مبدأ التكافلية مع الأرحام في الإسلام

في مدرسة أهل البيت: ـ التي هي مدرسة الإسلام الصافية ـ عناية فائقة بالأرحام، وهناك عشرات بل مئات الروايات التي تدعو إلى صلة الرَّحم، وهي تنطلق بذلك من حرصها الدائم على عدم قطع عروق العلائق بين القرابة، الذين يشكّلون الدائرة الأقرب للفرد المسلم، عن الإمام الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)[1]، قال: «هي أرحام الناس، إنّ الله عزّ وجلّ أمر بصلتها وعظّمها، ألا ترى أنّه جعلها منه؟»[2].

وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)ه يوقظ خير ما في أفراد أمته من أحاسيس تجاه أرحامهم، ويُكثر من توصيته لهم بصلة الأرحام ولو بعدت الشقة وطالت المسافة، ويعتبر ذلك من جوهر الدين، لكون الإسلام دين إجتماعي تشكّل التعاليم الاجتماعية وخاصة التكافلية منها أكثر من نصف تعليماته.

فعنه (صلى الله عليه وآله): «أوصي الشاهد من اُمّتي والغائب منهم، ومن في أصلاب الرّجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أن يصل الرّحم، وإن كان على مسير سنةٍ، فإن ذلك من الدين»[3]. وكان (صلى الله عليه وآله) يحذّر أشد التحذير من التقصير في حقهم، ويؤكد على ضرورة تحمل الضرر الصادر عنهم، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، إنّ لي أهلاً قد كنت أصلهم وهم يؤذونني، وقد أردت رفضهم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذن يرفضكم الله جميعاً. قال: وكيف أصنع؟ قال: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك وتعفو عمّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك، كان الله عزّ وجلّ لك عليهم ظهيراً»[4].

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا لا يعدلنَّ أحدكم عن القرابة يرى بها خصاصة أن يسدَّها بالذّي لا يزيدُه إنْ أمسكهُ، ولا ينقصُهُ إن أهلكه»[5].

كانت تعاليم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته: هذه قد أينعت ثمارها من خلال تمتين عوامل اللحمة بين المسلمين، فأخذت تصنع في النفوس الطيبة صنيع الغيث في التربة الكريمة. وكان المسلمون يصلون أرحامهم استجابة للرسول (صلى الله عليه وآله) وطلباً للثواب العاجل بعدما تناهى إلى أسماعهم قوله (صلى الله عليه وآله): «إنّ أعجل الخير ثوابا صلة الرَّحم»[6].

كما كان للمعطيات الإيجابية المتعلقة بصلة الرَّحم أثر هام في تشويق وتشجيع آحاد المسلمين على صلة أرحامهم والتكافل معهم، ومن أبرز هذه المعطيات طول العمر وزيادة الرزق، يتضح ذلك من مجموعة من الأحاديث منها قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «صلة الرَّحم تزيد في العمر»[7].

وعنه (صلى الله عليه وآله): «إنّ القوم ليكونون فجرة، ولا يكونون بررة فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم، وتطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبراراً بررة ؟»[8].

ويظهر من هذا الخبر أن صلة الرحم لها آثارها الدنيوية الحسنة حتى على الفجرة فضلاً عن الصالحين، فتحصل تنمية الأموال؛ لأنّ الله تعالى يجعل فيها البركة، فضلاً عن أنّ روح التعاون والتكاتف التي تنمو في نفوسهم تدفعهم للقيام بمشاريع ونشاطات اقتصادية نافعة تدرّ عليهم بالخير الوفير.

أما طول الأعمار فلأنّ الله تعالى ينسأ في أجل الذين يصلون أرحامهم ويمدهم بعمر مديد، يقول الإمام الحسين (عليه السلام): «من سرّه أن ينسأ في أجله، ويزداد في أجله فليصل رحمه»[9].

وجاء عن الإمام الهادي (عليه السلام) أنه قال: «فيما كلّم الله تعالى به موسى (عليه السلام)، قال موسى: إلهي، فما جزاء من وصل رحمه؟ قال: يا موسى أنسأ له أجله، وأهوّن عليه سكرات الموت»[10].

ومن الناحية العمليّة فإنّ الحالة النفسيّة السويّة التي يخلقها التعاطف والتكاتف فيما بين ذوي الرحم، تجعلهم يبتعدون عن المشاحنات والمشاجرات والجرائم، فتطول أعمارهم حتى تبلغ آجالها المقدّرة. وهناك معطيات حسنة أخرى لمن وصل رحمه، هي أن يعصمه الله تعالى من الذنوب ويهوِّن عليه الحساب، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ صلة الرّحم والبرّ ليهوِّنان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم وبرّوا بإخوانكم، ولو بحسن السلام وردّ الجواب»[11]، ففي هذه الرواية نجد التأكيد على التكافل مع الأرحام بشقيه المادي والأدبي، فإن لم يتحصل الأول لضيق ذات اليد، فعلى الأقل تحصيل الثاني الذي نجد مصداقه بحسن السلام وردّ الجواب.

وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) ينوّه بالشق الأدبي من التكافل فهو أضعف الإيمان، قال (صلى الله عليه وآله): «صلوا أرحامكم ولو بالسلام»[12]. وقد أكد الإمام الصادق (عليه السلام) على شقي التكافل ولو بحدودهما الدُّنيا قال: «صل رحمك ولو بشربةٍ من ماء، وأفضل ما يوصل به الرّحم كفّ الأذى عنهما»[13]. ويبدو من هذا الخبر أن للتكافل الأدبي في بعض الأحيان أفضلية على التكافل المادي. حيث أراد إمامنا الصادق (عليه السلام) أن يفتح نافذة الوعي لتقدير أهمية التكافل الأدبي، إنطلاقاً من أن دفع المفسدة والضرر أولى من جلب المصلحة. وعليه فمن لا يستطيع صلة أرحامه وإسداء النفع لهم، فعليه أن يكفّ عن إلحاق الضرر بهم من حيث المبدأ.

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) قدوةً في مدِّ يد العون إلى الآخرين، فعن الفضل بن قرّة، قال: كان أبو عبدالله (عليه السلام) يبسط رداءه وفيه صرر الدنانير، فيقول للرّسول: «إذهب بها إلى فلان وفلان من أهل بيته، وقل لهم: هذه بعث إليكم بها من العراق، ـ كناية عن وصول تلك الأموال إلى الإمام من العراق ـ قال: فيذهب بها الرّسول إليهم فيقول ما قال، فيقولون: أما أنت فجزاك الله خيراً بصلتك قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأما جعفر فحكم الله بيننا وبينه، قال: فيخرّ أبو عبدالله ساجداً ويقول: اللهم أذلَّ رقبتي لولد أبي»[14].

يضاف إلى ماسبق أن قطيعة الأرحام تترك آثاراً سلبية مدمّرة على مجمل النسيج الاجتماعي، فتقطع خيوط التواصل بين الأهل والأقارب، فتنتج القطيعة والشقاق والتناحر، فيستلزم كلّ ذلك حلول النقم، وفناء الجماعات، وهي أمور قد حذر منها أئمتنا الأطهار: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «حلول النقم في قطيعة الرّحم»[15]. وقال زين العابدين (عليه السلام): «.. الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرّحم…»[16].

ويلفت نظرنا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حقيقة تحتاج إلى أن يكشف المتخصصون عن أبعادها ومراميها، وهي أن إعانة الأرحام والتكافل معهم يمنع من تدفق الأموال إلى أيدي الأشرار، ويحول الشق المادي من التكافل دون حصول مجتمع رأسمالي استغلالي، فمما لا شكّ فيه أنّ من يمتنع عن تقديم الحقوق المترتبة عليه تجاه أرحامه فسوف تتكدس الأموال بيده فيغدو ـ في الأعم الأغلب ـ رأسمالياً جشعاً، أو تستغل قوى الشر أمواله المكدسة لمآربها الشريرة، وبالإستناد لما تقدم ينكشف لنا أبعاد تأكيد أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا قطعوا الأرحام جُعلت الأموال في أيدي الأشرار»[17].

صفوة القول: إنّ تأكيد الإسلام المتواصل على صلة الأرحام يعدّ من الأسس الاجتماعية التي يعتمد عليها مبدأ التكافل.

التكافل الاجتماعي في مدرسة أهل البيت (عليه السلام)

المصادر و المراجع

[1] سورة النساء: 4 / 1.
[2] عدة الداعي / ابن فهد الحلي: 81.
[3] مشكاة الأنوار / علي الطبرسي: 287.
[4] كتاب الزهد / الحسين بن سعيد الكوفي: 36، المطبعة العلمية، قم 1399 ه‍.
[5] تصنيف نهج البلاغة / لبيب بيضون: 664.
[6] أصول الكافي 2: 152 / 15، باب صلة الرحم من كتاب الإيمان والكفر.
[7] معاني الأخبار / الشيخ الصدوق، 264، انتشارات إسلامي، ط 1361 ه‍.
[8] أصول الكافي 2: 155 / 21 من الباب المتقدّم.
[9] الخصال: 32، روضة الواعظين / ابن الفتال: 388، منشورات الرضي، قم.
[10] الأمالي / الشيخ الصدوق: 276 / 307، المجلس السادس والثلاثون.
[11] اُصول الكافي 2: 157 / 31 باب صلة الرحم من كتاب الإيمان والكفر.
[12] تحف العقول: 57.
[13] اُصول الكافي 2: 151 / 9 من الباب المتقدّم.
[14] تنبيه الخواطر / للامير ورّام 2: 266 ـ دار صعب.
[15] عيون الحكم والمواعظ / علي الليثي الواسطي: 234.
[16] معاني الأخبار: 271.
[17] اُصول الكافي 2: 348 / 8 باب قطيعة الرحم من كتاب الإيمان والكفر.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى