الجمهوريّة الإسلاميّة بين السيادة الشعبيّة والحاكميّة الإلهيّة

فتح انتصار الثورة الإسلاميّة في 22 بهمن من العام 1357هـ.ش، الذي قام بالاعتماد على أركان ثلاث: القيم الإسلاميّة، والثورة الشعبيّة، وقيادة مرجع التقليد للمسلمين الشيعة. وأدّى إلى تأسيس نظام الجمهوريّة الإسلاميّة بناءً على هذه الأركان الثلاث، وفتح الباب على أبحاث متعدّدة على الصعيد الفكريّ والنظريّ، وخاصّة على صعيد تصنيف الحكومات والأنظمة السياسيّة في العالم.

 فمن جهة، يلاحَظ أنّ الحكومات ذات السيادة الشعبيّة قامت في الغرب كبديل للحكومات الثيوقراطيّة، وأنّ الجمع في نظر المفكّرين الغربيّين بين الحكومة الثيوقراطيّة والديمقراطيّة يبدو أمرًا غير ممكن. ومن جهة أخرى، إنّ ملاحظة الدور الذي لا يمكن إغفاله عن الدين والشعب جنبًا إلى جنب في إسقاط النظام البهلويّ الأتوقراطيّ وتأسيس نظام الجمهوريّة الإسلاميّة واستمراره، قد أوقع المفكّرين في نوع من التناقض والتضادّ، وأدّى في المحصّلة إلى أن يعتبروا هذه الظاهرة غير ثابتة، ويتوقّعوا غلبة أحدهما على الآخر في النهاية.

ويصبّ توقّع هؤلاء أنّ النتيجة سوف تكون حذف الشعب من المشهد السياسيّ بما يؤدّي إلى إيجاد نظام مستبدّ قائم على أساس الدين[1]. مع أنّ الأيديولوجيا الخاصّة بالثورة الإسلاميّة، حدّدت شكلًا ونوعًا من أنواع الجمهوريّة تكون فيها الأوامر والنواهي والأحكام الإلهيّة، منشأً لسنّ القوانين، كما تُلحظ فيها حقوق المواطنين.

إنّ المشاركة العامّة لجميع الشرائح والجماعات والطبقات الاجتماعيّة المختلفة، أدّت إلى أن تتمتّع “الجمهوريّة” بقبول عامّ كقاعدة قانونيّة للتنظيم السياسيّ. وشأن الحكومة ومكانتها في هذا النظام، كما في أصل الإمامة والولاية، يقتضي أكثر بكثير ممّا قاله منظّرو الفكر السياسيّ ومفكّروه في مسألة الدولة. فقد أخرجت نظريّة “توماس هانس” الشؤون الخاصّة من نطاق شمول سلطة الحكومة، ولكنّنا نجد أنّ سلطة الإمام وحاكميّته في الفكر الإسلاميّ تدخل في أدقّ زوايا الحياة الفرديّة. لهذا، فإنّ اتّساع دائرة شمول ولايته وسلطته لتشمل الشؤون الفرديّة والاجتماعيّة، جعل بعض الأفراد والجماعات – بعد استقرار نظام الجمهوريّة الإسلاميّة – يعتقدون بالتضادّ وعدم المواءمة بين السيادة الشعبيّة – الجمهوريّة – والحاكميّة الإلهيّة “الإسلاميّة”.

ويعتقدون أنّ هذَين المفهومَين ينظران إلى شكلَين مختلفَين من الحكومة. فالبعض جعل الأهمّيّة لعنصر الدين، ورأى أنّ كلمة الجمهوريّة والسيادة الشعبيّة هي مفهوم مستورَد، وغريب عن روح الدين، والبعض الآخر اختار مباشرةً الجمهوريّة ورأى أنّ إلغاء الدين هو الحلّ. فبالنسبة لهؤلاء الأفراد والجماعات، تبدّل حقّ الحاكميّة إلى أمر جدليّ (Polemic) بحيث جُعلت في الدستور في مقابل أصل ولاية الفقيه، قراءتان: الأتوقراطيّة (حكم الفرد) والكهنوتيّة-الأرستقراطيّة (حكومة رجال الدين-حكم الأشراف) في مقابل القراءة الديمقراطيّة ومؤيّدي الجمهوريّة، ذلك أنّ أساس إعمال السلطة في القراءة الأولى وآليّته تتعارض تعارضًا أساسيًّا مع أصول الجمهوريّة وماهيّتها.

وسعى بعضهم أيضًا إلى التوفيق بين هاتَين الظاهرتَين؛ فاعتبر أنّ الجمهوريّة والإسلاميّة متساويتان، ومثل دعامتَي النظام أو كجناحَي طائر، بحيث يمكن لكلّ منهما ومن دون الآخر أن يسلب من النظام إمكانيّة الحركة والبقاء[2]. وقام اتّجاه آخر فقدّم الجمهوريّة على الإسلاميّة، واستند على نظام السيادة الشعبيّة، ووجّه الإسلاميّة بأنّها تعتمد على أنّ ذلك هو رغبة الشعب وإرادته. ويرى اتّجاه آخر أنّ الجمهوريّة تحت سلطة إسلاميّة النظام، وفي الواقع، يعتبرها وسيلةً لإقامة هذا النظام.

اليوم، ومع قيام الدولة الدينيّة في إيران، انصبّ سعي البعض على اتّهام الجمهوريّة الإسلاميّة بإضعاف الجمهوريّة في مقابل تقوية إسلاميّتها، من خلال التمسّك بذلك التعارض نفسه بين حقّ الحاكميّة الكنسيّة وحقّ السيادة الشعبيّة، والبعض أيضًا، عن علم، ومن خلال الحفاظ على معاني المشروعيّة الإلهيّة والمقبوليّة الشعبيّة وحقّانيّتها، يصل إلى تلك النتيجة نفسها والتي هي هدف المجموعة الأولى[3]. وبهذا، يجعل الولاية المطلقة للفقيه في مقابل حقّ السيادة الشعبيّة، ويفسّرونها في هذا المجال ويؤوّلونها وكأنّها مصداق للحكومة الاستبداديّة.

إنّ الحكم بأنّ الجمهوريّة والإسلاميّة، وجهان مستقلّان وأساسيّان للجمهوريّة الإسلاميّة، أو أنّ الأصالة هي للإسلاميّة أو للجمهوريّة، هو من الأبحاث المعمّقة جدًّا. فما هو مسلَّم ومؤكَّد أنّ إطلاق الجمهوريّة الإسلاميّة على نظام نابع من الثورة الإسلاميّة يجعلها، من الناحية العلميّة، متمايزة ومختلفة عن الأنظمة العالميّة الأخرى، سواءً الأنظمة الثيوقراطيّة أو الديمقراطيّة. فلدستور هذا النظام أيضًا تبعًا لماهيّته، وكما هو ظاهر من عنوانه وصفان: الأوّل أنّه موصوف بوصف الجمهوريّة، والثاني بوصف الإسلاميّة. الآن يُطرح السؤال التالي: ما هي مكانة كلّ واحدة منها ونطاقها ومجالها، وهل الأولويّة للجمهوريّة أو للإسلاميّة؟ وبعبارة أخرى، مَن الذي يغطّي نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، حاكميّة الله أم حاكميّة الشعب؟

يرى بعضهم أنّ الاعتقاد بأصالة الوجهَين: الجمهوريّة والإسلاميّة، غير ممكن على الإطلاق. أي لا يمكن الاعتقاد بنحوٍ متساوق بحاكميّة الشعب وحاكميّة الإسلام. ويرى هؤلاء أنّ هذان الوجهان أو الركنان، لا يمكنهما أن يكونا جنبًا إلى جنب وبعرض بعضهما، ذلك أنّ الاعتقاد بتساوي الجمهوريّة والإسلاميّة وتوازيهما، بناءً على هذه الرؤية، يؤدّي إلى إيجاد الثنائيّة الذاتيّة في السلطة ومشروعيّتها. لكن من ناحية أخرى، نجد بما لا يقبل الشكّ تجلّي الثنائيّة في دستور جمهوريّة إيران الإسلاميّة وفي السيرة العمليّة لإدارة أمور البلاد مشهود[4].

إنّ السلطة النابعة من جمهوريّة النظام تتجلّى، وفي مختلف الأصعدة، في إدارة البلاد في انتخابات مجلس خبراء القيادة، ورئاسة الجمهوريّة، ومجلس الشورى الإسلاميّ، والمجالس المحلّيّة البلديّة، في حال أنّ السلطة النابعة من إسلاميّة النظام تتجلّى في مقام ولاية الأمر والمؤسّسات الناشئة عنها، من جملتها مجلس أمناء الدستور.

فعنصر الجمهوريّة يتجلّى في المؤسّسات المدنيّة، من جملتها الأحزاب والهيئات الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والسياسيّة والمطبوعات. أمّا عنصر الإسلاميّة أو ولاية الفقيه، فيتجلّى في أصحاب الاختصاص بالمعرفة الدينيّة الإسلاميّة أي الفقهاء ورجال الدين والحوزات العلميّة.

إنّ مشروعيّة عنوان الجمهوريّة في النظام يعتمد على أساس الاستنباط الحاصل من آيات القرآن الكريم، والسيرة النبويّة وسيرة الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وأعلام الدين. ومن الممكن أن تتوافق آراء عامّة الشعب مع مضمون الشرع المقدّس، ولكن حتمًا، ليس كلّ ما يريده الناس يتوافق مع الإسلام وهذا تعبير آخر عن عدم الترابط الحتميّ بين عنصرَي الجمهوريّة والإسلاميّة.

لقد مرّ أكثر من عقدين على تأسيس هذا النظام، حديث العهد، والجمهوريّة الإسلاميّة تحقّق يومًا بعد يوم الاستمرار والواقعيّة في نهجها الأوّل ذاك. إنّه لمن الضروريّ، بالالتفات إلى تجربة الاثنين والعشرين عامًا هذه، والوقائع الحقوقيّة والخارجيّة فيها، أن تُقدّم نظريّة جديدة للنظام وتحدّد مكانة الدين والشعب، أو بعبارة أخرى الجمهوريّة والإسلاميّة في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.

ففضلًا عن عدم وجود أيّ تضادّ بين أصلَي الإسلاميّة والجمهوريّة، ومع أنّ رسالتهما ووظيفتهما مختلفة، فإنّهما في طول بعضهما البعض، ففي الوقت عينه الذي تكون فيه الحاكميّة لله، يكون تحقّق مثل تلك الحاكميّة ومقبوليّة النظام وقوّته بيد الشعب.

  • الدكتور منوجهر محمّدي – بتصرّف

المصادر و المراجع

[1]  مؤخّرًا، في إيران، تصوّر بعض الكتّاب المتأثّرين بالغرب مثل هذا التصوّر. راجع كتاب “الجمهوريّة والثورة الإسلاميّة” (مجموعة المقالات) مقالة “الجمهوريّة، الولاية والمشروعيّة” بقلم السيّد آقاجري، الصفحة 295.
[2] محمّد علي أيّاري، “الموانع والمشاكل النظريّة لتحقّق الجمهوريّة في المجتمع الديني”، الجمهوريّة والثورة الإسلاميّة، الصفحة 239.
[3] إحدى الأمور الموجبة للانحراف وبروز التعارض والتناقض في البحوث المتعلّقة بجمهوريّة النظام وإسلاميّته، هو استخدام مصطلح المشروعيّة في مقابل الكلمة اللاتينيّة Legitimacy، في حال أنّ المعنى الأصليّ لها في اللغة هو “القانوني والمُجاز” لا “المشروع”. “المشروع” عبارة عن الأمر المعروف في الشريعة الدينيّة بأنّه مُجاز.
[4] صنيعي فرد، محمّد علي، “الواو المنطقيّة بين الجمهوريّة والإسلاميّة”، مجموعة المقالات، الصفحة 534

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى