الإمام الحسين (ع) .. وثقافة الموت

الإمام الحسينُ (ع).. 

وثقافة الموت

الإمام الحسين : «خُطَّ الْـمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي‏ اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ كَأَنِّي بِأَوْصَالِي يَتَقَطَّعُهَا عَسَلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاءَ فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَأَجْرِبَةً سُغْباً لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ رِضَى اللهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ …… مَنْ كَانَ فِينَا بَاذِلًا مُهْجَتَهُ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللهُ». ([1])

 

الإمام الحسين .. هو مُعلّم البشرية وأستاذها في معالم «الحياة» ومعالم «الموت»، فهو خليفة الله العظمى على الخلق.

  • تمهيد …

الإمام الحسين  هو مُعلّم البشرية وأستاذها في معالم «الحياة» ومعالم «الموت»، فهو خليفة الله العظمى على الخلق، والإنسان الكامل، والعارف الموصل إلى كل الخلائق، حقائق الدين والدنيا، وأمور المعاش والمعاد والظاهر والباطن.

ومن الدروس التي علّمها الأمامُ الحسين  البشريّة: أن ينتصر بالموت على الموت؛ وأنّ الحياة الدنيوية لاقيمةَ لها ولا تستحق أن يحيى فيها حرٌّ أَبيٌّ إذا كان الظلم هو المسيطر، والظَلَمة والمتكبرون هم الحُكّام «إِنِّي لَا أَرَى الْـمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَالْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً»([1]). وهنّا دروس ربّانيةٌ لهذه المدرسة الحسينية فيما يرجع للموت وحياة ما بعد الآخرة، بل الحياة بشكل مطلق!

الحديث عن الموت، حديثٌ عن الأمل والتخطيط الهادف والفكر الصحيح للحياة.

  • الموت في عيون أولياء الله «الجهاد في الله»

إنّ «الموت» بالنسبة لأولياء الله وعباده الصالحين لا يمثل عقبةً أو مانعاً في مسيرتهم الربانية الالهية، التي هي من الحق وفي الحق وإلى الحق، فمتى ما وجد «أولياءُ الله» أنَّ الدعوة الإلهية ورسالة السماء متوقفةٌ على «حياتهم البدنية» وتقديم الدم والفداء بكل شي، فإنّهم لايتوانون ولا يترددون في تقديم الدم والتضحيات، فهم يختارون الموت والشهادة فداء للمبادئ والقيم الربانية «إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خديني!». ([1])

وهذا «المنطق الحسيني» هو امتداد لـ «المنطق المحمدي» عندما قال جده المصطفي  متحدياً كلَّ الطواغيت في ذلك الزمان «وَاللهِ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي شِمَالِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْقَوْلَ حَتَّى أُنْفِذَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ!». ([2])

 فكان الإسلام «محمدي الوجود» «حسيني البقاء» وهكذا ما يُمكن أن نفهمه أيضا من قوله  «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْن‏».([3])

 

  • الحديثُ عن الموتِ حديثٌ عن الحياةِ!

الحديث عن الموت وحقيقتة وأنواعه وأقسامه و… إلخ، هو في الواقع بالنظرة العميقة: حديث عن الحياة، الحياةِ كلِّ الحياةِ، حياةُ الدنيا وحياةُ الآخرة!

 فـ «الموت» ليس بهلاكٍ وانعدامٍ، ولا هو نهايةُ الحياةِ! بل الموتُ قنطرةٌ وجسرٌ وسببٌ ومعبرٌ للإنتقالِ من حياة إلى حياة أُخرى «من حياة ضيقة إلى حياة واسعة»..

وبين الحياتين ارتباطٌ وثيق فـ «الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَة» وكما يقول أمير المؤمنين  «تَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحُوزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً وَخُذُوا مِنَ الْفَنَاءِ لِلْبَقَاء». ([4])

 والحديث عن الموت حديثٌ عن الأمل والتخطيط الهادف والفكر الصحيح للحياة، حياةٌ تتجاوز المادّيات والنظرة القشرية، نظرة تخترق الحسَّ وتغورُ في الأعماقِ لتُدرك – بلباب الأفكار- حقيقة الحياة بمعناها الواسع!!

إنّ حقيقةَ حياة الإنسان في الدنيا ستظهرُ في العالم الآخر وما يكسبه الإنسانُ في يومِه سيَرى نتائِجه في آخرته، إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ ([5]) . فهناك تناغمٌ كبيرٌ بين العالمين، بل وعلّيةٌ ومعلوليةٌ بينهما ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ٭﴾([6]):

 فمن يُعمِّر دُنياهُ بالإيمان والعمل الصالح، فإنَّ الموتَ يكون له أحلى من العسل، ويوم قدومه هو أحلى الأيام، كيف لا وهو يوم الخروج من السّجن إلى القصر، ومن الضيق إلى السعة، ومن الخراب إلى العمار، ويأتي النداء لها يوم وداع الدُنيا ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْـمُطْمَئِنَّةُ ٭ ارْجِعي‏ إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ٭ فَادْخُلي‏ في‏ عِبادي ٭ وَادْخُلي‏ جَنَّتي‏ ٭﴾([7])

وأمّا من أفسد دنياه بالذنوب والمعاصي واعوجاج الفكر والكفر والشرك، فإن الموت بالنسبة له أمر مخوف ومقلق!! فكما قَالَ رسول الله : «كَمَا تَعِيشُونَ تَمُوتُونَ وَكَمَا تَمُوتُونَ تُبْعَثُونَ وَكَمَا تُبْعَثُونَ تُحْشَرُون‏».([8])

هناك موتان: موتُ الشخص وموتُ الشخصية، وقد يكون «موتُ الشخصية» أصعب وأمرّ من «موت الشخص».

  • تربية المجتمع على ثقافة الموت

 إنّ غرس ثقافة الموت في المجتمع بالشكل الصحيح، وكما يطرحه الإسلام، هو في الواقع تربيةٌ للمجتمع على القيم والمبادئ والفضيلة، دعوة للمجتمع بأن يعيش كما خلقه الله تعالى.

والبشرية بثقافة الموت وحب السفر لذلك العالم، والاستعداد والجهوزية له يجعل المجتمع يعيش الحياة الهانئة السعيدة ولا يُتصوّر أنّ تربية المجتمع بغرس ثقافة الموت فيه يسبب تخديره وكسله وتخلفه وعزلته، بل الموت – بالمعنى الصحيح – سببٌ للرّقيّ والحركة والتطور والإبداع والتقدم .

 

  • موت الشخص وموت الشخصية.

 هناك موتان: موتُ الشخص وموتُ الشخصية، وقد يكون «موتُ الشخصية» أصعب وأمرّ من «موت الشخص»؛ لأن هوية الإنسان في روحه لا في بدنه، وفي شخصيته لا في شخصه، في ما تحمله روحه من قيم ومبادئ وأخلاق ومعارف، فإذا تحطّمت كلُّ هذه الأمور المعنوية – إمّا بنفسه أو بسوء اختياره أو باستهداف الاخرين له- فعندها لن تكون هناك فائدة من بقائه «كـ» شخص لا «شخصية» له ؟!!

 

  • الأمة والأجل.

كما أنّ لـ «الفرد» أجلاً، فإنّ لـ «المجتمع» أجلاً أيضاً، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون‏﴾.([11])

وهناك عواملُ لـ «حياة» الأمم والمجتمعات والشعوب، متى ما أخذت بها ارتقت وتكاملت، وهناك عواملُ لـ «موت» وهلاك المجتمعات والشعوب، سواءً كان موتاً ماديّاً أو معنوياً، فكريّاً أو خلقياً أو سلوكاً عملياً، وعظمة الأمم والشعوب بـ «روحها» وما تملكه وتحمله من قيمٍ وفكرٍ ومبادئ، لا أن عظمة الأمم بالحياة المدنية الظاهريّة من توسع البناء وارتفاعه ومن كثرة وسائل الترفيه، فكل هذه الأمور لا تقاس بـها «روح الأمة وشخصية الشعوب».

 

  • حب الموتِ نتيجة حبِّ الله.

 إن الذي يأنس بذكر الله تعالى فكراً وقولاً وعملاً، ويكون كل همّه وشغله في نهاره وليله، في قيامه وقعوده هو المحبوب الأول، ومنبع كل حب، فمثل هذه الروح تحمل الوله والعشق لـ «لقاء المحبوب»، فإنها تجد «الموت» وسيلة لتحقق هذه الأمنية.. َقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : «وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُب».([12])

 

  • ذكر الموت على الدوام

 إنّ الإمام الحسين  يختصر في بضع كلماتٍ «حقيقة الدنيا»، وحال من يتعلق بها وينجذب إليها.. ثم تُرديه صريعاً قتيلاً في حبائلها وغرورها.. والحل هو ذكر الموت وذكر هادم اللذات ومفرّق الجماعات، ذكر المصير الذي لا بدّ منه، إنّه فراق الدنيا وزوال من فيها ومن عليها، ومصير الكل إليه، فإمّا إلى «الجنّة» وإمّا إلى «النّار»!

نستشعر هذه الحقيقة على الدوام، وأنّه لابد من الرحيل والسفر! وإلى أين؟ إلى قبر مظلم، ضيق، موحش، مخيف، ضجيع حجر ومدر.. ولا أحد معك إلا عملك!

 

  • القيادات الربانية .. وسفر الآخرة.

 والقيادات السياسية والاجتماعية، لابد أن لا تغفل عن التذكير بهذا المصير وهذا السفر، بل لابد أن تجعله محوراً في خطاباتها ومقالاتها وخطط أعمالها، فالقيادات تأخذ بأيدي الناس لله تعالى، وتجعلهم يعشقون العبودية لخالفها وسيدها، ويعدون الجماهير ليوم المعاد، وفراق الدنيا، وللأهوال العظام، فلابد أن تُفتح بصيرةُ المجاهدِ على عالم الآخرة، على ذلك العالم الذي تعيش فيها الحياة الحقة، الطويلة، الأبدية الخالدة التي لا انقطاع لها.

نعم، لابد من التذكير بآيات وروايات الموت والمعاد والقبر وأهوال يوم القيامة؛ حتى نتذكّر تلك الحقيقة الغائبة، واليقين المشكوك، المصدق به، المكذب به!!

 لابد من تذكّره على الدوام وعدم نسيانه والغفلة عنه، وكيف ننسى من لا ينسانا، وكيف نهرب عن من يطلبنا!!

 

  • القاسم بن الحسن … وحبُّ الشهادة

 وهكذا كانت كربلاء، مصارعُ العشّاقِ، وموعد اللقاء، وهكذا كان حال الأنصار، حتى الأطفال، كالقاسم  ؛ الذي كان يرى الموت في إمامه أحلى من العسل!!

__________

  • المصادر:
  • [1].  بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏44، ص: 366، كتاب الملهوف ص 52 و 53.
  • [2].  بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏44، ص: 192، تحف العقول، النص، ص: 245.
  • [3].  هذا القول على لسان الإمام الحسين  وليس له ، وإنما هو بيت من قصيدة مشهورة تتكون من (٦٢) بيتاً للمرحوم الخطيب الشيخ محسن ابو الحب الملقب بـ( الكبير ) .
  • [4].  بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏9، ص: 143.
  • [5].  بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏43، ص: 261.
  • [6].  تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، ص: 149.
  • [7].  عن  الرِّضَا : « ……مَا عَمِلَ أَحَدٌ عَمَلًا إِلَّا رَدَّاهُ اللهُ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَ إِنْ شَرّاً فَشَرٌّ.» الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 294.
  • [8].  الزلزلة: 7 و8.
  • [9].  الفجر.
  • [10].  عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج‏4، ص: 72.
  • [11].  الأعراف: 34.
  • [12].  الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏8، ص: 80، بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏27، ص: 95.

سلسلة محاضرات "التغيير في سبيل الله"

محاضرة القاها سماحة الشيخ زهير عاشور في سجن جو المركزي (8 محرم 1436 هـ)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق