الفردانية عبادة هوى

الليلة الرابعة من شهر محرم الحرام 1443 هـ

معنى الفردانية:

 عدها البعض في قبال الجمعنة. والجمعنة الحالة التي يكون فيها الفرد صورة نسخة متكررة عن الجماعة التي ينتمي إليها. فالفردانية الحالة التي يكون فيها الفرد كيانا مستقلا ومتفردا عن الجماعات التي ينتمي إليها، وقادرا على اتخاذ قراراته استنادا إلى إمكانياته الخاصة وقدراته المستقلة عن أفراد الجماعة الآخرين الذين ينتمي إليهم الفرد. وهي استناد قرارات الفرد على منفعته ومتعته الشخصية الخاصة، على أساس أن هذا الفرد هو مركز الاهتمام الرئيسي في الكون، فمصالحه الشخصية تتحقق فوق اعتبارات الدولة وتأثيرات المجتمع والدين. عدها بعض المؤرخين أنها عبادة الذات.

عوامل قيامها:

  1. الفكر الليبرالي.
  2. اليأس: يفر من الآخرين وينكفأ على ذاته. معرضا ومبتعداً عن المعايير الخارجية، الأفكار المطروحة لم تخلصه، القومية أدت لاشتعال الحرب، والرأسمالية استغلال والشيوعية سجن والدين الكنسي هيمنة.
  3. الثورة الصناعية: هجرة الكثير للعمل في المصانع بعيداً عن أسرهم.
  4. تصورات دينية كنسية: يرى الفيلسوف الإنجليزي “برتراند راسل” في كتابه “ما الذي أؤمن به” أن الكنيسة ساهمت في نشوء الفردية من خلال تركيزها على العزلة والرهبنة لا على ما يساهم في خدمة البشرية وسعادتها.
  5. الفلسفة الوجودية: تتخذ من الإنسان موضوعًا لها، والوجودية تتفق على مبدأ أنه لا يوجد هدف واحد، أو حقيقة واحدة، يعيش من أجلها الجميع وكل فرد في الأرض له الحق والحرية الكاملة في اختيار الحياة التي يرغبها، والهدف الذي يسعى له، ويعيش من أجله.
  6. بناء الحداثة مشروعها على الدنيا والمادة.
  7. وسائل التواصل الحديثة: التكنولوجيا، رغم ميزاتها الضخمة، إلا أنها منحت الانسان شعورا طاغيا بالقوة والقدرة والإنجاز، فعمّقت بذلك الفردانية. ثم جاءت الروبوتات.

أبرز سمات الفردانية:

  1. تقديم احتياجات الفرد على الجماعة.
  2. الاعتماد على النفس فهو يبلغ سناً يتخلى عن أسرته وعن مجتمعه.
  3. الاستقلالية الذاتية، يعني السلوك الفردي مستقل فهو يرى لنفسه قيمه واختياره لدينه ورغباته ودراسته وكل شيء. وهي تؤدي للهروب من المجتمع المخالف لرغباته.
  4. الشعور بالذنب نادراً ما يترجم للآخرين. فليس هناك عيب اجتماعي، فلا تشعر العائلة بالعيب لتصرف ولدهم. وهو نحو من التمزق الأسري.
  5. الحقيقة ذاتية، فلا يوجد حقيقة خارجية، بل ما يعتقده الإنسان فهو جزء من الحقيقة فالحقيقة نسبية. وهنا يضيع الحق ويضيع الهدف، وهنا عبثية.

أثر الثقافة الفردانية:

  1. العزلة: والانطواء فلا اهتمام بالمجتمع. وبالتالي فيعيش ألم الاغتراب.
  2. التفكك الاجتماعي: طبيعة الإنسان اجتماعي فإذا خرج عن مدنيته يحدث الألم. وبالتالي فلا اهتمام بالفقر، ولا بهموم الناس، ولا يوجد عمل تطوعي، ولا تواصل، ولا حقوق جيران، ولا صلة أرحام، ولا تكافل اجتماعي.
  3. الفردية والمرأة: تميز المرأة لغير بيتها وزوجها وأسرتها. وهذا يمزق الأسرة.

الجانب الإيجابي للفردانية:

  1. أعطت الفرد الحرية، ولكن الحرية في خارج مجالها تضر.
  2. تساعد الفرد على أن يكتشف ذاته. لكن من يعيش الفردانية ينشغل بغرائزه لا بعقله.
  3. ليس ذائبا في الغير بل فرد يمتلك شروط وجوده وكيف يكون فيؤدي للإبداع. وفي الغالب الابداع إنما يكون في ظرف الشعور بالمسؤولية وتشجيع الآخرين وليس في الفردانية.
  4. تتخلص من الضغوط وحقوق الآخرين الاجتماعية. ولكن ضغوط العزلة والانطواء أكثر خطورة.
  5. تحقق نجاحك فلا أحد يمنعك مما تريد. ولكن النجاح لا يتحقق بلا آخرين يدعمونك.

الجانب السلبي للفردانية:

  1. تنامي مظاهر العنف والتدمير والعدوانية والفقر والبؤس الإنساني والبعد الأناني والنرجسي للحياة الإنسانية وفقدان الاحساس بالآخرين وقوة الاستهلاك.
  2. تخلي الناس عنك في مشاكلك لتخليك عنهم.
  3. يرى نفسه هو المركز فهو أناني فلا يحسن العلاقة.
  4. لا يعرف التضحية والإيثار وخدمة الناس. ولا العمل التطوعي.
  5. تتحقق مفاسد الحرية المطلقة، والتخلص من المعايير الأخلاقية والدينية.

الفردانية في المفهوم الإسلامي:

للفرد حقوق وللمجتمع. والعلاقة مع الله تعطي التذاذاً ورضا وطمأنينة فبالإنس بالله والعلاقة معه يشعر الإنسان بلذة في كل ظروفه.

التربية الأسرية حل:

  1. التواصل الأسرى ولابد من جلسات حوار وأنس ومحبة.
  2. تربية الأولاد على العمل التطوعي.
  3. على استشعار هموم الآخرين.
  4. على علاقة صحيحة مع الله مبنية على الحب ليكون إنساناً محباً للجميع.
  5. بيان معنى الحرية.

قيمة الحرية:

الحرية فطرية ولا يمكن فهمها بعيداً عن مفاهيم: حقيقة الإنسان ومكانته ومصلحة الفرد والمجتمع والحقوق العامة والعدل والأخلاق والسعادة. وكذا عن الإيمان بالآخرة. والحرية عنصر سعادة سلبي في قبال العناصر الإيجابية كالثقافة والتربية والتعليم وحتى الثروة فهذه العناصر أشبه بالتراب والماء والهواء والضوء والحرارة بالنسبة للبستاني والحرية بمنزلة عدم وجود المانع الذي يحول دون النمو والتجذر.

الاسلام يرى أن احترام الحرية نابع عن الكرامة الذاتية للإنسان غير أن هذه الكرامة الذاتية إنما توجب احترام الحرية ما دامت تراعي ناموس الخلقة. مثال ذلك: الشهية فهي وسيلة للجهاز الهضمي فلابد من الاهتمام بها ما دامت منسجمة مع الجهاز الهضمي وسائر الأجهزة الجسمية الأخرى.

الحرية كمال وسيلي لا هدفي فهي وسيلة لبلوغ الكمال لا أنها هدف. فالحرية التي تأخذني للتراجع والتسافل ليست غاية.

الحرية والدين:

يرى سارتر أن التعلق والإيمان بالله ينفي الحرية وفي الواقع أن التعلق بالله ليس مغايراً للتعلق بالذات أو متبايناً معها بحيث ينسى الإنسان ذاته من خلال تعلقه به. فالعلة الفاعلية والموجدة والمبدعة لكل شيء والمقومة لذات كل شيء بها قوام الشيء وهي أقرب إليه من الشيء نفسه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. وبالتعلق بالله يسير الإنسان نحو كماله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

التحرير الداخلي للإنسانيّة:

لا يخضع الإنسان لطاغوت خارجي إلا إذا خضع لطاغوت داخلي فلا عبودية لخارج إلا من خلال عبودية الغريزة والقضاء على الصنم الداخلي يجعل من الصنم الخارجي يتهاوى وهذا ما فعله الإسلام يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

فالصنم الخارجي إما يسيطر بالترغيب أو الترهيب ومع تحطم الصنم الداخلي لا يؤثران يقول تعالى: ﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى