أوضح السّبل لمعرفة الله عز وجل

يقول تعالى: « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ *  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»[1].

إن آيات القرآن الكريم ليست للقراءة والتلاوة فقط، بل نزلت لكي يفهم الناس مقاصدها ويدركوا معانيها، وما التلاوة والقراءة إلا مقدمة لتحقيق هذا الهدف، أي التفكر والتدبر والفهم، ولهذا جاء القرآن في هذه الآية الحاضرة يشير إلى عظمة خلق السماوات والأرض، ويقول: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب[2]. وبهذا يحث الناس على التفكر في هذا الخلق البديع والعظيم، ليصيب كل واحد منهم – بقدر استعداده، وقدرته على الإستيعاب – من هذا البحر العظيم الذي لا يدرك له ساحل ولا قعر، ويرتوي من منهل أسرار الخلق العذب. حقا إن هذا الكون العظيم بما فيه من نظام متقن وبديع، ونقوش رائعة، ولوحات خلابة كتاب بالغ العظمة، كتاب في كل حرف من حروفه، وكل سطر من أسطره دليل ساطع على وجود الله الخالق المبدع ووحدانيته، وتفرده[3]. إن هذا النقش الساحر الآسر للقلوب، المبثوت في كل ناحية من نواحي هذا الكون العريض يشد إلى نفسه فؤاد كل لبيب وعقله شدا – يجعله يتذكر خالقه، في جميع الحالات، قائما أو قاعدا، وحين يكون في فراشه نائما على جنبه، ولهذا يقول سبحانه: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم أي أنهم مستغرقون كامل الاستغراق في التفكير الحيوي حول هذا الكون الرائع ونظامه البديع ومبدعه، ومبديه. ولقد أشير – في هذه الآية – إلى الذكر أولا، ثم إلى الفكر ثانيا، ويعني ذلك أن ذكر الله وحده لا يكفي، إن الذكر إنما يعطي ثماره القيمة إذا كان مقترنا بالفكر، كما أن التفكر في خلق السماء والأرض هو الآخر لا يجدي ولا يوصل إلى النتيجة المتوخاة ما لم تقترن عملية التفكر بعملية التذكر، وبالتالي لا يقرن الفكر بالذكر. فما أكثر العلماء الذين يقفون – في تحقيقاتهم الفلكية والفضائية – على مظاهر رائعة من النظام الكوني البديع، ولكنهم حيث لا يتذكرون الله ولا ينظرون إلى كل هذه المظاهر بمنظار الموحد الفاحص، بل ينظرون إليها من الزاوية العلمية المجردة البحتة، فإنهم لا يقطفون من هذه التحقيقات ما يترتب عليها من النتائج التربوية والآثار الإنسانية، ومثلهم في ذلك مثل من يأكل طعاما ليقوى به جسمه فلا يكون لما يأكله أي أثر في تقوية فكره وروحه. إن التفكير في أسرار الخليقة، وفي نظام السماء والأرض يعطي للإنسان وعيا خاصا ويترك في عقله آثارا عظيمة، وأول تلك الآثار هو الانتباه إلى هدفية الخلق وعدم العبثية فيه، فالإنسان الذي يلمس الهدفية في أصغر أشياء هذا الكون كيف يمكنه أن يصدق بأن الكون العظيم بأسره مخلوق من دون هدف، ومصنوع من دون غاية؟ لو أننا نظرنا في تركيبة نبتة معينة للاحظنا أهدافا واضحة فيها، وهكذا نلاحظ مثل تلك الأهداف في قلب الإنسان وما فيه من حفر، وصمامات، وأبواب وبطون، فكل شئ فيه مخلوق لغاية، ومجعول لهدف، وكذا الحال في طبقات العين، بل وحتى الأجفان، والأظافر، كل واحد منها يؤدي دورا، ويحقق غاية، فهل يمكن أن يكون لهذه الأجزاء الصغيرة جدا بالنسبة للكون العظيم أهداف واضحة وغايات ملحوظة، ولا يكون لمجموعه المتمثل في الظاهرة الكونية الهائلة العظيمة أي هدف مطلقا؟ ربنا ما خلقت هذا باطلا. إن العقلاء لا يمكنهم وهم يواجهون هذه الحقيقة الساطعة إلا أن يقولوا بخشوع هذه الجملة: ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك أي ربنا إنك لم تخلق هذا العالم العظيم، وهذا الكون الذي لا يعرف له حد، وهذا النظام المتقن البديع الا على أساس الحكمة والمصلحة، ولهدف صحيح، فكل هذا آية وحدانيتك، وكل هذا ينزهك عن اللغو والعبث. إن أصحاب العقول السليمة الواعية بعد أن يعترفوا بالهدفية في الخليقة يتذكرون أنفسهم فورا، وكيف يعقل أن يكونوا – وهم ثمرة هذا الموجود نفسه وهذا الكون بالذات – قد خلقوا سدى، أو جاؤوا إلى هذه الحياة عبثا، وأنه ليس هناك من هدف سوى تربيتهم وتكاملهم!! إنهم لم يأتوا إلى هذه الحياة لأجل أن يعيشوا فيها أياما سرعان ما تفنى وتنقضي، فذلك أمر لا يستحق كل هذا العناء والتعب كما لا يلبق بمكانة الإنسان ولا يتناسب مع حكمة الله العليا، بل هناك دار أخرى تنتظرهم حيث يجدون فيها جزاء أعمالهم، أن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفي هذه اللحظة ينتبهون إلى مسؤولياتهم، ويسألون الله التوفيق للقيام بها حتى يتجنبوا عقابه، ولهذا يقول: فقنا عذاب النار ثم يقول: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته… ويستفاد من هذه العبارات أن العقلاء يخافون من الخزي قبل أن يخافوا من نار جهنم، وهذا هو حال كل من يمتلك شخصية، فإنه مستعد لأن يتحمل كل شئ من الأذى والمحن شريطة أن يحافظ على شخصيته، ولهذا فإن أشد عقوبات الآخرة على هؤلاء هو الخزي في محضر الله وعند عباده. على أن النقطة الجديرة بالاهتمام التي تنطوي عليها جملة وما للظالمين من أنصار هي أن العقلاء بعد التعرف على الأهداف التربوية المطلوبة للإنسان يقفون على هذه الحقيقة وهي أن الوسيلة الوحيدة لنجاح الإنسان ونجاته هي أعماله وممارساته، ولهذا لا يمكن أن يكون للظالمين أي أنصار، لأنهم فقدوا النصير الأصلي وهو العمل الصالح، والتركيز على لفظة “الظلم” إما لأجل خطورة هذه المعصية من بين المعاصي الأخرى، وإما لأن جميع الذنوب ترجع إلى ظلم الإنسان لنفسه. على أنه ليست ثمة أية منافاة بين هذه الآية ومسألة الشفاعة (بمعناها الصحيح) لأن الشفاعة (كما قلنا سابقا في بحث الشفاعة) تحتاج إلى قابلية وأهلية خاصة في المشفوع له، وهذه الأهلية والصلاحية لشمول الشفاعة تحصل في ضوء بعض الأعمال الصالحة الخيرة. ثم إن أصحاب العقول وذوي الألباب بعد التعرف على هدف الكون والغاية من الخلق ينتبهون إلى هذه النقطة، وهي أن هذا الطريق الوعر يجب أن لا يسلكه أحد بدون قيادة الهداة الإلهيين، ولهذا فهم يترصدون نداء من يدعوهم إلى الإيمان بصدق وإخلاص ويستجيبون لأول دعوة يسمعونها منه ويسرعون إليه، ويعتنقونها بعد أن يحققوا فيها، ويتأكدوا من صدقها وصحتها ويؤمنون بها بكل وجودهم، ولهذا يقولون في محضر ربهم: ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن أمنوا بربكم فأمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. أي ربنا الآن وقد أمنا بكل وجودنا وإرادتنا، ولكننا يحيط بنا طوفان الغرائز المختلفة من كل جانب، فربما ننزلق وربما نزل ونرتكب معصية، ربنا فاغفر لنا زلتنا، واستر عثرتنا، وتوفنا مع الأبرار الصالحين. لقد اتصل هؤلاء بالمجتمع الإنساني اتصالا عجيبا، وتركوا التفرد والأنانية إلى درجة أنهم يطلبون من الله في دعواتهم أن لا يجعلهم مع الأبرار والصالحين في حياتهم فحسب، بل يجعل مماتهم – سواء أكان مماتا طبيعيا أو بالشهادة في سبيل الله – كممات الأبرار الصالحين أيضا، أو يحشرهم معهم، لأن الموت مع الأشرار موتة مضاعفة، وعناء مضاعف.

  • آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – بتصرّف

المصادر والمراجع

[1]  سورة آل عمران، الآية 190- 191.
[2]  التعبير بأولي الألباب – في هذه الآية وآيات عديدة أخرى في الكتاب العزيز – إشارة لطيفة إلى أرباب العقول، لأن اللب من كل شئ خيره خالصه، ولا شك أن العقل هو خير ما في الإنسان، وهو عصارة وجوده الإنساني.
[3]  لقد بحثنا في المجلد الأول من هذا التفسير في معنى اختلاف الليل والنهار وأسرارهما عند تفسير الآية 164 من سورة البقرة فراجع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى