جزع السيدة زينب (ع) بين النفي والإثبات

ليلة 12 من محرم 1443 هـ

مقدمة:

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: كُلُّ الجَزَعِ وَالبُكاءِ مَكروهٌ، سِوَى الجَزَعِ وَالبُكاءِ عَلَى الحُسَينِ عليه السلام

شخصية السيدة زينب تحتل موقعا خاصا في قلوب وعقول المنصفين، فضلا عمن ينتمي إلى فهم مدرسة أهل البيت سلام الله عليهم في تكريم هذه الشخصية العظيمة، فلا شك أن لزينب عليها السلام قدسية من نوع خاص وإنما بلغت هذا المقام من التقديس لدى أتباع مدرسة أهل البيت وفقا لاستحقاقات فعلية وقولية قامت بها كشريكة أولى مع الحسين سلام الله عليه في فاجعة كربلاء، حيث أن مقامها العالي تكشف أمام هذه المصيبة العظيمة ومن هنا صارت شخصية بحسب تعبير العلماء تالية تلو المعصوم، أي بعد المعصومين الأربعة عشر والمقدمة في التقديس.

إشكال: يطرح البعض إشكالاً ومفارقة بين قدسية السيدة زينب (ع) والتي تعد من الضروريات والأمور الواضحة وبين ما قد ينقل عنها من بكاء وجزع وما شاكل ذلك.

الرؤية الأولى: تغليب قدسية السيدة زينب (ع):

فنجد أن هناك تغليبا للجانب الأول من حفظ لقدسية هذه السيدة الجليلة، إذ يتجه البعض إلى رفع اليد عن بيان ندبة السيدة زينب على أخيها الحسين (ع)، ونجد أنفسنا بين طريقين، طريق يتعامل مع هذه الشخصية كأنها آلة بلا شعور ولا عواطف وأنه محرم عليها البكاء والجزع في حين أن المستشكل ذاته يظن أن الكون كله قد جزع على الحسين (ع) بما فيهم الحجر، والأنبياء المرسلون والملائكة والسماء والأرض، وكما عن الصادق (ع) (إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع لَمَّا مَضَى بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَ مَا فِيهِنَّ وَ مَا بَيْنَهُنَّ وَ مَا يَنْقَلِبُ فِي الْجَنَّةِ وَ النَّارِ مِنْ خَلْقِ رَبِّنَا وَ مَا يُرَى وَ مَا لَا يُرَى)، إلا أنه يتم استنكار بكاء وجزع السيدة زينب عليها السلام بحجة أن زينب طود شامخ جبل أشم.

الرؤية الثانية: السيدة زينب (ع) امرأة كسائر النساء:

وهناك رؤية مقابلة تبين السيدة زينب كامرأة مثل سائر النساء من الجهة العاطفية بحيث قد تغلب عليها الجهة العاطفية فتخرجها عن شعورها التام وليست سوى بكاءة ندابة لطامة ولا تتمكن من تسلم أي مسؤولية في رقبتها لمحل هذا الجزع والبكاء.

الرؤية الوسط:

الرؤية الوسط هي التي ينبغي أن تتخذ في شأن تفسير واقع السيدة زينب عليه السلام وبيان ما نقل عن السيدة زينب عليها السلام من كلمات ويمكن طرحها في نقطتين:

  • الصبر والجرأة والجلد
  • الجزع والبكاء.

العديد من الروايات في الكتب المعتبر توصف حال زينب عليها السلام، والتي توضح الصورة المنقولة عنها في بطون الكتب المعتبرة والتي تتناول الجانبين معا بدون اجتزاء أو اقتطاع.

الجانب الأول: جانب الصبر والجرأة والجلد والشجاعة:

الرواية الأولى: تبين الرواية جزع الإمام السجاد عليه السلام في يوم الحادي عشر من المحرم، وقد سلته السيدة زينب (ع) وسكنت فؤاده ما يدلل على صلابتها.

مالِي أَراكَ تَجُودُ بِنَفسِكَ يا بَقِيَّةَ جَدِّي وَأَبِي وَإخْوَتي‌، فقلت: وكيف لا أجزع ولا أهلع وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مصرّعين بدمائهم، مرمّلين بالعراء، مسلّبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.

فقالت: لا يجزعنك ما ترى، فواللّه إنّ ذلك لعهد من رسول اللّه (ص) إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ اللّه ميثاق أُناس من هذه الأُمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرّجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء (عليه السلام)، لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً، وأمره إلاّ علوّاً.

الرواية الثانية: تبين الرواية وقفة الصبر والجلد التي وقفتها السيدة زينب ومقارعتها لابن زياد في مجلسه، حتى هم بقتلها: فأراد ابن زياد أن يتشفى منها فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت (إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر وهو غيرنا). فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك. فقالت ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة.

الرواية الثالثة: خطبتها في مجلس يزيد، (ثم قامت على قدميها، وأشرفت على المجلس، وشرعت في الخطبة)، وما في تلك الخطبة من كلمات ومضامين تصدر من امرأة أسيرة مقيدة قد قتل أهلها، وهي تقارع أكبر رأس للطغيان حتى أنه سكت.

الجانب الثاني: جانب الجزع والبكاء:

الرواية الأولى: نَزَلَ الحُرُّ وأصحابُهُ ناحِيَةً، وجَلَسَ الحُسَينُ عليه السلام يُصلِحُ سَيفَهُ، ويَقولُ: يا دَهرُ اُفٍّ لَكَ مِن خَليلِ كَم لَكَ بِالإِشراقِ وَالأَصيلِ (الأبيات المعروفة) قالَ الرّاوي: فَسَمِعَت زَينَبُ ابنَةُ فاطِمَةَ عليها السلام ذلِكَ فَقالَت: يا أخي! هذا كَلامُ مَن قَد أيقَنَ بِالقَتلِ. فَقالَ: نَعَم يا أختاه! فَقالَت زَينَبُ عليها السلام: واثُكلاه، يَنعى إلَيَّ الحُسَينُ عليه السلام نَفسَهُ!! قالَ: وبَكَى النِّسوَةُ، ولَطَمنَ الخُدودَ، وشَقَقنَ الجُيوبَ، وجَعَلَت أم كُلثومٍ تُنادي: وامُحَمّداه! واعَلِيّاه! وااُمّاه! وافاطِمَتاه! واحَسَناه! واحُسَيناه! واضَيعَتاه بَعدَكَ يا أبا عَبدِ اللّه ِ! قالَ: فَعَزّاهَا الحُسَينُ عليه السلام وقالَ لَها: يا اُختاه تَعَزَّي بِعَزاءِ اللّه، فَإِنَّ سُكّانَ السَّماواتِ يَموتونَ، وأهلَ الأَرضِ لا يَبقَونَ، وجَميعَ البَرِيَّةِ يَهلِكونَ. ثُمَّ قالَ: يا أختاه يا اُمَّ كُلثومٍ! وأنتِ يا زَينَبُ! وأنتِ يا رُقَيَّةُ! وأنتِ يا فاطِمَةُ! وأنتِ يا رَبابُ! اُنظُرنَ إذا أنَا قُتِلتُ، فَلا تَشقُقنَ عَلَيَّ جَيبا، ولا تَخمُشنَ عَلَيَّ وَجها، ولا تَقُلنَ عَلَيَّ هُجرا.

ورُوِيَ مِن طَريقٍ آخَرَ: أنَّ زَينَبَ عليها السلام لَمّا سَمِعَتِ الأَبياتَ ـ وكانَت في مَوضِعٍ مُنفَرِدٍ عَنهُ مَعَ النِّساءِ وَالبَناتِ ـ خَرَجَت حاسِرَةً تَجُرُّ ثَوبَها حَتّى وَقَفَت عَلَيهِ، وقالَت: واثُكلاه! لَيتَ المَوتَ أعدَمَنِي الحَياةَ! اليَومَ ماتَت اُمّي فاطِمَةُ الزَّهراءُ، وأبي عَلِيٌّ المُرتَضى، وأخِي الحَسَنُ الزَّكِيُّ! يا خَليفَةَ الماضينَ وثِمالَ الباقينَ. فَنَظَرَ الحُسَينُ عليه السلام إلَيها وقالَ: يا اُختاه لا يَذهَبَنَّ حِلمُكِ. فَقالَت: بِأَبي أنتَ واُمّي أسَتُقتَلُ؟! نَفسي لَكَ الفِداءُ. فَرَدَّ غُصَّتَهُ وتَغَرغَرَت عَيناهُ بِالدُّموعِ، ثُمَّ قالَ: هَيهاتَ هَيهاتَ! لَو تُرِكَ القَطا لَيلاً لَنامَ! فَقالَت: يا وَيلَتاه، أفَتَغتَصِبُ نَفسَكَ اغتِصابا، فَذلِكَ أقرَحُ لِقَلبي وأشَدُّ عَلى نَفسي! ثُمَّ أهوَت إلى جَيبِها فَشَقَّتهُ، وخَرَّت مَغشِيّا عَلَيها.

الرواية الثانية: إنَّ عُمَرَ بنَ سَعدٍ نادى: يا خَيلَ اللّه ِ اركَبي وأبشِري! فَرَكِبَ فِي النّاسِ، ثُمَّ زَحَفَ نَحوَهُم بَعدَ صَلاةِ العَصرِ، وحُسَينٌ عليه السلام جالِسٌ أمامَ بَيتِهِ، مُحتَبِيا بِسَيفِهِ، إذ خَفَقَ بِرَأسِهِ عَلى رُكبَتَيهِ، وسَمِعَت اُختُهُ زَينَبُ عليهاالسلام الصَّيحَةَ، فَدَنَت مِن أخيها، فَقالَت: يا أخي، أما تَسمَعُ الأَصواتَ قَدِ اقتَرَبَت؟! قالَ: فَرَفَعَ الحُسَينُ عليه السلام رَأسَهُ، فَقالَ: إنّي رَأَيتُ رَسولَ اللّه ِ صلى الله عليه و آله فِي المَنامِ، فَقالَ لي: إنَّكَ تَروحُ إلَينا، قالَ: فَلَطَمَت اُختُهُ وَجهَها، وقالَت: يا وَيلَتا!

الرواية الثالثة: عشية ليلة العاشر: عن الإمام السجاد (ع): إني جالس في الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول: (يا دهر أف لك من خليل‌) -الأبيات المعروفة- … فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أنّ البلاء قد نزل وأما عمتي زينب فلما سَمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها فوثبت تجر ثوبها وهي حاسرة لعظم المصاب ذهلت وقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي وثمال الباقي فنظر إليها الحسين (ع) وقال: (يا أختاه لا يذهبن بحلمك الشيطان) وترقرقت عيناه بالدموع قالت: يا أخي ردنا إلى حرم جدنا قال (لو ترك القطا لنام) فقالت: يا ويلتاه أتغتصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ثم لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها.

الرواية الرابعة: بعد حرق الخيام: يقول الراوي (ثُمَّ أخرَجُوا النِّساءَ مِنَ الخَيمَةِ، وأشعَلوا فيهَا النّارَ، فَخَرَجنَ حَواسِرَ مُسَلَّباتٍ حافِياتٍ باكِياتٍ، يَمشينَ سَبايا في أسرِ الذِّلَّةِ وقُلنَ: بِحَقِّ اللّه ِ إلّا ما مَرَرتُم بِنا عَلى مَصرَعِ الحُسَينِ فَلَمّا نَظَرَتِ النِّسوَةُ إلَى القَتلى‌ صِحنَ وضَرَبنَ وُجوهَهُنَّ. قالَ الرّاوي‌: فَوَ اللَّهِ، لا أنسى‌ زَينَبَ ابنَةَ عَلِيٍّ عليه السلام وهِيَ تَندُبُ الحُسَينَ عليه السلام وتُنادي بِصَوتٍ حَزينٍ، وقَلبٍ كَئيبٍ: وامُحَمَّداه! ……. ، قالَ الرّاوي : فَأَبكَت وَاللّه ِ كُلَّ عَدُوٍّ وصَديقٍ .

الرواية الخامسة: في مجلس يزيد: وأما زينب فإنها لما رأت رأس الحسين عليه السلام أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح الكبد ويوهى الجلد: يا حسيناه، يا حبيب جده الرسول ويا ثمرة فؤاد الزهراء البتول، يا بن بنت المصطفى يا بن مكة ومنى، يا بن علي المرتضى، فضج المجلس بالبكاء ويزيد ساكت وهو بذاك شامت، ثم دعا بقضيب فجعل ينكت ثنايا الحسين.

قدسية زينب (ع) وجزعها وبكائها

هذه المواقف من السيدة زينب عليها السلام من بكاء وصراخ وندبة وشق جيب والنداء بالويل والثبور وغيرها في مواطن متعددة مذكور في الكتب المعتبرة فكيف نفهمه؟ وما هي طبيعة الشخصية المقدسة، وهل يتنافى الجزع مع قدسيتها ورجاحة عقلها وصلابة قلبها؟

الجواب: في أمرين:

الأمر الأول: ميزان الاتزان الأخلاقي والنفسي:

هناك ميزان اتزان أخلاقي ونفسي موجود في كل إنسان، فالأفعال التي تترشح عن الميزان تنبأ عن حالة هذا الميزان في حال وجود خلل أو لا، ففي ملكة الاعتدال فأفعال الإنسان تكون معتدلة، وأما إذا نزح نحو الإفراط والتفريط فالأفعال تكون مختلة، وبحسب الاتزان العقلائي النفسي الأخلاقي فهناك لكل مقام مقال ولكل موقف ردة فعل تتناسب مع طبيعة الموقف.

إذا التزم الإنسان طبيعة وردة فعل واحدة رغم تباين المواقف وما تستدعيه من ردات فعل، فيقال أن فيه خللا وهو غير سوي، فمن يفقد شاباً ولا يبدي أي ردة فعل عاطفية فيعاب عليه عدم إحساسه ويكون مذموما، فرسول الله (ص) قد بكى أولاده وقد عابوا عليه فقال إن البكاء رحمة، فالرقة والبكاء والجزع مطلوب في حالات الفقد والفاجعة، وينبغي أن يكون تعامل الإنسان مع المواقف حسب موازينها، فلا يستحسن عدم الاتزان النفسي في هكذا حالات.

وفي حالات رباطة الجأش وتسجيل الموقف ومقارعة الطغاة فالسيدة زينب (ع) هي الرقم الأول فيه، وفي حالات تسجيل المظلومية وإظهار الحب للحسين (ع) والتفجع لمصاب أبكى السماوات والأرض فهي الرقم الأول في هذه المواقف، ولا تنافي بين الموقفين، وحتى لو اختلط الموقفان فلا إشكال في ذلك، فالسيدة زينب توازن كيفية ترتيب ردات الفعل وما يستدعيه كل موقف، فهي المدرسة لهذه الأمور وهي التي تعلمنا ولسنا من يقيم السيدة زينب ويكون عقلنا المقياس والميزان فنرفض أو نأول الأمور قبل فهمها أو تأملها.

الأمر الثاني (ماهو الجزع):

البعض ينفي الجزع، فما هو الجزع، الجزع هو شق الجيوب ولطم الخدود وخمشها وجز النواصي، بالإضافة إلى الكلام غير المفهوم، فما هو حكمه في الإسلام، يقول الفقهاء إذا كان يعبر عن طبيعة كفر أو اعتراض فلا يجوز، أو يكون مكروها، فهو مذموم، فإذا نزلت النوازل فعلى الإنسان أن يتصبر ويحمد الله، ولا يخرج عن طوره ويتلفظ بكلمات الكفر ويأتي بالأعمال التي مآلها الاعتراض على حكم الله سبحانه وتعالى؟

أولا: استحباب الجزع على الحسين

السيدة مكلفة وليست خارجة عن دائرة التكليف ومخاطبة بكراهة وحرمة الجزع، فهل هناك استثناء؟ وفي الحديث المتواتر عن الإمام الصادق عليه السلام أن كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع على الحسين (ع) ، فأي جزع هو المقصود؟

وفي رواية تصف الهاشميات أنهن لطمن وجوههن وشققن جيوبهن على الحسين بمرأى من الإمام السجاد (ع) وهو الذي كان يعد ويهيأ المجالس والسويق لتقويتهم على البكاء والندبة، يقول الصادق (على مثل الحسين فلتشق الجيوب، ولتخمش الوجوه، ولتلطم الخدود)، الرواية تتحدث عن هذا النوع من الجزع، أليس هذا مفارقة؟ فاذا كان الجزع مذموما فإما أن يكون الذم عاما بلا استثناء أو أنه ليس مذموما أساساً، فالجزع إذا كان معبراً عن السخط فهنا توقف، فالجزع لا يحمل قيمة سلبية أو إيجابية إلا بما يستبطنه من معنى، فإذا كان هذا المعنى معبرا عن السخط وعدم الرضا بقضاء الله والاعتراض على حكمه فهو غير جائز لكونه كفر، أما إذا كان الجزع يعبر عن مقدار المحبة التي يمتلكه الإنسان في قلبه تجاه الله بالتعلق بأوليائه فهو موصل لله بلا شك وكذلك الجزع والبكاء على الحسين، فهو الذي حفظ الدين.

الجزع والمعرفة المكتومة في قلب الإنسان بمقدارها يكون دلالة على الإيمان، فالروايات لا تقول بأن الجزع على الحسين جائز فحسب وإنما هو مستحب ومندوب وعليكم أن تقوموا به مدار الدهور، فالحسين له هذه الخصوصية.

فلماذا نستثنى السيدة زينب من هذا المستحب وهي أولى الناس به، وهي الأعرف بقيمة ومقام الحسين، وهي من رأت الفاجعة أمام عينها، وهناك من يغشى عليه لسماع وتصور مصيبة الإمام الحسين عليه السلام وهو لم ير بعينه، فكيف بمن رأت بعينها الفاجعة ألا تجزع أو تحني ظهرها.

بين الجزع والمسؤولية:

 البعض قال إن هناك خصوصيات للسيدة الزينب لأن هناك ظرفا خاصا لأن السيدة هي التي وكلت كوصية عن الحسين في حفظ العائلة وهي مسؤولية عظيمة لا تجتمع مع الجزع والحسين نهاها في بعض الروايات (لا يذهبن بحلمك الشيطان، أقسمت عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا، لا تخمشي علي وجها، لا تدعي بالويل والثبور) فهناك نهي عن الجزع.

ذات الروايات تبين أن السيدة زينب جزعت فهل خالفت نهي الحسين؟، أم أننا بحاجة لتأويل هذه الروايات؟ أم نرفع اليد عن مثل هذه الروايات وننفي ثبوتها؟ فتصبح الكتب معتدة وفقاً للمزاج؟ نحن بحاجة إلى إلى إنصاف وموضوعية وعدم استعجال في هذا الموضوع. وقد رد العلماء في هذا الموضوع في مسألة إدارة شؤون العائلة وعدم اجتماعهم مع الجزع، فمن قال ذلك؟ فهل جزعت السيدة زينب بحيث أنها خرجت عن عقلها وصارت عية وفي عجز؟ فهل فهم أحد ذلك؟ الكل يتفق أنها أخذت بزمام الأمور بعد الحسين، وهذا يجتمع مع الجزع لأن كل موقف يستدعي موقفا بحسبه، فرباطة الجأش والصلابة وحضور العقل والتدبير موجود ولا يمنع من وقوع الجزع في بعض المواقف، فاحتراق القلب والبكاء للإنسانجزع السيدة زينب (ع) بين النفي والإثبات العادي عند الفاجعة والمصيبة لا يمنعه أسئلة الآخرين.

ثانيا: الجزع له تأويلاته

الجزع محدد بوقت معين: الاستثناءات التي ذكرت في الروايات لها تأويلاتها المنسجمة مع طبيعة الموقف العام، وهذا المقصود منه وقت مضيق (محدد)، فهناك إشارة إلى لحظات معينة كلحظات المصرع، فهناك توصية بالصبر في حينها حتى يلم شمل العائلة ويتجلدون بصبرك.

النواهي محمولة على ما يتعارض مع عنوان مزاحم أهم، مثل لو لزم من جزعها أو بكاءها شماتة الأعداء أو انكسار القضية فهذا غير مسموح، وهذا ما تنبأ به نفس الروايات (فلا تشكوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم)، (ليس لك الويل يا أخيّة، لا تُشمِتي القوم بنا، أُسكتي رحمك الله)، فهذه المواقف لها تقديراتها إذا كان البكاء مستتبعا للشماتة أو إنقاص قدورهن فهو منهي عنه في محل هذه العناوين المزاحمة، أما إذا كان مثبتا لمظلومية ومشعلا للحماسة التي يندفع من خلالها الجازع لمقارعة الظلم فهو مطلوب.

ثالثا: يحمل على الجزع المكروه، فلا يكن هذا الجزع شيطانياً، وإنما فيه تأكيد، فالسيدة زينب عليها السلام لا تجزع هذا الجزع، فكل النساء والأطفال خلف زينب (ع) فهو تحذير بأن من حقكن الجزع شريطة ألا يتعدى إلى الجزع المكروه الحرام المذموم الدال على السخط بحكم الله، وبإمكانكن الجزع على الحسين (ع) بما هو باب من أبواب الله.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى