الإمام الكاظم (عليه السلام) وقضية فدك

كان الإمام الكاظم (عليه السلام) قد ذكر قضية فدك في مجلس المهدي بأسلوب المطالب، ويعيد طرحها هنا لكن بإكراه وإلحاح من الحاكم، ومهما تكن الظروف المحيطة بالامام (عليه السلام) فإن المؤدّى واحداً، هو أن فدك رمز لحقّ مغتصب وخلافة مسلوبة، لأن الكاظم (عليه السلام) ذكر بلدان الخلافة العباسية عند تحديدها، ولا ريب أن صاحب الحق فيها هو (عليه السلام)، والرشيد يدرك ذلك تماماً.

 روى المؤرخون أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر (عليهما السلام): «حدّ فدكاً حتى أردها اليك، فيأبى حتى ألح عليه، فقال: لا آخذها إلاّ بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: إن حددتها لم تردها؟ قال: بحق جدك إلاّ فعلت، قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد، وقال: إيهاً، قال: والحد الثاني سمرقند، فاربدّ وجهه، والحد الثالث افريقية، فاسودّ وجهه، وقال: هيه، قال: والرابع سِيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية، قال الرشيد: فلم يبقَ لنا شيء، فتحول إلى مجلسي. قال موسى (عليه السلام): قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردها، فعند ذلك عزم على قتله».

وفي رواية: قال الرشيد: « هذا كله، هذه الدنيا! فقال: هذا كان في أيدي اليهود فأفاءه الله على رسوله بلا خيل ولا ركاب، فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة (عليها السلام)»[1].

وروي أن السبب الذي يمكن أن يضاف إلى باقي الأسباب، هو مناظرة اضطروا فيها هشام بن الحكم إلى الافصاح عن رأيه، روى ذلك الكشي عن يونس بن عبد الرحمن ذكر فيه أن يحيى بن خالد البرمكي قد وجد على هشام ابن الحكم شيئاً من طعنه على الفلاسفة، وأحب أن يغري به هارون، فذكر لهارون أن هشاماً يزعم أن لله في أرضه اماماً مفروض الطاعة، وأنه لو أمره بالخروج لخرج، فاحتال هارون بعقد مجلس جمع فيه المتكلمين، وجعل يسمع هو من وراء الستر لئلا يفطنوا به، فشحن يحيى المجلس بالمتكلمين، وكان منهم ضرار بن عمرو، وسليمان بن جرير، وعبد الله بن يزيد الاباضي، ورأس الجالوت وغيرهم، فتساءلوا فتكافّوا وتناظروا وتقاطعوا، وأخيراً تراضوا بهشام حكماً بينهم، فأتوا به فابتدءوا الكلام في فساد اختيار الناس الإمام، فسأل سليمان بن جرير هشاماً عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) مفروض الطاعة؟ فقال هشام: نعم، قال: فإن أمرك الذي بعده بالخروج بالسيف معه تفعل وتطيعه؟ فقال هشام: لا يأمرني، قال: ولم اذا كانت طاعته مفروضة عليك، وعليك أن تطيعه؟ فقال هشام: عد عن هذا فقد تبين فيه الجواب. إلى أن قال سليمان: ليس أسألك إلاّ على سبيل سلطان الجدل، ليس على الواجب انه لا يأمرك. فقال هشام: كم تحوم حول الحمى! هل هو إلاّ أن أقول لك إن أمرني فعلت، فتنقطع أقبح الانقطاع، ولا يكون عندك زيادة، وأنا أعلم بما يجب قولي، وما إليه يؤول جوابي. قال: فتغير وجه هارون وقال: قد أفصح، قال: فبلغنا أن هارون قال ليحيى: شد يدك بهذا وأصحابه، وبعث إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) فحبسه، فكان هذا سبب حبسه مع غيره من الأسباب[2]، فعاش هشام متوارياً.

ونتعلم من الإمام الكاظم (عليه السلام) درساً في الدفاع عن الحق ودفع التهم التي يلصقها أعداء الدين بالعقيدة الحقة وأهلها، لقد دفع الإمام (عليه السلام) التهم عن نفسه إلى الحد الذي أقنع رأس السلطة بخلو ساحته من أي تهمة اُلصقت به أو اُعدّت له، وعدم وجود أي نشاط مريب ضده، لكن الرشيد كان مصراً على المضي في مخططه القاضي بتصفية الإمام إلى نهايته.

روى محمد بن الزبرقان الدامغاني، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «لما أمر هارون الرشيد بحملي، دخلت عليه فسلمت ورأيته مغضباً، فرمى إليَّ بطومار فقال: اقرأه، فاذا فيه كلام، قد علم الله عزوجل براءتي منه، وفيه أن موسى بن جعفر يجبى إليه خراج الآفاق من غلاة الشيعة إلى أن قال: قلت: يا أمير المؤمنين، والذي بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ما حمل إليَّ أحد درهماً ولا ديناراً من طريق الخراج، لكنا معاشر آل أبي طالب نقبل الهدية التي أحلها الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله) في قوله: لو اهدي لي كراع لقبلت، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت. وقد علم أمير المؤمنين ضيق ما نحن فيه، وكثرة عدونا، وما منعنا السلف من الخمس الذي نطق لنا به الكتاب، فضاق بنا الأمر، وحرمت علينا الصدقة، وعوضنا الله عزوجل عنها الخمس، واضطررنا إلى قبول الهدية، وكل ذلك مما علمه أمير المؤمنين. فلما تم كلامي سكت. ثم قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لابن عمه في حديث عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) فكأنه اغتنمها، فقال: مأذون لك، هاته! فقلت: حدثني أبي، عن جدي يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله): أن الرحم اذا مست رحماً تحركت واضطربت. فإن رأيت أن تناولني يدك، فأشار بيده إليّ، ثم قال: ادن، فدنوت فصافحني وجذبني إلى نفسه ملياً، ثم فارقني وقد دمعت عيناه، فقال لي: اجلس يا موسى، فليس عليك بأس، صدقت وصدق جدك وصدق النبي (صلى الله عليه وآله)، لقد تحرك دمي، واضطربت عروقي، وأعلم أنك لحمي ودمي، وأن الذي حدثتني به صحيح»[3].

وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) أن الرشيد قال: « يا موسى، خليفتين يجبى اليهما الخراج؟! فقلت: يا أمير المؤمنين، اعيذك بالله أن تبوء بإثمي واثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت أنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما علم ذلك عندك»[4] إلى آخر الحديث المتقدم.

المصادر و المراجع

المصدر: الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) سيرة وتاريخ

[1] ربيع الأبرار / الزمخشري 1: 316، المناقب / ابن شهرآشوب 3: 434.
[2] اختيار معرفة الرجال / الطوسي 2: 530 / 477.
[3] الاختصاص: 48.
[4] عيون أخبار الرضا 1: 81 / 9.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى