نقطة التحول العظمى

الكاتب: كامل الهاشمي

عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع): (إن رجلا في بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة ثم قرب قربانا فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما أتيت إلا منك وما الذنب إلا لك، قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه ذمك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة).

نقطة التحول العظمى في حياة كل منا هي اللحظة التي يقلع فيها الإنسان عن البحث عن شماعة يعلّق عليها أياً من أخطائه وتقصيراته، ويتوجه إلى نفسه فيحمّلها مسؤولية ما هو عليه، وحينئذ يصبح الإنسان نقطة الارتكاز في عملية التغيير الشامل، ويكون هو بنفسه نقطة التحول في حياة كل المحيطين به، وفي وجود كل من يرتبط به.

فنحن دائما ما نسلك في بداية حياتنا الطرق الخاطئة لتغيير الواقع السيء من حولنا إلى واقع أفضل، ونبقى نطرق أبوابا مختلفة ومتعددة في محاولة الانتقال من ما نحن عليه إلى ما نحنّ إليه، ولكن دون جدوى، إلى أن نكتشف في نهاية الأمر وبعد أن أوشكنا على اليأس والقنوط أن الله قد هدانا إلى الصراط المستقيم، وبتنا نعي وندرك أن المشكلة فينا، وأن مفتاح الحل بأيدينا، ومن ذا قال صادق أئمة أهل البيت جعفر بن محمد (ع): (واجعل نفسك عدوا تجاهدها وعارية تردها، فإنك قد جعلت طبيب نفسك، وعُرِّفت آية الصحة وبيِّن لك الداء ودللت على الدواء، فانظر قيامك على نفسك). فكل ما يجري في العالم من حولك سببه أنت، لأنه (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة..) [لقمان 28]، فكن أنت هذه النفس الواحدة الكلية، وستشعر أن كل النفوس البشرية الأخرى إنما هي قطرات من بحر محيطك الواسع والممتد إلى ما لا نهاية، فأنت الكون وأنت السماء بنجومها وكواكبها وشموسها وأقمارها، وأنت الأرض بمحيطاتها وبحورها وبصحاريها المقفرة وغاباتها الممطرة، وبنباتاتها وأشجارها وصخورها ورمالها، وحينها ستدرك أنك بنفسك جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، وستدرك أيضا ثمرة ومعنى دعائك فيما سبق: (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) [الفرقان 74].

وستدرك حينها أيضا أنك تتوفر على (نفس) واحدة من هذه النفوس البشرية، التي إن أمتّها وقتلتها فقد أمتّ وقتلت الناس جميعا، وإن أحييتها وزكيتها فقد أحييت وزكيت الناس جميعا، وليس أمامك إلا أحد هذين الطريقين، وهو المعنى العميق والباطن لظاهر قوله تعالى بعد سرد قصة قتل قابيل لأخيه هابيل: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا..) [المائدة 32].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى