دعوى ردة أهل البحرين في الميزان

المقدمة

بعد أن التحق النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى (سبحانه وتعالى) تصدّعت الأمّة الإسلامية بإقصاء الخليفة الشرعي للمسلمين ألا وهو أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن منصب الخلافة الذي نصبه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأمر من السماء.

روى الطبري في تاريخه: “لما مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفصل أسامة، ارتدت العرب عوام أو خواص، وتوحى(1) مسيلمة وطليحة، فاستغلظ أمرهما، واجتمع على طليحة عوام طيىء وأسد، وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الأفـنـاء فـبـايـعـوه، وقـدمت هـوازن رجـلاً وأخرت رجلاً أمسكوا الصدقة إلا ما كان من ثقيف ولفها، فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والأعجاز، وارتدت خواص من بنى سليم وكذلك سائر الناس بكل مكان”(2).

وجاء في وفيات الأعيان لابن خلكان: “وأما مسيلمة وطليحة فإن أمرهما استغلظ واجتمع على طليحة عوام طييء وأسد وغطفان وارتدت قبائل العرب إلا قيساً وثقيفاً، ومنعوا الزكاة فأشار الناس على أبي بكر بـأخـذ الـعرب بالصلاة ومسـامحتهم فـي الـزكاة، فـقال والله لـو منعـوني عقالاً أو عناقاً مما كانوا يؤدون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقاتلتهم على ذلك”(3).

إن المتتبع والمتأمل في النصوص التاريخيّة لا بد له أن يفرق بين طائفتين أمر الخليفة الأول بمحاربتهما.

الطائفة الأولى: أهل الردة كمسيلمة الكذّاب وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وسجاح اليربوعية.

الطائفة الثانية: مانعوا الزكاة وممسكوا الصدقة كقبيلة بني يربوع من بني تميم ومالك بن نويرة وقبيلة بني كندة.

وإن جعلهما مؤيدوا السقيفة طائفة واحدة، خلطاً منهم للأوراق وتزويراً للحقائق وتبريراً لقتال مَن رفض الإقرار بخلافة الخليفة الأول ولزوم مبايعته.

فالطائفة الأولى جحدت الرسالة وتركت الصلاة وكفرت بعد إسلامها وجيشت الجيوش لمحاربة الإسلام.

بينما الطائفة الثانية بقت على صلاتها لقبلة المسلمين وأقرت بالإسلام، إلا أنها امتنعت من إعطاء الزكاة لأبي بكر وأبت إلا أن تسلمه للخليفة الشرعي الذي نصبه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصريح حديث الغدير وغيره.

وقد وفرت حركات الردة المناخ الملائم للإقدام على تصفية الخصوم والمناوئين لسقيفة بني ساعدة، الذين رفضوا ما فرضته تلك السقيفة على الواقع الإسلامي من خلال تنصيب أبي بكر وتتويجه كخليفة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) من بعده.

وعلى هذا الأساس نرى بأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد ميّز بين الطائفتين من خلال التفريق في الدوافع ومن ثم التفريق في كيفية المواجهة، فقد نصح عمر بن الخطاب أبا بكر بأن يُعرض عن فكرة المواجهة المسلحة مع مانعي الزكاة، إلا أنه لم يفلح في ذلك، لأن الهمّ الأكبر للخليفة الأول كان يتمثل في استتباب خلافته ووئد أي تمرد يضر بإمرة المسلمين.

جاء في كتاب الردة للواقدي على لسان أبي بكر وهو يخاطب عمر بن الخطاب: “وَأَمَّا مَنِ ارْتَدَّتْ مِنْ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لا يُصَلِّي وَقَدْ كَفَرَ بِالصَّلاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَقَدْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَلا وَاللَّهِ يَا أَبَا حَفْصٍ مَا أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ لأَنَّهُمَا مَقْرُونَتَانِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَوْ أَغْمَضْتَ وَتَجَافَيْتَ عَنْ زَكَاةِ هَؤُلاءِ الْعَرَبِ فِي عَامِكَ هَذَا وَرَفَقْتَ بِهِمْ، لَرَجَوْتُ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله) كَانَ يَقُولُ: ” أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ”(4).

وقد أشار إلى هذا التفريق أيضا شيخ الطائفة في مبسوطه، حيث قال: “أهل الردة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضربان:

منهم: قوم كفروا بعد إسلامهم، مثل مسيلمة، وطليحة، والعنسي وأصحابهم، وكانوا مرتدين بالخروج من الملة بلا خلاف.

الضرب الثاني: قوم منعوا الزكاة مع مقامهم على الإسلام وتمسكهم به، فسموا كلهم أهل الردة، وهؤلاء ليسوا أهل ردة عندنا وعند الأكثر”(5).

أهل الردة

الذين ادعو النبوة وجمعوا الجيوش لحرب المسلمين، من قبيل:

1- الأسود العنسي.

2- طليحة بن خويلد.

3- مسيلمة الكذاب.

وردة هؤلاء إنما كانت في فترة حياة النبي (صلّى الله عليه وآله)(6).

قال الطبري في تاريخه: “وقع بنا الخبر بوجع النبي (صلّى الله عليه وآله) ثم بلغنا أن مسيلمة قد غلب على اليمامة، وأن الأسود قد غلب على اليمن، فلم يلبث إلا قليلاً حتى ادعى طليحة النبوة وعسكر بسميراء، واتبعه العوام واستكثف أمره”(7).

وقد سيّر الخليفة الأول الجيوش لقتال هؤلاء المتنبئين من أهل الردة، فأما الأسود بن كعب العنسي فإنه غلب على صنعاء ونجران، فكتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمر بقتله فقتله فيروز الديلمي في منزله، وجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخبر بقتله من السماء، فأخبر به أصحابه، ثم وصل المخبر بقتله إلى المدينة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وقيل إنه قُتل في خلافة أبي بكر(8).

وأما مسيلمة الكذاب واسمه ثمامة بن حبيب، فقد قتله وحشي قاتل الحمزة عم النبي (صلّى الله عليه وآله)(9).

وأما طليحة بن خويلد، فقد انهزم حتى لحق بالشام، وقتل من أصحابه جمع كبير ثم أسلم طليحة بعد ذلك لما بلغه عن أسد وغطفان، ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر، ثم أتى عمر فبايعه، ورجع إلى ديار قومه(10).

مانعوا الزكاة

وهم الذين أمسكوا الصدقة بعد أن صعدت روح النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى بارئها (عزَّ وجلَّ) ولم يرتدوا عن الإسلام، بل أقروا به وأقاموا الصلاة، كقبيلة بني كندة وبني تميم.

فكان من أمر بني تميم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) توفى وقد فرق فيهم، وجعل مالك بن نويرة على بني يربوع(11).

فلما توفي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمسك مالك وقومه الصدقة، حتى يستبين الرأي في خلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلما جاء الرأي على خلاف بيعة الغدير، امتنع مالك عن إعطاء الزكاة لغير من نصبه النبي (صلّى الله عليه وآله) فلذا توسط خالد بن الوليد أرض البطاح، قاصداً محاربة بني اليربوع وقتل مالك ابن نويرة، مستفيداً من غطاء محاربة أهل الردة لمحاربة من رفض بيعة الخليفة الأول ومن ثم الامتناع عن إعطاء الزكاة، لكي يحول دون انتشار حركات المعارضة للخليفة الأول(12).

قال ابن الأعثم في الفتوح: “وبالبطاح يومئذٍ رجل من أشراف بني تميم يقال له: الجفول، لأنه جفل إبل الصدقة ومنع الزكاة وجعل يقول لقومه: يا بني تميم إنكم قد علمتم بأن محمد بن عبدالله قد كان جعلني على صدقاتكم قبل موته، وقد هلك محمد ومضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به.

فلما بلغ كلامه أبا بكر والمسلمين فازدادوا عليه حنقاً وغيظاً، وأما خالد بن الوليد فإنه حلف وعاهد الله (عزَّ وجلَّ) لئن قدر عليه ليقتلنه وليجعلن رأسه أثفية للقدور. قال: ثم ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم، وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة. قال: فوقعت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة فإذا هو في حائط له ومعه امرأته وجماعة من بني عمه، قال: فلم يرع مالك إلا والخيل قد أحدقت به، فأخذوه أسيراً وأخذوا امرأته معه وكانت بها مسحة من جمال. قال: وأخذوا كل من كان من بني عمه فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى أوقفوا بين يديه. قال: فأمر خالد بضرب أعناق بني عمه بديَاً. قال: فقال القوم: إنا مسلمون فعلى ماذا تأمر بقتلنا؟ قال خالد: والله  لأقتلنكم، فقال له شيخ منهم: أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلى إلى القبلة؟ فقال خالد: بلى قد أمرنا بذلك، ولكنكم لم تصلوا ساعة قط، قال: فوثب أبو قتادة إلى خالد بن الوليد فقال: أشهد أنك لا سبيل لك عليهم، قال خالد: وكيف ذلك؟ قال: لأني كنت في السرية التي قد وافتهم فلما نظروا إلينا قالوا: من أين أنتم؟ قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، ثم أذّنا وصلينا فصلوا معنا، فقال خالد: صدقت يا أبا قتادة إن كانوا قد صلوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم، ولا بد من قتلهم. قال: فرفع شيخ منهم صوته وتكلم، فلم يلتفت خالد إليه وإلى مقالته، فقدمهم فضرب أعناقهم عن آخرهم. قال: وكان أبو قتادة قد عاهد الله أنه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهداً أبداً بعد ذلك اليوم. قال: ثم قدم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم أصلّي إلى القبلة؟ فقال له خالد: لو كنت مسلماً لما منعت الزكاة ولا أمرت قومك بمنعها، والله ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك. قال: فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها ثم قال: يا خالد بهذه قتلتني؟ فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن دين الإسلام وجفلك لإبل الصدقة وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. قال: ثم قدمه خالد فضرب عنقه صبراً. ويقال إن خالد بن الوليد تزوج بامرأة مالك ودخل بها، وعلى ذلك أجمع أهل العلم”(13).

وفي سبب حنق الخليفة الأول عليه وقتل خالد بن الوليد له جاء في بحار الأنوار أنه لما توفي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورجع بنو تميم إلى المدينة ومعهم مالك بن نويرة، فخرج لينظر من قام مقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فدخل يوم الجمعة -وأبو بكر على المنبر يخطب الناس- فنظر إليه وقالوا: أخو تيم؟.

قالوا: نعم. قال: ما فعل وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أمرني بموالاته؟ قالوا: يا أعرابي الأمر يحدث بعد الأمر الآخر. قال: تالله ما حدث شيء، وإنكم لخنتم الله ورسوله، ثم تقدم إلى أبي بكر وقال له: من أرقاك هذا المنبر ووصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس؟! فقال أبو بكر: أخرجوا الأعرابي البوال على عقيبه من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)!

فقام إليه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد فلم يزالا يلكزان عنقه حتى أخرجاه، فركب راحلته وأنشأ يقول شعراً:

أطـعنا رسـول الله ما كــان بيننـا

فـيا قـوم مـا شـأني وشأن أبي بكر

إذا مات بكر قام عمرو أمامه

فتلك – وبيت الله – قاصمة الظهر

يذب  ويغشاه العشـار كـأنمـا

يجاهد جما  أو يقوم على قبر

فلـو طـاف فينا من قريش عصابة

أقـمـنا ولو كان القيام على جمـر

قال: فلما استتم الأمر لأبي بكر وجّه خالد بن الوليد وقال له: قد علمت ما قال على رؤوس الأشهاد، لست آمن أن يفتق علينا فتقاً لا يلتأم، فاقتله، فحين أتاه خالد ركب جواده وكان فارساً يعد بألف فارس، فخاف خالد منه فآمنه وأعطاه المواثيق، ثم غدر به بعد أن ألقى سلاحه فقتله، وعرس بامرأته في ليلته، وجعل رأسه في قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه لامرأته(14).

والعجب كلُّ العجب في ردة الفعل المتباينة من الخليفة الأول والخليفة الثاني في كيفية التعامل مع خالد بن الوليد بعد هذه الجريمة الشنيعة التي يندى لها الجبين، بعد أن شهد أبو قتادة الأنصاري والخليفة الثاني بل والخليفة الأول على إسلام مالك بن نويرة حين مقتله، فلذا أقدم الخليفة الأول على دفع دية مالك بن نويرة من بيت مال المسلمين.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: “لما قتل خالد مالك بن نويرة ونكح امرأته، كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري، فركب فرسه، والتحق بأبي بكر، وحلف ألا يسير في جيش تحت لواء خالد أبداً، فقصّ على أبي بكر القصة، فقال أبو بكر: لقد فتنت الغنائم العرب، وترك خالد ما أمرته، فقال عمر: إن عليك أن تقيده بمالك، فسكت أبو بكر، وقدم خالد فدخل المسجد وعليه ثياب قد صدئت من الحديد، وفي عمامته ثلاثة أسهم، فلما رآه عمر قال: أرياء يا عدو الله! عدوت على رجل من المسلمين فقتلته، ونكحت امرأته، أما والله إن أمكنني الله منك لأرجمنك، ثم تناول الأسهم من عمامته فكسرها، وخالد ساكت لا يرد عليه، ظناً أن ذلك عن أمر أبي بكر ورأيه، فلما دخل إلى أبي بكر وحدّثه، صدّقه فيما حكاه وقبل عذره. فكان عمر يحرض أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه بدم مالك، فقال أبو بكر: إيهٍ يا عمر! ما هو بأول من أخطأ، فارفع لسانك عنه، ثم ودى مالكاً من بيت مال المسلمين”(15).

وقال أيضاً: “لما صالح خالد أهل اليمامة وكتب بينه وبينهم كتاب الصلح، وتزوج ابنة مجاعة بن مرارة الحنفي، وصل إليه كتاب أبي بكر: لعمري يا بن أم خالد، إنك لفارغ حتى تزوج النساء، وحول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد… في كلام أغلظ له فيه، فقال خالد: هذا الكتاب ليس من عمل أبي بكر، هذا عمل الأعيسر يعنى عمر”(16).

أهل البحرين والردة

البحرين الكبرى هي اسم جامع لبلاد واسعة على ساحل البحر الواقع بين جزيرة العرب وبلاد فارس. وقيل: هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين، وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة. وقال أبو عبيدة: البحرين هي الخطّ والقطيف والآرة وهجر وبينونة والزارة وجواثا والسّابور ودارين والغابة، وقصبة هجر هي الصّفا والمشقر(17).

فالبحرين إذن كانت قديماً تُطلَق على ما يعمّ الأحساء ويقال لها الحسا وهي هجر، ويعم القطيف وهي الخط، ويعم أوال -التي هي اليوم البحرين- وبهذا يكون اسم البحرين في هذا العصر قد اختُصر بأوال.

وتعددت الأقوال في سبب تسميتها بالبحرين، فقد قيل إنّ سبب ذلك يرجع إلى وجود ينابيع طبيعية حلوة تتفجر في قاع الخليج، فينبثق منها الماء العذب وسط المياه البحرية المالحة. وقيل إنها سميت بالبحرين لأنّها كانت تقع على شاطئ بحرين وهما بحر عمان، والبحر الفارسي(18).

ومن مفاخر بلاد البحرين هو ما ينقله المؤرخون في موضوع صلة البحرين بالإسلام، فقد كان أهلها من أوائل المصغين لصوت الإسلام، وأوائل المستجيبين لتلك الدعوة عن اختيار وطواعية، قبل أن تسلم المناطق القريبة من المدينة المنورة بما فيها مكة نفسها، وقبائل وسط الجزيرة العربية.

ففي السنة السادسة للَّهجرة كانت البشارة تزف إلى أهالي البحرين على يد موفد من رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) إلى والي البحرين العلاء بن عبد اللَّه الحضرمي، وكان يحمل رسالة خطية من الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى والي البحرين المنذر بن ساوى وهذا نصها: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا هو أما بعد: فإني أدعوك إلى الإسلام فأسلم تسلم، وأسلم يجعل لك اللَّه ما تحت يديك، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الحق والحافر. محمد رسول اللَّه»(19).

وبعدها توجه العلاء إلى المنذر قائلاً: يا منذر: إنك عظيم العقل في الدنيا فلا يصغرن بك في الآخرة، إن المجوسية شرّ دين ينكح فيها ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره من أكله، وتعبدون في الدنيا ناراً تأكلكم يوم القيامة، ولست بعديم العقل والرأي، فانظر هل ينبغي بمن لا يكذب في الدنيا أن لا نصّدقه ولمن لا يخون أن لا نأتمنه ولمن لا يخالف أن لا نثق به، فإن كان هذا هكذا فهذا هو النبي الأميّ الذي واللَّه لا يستطيع ذو عقل أن يقول ليت ما أمر به نهى عنه أو ما نهى عنه أمر به.

فقال المنذر: قد نظرت في هذا الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنيّة الحياة وراحة الموت، ولقد تعجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرّده، وأن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله.

فأسلم المنذر، كما أسلم العرب كلهم وبعض الفرس، ثم بعث المنذر برسالة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) بشأن المجوس واليهود الذين أبوا الدخول في الإسلام وقال: أما بعد، يا رسول اللَّه، فإني قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث يا رسول اللَّه في ذلك أمرك فرد رسول اللَّه عليه في كتاب بعثه إليه: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك فإنّي أحمد اللَّه الذي لا إله إلا هو وأنه من ينصح نفسه ومن يطع رسلي فقد أطاعني ومن نصحهم فقد نصح لي، وأنّ رسلي قد اثبتوا عليك خيراً، وأني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وأنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على مجوسيته أو يهوديته فعليه الجزية»(20) فصالح العلاء اليهود والنصارى والمجوس على جزية وهي نصف غلاتها، وقيل عن كل حالم دينار(21).

إذن فصلة البحرين بالإسلام قديمة، وكانت ثاني منطقة تدخل الإسلام بعد المدينة المنورة، وقد أقيمت في مسجد جواثا بالبحرين ثاني جمعة في الإسلام، بعد الجمعة التي أقيمت في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله)(22).

وقد كان لاستجابة أهل البحرين للدعوة الإسلامية طوعا وقع خاص ومعنى بليغ أعظمه وأكبره رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) في عدة أحاديث، منها: عن نافع العبدي أن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) قال: «أسلمت عبد القيس طوعاً وأسلم الناس كرهاً فبارك اللَّه لي في عبد القيس»(23).

وهناك روايات أخرى توضح تقدير رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) لبني عبد القيس منها قوله: «خير أهل المشرق عبد القيس»، وقوله: «أنا حجيج من ظلم عبد القيس»، وقوله أيضاً: «اللَّهم اغفر لعبد القيس ثلاثاً»(24).

وعبد القيس هي القبيلة التي ينحدر عنها أهل البحرين، حيث إن البحرين قديماً كانت تتمثل في قبيلتين(25):

– قبيلة بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، من أشهر قبائل ربيعة، وقد اعتنق قسم منها النصرانية، وكانت ديار بكر بن وائل في اليمامة غرباً إلى البحرين شرقاً، ومن البحرين وأسياف البحر جنوباً إلى الأبلَّة في البصرة، ثم امتدَّت إلى هيت شمالاً، ثم توغلت داخل العراق في أعالي دجلة شمالاً إلى ما يعرف اليوم بديار بكر في تركيا.

– قبيلة عبد القيس بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهي قبيلة عظيمة من العدنانية، كانت مواطنهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين.

أما قبيلة تميم فهي تنتسب إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وقد استقرت في البحرين في زمن الجاهلية، ثم تفرقت في الحواضر ولم تبق منها باقية(26).

وقد اقترنت البحرين بقبيلة عبد القيس أكثر من اقترانها بالقبائل الأخرى التي سكنت البحرين، نظرا لكثرة عدد قبيلة عبد القيس وانتشارها في أنحاء مختلفة من البحرين وتأثيرها الواضح في واقع البحرين في تلك الحقبة(27).

أما تشيع أهل البحرين وولاؤهم لآل بيت النبوة (عليهم السلام) وإيمانهم بأحقيّة الإمام علي (عليه السلام) في الخلافة، فقد كان في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)، ويعود ذلك إلى السنة التاسعة للَّهجرة، حيث عزل رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) العلاء الحضرمي عن ولاية البحرين، وتولى مكانه أبان بن سعيد بن العاصّ الأموي القرشي، وكان من أولياء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته، ومما يؤيد تشيعه ما ذكره ابن الأثير في أسد الغابة، حيث قال: وكان أبان أحد من تخلف عن بيعة أبى بكر لينظر ما يصنع بنو هاشم فلما بايعوه بايع(28).

وبعد أن قبض النبي (صلّى الله عليه وآله) فارق أبان البحرين، ورجع إلى المدينة فأراد أبو بكر أن يرده إليها، فقال: لا أعمل لأحد بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(29) ولعله أول غارس لشجرة الولاء فيها(30).

وتعاقب على المنطقة ولاة آخرون في زمن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان، أمثال العلاء الحضرمي وعثمان بن أبي العاص الثقفي وقدامة بن مظعون وربيع بن زياد الحارثي.

وفي عهد الإمام علي (عليه السلام) تولى عمر بن أبي قتادة المخزومي وهو ابن أم سلمة زوجة رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، وقد تربى عمر في بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وكان معروفاً بولائه لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولعل في ذلك انعكاس اجتماعي وفكري على ولايته للبحرين، فترعرعت غرسة التشيع التي زرعها أبان، وتحولت المنطقة تدريجياً إلى منطقة شيعية دان فيها سكانها بالولاء لأهل البيت (عليهم السلام).

ولكن ما لبث أن عزل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عمر بن أبي قتادة، واستعمل مكانه نعمان بن عجلان الزرقي.

وقد بعث الإمام علي (عليه السلام) رسالة إلى عمر جاء فيها: «أما بعد فإني قد وليت نعمان بن عجلان الزرقي على البحرين ونزعت يدك بلا ذمًّ لك ولا تثريب عليك، فلقد أحسنت الولاية وأديت الأمانة فأقبل غير ظنين ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم، فلقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام وأحببت أن تشهد معي، فإنك ممن استظهر به على جهاد العدو وإقامة عمود الدين إن شاء اللَّه»(31).

إن هذه المعطيات التاريخية المرتبطة بإسلام أهل البحرين -ممثلة في قبيلة عبد القيس- طواعية وولائهم لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم أجمعين تحتم علينا أن نتأمل فيما ذهب إليه الطبري في تاريخه ونقل عنه جلُّ المؤرخين -دون تحقيق- من دعوى ردة أهل البحرين زمن خلافة أبي بكر(32)، وإن خالف في ذلك الواقدي في كتاب الردة، فذهب إلى أن عبد القيس لم يرتدوا مع من ارتد، وحصر الردة في قبيلة بكر بن وائل(33).

وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى ضعف النقلين، أما ما أورده الطبري فبسيف بن عمر الضبي الأسدي المتفق على ضعفه والمعروف بكذبه(34)، وأما ما أورده الواقدي فللاختلاف في وثاقته، حيث وثقه بعض وضعفه بعض آخر(35)، وبعدها رجح ما نقله الواقدي متمسكاً بالأقل ضعفاً، لأن سيف بن عمر متفق على ضعفه، بينما الواقدي مختلف فيه(36).

وهناك من ذهب من الباحثين المعاصرين إلى أن تهمة الردة لأهل البحرين استندت إلى خلفيات سياسية لها ارتباط وثيق بتشيعهم وولائهم لأهل البيت (عليهم السلام) وعدم قبولهم لخلافة الخليفة الأول، وامتناعهم عن إعطاء الزكاة له(37).

أقول: لا نحتاج إلى رفع تهمة الردة عن أهل البحرين بترجيح ما نقله الواقدي أو تأويل ما نقله الطبري، فيكفي لدفع تهمة الردة عدم الدليل على ثبوتها، فالذي ادّعاها إنما عوّل على من اتفقت الكلمات على ضعفه وكذبه ووضعه واتهامه بالزندقة، ألا وهو سيف بن عمر(38)، وإسلام أهل البحرين طواعية مورد إجماع، فخلافه هو الذي يحتاج إلى دليل.

فتحصّل مما ذكر أن أهل الردة هم من كفروا بعد إسلامهم، كمسيلمة وطليحة والعنسي وأضرابهم، أما من منع الزكاة لا لإنكار وجحود، بل لرفضه الإقرار بخلافة الخليفة الأول ولزوم مبايعته تمسكاً بحديث الغدير، ولكونه مؤتمناً على الصدقات من قبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قومه، كمالك بن نويرة فليس بمرتد.

وإنما كان قتال هؤلاء تحت مظلة الارتداد هو من البدع التي سُنت وأُسس لها من تلك الحقبة لأغراض سياسية، فألقت بظلالها على الحركات التكفيرية المعاصرة، فكانت سنة سيئة اقتدى بها هؤلاء وحمل وزرها أولئك.

الهوامش

  • (1) أي ادَّعى نزول الوحي عليه.
  • (2) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج 2ص475.
  • (3) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج 3ص 68.
  • (4) الواقدي، محمد بن عمر، الردة، ص 51.
  • (5) الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط، ج7ص267.
  • (6) العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)، ج 11ص99.
  • (7) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج2ص431.
  • (8) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج3ص67.
  • (9) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج3ص67.
  • (10) المصدر السابق.
  • (11) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج2، ص500.
  • (12) الكوراني، علي العاملي، قراءة جديدة لحروب الردة، ص221.
  • (13) الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح، ج1ص20.
  • (14) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج30ص346.
  • (15) المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 1ص 179.
  • (16) المصدر السابق.
  • (17) الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، ج1ص364.
  • (18) الريحاني، أمين، ملوك العرب، ج3 ص236.
  • (19) الأحمدي، علي، مكاتيب الرسول، ص 141.
  • (20) الأحمدي، علي، مكاتيب الرسول، ص 141.
  • (21) الحلبي، علي بن إبراهيم، السيرة الحلبية، ج3ص300.
  • (22) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، السيرة النبوية، ج4ص92.
  • (23) المتقي الهندي، علي بن حسام، كنز العمال، ج12ص60.
  • (24) الشيباني، أحمد بن حنبل، ج4ص206.
  • (25) كحالة، عمر بن رضا، معجم قبائل العرب، ج1ص93.
  • (26) كحالة، عمر بن رضا، معجم قبائل العرب، ج1ص93.
  • (27) الشمري، محمد كريم إبراهيم، البحرين في مؤلفات جغرافيي القرنين الثالث والرابع الهجريين، ص 123.
  • (28) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أسد الغابة، ج1ص37.
  • (29) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أسد الغابة، ج1ص37.
  • (30) المظفر، محمد حسين، تاريخ الشيعة، ص 255.
  • (31) المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج16ص173.
  • (32) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج2ص519.
  • (33) الواقدي، محمد بن عمر، الردة، ص147.
  • (34) الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الإعتدال، ج 2 ص 255.
  • (35) المصدر السابق، ص 665.
  • (36) سيد مرزوق، حسن سعيد، حركة الردة في البحرين، ص 49.
  • (37) التاجر، محمد علي، عقد الآل في تاريخ أوال ص 73.
  • (38) الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الإعتدال، ج2ص255.

المصدر: مجلة رسالة القلم / العدد 40

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى