أسماء أم الكتاب وأسرار التسمية

انّ للقرآن الكريم اسماءً وصفاتٍ كثيرةً وسورة الحمد أيضاً بما انّها «اُمّ القرآن» وتتضمّن خلاصة ولبّ المعارف القرآنيّة فلهذا كان لها أسماء وألقاب كثيرة. وأسماؤها المعروفة هي: اُمّ الكتاب وفاتحة الكتاب، والسبع المثاني والحمد، وأسماؤها غير المشهورة هي: فاتحة القرآن والقرآن العظيم والوافية والكافية والشافية والشفاء والصلاة والدعاء والأساس والشكر والكنز والنور والسؤال وتعليم المسألة والمناجاة والتفويض و(سورة) الحمد الاُولىٰ والحمد القُصرىٰ.

والبحث في مقام ومضمون هذه السورة يدلّ علىٰ انّ تسميتها بكلّ اسم من هذه الأسماء ناشئة من التناسب الموجود بين الأسماء وبين المعارف الموجودة في السورة أو لأجل المنزلة الخاصّة لهذه السورة. وفيما يلي نذكر بعض أسرار تسمية هذه السورة بهذه الأسماء:

1- «اُمّ الكتاب» «اُمّ القرآن»: 
انّ السرَّ في تسمية سورة الحمد بهذين الإسمين الذين جاءا في روايات كثيرة عن الفريقين هو انّ السورة قد تضمّنت خلاصة ولبّ معارف القرآن الكريم.

فمعارف القرآن ثلاثة أقسام: معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ومعرفة الرسالة، والكلام المنسوب إلىٰ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو: «رحم الله امرأ علم من أين وفي أين والىٰ أين» ناظر الىٰ معرفة هذه الاُصول الثلاثة. وسورة الفاتحة أيضاً تتضمّن المعارف المذكورة، لانّ القسم الأوّل منها يتعلّق بالمبدأ وربوبيّته المطلقة علىٰ عالم الوجود وكذلك صفاته الجماليّة كالرحمة المطلقة والرحمة الخاصّة، والقسم الأوسط ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ناظر إلىٰ المعاد وظهور المالكيّة المطلقة لله سبحانه في القيامة، وقسمها الأخير يتحدّث عن حصر العبادة والإستعانة بالله سبحانه وطلب الهداية إلىٰ الصراط المستقيم في قوله: ﴿إِيِّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٭ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٭ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّين﴾ متعلّق بالهداية والضلالة خلال السير من المبدأ الىٰ المعاد ومحوره وأساسه يعتمد علىٰ مسألتي الوحي والرسالة. إذاً فانَّ اُصول المعارف القرآنيّة قد تمّ تصويرها وبلورتها في هذه السورة.

يقول الفيلسوف المتألّه والمفسّر المتعمّق صدر المتألّهين الشيرازي حول هذه السورة المباركة:
إنّ نسبة الفاتحة الىٰ القرآن كنسبة الإنسان (العالم الأصغر) إلىٰ العالم (الإنسان الأكبر) وليس هناك سورة في القرآن في مستوىٰ سورة الحمد في جامعيّتها. ومن لايستطيع أن يستنبط القسم الأعظم من أسرار العلوم الإلٰهيّة والمعالم الربانيّة (معرفة المبدأ ومعرفة المعاد وعلم النفس و…) من سورة الفاتحة فهو ليس بعالم ربّاني ولم يرتق الىٰ مستوىٰ تفسير السورة كما ينبغي.[1]

2- «فاتحة الكتاب»، «فاتحة القرآن»: يعتقد الكثير من المفسّرين والباحثين في العلوم القرآنيّة انّ هذه السورة المباركة هي اوّل سورة كاملة نزلت علىٰ القلب المطهّر للنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله).[2] وفي تنظيم السور القرآنيّة أيضاً هي ديباجة الكتاب الإلهيّ والقرآن يبتدئ بها ولذلك سُمّيت بـ«فاتحة الكتاب» أو «فاتحة القرآن».

وقد عبّرت روايات كثيرة عن سورة الحمد باسم (فاتحة الكتاب) مثل: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»[3]، «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».[4] ويظهر من هذه الروايات انّ سورة الحمد المباركة كانت معروفة في زمن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)باسم «فاتحة الكتاب»، والمسلمون كانوا يعبّرون عنها بهذا الإسم.

3- «السبع المثاني»: 
هذا الإسم جعله الله سبحانه لهذه السورة في مقام الإمتنان علىٰ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾.[5] والمقصود من قوله ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ في هذه الآية وطبقاً للروايات الواردة عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام) هو سورة الحمد المباركة. والنبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: «فأفرد الإمتنان عليّ بفاتحة الكتاب وجعلها بازاء القرآن العظيم».[6]

وكلمة السبع في هذا التركيب يقصد بها عدد آيات هذه السورة، وكلمة المثاني تدلّ علىٰ صفة يوصف بها كلّ القرآن ومنه سورة الحمد المباركة: ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِي﴾[7] ومعناها الانثناء والانعطاف والتمايل الخاصّ الموجود بين آيات القرآن بعضها ببعض وكلّ آية من آياتِه تفسَّر بواسطة الآيات الاُخرىٰ: «… ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه علىٰ بعض».[8]

انّ سورة الحمد هي من المواهب المعنويّة العظيمة الّتي وصِف منحها الىٰ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بتعبير المنّة (النعمة الكبيرة والثقيلة) والامتنان، كما انّ أصل رسالة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) في القرآن الكريم قد وردت بنفس هذا التعبير وذلك في قوله تعالىٰ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم﴾.[9]

وفي الآية 87 من سورة الحجر المباركة ذُكِر القرآن الكريم بصفة انّه الكتاب العظيم النازل من معدن ومبدأ العظمة: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾، ولأجل بيان علوّ شأن سورة الحمد وسموّ منزلتها فقد قرنها مع جميع القرآن وساواها معه وعبّرَ بقوله «سبعاً» بتعبير النكرة غير الموصوفة الّذي يفيد التعظيم.

4- «الشفاء»، «الشافية»:
 نزل القرآن الكريم لشفاء جميع الآلام الباطنيّة والأمراض القلبيّة، يعني الجهل والرذائل الأخلاقيّة، وقد أنزله الشافي المطلق وهو الله سبحانه في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَة﴾[10]، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُور﴾.[11] وسورة الحمد أيضاً من حيث انّها أفضل سورة قرآنيّة وفيها لباب المعارف القرآنيّة فقد سمّيت في الروايات بانّها «السورة الشافية» كما في الرواية: «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ داء»[12]، «من لم يبرأه الحمد لم يُبرأه شيء».[13]

وصحيح انّ سورة الحمد شافية من أمراض البدن أيضاً، ولا شكّ في هذا الأمر المجرّب، ولكنّ المهم هو أمراض الروح الّتي تكفّل القرآن بعلاجها، ولمّا كانت سورة الحمد خلاصة القرآن فستكون أيضاً عصارة العلاج والشفاء القرآنيّ. وعليه فاّن كلام الإمام الباقر(عليه السلام) في قوله: «من لم يبرأه الحمد…» يعني انّ الجهل والرذائل الأخلاقيّة الّتي لا تعالج بمعارف سورة الحمد، فانّ سُوَر القرآن الاُخرىٰ لن تجدي نفعاً معها.

5- «الاساس»: 
روي عن ابن عبّاس: «انّ لكلّ شيء أساساً… وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بسم الله الرحمٰن الرحيم».[14]
6- «الصلاة»: 
وهذا الإسم أيضاً مستفاد من الحديث القدسيّ: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي…»[15]، لأنّ القرائن الموجودة في الحديث تشهد بوضوح علىٰ انّ المقصود من (الصلاة) هنا هو سورة الحمد. وبعض المفسّرين أيضاً ذكروا انّ سرَّ تسمية سورة الحمد بهذا الاسم هو اعتماد قِوام الصلاة علىٰ سورة الحمد: «لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب».[16]
7- «الكافية»، «الوافية»:
 يروي عبادة بن الصامت عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) انّه قال: «اُمّ القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضاً».[17] وبعض المفسّرين من أهل السنّة اعتبروا السرّ في تسميتها بهذين الإسمين هو كفايتها في صحّة الصلاة، لانّه لا سورة مقوّمة للصلاة سوىٰ سورة الحمد.[18]
8- «المناجاة»، «التفويض»:
 وتسمية سورة الحمد بهذين الإسمين لاشتمالها علىٰ الآية الكريمة: ﴿إِيِّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ والّتي قسمها الأوّل مناجاة للعبد مع الله وبقسمها الثاني يتحقّق التفويض الصحيح الممدوح.[19]
9- «الكنز»:
 سميت سورة الفاتحة في الروايات الواردة عن الفريقين بـ«الكنز العرشيّ» كما في الرواية: «… وأعطيت امّتك كنزاً من كنوز عرشي، فاتحة الكتاب»[20] «وانّ فاتحة الكتاب اشرف ما في كنوز العرش»[21]، «نزلت فاتحة الكتاب بمكّة من كنز تحت العرش».[22]
10- النور: 
يعبّر القرآن الكريم عن الكتب السماويّة بالنور: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُور﴾[23]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُور﴾[24]، ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَ﴾[25] وهدفها تنوير البشر: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾[26]، وعليه فانّ السورة الّتي هي خلاصة كتاب النور فهي أيضاً نور ساطع ومنوّرة للإنسانيّة.

11- «تعليم المسألة»، «السؤال»:
 وإن كان الطلب والسؤال للعبد السالك من الله سبحانه لم يرد بنحو صريح الاّ في الآية الكريمة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾، لكن وكما سيأتي بيانه في تفسير هذه السورة انّ حمد وتمجيد العبد في بداية السورة ليس حمداً خالياً من الطلب ولا تمجيداً بلا طمع، بل هو «حمد سابق» ومقدّمة «لطلب لاحق» وكأنّ آيات هذه السورة المباركة في صدد تعليم أدب المسألة من الله سبحانه والطلب من ساحة ذلك الغنيّ المطلق.

12- «الحمد الاُولى» «الحمد القصرى»: 
والسبب في تسمية السورة بهذا الإسم هو انّ سورة الحمد هي أوّل (السُوَر الحامدات)[27] وأقصرها.

13- «الحمد»، «الدعاء»، «الشكر»: 
وسبب التسمية بهذه الأسماء هو اشتمال سورة الحمد علىٰ الحمد والدعاء والشكر.

آية الله الشيخ جوادي آملي

المصادر و المراجع

[1]- تفسير القرآن الكريم، ج1، ص163 ـ 164.
[2]- يقول الزمخشري: انّ أكثر المفسّرين يرون انّ سورة فاتحة الكتاب أوّل سورة نزلت علىٰ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)  (الكشّاف، ج4، ص775)، والطبرسي أيضاً ينقل حديثاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام) يصرّح بهذا المعنىٰ فيقول: «فأوّل ما نزل عليه بمكّة فاتحة الكتاب، ثمّ اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، ثمّ ن والقلم» (مجمع البيان، ج9 ـ 10، ص613، تفسير سورة الإنسان).
والمحقّقون في العلوم القرآنيّة أيضاً في بحث (اوّل وآخر سورة نازلة) اعتبروا هذا القول أحد الأقوال في المسألة (برهان الزركشي، ج1، ص207؛ اتقان السيوطي، ج1، ص32) ويظهر أيضاً من الآية الكريمة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ ٭ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾ (سورة العلق، الآيتان 9 و10) انّ النبيّ كان يصلّي قبل الرسالة ونزول القرآن، وما اُلقي اليه من تفصيل في ليلة المعراج فهو الصلوات الخمس بجزئيّاتها وهيئتها الخاصّة لا أصل الصلاة (الميزان، ج20، ص325) ومن جهة فقد جاء في روايات الفريقين انّ قوام الصلاة بفاتحة الكتاب ولا صلاة في الإسلام بدونها. وعليه فانّ القول بانّ سورة الحمد المباركة أوّل سورة نزلت بنحو كامل علىٰ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)  هو قول ليس ببعيد.
[3]- غوالي اللئالي، ج1، ص196.
[4]- وسائل الشيعة، ج6، ص37؛ صحيح البخاري، ج1، ص192.
[5]- سورة الحجر، الآية 87.
[6]- تفسير البرهان، ج2، ص353؛ كذلك راجع كتاب البحار، ج89، ص235 ـ 236؛ ونور الثقلين، ج3، ص27.
[7]- سورة الزمر، الآية 23؛ راجع كتاب الميزان، ج12، ص191 ـ 192.
[8]- نهج البلاغة، الخطبة 133، المقطع 8.
[9]- سورة آل عمران، الآية 164.
[10]- سورة الاسراء، الآية 82.
[11]- سورة يونس، الآية 57.
[12]- مجمع البيان، ج1، ص87.
[13]- نور الثقلين، ج1، ص4.
[14]- مجمع البيان، ج1، ص87.
[15]- تفسير أبي الفتوح، ج1، ص13.
[16]- مجمع البيان، ج1، ص87.
[17]- تفسير ابي الفتوح، ج1، ص13.
[18]- روح المعاني، ج1، ص67.
[19]- روح المعاني، ج1، ص67.
[20]- نور الثقلين، ج1، ص4.
[21]- نفس المصدر، ص6.
[22]- الدر المنثور، ج1، ص10.
[23]- سورة المائدة، الآية 44.
[24]- سورة المائدة، الآية 46.
[25]- سورة التغابن، الآية 8.
[26]- سورة ابراهيم، الآية 1.
[27]- وهي السورة الّتي تبدأ بمادّة الحمد وهي: فاتحة الكتاب والانعام والكهف وسبأ وفاطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى