جدليَّة عاشوراء السياسة وعاشوراء البكاء

الإمام الخميني العظيم: “إن هذا الثواب المقدر لكل مجالس العزاء، لكل مجالس التأبين الحسينية، لكل مجالس المراثي الحسينية، هو لبعدها السياسي إضافة إلى أبعادها العبادية والمعنوية والدينية”(1)

في كل عام مع إطلالة شهر محرم الحرام تثار جدلية عاشوراء السياسة وعاشوراء البكاء بالخصوص في المجتمعات التي تعيش أوضاعا سياسية مضطربة كالبحرين، فأصحاب نظرية عاشوراء السياسة يرون أن الثورة الحسينية في عمقها قضية سياسية تتعلق بمواجهة أصحاب الحق وأتباع القيم والمبادئ السامية وهم المعارضة الهاشمية الشريفة بقيادة الإمام الحسين (عليه السلام) لأصحاب الظلم وأتباع الشيطان وهم الحكم الأموي الظالم بقيادة يزيد (لعنه الله)، فما معنى أن يرفض الحسين (عليه السلام) البيعة؟ أو أن يرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة من أجل معاينة الأنصار؟ وما معنى دعوة الحسين (عليه السلام) في كل فرصة سانحة الناس لنصرته والخروج للحرب ضد يزيد؟ أليست كل هذه الأحداث والمواقف سياسية بحتة؟. وقد شكلت هذه الثورة درسا مهما لكل الإنسانية في مواجهة الظلم وإقامة العدل بما حوته من أحداث ومواقف استثنائية.

وعليه فإن إحياء هكذا حادثة بالبكاء والنحيب فقط يفرغ القضية من محتواها ويحرفها عن ما قامت لأجله، فيجب أن تستحضر مبادئ مواجهة الظلم، والثورة، وعدم الركوع أمام القوى العسكرية والسياسية الهائلة للأعداء، ومحاولة التغيير بشتى الوسائل الممكنة حتى وإن أدت لتقديم تضحيات جسيمة، بل لابد أن تذكر المواقف السياسية والأحداث المستجدة على الساحة في القصيدة والمنبر الحسيني، وتكون ذكرى عاشوراء وسيلة إعلامية ثقافية اجتماعية وميدانية لبث المعارضة لأفكارها وإقامتها لفعالياتها.

أما أصحاب نظرية عاشوراء البكاء يرون أن هذه الذكرى الأليمة هي أفجع مصيبة وقعت على أهل بيت النبوة وشكلت الجرح العميق في جسد الأمة الإسلامية، ففي هذا اليوم قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه أهله من بني هاشم، ولم يراعِ الأمويون أي حرمة أو مكانة لأهل البيت فتعرضوا لأجسادهم بالتمثيل، ولحريمهم بالسبي والإذلال والتنكيل بهم أمام الناس، لذلك فإن هذه الذكرى أحق بالبكاء والحزن وإظهار المصيبة، كما أن لسان الروايات في إحياء عاشوراء هو التأكيد على الحزن والجزع والبكاء وليس استعراض المبادئ السياسية والاجتماعية أو الثورة ضد الظالمين. والكلام هنا عن من ينظر إلى عاشوراء كمصيبة فعلية أصابت أهل البيت وليس الكلام عن من ينظر إليها كذكرى من التراث أو أنها مجرد فلكور ثقافي يحيى كل عام حاله من حال الأعياد الوطنية.

إذا أردنا تحليل هذه الجدلية فلابد أولاً أن نحدد الجهة التي ننظر من خلالها إلى القضية الحسينية، هل النظر إلى القضية الحسينية بما حوته من أحداث ومواقف؟ أم أن النظر متوجه إلى الكيفية التي تحيى بها هذه القضية؟. سأحاول في هذا المقال القصير بسط الكلام تحليلا لهذه الجدلية انطلاقا من هاتين النظرتين.

عندما نريد معرفة أبعاد القضية الحسينية هل هي سياسية أم بكائية أم غيرهما لابد من ملاحظة النوايا والمنطلقات والأهداف التي قامت عليها، فالفعل الواحد كثيرا ما قد يقال عنه تارة بأنه خير وتارة أخرى بأنه شر نظرا إلى النية التي قام عليها، على سبيل المثال عندما قتل أميرُ المؤمنين (عليه السلام) عمرو بن ود العامري وكان في نيته إخلاص وصفاء لله عز وجل وإقامة لدينه وامتثال لأمر رسوله صار فعله أي القتل خيرا، بل إن هذا الفعل بلغ من الخير أن فاق عبادة الثقلين بتصريح الرسول (صلى الله عليه وآله)، بينما عندما قتل يزيدُ بن معاوية الإمام الحسين (عليه السلام) حفاظا على العرش وإرضاء للنفس وامتثالا لأمر الشيطان صار فعله أي القتل شرا، فرغم أن الحادثتين في الخارج كانتا متشابهتين في الفعل والحدث وهو: قتل الخصم. إلا أنهما امتازتا بالوصف خيرا وشرا بالنظر إلى النوايا. وهنا نسأل في القضية الحسينية، هل كانت نوايا ومنطلقات وأهداف الإمام الحسين (عليه السلام) سياسية أم بكائية؟

وهنا نقطة أحب أن أتوسع قليلا بالكلام فيها تتعلق بفهوم السياسية، فإن هذا المفهوم كثيرا ما يقع محلا للجدل (في مجتمعاتنا المتشرعة) ويترتب عليه طرح أحكام قد تشوش المجتمع، فبينما يقول أحدهم أن الدين لا علاقة له بالسياسية، يكون رد الآخر على النقيض تماما بقوله أن السياسة هي من عمق الدين، ولعل السبب الأبرز في ذلك عدم تقديم تفسير لمفهوم السياسة يوضحه في الذهن. قولي سياسية أعني به ذلك المفهوم الذي يساوق مفهوم الدين في بعض نتائجه. فإذا ما عرفنا الدين بأنه: مجموعة الأفكار والعقائد التي تفسر واقع الكون والتي تنظم حياة الفرد والمجتمع. فإنا نخلص إلى ثلاث نتائج أساسية يفرزها الدين.

  • النتيجة الأولى: تقويم الأفكار والعقائد بتقديم تفسير صحيح لواقع الكون وهو المعبر عنه بالنظرة الكونية.
  • النتيجة الثانية: بناء النظام الاجتماعي.
  • النتيجة الثالثة: تقديم دستور حياة للفرد وهو المعبر عنه بالأصول الأخلاقية.

نلاحظ من خلال هذه النتائج الثلاث أن الدين يحاول أن يقدم بناء معرفيا كاملا للإنسان بداية من قواعده وأساساته المتمثلة بالنظرة الكونية من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟، ولا يخفى أن اختلاف النظرات الكونية بين الأفراد تؤدي إلى اختلافهم في النهاية على مستوى السلوك، لأنه على أساس هذه النظرة الكونية تتشكل إيديولوجية الإنسان التي تتجلى في الخارج على شكل سلوك اجتماعي وفردي، فتعتبر النظرة الكونية مفترق الطرق الأول في مسير حياة الإنسان والذي على أساسه تتحدد النهايات، وبما أن الدين يريد في النهاية تنظيم سلوك الفرد والمجتمع بما يحقق كمال الإنسان على الصعيدين المادي والمعنوي فلابد له أن ينطلق من البداية تماما عبر عرضه لنظرته الكونية التي تفسر واقع الكون. ثم يقدم الدين الإيديولوجية المناسبة لهذه النظرة الكونية التي ترسم طريقة عيش الإنسان على المستوى الاجتماعي والفردي بما يحقق كماله على الصعيدين المادي والمعنوي عبر تقديم نظام اجتماعي (معاملات) وأصول أخلاقية (عبادات) وهو ما يسمى بـ(التشريع).

وإذا ما عرفنا السياسة بأنها: السلوك المُنظِّم للمجتمع المنعكس عن قيم مادية ومعنوية. نصل إلى نتيجة مفادها أن السياسة تشكل جزء كبيرا من منظومة الدين، فهو يساوي النتيجة الثانية من إفرازات الدين: بناء النظام الاجتماعي. بل هو نفسها. يقول السيد الإمام الخميني: “لو أمكنكم درك مفهوم الدين في ثقافتنا الإسلامية، لتأكد لكم بوضوح عدم وجود أي تناقض بين القيادة الدينية والسياسية، بل كما أن الكفاح السياسي هو جزء من الوظائف والواجبات الدينية، فإن قيادة الكفاح السياسي وتوجيهه هو جزء من وظائف ومسؤوليات القائد الديني(2) بل حتى إن النتيجة الثالثة: الأصول الأخلاقية. تندرج تحت عنوان السياسة. يقول السيد الإمام الخميني: “إن الأحكام الأخلاقية للإسلام سياسية أيضا. فهذا الحكم الموجود في القرآن والذي يعتبر المؤمنين إخوة إنما هو حكم أخلاقي وحكم اجتماعي وسياسي(3) ويقول كذلك: “الإسلام دين السياسة، وهو الدين الذي تظهر السياسة بوضوح في أحكامه ومواقفه(4) الكلام حول الدين والسياسة والعلاقة بينهما يطول ولا يسمح المقام بالإطالة أكثر، لذلك أكتفي بهذا المقدار.

بالعودة إلى القضية الحسينية والتساؤل المطروح عن ماهية النوايا والمنطلقات والأهداف فيها، فإن أفضل مصدر لمعرفة ذلك هو بيانات الإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته، وقد اختصر (سلام الله عليه) بيان ذلك في سطر واحد “إني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا، ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(5) فبقوله إني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا، ولا ظالما، قد عرض نواياه ومنطلقاته، ويبين فضيلة الأستاذ عبدالوهاب حسين معنى ذلك في كتابه القيم قراءة في بيانات ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله: “لم أخرج أشرا، أي أنه (عليه السلام) يؤكد أن حركته قائمة على أساس الحق والعدل والفضيلة والخير … ولا بطرا، أي أنه (عليه السلام) يؤكد أن خروجه قائم على بصيرة ورؤية واضحة واعتراف كامل بكل الحقائق الدينية والفكرية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها … ولا مفسدا، أي أنه (عليه السلام) يؤكد التزامه الكامل في ثورته المباركة بالدستور الإلهي في مبادئه ومقاصده وما يضمنه للناس من الحقوق والحريات، والتزامه الكامل بالأحكام الشرعية التفصيلية(6) إذا كانت نوايا ومنطلقات الثورة الحسينية إلهية بامتياز وبعيدة عن المصالح الشخصية والمفاسد التي عادة ما تصيب الثورات المزورة.

وبقول الإمام الحسين (عليه السلام) إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. قد رسم الخطوط العريضة لأهداف ثورته، فهو يريد إسقاط النظام اليزيدي الفاسد وإقامة نظام آخر تتوزع فيه السلطة والحقوق الواجبات والعلاقات التي تنظم المجتمع بشكل شرعي عادل وفق الإيديولوجيا الإلهية التي يحملها الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذا الهدف (إزالة نظام اجتماعي ووضع آخر) هو عين السياسة، ويصبغ الثورة الحسينية بالصبغة السياسية، ويجعلنا نقول عنها بأنها حركة سياسية بخلفية إلهية. إذا عاشوراء بما هي أحداث ومواقف لا يشك بأنها ليست قضية بكائية بل إنها سياسية ومتمحضة في السياسة.

هذا من جهة القضية الحسينية كأحداث ومواقف، أما إذا غيرنا زاوية نظرنا وحولناها ناحية الإحياء للقضية الحسينية فهنا تتعمق الجدلية وتظهر بشكل أكبر. ويقع الكلام هنا في عدة نقاط:

 

النقطة الأولى: كيف يكون الإحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام)؟

إحياء قضية ما يعني بث الحياة فيها وتحويلها إلى برنامج حركي يكون له تأثيره على واقع الحياة، مما يعني إثارة هذه القضية بجميع أبعادها الدينية والسياسية والاجتماعية والإنسانية والثقافية والعاطفية على مستوى النظر وعلى مستوى التطبيق، فإحياء الشريعة المحمدية مثلا يكون بعرض واستذكار نظرياتها التي طرحتها بمختلف أبعادها وتطبيق هذه النظريات، فلو تم التركيز على بعد واحد وأهملت البقية لم يتحقق الإحياء الفعلي الكامل ولو استغني بالاستذكار عن التطبيق ما صار هذا إحياء ولم تتحقق الغاية المرجوة من ذلك.

ورد عن أبي جعفر (ع) قال: “اجتمعوا وتذاكروا تحفُّ بكم الملائكة رحم الله من أحيا أمرنا(7) يظهر من هذه الرواية أن المراد بإحياء أمرهم (عليهم السلام) يكون باستحضار واستذكار ما أُثر عنهم من معالم الدين وطريقة لتطبيق الإسلام، وبالطبع فإن الاستذكار ليس مطلوبا لنفسه إنما لتتحقق هذه المعالم والطريقة على السلوك فيما بعد، وبالطبع إن قضية عاشوراء المليئة بالدروس والعبر أحق بإحيائها في سلوك المجتمع. يقول فضيلة الأستاذ عبدالوهاب حسين: “الإحياء هو في الحقيقة مواقف وتجليات في مسيرة الأمة بقيادة خليفة الله في الأرض أو نائبه في غيبته من أجل تحقيق أهداف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)“.(8)

ولا يقتصر الإحياء على ذلك فقط أي إحياء الأبعاد القيمية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، بل إنه يشمل البعد العاطفي والإنساني كذلك عبر إقامة المجالس التي تذكر فيها مصائب وأفراح أهل البيت (عليهم السلام) بما يعود على الناس من توثيق الصلة معهم وتعزيز مكانتهم في قلوب المجتمع ليكون ذلك طريقا لأخذ الدين عنهم والتطبع بأطباعهم، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لفضيل: “تجلسون وتُحدِّثون؟ قال: نعم جُعلت فداك قال: إنَّ تلك المجالس اُحبُّها فأحيوا أمرنا، يا فضيل من ذَكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غُفر له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر“.(9)

النقطة الثانية: هل البكاء مطلوب في نفسه أم لغيره؟

بمعنى هل أن تمامية ثواب البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) مشروط بشرط آخر كالثورة على الظلم أم أن نفس البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) يكفي لحصول الثواب؟، لقد وردت مئات الروايات التي تتحدث عن البكاء على مصيبة الإمام والتي يظهر منها أن البكاء عمل عبادي مستحب في نفسه يكفي فيه حصول نية القربة إلى الله عز وجل من أجل تحقق الثواب وكما يبدو لا يوجد في لسان الروايات شروط مذكورة لتحقق ثواب البكاء. عن الريان بن شبيب، عن الرضا (عليه السلام)  ـ في حديث ـ أنه قال له: “يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السَّلام)، فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وَ قُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبِيهُونَ، وَ لَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ. يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ بَكَيْتَ عَلَى الْحُسَيْنِ (عليه السَّلام) حَتَّى تَصِيرَ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ، صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيراً“.(10)

وبما أن لسان الروايات هو التأكيد على البكاء والجزع فقط، يؤكد أنصار عاشوراء البكاء على إحياء أيام عاشوراء بالمراسم الحزينة فقط والإكثار من إظهار الحزن والجزع على مصيبة كربلاء، وفي ذات الوقت يرفضون إدخال أي مراسم سياسية أو اجتماعية في الإحياء بل إنهم يرونها مما تعكر صفو الجو العاطفي الحزين ويشنعون على من يحاول طرح مفاهيم سياسية أو حركية. وفي الحقيقة ليس هناك من يقول أن تحصيل ثواب البكاء مشروط بالثورة على الظلم إنما الحديث هو عن تحقيق الاستفادة القصوى من إحياء عاشوراء، فكما قلنا إن الإحياء لقضية ما لابد أن يكون بجميع أبعادها فكذا قضية عاشوراء لا يصح إحياء البعد العاطفي منها وإماتة الأبعاد الدينية والسياسية والاجتماعية والإنسانية والثقافية، خصوصا وأن عاشوراء كأحداث ومواقف سياسية بخلفية إلهية، فهذا شبيه بذلك التاجر الذي يستطيع أن يجني من صفقة واحدة مائة دينار، ولكنه يكتفي بعشرة دنانير فقط، فإن العقلاء لا يذمونه على أخذه العشرة دنانير، إنما يعاتبونه على تركه التسعين الأخرى، وعليه إذا كان بالإمكان تحقيق فائدة قصوى من إحياء قضية عاشوراء عبر إقامة العزاء والبكاء والثورة على الظالمين وتطبيق المفاهيم الحركية للمجتمع، كل ذلك أستفيده معا من الإحياء، فإن الاقتصار على عنصر واحد كالبكاء أمر مذموم. نعم، لا يصح كذلك أن يكون إحياء الأبعاد الأخرى على حساب البعد العاطفي خصوصا وأنه منصوص عليه، فمن غير الصحيح أن تتحول عاشوراء إلى ندوات فكرية ومؤتمرات سياسية وتموت مجالس العزاء والبكاء على الإمام الحسين (عليه السلام).

يقول الإمام الخميني العظيم: “إن الهدف من مجالس العزاء الحسيني ليس البكاء فقط على سيد الشهداء والحصول على الثواب، وإن كان يوجد مثل هذا الأجر فعلا، ولكن الهدف المهم هو الجانب السياسي الذي خطط له أئمتنا في صدر الإسلام ليبقى إلى النهاية“.(11)

النقطة الثالثة: لماذا مجالس العزاء والبكاء؟

والكلام هنا عن فلسفة مجالس العزاء والبكاء، أي ما الحكمة من هذا التشريع الاستحبابي، فإنه لكل حكم وتشريع حكمة من ورائه؛ لأننا نؤمن أن الله حكيم ومن المستحيل أن يكون فعله وتشريعه لأمر ما عبثيا من دون علة وهدف، وفي الواقع ما لم يصرح الكتاب أو المعصوم بالحكمة من تشريعٍ ما فإنه لا سبيل للجزم بحكمة التشريع لذلك الفعل، إلا أنه يمكن استشراف ذلك (لا أقله الحكمة الدنيوية) على مستوى الظن على الأقل بملاحظة الظروف الموضوعية وقت التشريع والنتائج المترتبة على ذلك التشريع، وإذا ما طبقنا ذلك على مجالس العزاء والبكاء العاشورائية واستثنينا حكمة توثيق الصلة بأهل البيت وتعزيز الانتماء لمدرستهم معنويا وسلوكيا، وحكمة الاحتفاظ بالحقائق التاريخية والمحافظة عليها من التزوير، نصل للتالي:-

  • تنظيم صفوف الشيعة: إن الأيام التي صدرت فيها هذه الروايات كانت فيها الشيعة فرقة مُحارَبة وتشكل أقلية أمام الحكم الأموي والعباسي، وكان من الصعوبة بمكان تنظيم هذه الصفوف المبعثرة، إلا أن الترغيب بالثواب العظيم لحضور مجالس العزاء والبكاء كفيل بتطميع الشيعة على الاجتماع في مكان واحد، إن هذا التنظيم استمر ليومنا هذا فبينما تعجز الدول الكبرى بكل طاقاتها وإمكاناتها عن حشد مليوني شخص في مكان واحد، يجمع الإمام الحسين (عليه السلام) أكثر من “24” مليون في مكان واحد يوم ذكرى الأربعين من دون لجان منظمة ودعاية وتحشيد.

 

  • الترويج الإعلامي والتحشيد الثوري: لا شك أن كثرة مجالس العزاء والبكاء على القضية الحسينية تدفع المخاطب الأجنبي إلى التعرف على كربلاء وبالتالي التعرف على الفكر الشيعي ورموزه من المعصومين (سلام الله عليهم) والقراءة في شخصياتهم ومناقبهم وآثارهم، خصوصا وأن قضية كعاشوراء مليئة بالقيم الفكرية والإنسانية والمشاهد العاطفية لابد أن يكون لها أثرها على شخص المتلقي، وهنا أستذكر كلاما لأحد المسيحيين يقول: “لو كان الحسين (عليه السلام) عندنا لرفعنا له فوق كل كنيسة راية ولروجنا للمسيحية باسم الحسين (عليه السلام)”، وكذلك البكاء على شخص ضحى في سبيل الله بنفسة وأولاده وعشيرته طلبا لمرضاة الله يعمل على إثارة عاطفة المخاطب الشيعي وإشعال جذوة الثورية في قلبه، فتدفعه لمواجهة الظلم والقيام ضد المستكبرين. ولأنها مرتبطة بالعاطفة التي هي أوقع في القلب وأكثر ثباتا فإن هذه الروح الثورة تبقى وتزداد إلى أن يخرج القائم من أهل البيت (عجل الله فرجه).

ختاما وبالمختصر، عاشوراء قضية سياسية ذات خلفية إلهية وإحياؤها مع تفريغها من هذه المضامين هو بخس لها وظلم صريح لقيمتها، والمطالبة بإقصاء الجانب السياسي منها هو مطالبة بإقصاء الجانب الديني منها، وإن مقتضى الإحياء الحقيقي هو تجسيد الأبعاد القيمية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية والعاطفية والمعنوية العاشورائية في سلوك المحيين.

____________

المصادر:

  • 1- النقوي، المواكب الحسينية 113
  • 2- الخميني، روح الله، صحيفة النور 4 : 167
  • 3- الخميني، روح الله، صحيفة النور 13 : 23
  • 4- الخميني، روح الله، صحيفة النور 8 : 264
  • 5- المجلسي، بحار الأنوار 44 : 329
  • 6- حسين، عبدالوهاب، قراءة في بيانات ثورة الإمام الحسين 50 – 51
  • 7- العاملي، الحر، وسائل الشيعة 12 : 22
  • 8- حسين، عبدالوهاب، قراءة في بيانات ثورة الإمام الحسين 9
  • 9- قرب الإسناد 26
  • 10- العاملي، الحر، وسائل الشيعة 14 : 502
  • 11- النقوي، المواكب الحسينية، 113 – 120

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق