: “فَلَمَّا رَأَى اللَّه صِدْقَنَا ….”.
  3. أن النصر من عند الله: فهو يقاتل لينال إحدى الحسنيين.

أسس الروح المعنوية في الدراسات العسكرية والحربية:

  1. روح الجماعة وتماسكها.
  2. روح التضامن في قدسية القضية.
  3. كون الرمز مقدساً.

الاستراتيجية العليا عند الإمام الحسين (ع):

من الوسائل الحرب العسكرية، التي تجلت فيها كذلك الحرب العقدية، والفكرية، والنفسية، والاجتماعية، والإعلامية، وذلك من خلال مجموع من الأدوات وهي:

  1. إظهاره للأسباب والعوامل التي أدت لتراجع الأمة وانحراف مسارها في خطبتيه.
  2. انكشاف انحراف السلطة بدء بالسقيفة.
  3. إن صلاح الإنسان مرهون بصلاح التوحيد لله، والتردي انحراف عنه.
  4. القتال كان أنموذجاً فريداً ويتضح ذلك من خلال:

الأول: استراتيجية الترصيص:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. فلم يقو الخصم على إنهائها سريعاً. كيف بنى قوته؟

  1. بناء القلب على التوحيد.
  2. آثار تهجد الإمام الحسين (ع) في بناء الروح القتالية وانعكاسها على الأعداء وسير المعركة.

    أ. كشف عن أن لهؤلاء القوم قضية ربانية، مرتبطة بالرسالة السماوية، وأنهم ليسوا طلاب سلطة.
    ب. الدعاء طمأنينة له وانهيار لعدوه. فالظالم يشعر أنه:

    1- متلبس بالظلم.
    2- من أهل الشر.
    3- عاقبته سيئة للنار.
    4- وضيع.
    5- أداة يدمِّر نفسه ليتنَّعم بالدنيا غيره.
    6- عار على أبنائه وعشيرته.
    7- موضع لعنة الله على مر الأجيال.

الثاني: الاستراتيجية الدفاعية:

  1. حفر الخندق.
  2. جمع الخيام مع بعضها بطريقة لا يصل العدو للنساء.
  3. اضرام النار في الخندق.
  4. جعل القتال في جهة واحدة.

الثالث: تعبئة الجند:

روى ابن قولويه والمسعودي: ” ثم صفهم للحرب وكانوا اثنين وسبعين فارساً وراجلاً فجعل زهير بن القين في الميمنة وحبيب بن مظاهر في الميسرة وثبت هو عليه السلام وأهل بيته في القلب وأعطى رايته أخاه العباس”. استراتيجية الهجوم غير المباشر لبلوغ الهدف: أولى الاستراتيجيات ما يسمى باستراتيجية الهجوم المضاد. بمعنى أنه لم يبدأهم بالقتال. والاستراتيجية الثانية هي ما تسمى باستراتيجية التضاد وهي حرب عقائدية أظهر فيها الإمام – ومن خلال المحاورة مع العدو – عقيدة جيش السلطة، وفسادها، وسوء عاقبة من يعتقد بها في الدنيا والآخرة.

ومما تحقق:

  1. أداء الوظيفة الشرعية في إمامته للمسلمين.
  2. قطع الطريق على المتعذر بعدم معرفته بشخص الحسين.
  3. بيان أن عقيدتهم فاسدة وأن العاقبة إلى النار.

وقد ذكر الشيخ أجزاء من خطبتي الإمام يوم العاشر. وبهذه المحاورات والخطب أعطى الحسم قبل المعركة القتالية، فالتاريخ قدّم لكل قارئ أو سامع حواراً فكرياً، وعقائدياً، ووجدانياً، وإنسانياً في عاشوراء. ثم ذكر الشيخ كرامات يوم العاشر تدلل أن الحسين لا ترد دعوته منها: قضية ابن حوزة ثم قضية محمد بن الأشعث.

الانتقال إلى الاستراتيجية الشاملة (أخسر المعركة لكن أربح الحرب): أيقن عمر بن سعد بعد كل هذه الخطب والمواقف خسارته للمعركة فرغب في أن يربح الحرب العسكرية فتقدم وقال: “اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى ثم رمى الناس فلم يبق من أصحاب الحسين عليه السلام أحد إلا أصابه من سهامهم” ففضح نفسه واتضح أنه يحارب آل النبي للمنصب والحظوة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى