الملك غازي

يكاد ذهن المواطن العربي يذهب سريعًا نحو العراق عندما يسمع باسم الملك غازي، و هو ثاني ملوك العراق من الأسرة الهاشمية التي جاءت من الحجاز وحكمت العراق بعد زوال الحكم العثماني من قبل الاحتلال البريطاني. و لكننا لسنا بصدد الحديث عن ثاني ملوك المملكة العراقية في الثلاثينات من القرن المنصرم و الذي تضاربت حوله الأحاديث و الأقاويل، فالبعض وصفه بأنه قومي عروبي وطني معاد للإنجليز، و البعض الآخر وصفه بأنه غبي و شاذ و سكير، نحن بصدد الحديث عن ملك آخر و غازي آخر يختلف تمامًا عن ثاني ملوك المملكة العراقية، و لا يتفق معه إلا بالاسم (غازي).

من نحن بصدد الحديث عنه هو من البحرين التي عرفت قديمًا بجزيرة أوال، و هي موطن قبيلة عبد قيس التي أسلمت على الشهادات الثلاث بلا خيل ولا ركاب، و التي قال فيها رسول الله صلوات الله عليه و على آله حين جاء وفد عبد القيس لمبايعته: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، أتوني لا يسألوني مالا، هم خير أهل المشرق. وعبد قيس متفرعة من قبيلة ربيعة التي نصرت أمير المؤمنين والذي تلهف عليها عليه السلام حين قال فيها بعد شهادة عدد كبير من أبنائها نصرة له: يا لَهفَ نفسي قُتِلَت رَبيعَه · رَبيعَةُ السامِعَة المُطيعَه. و قال عليه السلام بحق عبد القيس : عبد القيس خير ربيعة، وفي كل خير.

غازي الحداد البلادي البحراني العبدي الربيعي ولد بمنطقة البلاد القديم، عاصمة البحرين القديمة و مقر أقدم مسجد عرفه أهل البحرين و هو مسجد الخميس الأثري الذي كان يعرف بمسجد ذو المنارتين و المنقوش على منارته الغربية القريبة من المحراب لوحة عليها أسماء المعصومين الأربعة عشر، و هذه اللوحة تم نقشها سنة ٥١٨ للهجرة عام ١١٢٤ للميلاد، و هذه اللوحة التي عرفت بلوحة الأئمة تثبت هوية و تاريخ و مذهب أهل أوال البحارنة العبديين.

من عمق هذا النسب العربي الأصيل جائنا الأديب المفوه وفارس الكلمة و مروض جنية الشعر، من أرض الخلود دلمون و حضارة الإسلام أوال و حاضنة التشيع البحرين، عجن شاعرنا بتربتها و شرب من عذب ماء ولائها القديم لمحمد النبي وآله الغر الميامين.

لم يكن شاعرا كلاسيكيًا يمتاز بقوة شعره و جزالة ألفاظه، بل كان شاعرا صاحب قضية وانتماء وعقيدة، كان يحلق في عالم الملكوت لينتقي أشرف و أطهر و أنقى وأجمل وأعذب الكلمات لينضدها عقدًا متراصًا يعلقه على جيد الولاء والحب والعشق لمحمد و آله، وكان يغوص في عمق بحور الشعر ليستخرج ما يليق من زينة يزين بها نديمته الجميلة الميساء أرض البحرين و يسجر جمر الشعر ليتقد لهبا حارقا على من يحاول العبث بها أو النيل من ناسها الطيبين.

و من قبل أربعين سنة، توقد ذهنه الصافي الذكي، و اشتعل قلبه العاشق المحب مع الشهيد السيد الصدر و الإمام العظيم روح الله الخميني، عشقهما وأحبهما وذاب فيهما لينفجر شعره نصرًا و تأييدًا و دعمًا لهما، لم يتهيب أن نظامًا مجرمًا طائفيًا بغيضًا قد يتعرض له، و لم يتتأتأ أو يتلجلج أو يتلعثم حين يذكرهما ، بل كان ثابتًا عارفًا مطمئنًا صادعًا بدعوة الحق لهما ولمبادئهما وطريقهما .

و كان حاضرًا في الدفاع عن أمته الإسلامية في شعره المهاجم و الموجه ضد حزب البعث المجرم في العراق و ضد الاحتلال الصهيوني للبنان وفلسطين، و كان حاضرًا بشعره في الانتفاضة الشعبانية للشعب العراقي و في انتفاضة الشعب الفلسطيني و في عمليات تحرير الجنوب اللبناني. ومن قبل أن يظهر مصطلح محور المقاومة، كان الحداد منذ الثمانينات قد تموضع فيه ممثلا عن بحرين الولاء و الفداء و المقاومة، مجاهدًا و مناضلاً و محرضًا و مدافعًا و ناصرًا لأمةٍ سمّاها الإمام الخميني أمة حزب الله و هو ما بات يعرف اليوم بمحور المقاومة.

لم تمنعه شدة معاركه التي خاضها بشعره ضد أعداء الأمة أن يتقطر يراعه لوعة و حسرة وألما في مصائب آل بيت محمد، كانت قاعدة انطلاقته من المأتم والموكب والعزاء واللطم والدموع والجزع على سيد الشهداء ليرمي شهب نار قلبه المحترق بمصاب الحسين عليه السلام على أعداء الدين والأمة والوطن.

كم هو صعب أن يسد الوطن الفراغ الذي تركه غازي الحداد، و كم هو مؤلم أن يغطي مثله التراب، و لكن لا يسعنا إلا أن نقول لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و إنا لله و إنا إليه راجعون. رحمك الله يا ابن البحرين البار و ابن الشهيد الصدر و الخميني العظيم، و ابن الإسلام المحمدي المقاوم الأصيل ، وداعا أياها المجاهد المقاوم بلسانه وكلمته وقلمه، وكما كان نهاية القرن العشرين وبداية قرن جديد هو زمن الانتصارات ونفض غبار الذل و ركوب صهوة المجد في إيران و العراق و لبنان و فلسطي ، كان الملك غازي حاضرًا بشعره و قلمه و كلمته مشاركا معهم في انتصاراتهم .

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى