إضاءات حول قول الإمام الحسين (ع): الآن انكسر ظهري

ليلة 7 من محرم 1443 هـ

مقدمة: 

تبوأت شخصية العباس (ع) موقعا معرفيا خاصا في الذهنية الشيعية من جهة فضله في تقديم تطبيق متقدم لمفهوم الولاية.

  • عقيدتنا في العباس (ع) أنه باب من أبواب فهم الولاية لا بد من توسيطه حقيقةً لوصول أتم في فهم واقع الحسين (ع)، فالولاية سلسلة نورانية رتبية لا يُتوصل فيها للعالي إلا باجتياز الداني أولا.
  • من أهم شواهد هذه العقيدة في العباس (ع) – فضلا عن كونها ارتكازا متوارثا- قول الحسين (ع) مؤبنا إياه: (الآن انكسر ظهري)، وهنا نقطتان.

النقطة الأولى: مصدر هذا النقل:

لعل أقدم مصدر – حسب التتبع – لهذه الكلمة هو: “مقتل الحسين (ع)” للخوارزمي، من علماء العامة في القرن السادس، موصوف بالنزاهة وحبه لأهل البيت (ع)، وكتابه معتبر بالحساب التاريخي. وأيضا ذكرها السيد محمد بن أبي طالب الكركري(ق9/10) في “تسلية المجالس”، وصاحب البحار، وفي “ناسخ التواريخ”، وغيره من الكتب المتأخرة.

  • يتضح إمكان تحليل هذه الكلمة والتأسيس عليها بما يناسب المقام ما دامت قد وردت في بعض الكتب المعتبرة، كما فعل ذلك جملة من الفقهاء كالفاضل الدربندي.

النقطة الثانية: دلالة هذا التأبين وخصوصيته:

واضح أن الحسين (ع) قال هذه الكلمة تأبينا ورثاءً، وهما: مدح الميت وعد محاسنه في حال البكاء عليه.

  • أبن الحسين (ع) عشرةً من أصحابه، والملحوظ أن تسعة من هذه التأبينات كانت يرجع الوصف فيها والدعاء إلى المؤبَّن، إلا تأبين العباس(ع)، كان الوصف فيه راجعا إلى الحسين (ع) بقوله (انكسر ظهري)!
  • ينبغي لحفظ معنى التأبين وغرضه أن تُفهم هذه الكلمة بإرجاع كل خصلة قابلة لأن تكون موردا للتأبين في العباس (ع) إلى الحسين (ع) مآلا وأثرا، فيكون وجود العباس الممتدح مربوطا بأخيه بنحو التمام.
  • بهذا الفهم نعمم دلالة الكلمة إلى ما يتجاوز الحسابات العسكرية في موقع العباس (ع) ليكون واقعيا أيضا، لا اعتباريا في جهة معينة فقط، فكونه ظهرا للحسين له باطن ملكوتي عظيم كشف عنه هذا التأبين.

لهذا الفهم عدد من المؤيدات والشواهد النقلية، منها:

 1) أصل انعقاد خلقته (ع) كان إعدادا لنصرته أخيه (ع)، في عمدة الطالب لابن عنبة: (انظر إلى امرأةٍ قد ولدتها الفحولة من العرب؛ لأتزوجها، فتلد لي غلاما فارسا).

2) في “الإرشاد”: (اركب بنفسي أنت)، وهذه لها جانب عاطفي كنائي لا يُقبل مع تجريده من التسامح، لأن المعصوم لا ينبغي أن يفتدي غير المعصوم، ولانسجام المعنى مع ذلك ينبغي تأويلها بأن الوجود الفعلي للحسين (ع) في الحياة كان في ذلك الظرف مرتهنا بوجود العباس (ع)، وذهاب العباس يساوق ذهاب الحسين، فصح افتداؤه بهذا اللحاظ الذي يعني بقاء الحسين (ع) نفسه مع التجرد عن لحاظ نفسه في التفدية.

3) العباس حامل اللواء الأعظم، ولم يكن مجرد لواء عسكري في معركة آنية، بل هو لواء الحسين بما فيه من رمزية إعلاء كلمة الله الممتدة، ولهذا حافظ عليه العباس حتى آخر نفس لمعرفته قيمته الملكوتية.

4) (يا أخي كنت العلامة من عسكري، ومجمع عددنا، إذا غدوت يؤول جمعنا إلى الشتات، وعمارتنا تنبعث إلى الخراب)، وهذا شاهد آخر على ارتباط الوجود الحسيني (ع) بوجود أبي الفضل.

5) ورد في “أمالي الصدوق” أن السجاد (ع) استعبر حين رأى عبيد الله بن العباس (ع) وقال: إن أشد يوم على النبي (ص) هو يوم الحمزة، ثم يوم جعفر. ثم ذكر أنه لا يوم كعاشوراء، فهو الأشد مطلقا، وسبب هذا البيان هو ذكر العباس (ع)، وفيه دلالة على أن أشدية يوم عاشوراء كانت من جهة فقد الحسين (ع) العباس.

6) التناغم التكويني الوجداني في ارتباط مصيبته (ع) بمصيبة أخيه بكاءً وزيارةً، وقد ذكر غير واحد من العلماء أن إبقاء العباس (ع) في موضع مصرعه كان سرا من الأسرار الملكوتية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى