النظام في الإسلام

يُحدّثنا الله تعالى في كتابه الكريم عن بديع نظامه بقوله “: وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ “1.

ويحدّثنا في سورة الروم عن هذا النظام الإلهي بقوله “: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ “2

إنّها آيات عظيمة تُرشد إلى عظمة الخالق، وترشد أيضاً إلى النظام العام في هذا الوجود. ومع أنَّ الآيات السابقة كانت في مقام الحديث عن النظام العام التكويني، إلا أنَّ الله تعالى أراد أن يعمَّ النظام العام الحياة في تكوينها وتشريعها، لذلك نظّم الحياة في علاقات الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالبيئة والكون، فكان الدين هو عنوان الشريعة المنظّمة لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية، فعن الإمام علي (عليه السلام) في وصية لولديه “:أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم”.

تنظيم الإنسان قبل ولادته
وقد نظَّم الدين حياة الإنسان حتّى من قبل أن تلده أمّه، إذ نقرأ في الشريعة الإسلامية ما يتعلّق بصفات الزوج والزوجة المؤثّرة على الولد، فعن الإمام علي (عليه السلام) “: إياكم وتزويج الحمقاء، فإنَّ صحبتها بلاء، وولدها ضياع”3.

وكذا ورد في الحديث عمّا يتعلّق بمستقبل الإنسان أثناء الحمل فعن النبي (صلى الله عليه وآله) “:أطعموا حبالاكم السفرجل فإنَّ في ذلك تحسين أخلاق أولادكم”4.

تنظيم الإنسان بعد ولادته
وتابع الإسلام هذا التنظيم بعد الولادة.

• فشرّع الأذان والإقامة في أذني المولود، فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) “: من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في أذنه اليسرى، فإنها عصمة من الشيطان الرجيم “5.

• وفي اليوم السابع شرّع العقيقة عنه، والتصدّق بوزن الشعر ذهباً أو فضّة، وختان الصبي.

• كما أرشد إلى الرضاع الصحيح، واهتم بتسمية الولد وأثرها التربوي، ودخل الإسلام في عملية التنظيم التربوي مقسّماً التربية إلى مراحل ثلاث عبّر عنها النبيّ (صلى الله عليه وآله) بقوله “:الولد سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين”6.

تنظيم وقت الإنسان
•كما أرشد الإسلام إلى تنظيم حياة الإنسان من خلال تنظيم وقته.

فعن الإمام الكاظم (عليه السلام) “: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات:
1. ساعة لمناجاة الله.
2. ساعة لأمر المعاش
3. ساعة لمعاشرة الإخوان الثقات الذين يعرِّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن
4. ساعة تختلون فيها للذاتكم في غير محرَّم”
7

تنظيم طعام الإنسان
•كما أرشد إلى تنظيم طعام الإنسان: إياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة و البله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالاً وسمِّ بالله8-.

التنظيم الجسدي نظافةً وجمالاً
• كما أرشد إلى النظافة الشخصية للإنسان، ففي الحديث “:خذ من شاربك وأظافرك في كل جمعة”9.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) “: إنَّ الله عزّ جل يحبّ الجمال والتجمّل، ويبغض البؤس والتباؤس فإنّ الله عزّ وجل إذا أنعم على عبد أحبّ أن يرى عليه أثرها، قيل: كيف ذلك، قال (عليه السلام): ينظِّف ثوبه، ويطيِّب ريحه، ويُجصِّص داره، ويكنِّس أفنيته”10.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” تنظفوا بكل ما استطعتم؛ فإنّ الله بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنَّة إلا كلُّ نظيف”11.

التنظيم في اللياقات
•وأرشد إلى تنظيم جلوس الإنسان في المجالس، ففي الحديث “:اجلس حيث ينتهي بك المجلس”.
•وأرشد إلى تنظيم التحية بتشريع السلام عليكم على أنّها تحيّة الإسلام. وأن يسلِّم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والمارّ على الجالس.

التنظيم في منزل الإنسان
•ودعا الإسلام إلى تنظيم أمور المنزل معطياً الأولوية في ذلك للنظافة كما تقدّم في الحديث السابق المؤكّد على تجصيص الدار بأن يجعل الجصّ بين الحجارة منعاً من اتساخ محل الفجوات وإضفاء الجمال عليها، وكذلك على كنس الدار الذي ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه “ينفي الفقر.”12 وقد أكدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) على دقّة تنظيف البيت. ويظهر هذا الأمر في الحديث النبوي “:بيت الشيطان من بيوتكم بيت العنكبوت.”13 فمن المعلوم أنّ أغلب بيوت هذه الحشرة تكون في المواضع العالية والزوايا بحيث أنّ كثيراً منها يحتاج إلى الدقّة لملاحظتها.

وفي نفس الإطار ورد عن الإمام علي (عليه السلام) “:لا تؤوا التراب خلف الباب؛ فإنه مأوى الشياطين”14.

وفي نفس السياق ورد في الحديث “:لا تبيِّتوا القمامة في بيوتكم، وأخرجوها نهاراً؛ فإنّها مقعد الشيطان”15.

التنظيم في الأماكن العامّة
وأراد الإسلام لهذا النظام أن يظهر في المجتمع العام إنطلاقاً من الحدّ الأدنى الذي عبّرت عنه القاعدة التي أرستها السُنّة النبوية “:لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”16.

فالشارع العام في الإسلام هو مشترك بين جميع الناس فلا يجوز الاضرار فيه بالمارة.

مثل: أن يوقف سيارته بحيث يسبب زحاماً في السير، فهذا حرام، وأن يرمي فيه ما يؤذي المارة، فهذا حرام، وقد يكون فيما مضى ضمان للآخرين.

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الشيء يوضع على طريق المسلمين فتمرّ الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، قال (عليه السلام) “: كل شيء يضرّ بطريق المسلمين، فصاحبه ضامن لما يصيبه”17.

وعليه فالإنسان الذي يركن سيارته في الشارع ويتركها بحيث يؤدي ذلك إلى زحام عليه ان يهيئ نفسه لأسئلة محرجة من الناس المتضررين من فعله.

وقد تتعلّق هذه الأسئلة بأمور ليست في حسبانه، وقد تدخل في إطار طلب المقابل منه والذي قد يكون حينها حسنات تؤخذ منه أو سيئات تُدفع إليه، ومن تلك الأمور:
1- صرف الوقود الزائد من عدّة سيارات بسبب سيارته الواقفة.
2- تأخر بعض الناس عن أشغالهم أو الطلاب عن مدارسهم بما يترتب على ذلك من أمور تلاحقهم وتغرّمهم.
3- إزعاج الناس بأصوات أبواق السيارات.
4- أمراض قد تتضاعف بسبب ذلك الوقوف مثل مرض الأعصاب.
5- تبعات التدافع الذي قد يحدث بسبب ذلك.

ومن جميل قيم الإسلام دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كلّ مسلم إلى الصدقة اليومية إذ قال (صلى الله عليه وآله) “:إنَّ على كلّ مسلم في كل يوم صدقة”18، وحينما سئل من يطيق ذلك، قال(صلى الله عليه وآله) “: إماطتك (أي رفعك) الأذى عن الطريق صدقة”19.

ومن تعاليم النبيّ (صلى الله عليه وآله) قائلة بالحثّ على خدمة الناس في المشتركات والأماكن العامّة بإصلاحها وتنظيفها، وممّا ورد:

– ” دخل عبد الجنّة بغصنٍ من شوك كان على طريق المسلمين، فأماطه عنه”20

– “مرَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب فقال : يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أول وهو يعذَّب، ومررت به العام وهو ليس يعذَّب فأوحى الله جل جلاله إليه : يا روح الله، قد أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل ابنه21 .

– ” من بنى على ظهر طريق مأوى عابر سبيل بعثه الله يوم القيامة على نجيب من در وجوهر ووجهه يضيء لأهل الجمع نوراً”.

– “من حفر بئراً أو حوضاً في صحراء صلّت عليه ملائكة السماء، وكان له بكل من شرب منه من إنسان أو طير أو بهيمة ألف ألف حسنة متقبلة..”22

المصادر و المراجع

المصدر: الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) سيرة وتاريخ

1- يس 37-40
2- الروم، 22-24.
3- الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث،ط1، بيروت، 2003م، ج20، ص 84.
4- الطبرسي، مشتدرك الوسائل، ج15، ص 154.
5- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج21، ص 406.
6- المصدر السابق، ص 195.
7- المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص 321.
8- المصدر السابق، ج1، ص 226.
9- الكليني، الكافي، ج6، ص 490.
10- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج5،ص 7.
11- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج4، ص 3303.
12- الشاهرودي،مستدرك سفينة البحار،ج4، ص 131.
13- الجزائري، التحفة السنية، ص 317.
14- البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج16، ص 829.
15- المصدر السابق نفسه.
16- ناصر المكارم، القواعد الفقهية، ج1، ص 43.
17- الصدّوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص 155.
18- المجلسي، بحار الأنوار، ج72، ص 50.
19- المصدر السابق نفسه.
20- المصدر السابق، ص 49.
21- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص 338.
22- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص 386.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى