علي عليه السلام وأخلاقيات قتال الأعداء

بعدما كان من أمر الحكمين ما كان، واعتزل الخوارج وذهبوا إلى النهروان، قام علي (عليه السلام) بالكوفة خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن معصية العالم الناصح تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين، وفي هذه الحكومة بأمري، فأبيتم إلا ما أردتم. فأحييا ما أمات القرآن، وأماتا ما أحيى القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، يحكم بغير حجة، ولا سنة ظاهرة، واختلفا في أمرهما وحكمهما، فكلاهما لم يرشد الله فبرئ الله منهما وصالحو المؤمنين، فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للمسير…([1]).

ويحتمل أن تكون هذه الخطبة هي نفس الخطبة التي تقدم ذكرها عن اليعقوبي إلا أن كلا منهما ذكر جزءا لم يذكره الآخر، وهذا يظهر من خلال السياق الذي ورد فيه كلامه (عليه السلام) وغيرهما.

وأراد أن يخرج إلى صفين ليقاتل معاوية من جديد، ولكن الخوارج كانوا قد أعلنوا تمردهم، الأمر الذي أضعف عزيمة الناس، خصوصا وأن الخارجين هم من أهل العراق، ومن الذين كانوا من أتباعه إلى الأمس القريب بحسب ظاهر أمرهم، فأراد (عليه السلام) أن يلقي عليهم الحجة، لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويرجعون إلى الحق. فكتب إليهم مبينا لهم أنه ليس من حقهم التمرد عليه، لأنهم هم الذين فرضوا التحكيم وفرضوا حكومة أبا موسى الأشعري عليه أيضا.

الا انهم أبوا واصروا على العناد والمقاطعة، فتركهم (عليه السلام) وعزم على الخروج إلى معاوية بمن كان معه من الناس، فلما تجهز للخروج بلغه أن الخوارج بدأوا يقطعون الطرق على من كان من اتباعه (عليه السلام) ويقتلونهم شر تقتيل، وقد ذكر المؤرخون شواهد عديدة على ذلك.

فلما رأى الناس ذلك قالوا: يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا، سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام.

فاضطر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يغير وجهة سيره وجهاده، فتوجه مع جنوده إلى المدائن للإقتصاص من قطاع الطرق من الخوارج([2]).

فلما نزلوا في المدائن، خرج علي (عليه السلام) إلى النهروان حيث كانوا يجتمعون، فبعث إليهم: ان ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا أفارقكم، وأكف عنكم، حتى ألقى أهل الشام، فبعثوا إليه: أنا كلنا قتلناهم، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم([3])، وكان ذلك اعلانا للحرب منهم على أمير المؤمنين (عليه السلام).

فرجع علي (عليه السلام) وعبأ جيشه وتجهز للقتال، ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، فناداهم أبو أيوب: من جاء منكم إلى هذه الراية فهو آمن، ومن دخل المصر فهو آمن، ومن انصرف إلى العراق ومن خرج من هذه الجماعة فهو آمن، فإنه لا حاجة لنا في سفك دمائكم.

وقال علي (عليه السلام) لأصحابه كفوا عنهم حتى يبدؤوكم، فهجم الخوارج عليهم وهم ينادون لا حكم إلا لله، فاستقبلهم الرماة بالنبال فخمدوا، واشتدت المعركة فلما اعمل علي (عليه السلام) فيهم السيف صرعوا سريعا، كأنما قيل لهم موتوا فماتوا بحسب تعبير الثعلبي، على ما نقله ابن قتيبة عنه.

وأخذ علي (عليه السلام) كل ما كان في عسكرهم، أما السلاح والدواب فقسمه بين المقاتلين، وأما المتاع والعبيد والإماء فرده إلى أهله حين قدم الكوفة.

ولما انتهت الحرب اراد التوجه لحرب معاوية، فقال له الناس: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلت أذرعنا، وتقطعت سيوفنا، ونصلت رماحنا، فارجع بنا بأحسن عدتنا، ولكن علياً (عليه السلام) أصر على منازلة أهل الشام، وأمرهم أن يجهزوا أنفسهم، ونزل وعسكر بالنخيلة، فأقام الناس معه أياما، ثم أخذوا يتسللون ويدخلون الكوفة، فتركوه وما معه إلا نفر قليل من وجوه الناس وظل المعسكر خاليا([4]).

ويحتمل أن يكون سبب عدم خروجهم معه إلى أهل الشام، ما رأوه من عدم قسمة الغنائم، التي أرجعها إلى أهلها، من عبيد وإماء ومتاع، فإنه (عليه السلام) لم يستحل أموالهم وأعراضهم، وهو خلاف ما عهدوه من سيرة معاوية، ومن سبعة من الخلفاء الذين لم يراعوا ذمة الإسلام فيهم، بل استحلوا كل ذلك، دون أن يرف لهم جفن من سبي المسلمات، مما يفقد أهل العراق الهدف، الذين ربما يقاتلون في سبيله، وهو تحصيل المال والغنائم، دون أن يكون الحق رائدهم وهدف خروجهم، وهكذا فإذا رأوا أنهم لن يحصلوا على ما يرجونه، فترت هممهم، وتداعت عزائمهم عن الخروج معه، بل ربما سعوا للالتحاق بالمعسكر المقابل، رجاء تحصيل ما زعموا أنهم حرموه مع علي (عليه السلام).

سماحة الشيخ حاتم إسماعيل – بتصرّف

المراجع و المصادر

([1]) الإمامة والسياسة، ج1، ص143.
([2]) الإمامة والسياسة، ج1، ص147.
([3]) الامامة والسياسة، ج1، ص147 ـ 148.
([4]) الإمامة والسياسة، ج1 ص149 ـ 150.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى