التوعية ودور العقل في نظرية الحكم الإمامية

دور مصادرة الوعي بتوسّط القوى الظالمة يمكن تجنّبه في النظريّة الإماميّة الشيعيّة، باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس هو من وظائف الدولة فقط، أو مخصوص بالدولة، أو أنّ المنكر ما أنكره الحاكم، والمعروف ما أقرّ بمعروفيّته الحاكم، المنكر له واقعيّة حقيقيّة، والمعروف له واقهة عيّة حقيقيّة، واقعيّة عقليّة فطريّة وشرعيّة، هي في الجوانب التي يدرك العقل فيها المعروف، لذلك ذهبت الطائفة الإماميّة إلى أنّ الحسن والقبح عقلّيان ذاتيّان، ليس بتوافق الأكثريّة أو المجتمع، ليس هو بشي يقرّر ويتواضع عليه، وهذا ينسجم حتى مع نظريّة الحقوقيين الذين يقولون بأنّ بنية الحقوق مثلاً ناشئة من الحقوق الطبيعيّة، أو نظريّة الحقوق العقليّة، أو نظريّة المدارس الأُخرى الحقوقيّة.

إذاً المسؤوليّة المُلقاة على عاتق الأُمّة في النظريّة الاماميّة، أن تقوم الأُمّة بعمليّة تصحيح التوعية، ومقاومة التزييف، ومصادرة الفكر والوعي، وماشابه ذلك بلغ ما بلغ، ولا يستطيع القانون أن يقف أمام ذلك، بل القانون يجب أن يسمح بأدوار الفرد لكن بصورة منظمة، فمن ثمّ حينئذً لو قام المسلمون والمؤمنون بهذه المسؤولية فيؤمّن ردع هذا الجانب، فالثري أو القوي مهما بلغ ثراه لا يستطيع أن يقف أمام كلمة الفقير إذا كانت كلمة صادقة مجلية للعمى، وناشرة للهدى وللنور.

دور العقل والعلم:
ومن الأمور التي لم تستطع أن تتلافاه الديمقراطيّة، وبينما المشاهد تلافيه في النظريّة الإماميّة:

هو الموازنة بين دور العقل والعلم مع دور الأُمّة، نعم في النظريّة الإماميّة ليس هناك قيمة للأكثريّة بما هي أكثريّة، بل هناك قيمة للصواب بما هو صواب، وحتى في معنى قاعدة الشورى، فإنّ دور الشورى في النظريّة الإماميّة ليست المشورة لأجل تحصيل رأي الأكثريّة، بل لأجل جمع العلوم وجمع العقول ـ العقل الجمعي والعلم الجمعي، للوصول إلى الحقيقة والواقعيّة.

الواقعيّة هي التي لها قدسيّة، الحسن الذاتي للأشياء والقبح الذاتي للأشياء أصابته ووصلت إلى ذلك الأكثريّة وأدركت الأكثريّة ذلك أو لم تدرك، إرتأته أم لا، فانّه لا يتغيّر عمّا هو عليه.

لكن هذا لا يتقاطع مع مراعاة أهمّية حقوق الأكثريّة، فمجال الحقوق يغاير مجال الإصلاح والإرشاد والتعليم والتثقيف.

فمن ثمّ إذاً في النظريّة الإماميّة دور العلم والعقل محكّم في الإصلاحات على دور الأكثريّة، بل الأكثريّة يجب أن تنصاع إلى الحقيقة، وفي القنوات المدركة لصوابيّة الشي ومعروفيّة الشي، أو فساد الشي ومنكريّة الشي، مثلاً في تشخيص النظام الاقتصادي العادل، النظام النقدي كيف هو؟ تحكّم الخبرويّة أيضاً ولا تحكّم الأكثريّة. فالكيف عندنا يقدّم على الكمّ، نعم لو تساوى الكيف فيرجّح بالكم حينئذ، لا من باب تحكيم إرادة الأكثريّة، بل من باب أنّ كثرة العامل الكمّي مع تساوي الكيف كاشف كيفي آخر، وهذا تقريباً متبع ومطرد في الفقه الشيعي.


  • آية الله الشيخ محمد سند – بتصرّف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى