مناهضة التمييز في الإسلام

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾1.

إنّه حديث إلهي عن التنوّع والتمايز الذي يريد الله تعالى من خلاله الملتقى التعارفي بين الناس من أجل تكامل الإنسانية من دون أن يؤدّي ذلك إلى التمييز بينهم، والذي ينحصر في نظرة الله تعالى في عنوان واحد هو “التقوى”.

فقد رفض الإسلام أنواعاً كانت وما زال العديد منها عنواناَ للتمييز السلبي بين الناس، وهذا ما نعرضه في العناوين الآتية:

1- التمييز بالجنس
كان الجاهليون يميّزون بين الذكر والأنثى بأبشع أنواع التمييز الذي يعبِّر عنه القرآن الكريم: “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ”2.
وكانوا انطلاقاً من هذه النظرة يقترفون أبشع أنواع الجرائم التي يعبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾3.

وكانوا يتبرأون من نسب بناتهم معبِّرين عن ذلك في أشعارهم:
بنونا بنو أبنائنا وبنو     بناتنا أبناء الرجال الأباعد

وجاء الإسلام ليرفع هذا التمييز البغيض، وليعطي القيمة المعنوية للأنثى في المجتمع، فتعبيراً عن النظرة الإلهية قال الله تعالى: ﴿اَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾4

وورد في السنّة النبوية ما يعبِّر عن قيمة الأنثى ومكانتها في حياة الأسرة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
– البنت في البيت رحمة.
– خير أولادكم البنات5.
– نعم الولد البنات المخدّرات، من كانت عنده واحدة، جعلها ستراً من النار6.
– من دخل السوق فاشترى تحفة، فحملها إلى عياله، كان كحامل الصدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور.

2- التمييز باللون
إنّه التمييز العنصري الذي عانى منه العالم قديماً وما زال يعاني منه أصحاب البشرة السوداء في كثير من بلدان العالم والكثير منها من العالم الذي يُسمّى بالأول.
وقد رفع الإسلام منذ بداية الدعوة شعار “لا فرق بين أسود وأبيض إلا بالتقوى”.
ومن المشهور في سيرة -رسول الله(صلى الله عليه وآله)- أنه جعل المؤذّن الأول، وصاحب نداء التوحيد الإلهي بلال الحبشي الأسود البشرة.
وفي كربلاء ترددت كلمة جون الأسود خارقة جدران التاريخ حينما وضع الإمام الحسين (عليه السلام) خدّه على خدّه وهو يشارف عتبة الشهادة: “من مثلي وابن رسول الله واضع خدّه على خدّي”.

قال المستشرق النمساوي (1884-1956) أوبرمان جوزيف في كتابه مهد الإسلام:
“إنّ سيرة محمد (صلى الله عليه وآله) من أشقى الأمور على الدارس أو الباحث؛ لأنَّ نبوغه من النوع المركّب الغريب، فهو بحقّ أول من أنهى التفرقة العنصرية في قول بسيط شامل “المسلم أخو المسلم”. لقد حلّ القضية بثلاث كلمات. أمّا اليوم فمشكلة العنصرية انعقدت بشأنها عشرات المؤتمرات ومئات الكتب دون جدوى، ويقيني أنّ الحلّ لن يأتي إلا في القرن القادم، ولكن محمّداً حلّها منذ ثلاثة عشر قرناً”.

3- التمييز بالموقع
اعتبر الإسلام أنّ المسؤولية عامة “كلكّم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيته”7، كما اعتبر أنَّ الموقع ليس مدعاة للتمييز الطبقي. فقد كان الرجل يأتي للقاء رسول الله، وحينما يدخل مجلسه لا يتعرّف عليه؛ لأنّه لم يكن يتمايز لا بالمجلس ولا بالثياب ولا بشيء آخر.
ومن القصص التي حصلت في إيران الإسلام بعد الثورة الإسلامية ما حدث مع الرئيس الإيراني الشهيد علي رجائي، فقد دخل إلى مكتبه الرئاسي ذات مرّة رجل مسنّ سأله هل عرفتني يا أستاذ علي، فأجابه: كلا، فقال المسنّ: أن أعرفك حينما كنت تبيع الجرائد في ذلك الشارع (وسمّاه له)، سأله الشهيد رجائي ماذا تريد؟ فقال أريد وظيفة، وإنّك الآن رئيس قادر على تحقيق ذلك لي. فأجاب الشهيد رجائي: لك عندي وظيفة في هذا المكتب. فسأله المسنّ: ما هي؟ فقال الشهيد رجائي: تأتي كلّ صباح إلى مكتبي، وتقول لي جملة ثم تنصرف إلى شأنك. سأل الرجل المسنّ عن الجملة، فردّ الشهيد الرجائي (ره): “لا تنس يا علي أنّك كنت بائع جرائد”.
وهناك مشهد جميل في صورة تجمع بين الشهيد رجائي وأحد المزارعين يقول فيه الشهيد : “أنا مثلك، كلانا يقلّد الإمام الخميني ره”.

4- التمييز بالملك
إضافة إلى إرشاداته الكثيرة كسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاجز التمييز بالمال عملياً في عدّة مواقف، منها أَمرُه بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار حيث دفع الأنصار الأغنياء نصف أموالهم إلى المهاجرين الفقراء. وكسر ذلك بأمره الأغنياء أن يزوّجوا بناتهم بالفقراء.
ومن جميل ما يُروى في التربية النبوية قصّة ذلك الغني الذي جلس قربه فقير في محضر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإذا بالغنيّ يحمل رداءه ويبعده عن الفقير، فزجره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبب ما فعله، فقال الغني مريداً تصحيح خطئه أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله): وهبته نصف مالي، لكن الفقير رفض ذلك، وحينما سئل عن رفضه، قال: أخاف إن أخذت نصف ماله أن يدخلني ما دخله.

5- التمييز بالعرق
رفع النبي (صلى الله عليه وآله) في بداية الدعوة أيضاً شعار: ” لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى”
وقد طبّق (صلى الله عليه وآله) ذلك في سلمان الفارسي حينما رفع مقامه قائلاً :”سلمان منّا أهل البيت”8.

وقد عبّر عن هذه القيمة الشعر المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام):
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه     فلا تترك التقوى اتكالاً على النسبِ
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ    وقد وضع الشركُ الشريفَ أبا لهبِ


بناءً على ما تقدّم حذّر الإسلام من احتقار أحد بناء على المظهر والموقع والعرق واللون وما شاكل.
فعن الإمام علي (عليه السلام):” إنّ الله أخفى اثنين في اثنين، أخفى أولياءه في عباده، فلا تدري حينما تلقى أيّهم وليّاً لله”.
وفي حديث آخر :”أخفى أولياءه بين عباده، فلا تحقِّرن من عباده أحداً”.
بل رسم الإمام علي (عليه السلام) قاعدة للتعامل بين الناس بتصنيفه لهم: “أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.
وقد مارس (عليه السلام) هذا الأمر في حياته، فقد كان يصاحب في سفر له أحد النصارى، وفي الطريق أخبره (عليه السلام) بوجهة سفره، لكنّ الإمام (عليه السلام) حينما وصل إلى مفترق الطريق أكمل مسيرته مع صاحبه المسيحي، فالتفت المسيحي إلى ذلك سائلاً الإمام (عليه السلام) عن سبب عدم ذهابه في الطريق التي عبراها فأجاب (عليه السلام) بأنّ من آداب الصحبة أن يشيّع الصاحب صاحبه.

وفي هذا المقام حصلت حادثة مؤثّرة مع سماحة الإمام الخامنئي دام ظلّه يرويها من صاحبه فيها، فيقول:
في صبيحة عيد الميلاد (عام 2011)، طلب القائد أن يتم ترتيب زيارته إلى منزل أحد الشهداء المسيحيين وصلنا إلى عنوان منزل أحد الشهداء الأرمن، ولكن كيف يمكننا أن نعرّف عن أنفسنا؟ لم يكن لدينا من وسيلة سوى أن نعرف عن أنفسنا بأننا من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وأننا نحضر إليهم بمناسبة عيد الميلاد لإجراء مقابلة مباشرة على الهواء.
طرقنا باب المنزل وخرجت إلينا امرأة، نادينا: يا الله، ودخلنا إلى المنزل، وقلنا للمرأة التي قامت باستقبالنا: عفوا سيدتي، سيصل بعد قليل حضرة السيد القائد؟
قالت: على رأسي، فليتفضل ثم قالت: من؟

قلت لها: السيد القائد، وما إن أعدت الاسم حتى خرت مغشيا عليها، جاءت فتاتان، حملتا السيدة إلى المطبخ لتستعيد وعيها.
وصل السيد القائد إلى باب المنزل مستغربا أين صاحب المنزل، قال نحن لا ندخل بيتا لم يأذن لنا صاحبه.
واستقبلت القائد ودعته للدخول. سأل القائد عن الوالد، فقالوا توفي، هل من أخ للعائلة: لا أخ إلا الشهيد، نعم بيت العم في المنزل المجاور.
دخل الغرفة، انهار بين أيدينا، حملناه إلى كرسي جانب السيد، بعد ترتيبات جاءت الوالدة، دعاها السيد للجلوس إلى جانبه، ثم قال لها: أمّاه! أتينا لنسمع كلامكم سألتني إحدى الفتاتين عمّا إذا كان ممكناً إحضار شيء ما لحضرة السيد ليشربه؟ لم أكن أعرف بماذا أردّ؟ لو ضيّفونا سنشرب. ثم قال السيد للشابة مباشرةً: نعم يا ابنتي! نزاحمكم بكوب شاي أو عصير، أنا لا مشكلة عندي بالشاي أو العصير. ذهبت الشابة وأحضرت شاياً وعصيراً وفاكهة.
أحضرن الشاي والعصير و الحلوى، فشرب السيد وأكل.
قال السيد طالباً: لم لا نرى صورة الشهيد؟ أحضروا صورة شهيدنا العزيز لنراها. أحضروا ألبوم الصور ووضعوه أمام حضرة السيد، مع الأسف، كان ألبوم الصور لليلة عرس الشهيد، وكل الصور فيه ثنائية يقلب صفحات الألبوم وهو يتحدّث مع الآخرين حتى انتهى إلى آخره! ثم قال: هل لديكم صورة فردية للشهيد؟
قالت الوالدة: اليوم عرفت من هو علي (عليه السلام)، حضرة السيد، بما أنكم في منزلنا، هل يمكن أن أقول لكم شيئاً؟ أجابها: تفضّلوا، جئنا لنسمع كلامكم هذه الليلة. قالت: نحن وأنتم مختلفون في الثقافة الدينية. نحن نشارك في مجالس عزائكم، لكننا، في الغالب، لا ندخل للداخل. نحن نوزّع الشراب في أيام تاسوعاء وعاشوراء، ونجلس بين جموعكم، نشرب الماء من أكواب بلاستيكية حتى لا نشكل لكم مشكلة في شرب الماء!
حضرة السيد يقولون: كان للمسلمين قائد اسمه علي عليه السلام، كفُّوا يده عن حقه في الحكم خمسة وعشرين عاماً. في تلك الأعوام كان شغله في الليل حمل الخبز والتمر على ظهره والذهاب إلى بيوت الأيتام.لم أفهم المغزى من هذا أيضاً. ولكن اليوم فهمت من كان علي عليه السلام! اليوم، بحضوركم، على رغم مشاغلكم، خصصتم وقتا لتأتوا إلى منزلي أنا التي من غير دينكم. الآن فهمت كم كان أمرا عظيماً ذهاب علي عليه السلام إلى بيوت أيتامه.

سماحة الشيخ أكرم بركات

المصادر و المراجع

1- سورة الحجرات، الآية 13.
2- سورة النحل، الآية 58-59.
3- سورة التكوير، الآية 8-9.
4- سورة آل عمران، الآية 195.
5- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج101، ص91.
6- المصدر السابق.
7- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج72، ص39.
8- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج10، 123.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى