الإمامة مقامات وأدوار – القسم الأول

فما هو المقصود من لفظة الإمام؟!

كلمة إمام في حدِّ ذاتها لا تحمل معنى مقدسا، فالإمام هو المؤتم به أي المقتدى والمتبع، وهو الشخص الذي يتقدم على جماعة تتبعه سواء كان عادلاً أم ضالاً. وقد ورد كل من هذين المعنيين في آيات القرآن الكريم، فمن الأول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(1)،ومن الثاني: {أَئِمَّةً يَّدْعُونَ إِلَى النَّارِ}(2).

وفي الحديث عبر عن الإمام بهذا المعنى بلفظ الأمير:(لا بد للناس من أمير بر أو فاجر)(3).

ولكن ما هي الإمامة عندنا؟ وما هي حدودها؟ وهل يتفق معنا الغير في هذا المعنى أم لا؟

السنة يتفقون معنا في شيء من الإمامة وهو السياسة وقيادة المجتمع، ولكن شؤون الإمامة أكبر من ذلك، ولذلك نوضح ما ثبت للمعصوم (ع) ضمن محورين:

المحور الأول: مقامات الإمام (ع).

والمحور الثاني: أدوار الإمام (ع).

وقبل التعرض إلى مقامات الأئمة (ع) وأدوارهم نشير إلى بعض التنبيهات:

التنبيه الأول:

أهمية التمييز بين المقام والوظيفة: أو الدور الذي يضطلع به هذا الإمام المعصوم (ع)، فعدم التمييز هذا يولد مشاكل من قبيل الانتقاص من مقام المعصوم (ع)، أو رفض بعض الوظائف التي يقوم بها المعصوم (ع)، ومثال ذلك الدور السياسي الذي يقوم به الإمام (ع)، فلعل هناك من ينزه المعصوم عن السياسة بتصور أن ذلك حصر لمقام الإمامة في العمل السياسي، وكأن انطباعا سيئا صار لديه عن السياسة المعاشة وعن شخصياتها في كثير من الأحيان، هذا الانطباع سبب لديه ردة فعل ضد السياسة ومن يمتهنها، فتنزيها منه للمعصوم(ع) عن هذه الصورة المنقدحة في ذهنه تراه يقول بأن السياسة تحديد لمقام الإمام (ع). وتارة أخرى يحصل خلاف ذلك فيتصور البعض أن السياسة هي مقام من مقامات الإمام (ع) وأن سر عظمته (ع) نابع من كونه رجلاً سياسياً.

التنبيه الثاني:

ضرورة التعرف على أهل البيت (ع) من خلال كلماتهم ومن خلال النصوص الدينية بشكل عام، وعدم الانطلاق في تقييمهم من خلال ردة فعل أو ردة فعل معاكسة، فإذا ما حصل انتقاص من قبل البعض فإن ذلك لا يبرر القول بدون علم أو دليل، فكل مقام ينسب لأهل بيت العصمة (ع) لا بد وأن لا يكون وليد ردة فعل مفتقرة إلى الدليل، فهم (ع) أكرم وأجل من أن يتصدق عليهم هذا أو ذاك بمقام لا يسنده الدليل، فضلاً عن أن ذلك قد يُعَدُّ انتقاصاً لما هم عليه من عظيم شأن وخطير منزلة عند الله جل وعلا. وكذلك أيضا إذا ما قام بعض الجهلاء بما يخالف ذوق الإمامة، كما عند بعض من قال: لا إله إلا فاطمة، أو أن الحسين هو الله،أو ما ماثل هذه التعبيرات،ففي مثل هذا الوضع لا يصح- وبدافع ردة الفعل المعاكسة – رمي كل من قال بمقام للأئمة المعصومين (ع) بالغلو. فما دام الدليل قائماً وغير معارَض بضرورة عقلية أو شرعية فنحن أبناء الدليل، أينما مال نميل. فلا بد إذن أن يحاكم الواقع الذي عليه الناس من خلال الدليل، ومن خلال الروايات المنسوبة ل أهل البيت (ع) ففيها ما يذم هذا الواقع الخارجي الذي يكون غلوا تارة، ويكون انتقاصا لمقامهم (ع) واستكثاراً عليهم (ع) أن ينالوا مقاماً من المقامات الموهوبة من قِبَلِ الله جلَّ وعلا تارةً أخرى.

فمن الروايات التي تناولت قضية الغلو والغلاة:

1- عن الإمام جعفر الصادق (ع) قال:(الغلاة شر خلق الله يصغرون عظمة الله ويدعون الربوبية لعباد الله! والله إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا).

2- عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:(لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادَّعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين (ع) عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وإن قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم).

3- عن الثمالي قال: قال علي بن الحسين (ع):(لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ! ما له لعنه الله. كان علي (ع) والله عبداً لله صالحاً، أخو رسول الله (ص)، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله (ص) الكرامة من الله إلا بطاعته لله عز وجل)(4).

ولهذا لا يشك شخص عنده أدنى إنصاف واطلاع على كتب الشيعة أنهم اتخذوا موقفاً صارماً من الغلاة فحكموا بكفرهم، فمثلاً قال الشيخ الأنصاري: ((و) أمَّا (الغلاة) فلا إشكال في كفرهم؛ بناءً على تفسيرهم بـمن يعتقد ربوبية أمير المؤمنين (ع) أو أحد الأئمة (ع))(5).

ومن الروايات التي تناولت قضية استكثار بعض المقامات على أهل البيت (ع):

(عن سفيان بن السمط، قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : جُعِلْتُ فداك إن الرجل ليأتينا من قِبَلِكَ فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه، قال : فقال أبو عبد الله (ع) : أليس عني يحدثكم؟ قال : قلت : بلى. قال: فيقول لليل : إنه نهار، وللنهار : إنه ليل؟ قال : فقلت له : لا. قال : فقال : رده إلينا فإنك إن كذبت فإنما تكذبنا)(6).

التنبيه الثالث:

أهمية التعرف على الظروف التي دعت بعض العلماء في برهات زمنية مختلفة للتشديد على مقامات الإمام المعصوم (ع) أو على وظيفة معينة من وظائفه (ع)، فإن التشديد على أمر معين لا يعني رفض ما عداه، أو أنه هو الشيء الوحيد الذي يمكن القول به للإمام (ع)، فهذا التأكيد إنما كان بسبب الظروف المحيطة، والحالات الفكرية المتفشية في تلك الفترة، وهذا من قبيل تأكيد الإمام الخميني(قده) والسيد القائد حفظه الله على السياسة في حياة المعصوم (ع)، فإن المتأمل في كلماتهم يجد الدواعي قائمة على هذا التأكيد، من قبيل ما ذكره السيد القائد في كتابه (قيادة الإمام الصادق) بأن هناك نظريتين تقول إحداهما بأن الإمام الصادق (ع) كان يتملق إلى حكام بني العباس، ويهادنهم، ويمدحهم حفاظا على ما لديه من حرية التدريس والتوعية وما شاكل ذلك فكان لا يتدخل في السياسة أو مقارعة الظلم. وأما النظرة الثانية فتقوم على انتقاص المعصوم (ع) والقول بعدم أهليته للتدخل السياسي، بل أنه كان منعزلاً، وهذا يشبه ما يتكلم به المستشرقون عن الإسلام(7). وهذا المعنى كان موجوداً أيضاً في كلمات الإمام الراحل (قده) فهناك من كان يرفض تدخل الدين في السياسة، سواء كان في الأوساط الإسلامية، أوفي الأوساط الإلحادية، فلذلك كان الإمام (قده) يجيب الشريحة الأولى بأن إشكالهم يرد إذن حتى على رسول الله (ص)، فلماذا عادى أبا سفيان وتسبب في قتل عمه وغيره من الشخصيات الإسلامية؟ ويرد أيضاً على أمير المؤمنين فقد قالوا له: دع معاوية على حكومة الشام فلم يسمعهم وتسبب في قتل عمار والآلاف غيره. ويرد أيضاً على أبي الضيم وأبي الأحرار سيد الشهداء الحسين (ع) حيث غادر المدينة وهي آمنة وانطلق لمحاربة يزيد بن معاوية.

فالخلاصة أنه كانت هناك ظروف تقتضي تصدي الإمام الخميني والسيد القائد وغيرهم للتأكيد على الجنبة السياسية في حياة المعصومين (ع) ومثل ذلك ما حصل في فترات أخرى من تاريخ الإسلام من عوامل دعت العلماء للتأكيد على جنبة مقامات المعصوم (ع)، فكل هذه المسببات لا بد من ملاحظتها بعين الاعتبار، فلا يصح أن نقتطع أقوال العلماء عن ظروفها ونتصور بأن ما قالوه وحده هو الإمام المعصوم (ع) بل لا بد من الرجوع كما تقدم إلى الأدلة وما تثبته من مقامات وأدوار للمعصوم (ع).

التنبيه الرابع:

أن معرفة الإمام المعصوم (ع) لا تقتضي التبري أو الترفع عن من لا يعرفه، فهذه البراءة واللعن لكل جاهل بمقامهم لعن لشيعتهم ولعن شيعتهم غير جائز، فلا يصح القول بلعن كل جاهل لمقامات الأئمة (ع)، نعم بالنسبة إلى الشاك وكما في المقولة المتداولة: (لعن الله الشاك) فإن الشك في أصل الإمامة؛ أي عدم عقد القلب على القول بالإمامة يخرج الإنسان من المذهب، وكيف لا وهو لا يقر بأكثر أموره أهمية؟! فهذا أمر يعتبر من الضروريات هو والنبوة والإيمان بالله سبحانه وتعالى، فمن لم يقطع بنبوة النبي (ص) فلا يمكن القول بإسلامه، وكذلك من شك (لم يحصل لديه القطع) في وجود الله لا يمكن تسميته مسلماً حتى ولو كان محتملاً لوجوده جل وعلا. ولكن الجهل بمقام الإمام المعصوم(ع) هو غير ذلك، ولعنُ كل جاهل بمقاماتهم عليهم أفضل الصلاة والسلام هو لعن لكل شيعتهم  وهو أمر غير جائز، وفي هذا يقول الإمام الخميني: (ولم يقف أحد على حقائقهم وأسرارهم عليهم الصلوات إلا أنفسهم)(8)، فكل شيعتهم جاهلون لمقامهم (ع)، لأنه: (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا)(9).

فإذا وجد ما يقول بلعن الجاهل فلا بد من حمله على أمر آخر غير عدم العلم بمقامهم (ع) وذلك كالتجاوز عليهم والإساءة إليهم، أو الانتقاص من مقامهم(ع) أو ما شاكل ذلك، ولذلك ترى الأحاديث الشريفة تقول في أمثال أبي ذر: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله)(10)، هذا على ما لأبي ذر من مقام عند أهل بيت العصمة (ع)، فقد روى الفضيل بن يسار، عن وهب بن عبد الله بن أبي دبي الهنائي، قال:(حدثني أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه أبي الأسود، قال: قدمت الربذة فدخلت على أبي ذر جندب بن جنادة فحدثني أبو ذر، قال: دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله (ص) في مسجده فلم أر في المسجد أحداً من الناس إلا رسول الله  (ص) وعلي (ع) إلى جانبه جالس، فاغتنمت خلوة المسجد، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أوصني بوصية ينفعني الله بها. فقال: نعم وأكرم بك يا أبا ذر، إنك منَّا أهل البيت وإني موصيك بوصية..)(11).

ولهذا جاء في ما رواه عبد العزيز القراطيسي: قال لي أبو عبد الله (ع): (يا عبد العزيز إن الإيمان على عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر، فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره، فإن من كسر مؤمناً فعليه جبره)(12).

وعن عمار بن أبي الأحوص قال : قلت لأبي عبدالله(ع):(إن عندنا قوماً يتولون بأمير المؤمنين (ع) ويفضلونه على الناس كلهم، وليس يصفون ما نصف من فضلكم، أنتولاهم؟ فقال لي : نعم في الجملة، أليس عند الله ما لم يكن عند رسول الله  (ص)، ولرسول الله  (ص) عند الله ما ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم، وعندكم ما ليس عند غيركم إن الله وضع الإسلام على سبعة أسهم : على الصبر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل محتمل، ثم قسم لبعض الناس السهم، ولبعضهم السهمين، ولبعض الثلاثة الأسهم ولبعض الأربعة الأسهم، ولبعض الخمسة الأسهم، ولبعض الستة الأسهم، ولبعض السبعة الأسهم، فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم، ولا على صاحب الثلاثة أربعة أسهم، ولا على صاحب الأربعة خمسة أسهم ولا على صاحب الخمسة ستة أسهم، ولا على صاحب الستة سبعة أسهم فتثقلوهم وتنفروهم، ولكن ترفقوا بهم وسهلوا لهم المدخل، وسأضرب لك مثلاً تعتبر به إنه كان رجل مسلم، وكان له جار كافر، وكان الكافر يرافق المؤمن، فلم يزل يزين له الإسلام حتى أسلم، فغدا عليه المؤمن فاستخرجه من منزله فذهب به إلى المسجد ليصلي معه الفجر جماعة، فلما صلى قال له : لو قعدنا نذكر الله حتى تطلع الشمس، فقعد معه، فقال له : لو تعلمت القرآن إلى أن تزول الشمس وصمت اليوم كان أفضل، فقعد معه وصام حتى صلى الظهر والعصر، فقال له : لو صبرت حتى تصلي المغرب والعشاء الآخرة كان أفضل، فقعد معه حتى صلى المغرب والعشاء الآخرة ثم نهضا، وقد بلغ مجهوده، وحمل عليه ما لا يطيق، فلما كان من الغد غدا عليه وهو يريد مثل ما صنع بالأمس، فدق عليه بابه، ثم قال له: اخرج حتى نذهب إلى المسجد، فأجابه أن انصرف عني فإن هذا دين شديد لا أطيقه، فلا تخرقوا بهم، أما علمت أن إمارة بني أمية كانت بالسيف والعسف والجور، وأن إمامتنا بالرفق والتألف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغبوا الناس في دينكم وفي ما أنتم فيه)(13).

مقامات الإمام:

1- مقام النورانية:

وهو كون الأئمة (ع) أنواراً، ووردت فيه روايات منها ما روي عن الباقر(ع): (يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمداً (ص)، وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله)(14).

وقال علي (ع) في بعض خطبه: (إنا آل محمد كنا أنواراً حول العرش، فأمرنا الله بالتسبيح فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا، ثم أهبطنا إلى الأرض فأمرنا الله بالتسبيح فسبحنا فسبحت أهل الأرض بتسبيحنا، فإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون)(15).

وعن المفضل قال: (قلت لمولانا الصادق (ع): ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات والأرض: قال: كنا أنواراً نسبح الله ونقدسه…)(16).

2- مقام تكون البدن:

وفيه روايات تدلُّ على خصوصية في نفس أبدان الأئمة (ع)  فعن الرسول(ص): (نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية)(17)،وعنه  (ص): (خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح)(18).

وفي مجمع البيان جاء في تفسير قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}: وقيل: معناه وتقلبك في أصلاب الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا(19).

وعن الإمام الباقر(ع) (في قوله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}: يراك حين تقوم بأمره، وتقلبك في أصلاب الأنبياء نبي بعد نبي)(20).

وجاء في زيارة وارث: (أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها ). بل إن التأمل في تكون نطفة أم الأئمة (ع)  يرى ما لبدن المعصوم من قدسية وخصوصية، فقد اعتزل الرسول الأكرم (ص) زوجته خديجة (ع) أربعين يوماً يصوم نهارها ويقوم ليلها ثم أتي له بطبق من الجنة فأكل منه وتكونت من ذلك الطعام نطفة الزهراء(ع)، وورد أنه (ص) في ليلة المعراج أكل من ثمرة شجرة طوبى، فتكونت نطفة الزهراء(ع) من تلك الثمرة، وكانت هذه الشجرة قد غرست في بيت أكرم الخلق أجمعين، وسقيت من ثلاث عيون هي السلسبيل والتسنيم والمعين، وبهذا تأهل بدن الزهراء (ع) لتحمل تلك الروح الفريدة من نوعها.

وفيما يرتبط ببدن المعصوم (ع) بعد وفاته قال الشيخ المفيد: (وأمَّا أحوالهم بعد الوفاة فإنهم ينقلون من تحت التراب فيسكنون بأجسامهم وأرواحهم جنة الله تعالى، فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم الممات..)(21).

3- مقام العصمة:

وتدلُّ عليه الآيات والروايات والأدلة العقلية.

أمَّا الآيات فنورد منها:

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(22).

{مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}(23).

{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(24).

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}(25).

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا}(26)ً.

وأمَّا ما ورد في الروايات فمن قبيل:

(علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار)(27).

(إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها)(28).

وأمَّا الزيارة الجامعة فقد جاء فيها:

(أنتم الصراط الأقوم)(29).

(من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم)(30).

(بكم يُسْلَك إلى الرضوان)(31).

وأمَّا الدليل العقلي:

فإن الله سبحانه وتعالى قد بعث الأنبياء والرسل ومن بعدهم أئمة أهل البيت(ع) بأمره ونص نبيه عليهم إماماً من بعد إمام، بعثهم لهداية الناس فلا يمكن أن نفترض الخطأ في هذا الهادي لأنه إن أخطأ لم يكن هناك ركن وثيق تتحق به الهداية، فلا بد من حبل لله يعتصم به المعتصمون عن الخطأ حتى تتحقق الهداية على وجه الأرض، ولما لم يرسل الله جل وعلا غير هؤلاء للهداية لزم القول والجزم بعصمتهم (ع)، لأن عدم ذلك يسلتزم القول بأحد اللوازم الباطلة على الله سبحانه وتعالى.

فاللازم الأول هو القول بأن الله سبحانه وتعالى جاهل بسبيل تحقيق الهداية فيكون إرساله لهم وجعله إياهم في هذا المقام بدافع الهداية ولكن الطريق لخطئه لا يحقق الهداية. واللازم الآخر هو القول بأن الله سبحانه وتعالى عاجز عن تحقيق الهداية، واللازم الثالث هو القول بعبثية الله سبحانه وتعالى وأنه يرسلهم ولكن لا لهدف عنده وهو تحقيق الهداية، بل يرسلهم عبثاً، وكل هذه اللوازم باطلة فلا بد من القول بأن الله سبحانه وتعالى أرسلهم وجعلهم في هذا المنصب بغرض تحقيق الهداية فلا يكون إرساله لهم عبثياً، وأنه سبحانه وتعالى قادر على تحقيق الهداية بذلك، وأنه أحسن اختيار الطريق وليس بجاهل لما اختارهم (ع) لتحقيق الهداية، فالنتيجة أنهم (ع)  يكونون محققين للهداية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لا محالة، وحينها لا بد من القول بعدم خطئهم، لأنه لو جاز عليهم الخطأ لانتفى القطع بتحقيقهم للهداية.

العصمة عن السهو والنسيان:

ما تقدم كان في ما يتعلق بعصمتهم (ع) في تبليغ الدين، وقد يدعى أنهم(ع) معصومون في خصوص هذه الحدود؛ أي في حدود تبليغ الدين، ويقال بأن بالإمكان أن يخطئوا في أمورهم الشخصية التي لا تمس الدين والتبليغ وإيصال الهداية، أو أنهم يسهون في غير ما يتعلق بتبليغ الدين. ولكن يجاب على ذلك بإجابات مختلفة منها ما ذكر في كتاب الإلهيات: (والحق أن الدليل العقلي الدال على لزوم عصمة النبي في مجال تبليغ الرسالة دال -بعينه-على عصمته عن الخطأ في تطبيق الشريعة وأموره الفردية، فإن التفكيك بين صيانة النبي في مجال الوحي، وصيانته في سائر المجالات وإن كان أمراً ممكناً عقلاً، لكنه كذلك بالنسبة إلى عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية، وأمَّا عامة الناس فإنهم غير قادرين على التفكيك بين تينك المرحلتين، بل يجعلون السهو في إحداهما دليلاً على إمكان تسرب السهو إلى الأخرى. فلا بد لسد هذا الباب الذي ينافي الغاية المطلوبة من إرسال الرسل، من أن يكون النبي مصوناً عن الخطأ في عامة المراحل)(32) والغاية التي ذكرها هي أن تتحقق الثقة من قبل الناس بهذا الرسول وهذا الإمام ليتحقق بذلك الاتباع ولتتحقق الهداية. ومنها ما جاء في كتاب العقيدة الإسلامية: (إن الأنبياء -مضافاً إلى كونهم معصومين من الذنب- معصومون كذلك في الأمور التالية:

أ: في القضاء في المنازعات والفصل في الخصومات.

والنبي (ص) وإن كان مأموراً بالقضاء على وفق البينة واليمين، لكنه في صورة خطأ البينة أو كذب الحالف واقف على الحق المر، وإن لم يكن مأموراً بالقضاء على طبقه.

ب: في تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية (مثل أن المائع الفلاني هل هو خمر أم لا؟)

ج: في القضايا اليومية العادية.

إن لزوم وصف النبي بالعصمة في الموارد المذكورة نابع من أن الخطأ في مثل هذه المجالات ملازم للخطأ في مجال الأحكام الدينية، وبالتالي فإن الخطأ في هذه الأمور والمجالات يضر بثقة الناس بشخص النبي ويوجب في المآل تعرض الغرض المنشود للخطر، وإن كان لزوم العصمة في الصورتين الأوليين أوضح من العصمة في الصورة الأخيرة)(33). وقد استدل بعضهم أيضا على عصمتهم (ع) في أمورهم الشخصية ببيان مفاده: (ما دام في معرض السهو والخطأ والغفلة فهو ليس حجة في كل أفعاله، في حجة الوداع كان النبي يقول: خذوا عني مناسككم. فلا يكون حجةً في كل أفعاله إلا إذا كان معصوماً عصمةً مطلقةً في قوله، في فعله، في تركه، في تمام شؤونه، فلا بد أن لا يخطئ ولا يسهو ولا يغفل. وذلك في كل أفعاله سواء في مقام التشريع أوفي مقام الفعل الشخصي.

والتفصيل بالقول بعصمته في مقام التشريع وعدمها فيما يتعلق بالأمور الشخصية غير صحيح لأنه متى ما احتملنا أنه يسهو في حركته الشخصية احتملنا أنه يسهو في حركته الأخرى، لأنه ما الذي يضمن لنا أنه الآن مشرع أو غير مشرع؟

افترض أن النبي زار جاره اليهودي، عاده في مرضه، لا ندري هل أن هذه الزيارة تشريع فنأخذ بها أو ممارسة شخصية فلا نأخذ بها، من الذي يميز لنا أن هذا تشريع أو أن هذه ممارسة شخصية؟)(34).

4- مقام الإنسان الكامل:

وبهذا المقام تثبت للمعصوم (ع) كل الكمالات، والتي منها الحجية؛ أي كونه حجة عصره، والولاية، وانكشاف الحقائق، وبواسطة هذا المقام يكون للإمام عدة مواصفات أمثال (تسلطه على الضمائر؛ أي القلوب انطلاقاً من كونه روحاً كلية) وأن الإمام في مماته له القدرة على السمع ورد التحية، فنحن نقول في الزيارة (وهي جزء من أصول التشيع: أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع كلامي وترد سلامي)(35).

قال الشاعر:

كثر الشك والاختلاف وكلٌّ

                        يدَّعي أنه الصراط السوي

فتمسكت بلا إله إلا الله

                        وحبي لأحمـــد وعلـي

فاز كلبٌ بحب أصحاب كهف

                        فكيف أشقى بحب آل النبي

وذكر المدائني في كتاب الخوارج قال: (لما خرج علي (ع) إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض، حتى انتهى إلى علي (ع) فقال: البشرى يا أمير المؤمنين، قال: ما بشراك؟ قال إن القوم عبروا النهر لمبلغهم وصولك، فأبشر، فقد منحك الله أكتافهم، فقال له: آلله أنت رأيتهم قد عبروا! قال نعم، فأحلفه ثلاث مرات، في كلها يقول: نعم، فقال علي (ع): والله ما عبروه ولن يعبروه، وإن مصارعهم لدون النطفة، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لن يبلغوا إلا ثلاث، ولا قصر بوازن، حتى يقتلهم الله، وقد خاب من افترى قال: ثم أقبل فارس آخر يركض، فقال كقول الأول، فلم يكترث علي (ع) بقوله، وجاءت الفرسان تركض كلها تقول مثل ذلك، فقام علي (ع) فجال في متن فرسه قال: فيقول شاب من الناس: والله لأكوننَّ قريباً منه، فإن كانوا عبروا النهر لأجعلنَّ سنان هذا الرمح في عينه، أيدعي علم الغيب! فلما انتهى (ع) إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم، وعرقبوا خيلهم، وجثوا على ركبهم، وحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل. فنزل ذلك الشاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إني كنت شككت فيك آنفاً، وإني تائبٌ إلى الله وإليك، فاغفر لي، فقال علي (ع): إن الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره)(36).

ومن ذلك عرض أعمال العباد على الأئمة (ع) ويستشهد على ذلك بآيات وروايات من قبيل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُه وَالمُؤْمِنُونَ}(37)، وعن الإمام الصادق (ع) لما سئل عن قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَّسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(38) : (نحن الأمة الوسطى، ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه)(39). وعنه أيضاً (ع): (إن أعمال العباد تعرض على رسول الله  (ص) كل صباح أبرارها وفجارها، فاحذروا فليستحي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح)(40). ومن ذلك خروج الإمام الحجة (عج) في الفترات الحرجة لقضاء حوائج الشيعة، كما نقل في قصص كثيرة،وقال أمير المؤمنين (ع) لما بايعه الملعون عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، قال له: (تالله إنك غير وفي ببيعتي، ولتخضبن هذه من هذا-وأشار بيده إلى كريمته وكريمه- فلما أهل شهر رمضان جعل يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين(ع)، فلما كان بعض الليالي قال: كم مضى من رمضان؟ قالا له: كذا وكذا، فقال لهما(ع): في العشر الأخير تفقدان أبيكما، فكان كما قال (ع))(41) نكتفي بهذا القدر من الكلام حول مقاماتهم عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، ونتكلم في العدد القادم بإذن الله حول أدوارهم ووظائفهم (ع) والحمد لله ربِّ العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1)سورة السجدة، الآية 24.
  • (2)الإمامة، مطهري(قده):38.
  • (3)بحار الأنوار، الشيخ المجلسي(قده)، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية 1983، ج72، ص358.
  • (4)ليالي بيشاور: 117، نقلاً عن بحار الأنوار.
  • (5)كتاب الطهارة للشيخ الأعظم الأنصاري(قده)، ص149.
  • (6)بحار الأنوار، العلامة المجلسي(قده) ج2، ص 187.
  • (7)راجع قيادة الإمام الصادق(ع): 13-20.
  • (8)الأربعون حديثا: 567، الإمام الخميني(قده).
  • (9)مدينة المعاجز ج2، ص439، السيد هاشم البحراني(قده).
  • (10)الكافي ج1، ص401، الكليني(قده).
  • (11)الأمالي، ص525، الشيخ الطوسي(قده).
  • (12)الكافي ج2، ص45، الكليني(قده).
  • (13)وسائل الشيعة (آل البيت (ع)) ج 61 ص 164- 165 الحر العاملي(قده).
  • (14)الكافي: 1: 442 رقم:10.
  • (15)البحار: 24: 88. رقم:3.
  • (16)البحار: 26: 350. رقم: 24.
  • (17)ميزان الحكمة: 3019.
  • (18)نفس المصدر.
  • (19)نفس المصدر.
  • (20)نفس المصدر.
  • (21)أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ص24، الشيخ المفيد(قده).
  • (22)سورة الحشر، الآية 7.
  • (23)سورة النساء، الآية 80.
  • (24)سورة النساء، الآية  65.
  • (25)سورة النساء، الآية 59.
  • (26)سورة الأحزاب، الآية 33.
  • (27)بحار الأنوار: 30، ص352، المجلسي(قده).
  • (28)بحار الأنوار: 21، ص279، المجلسي(قده)
  • (29)الزيارة الجامعة.
  • (30)نفس المصدر.
  • (31)نفس المصدر.
  • (32)محاضرات في الإلهيات: 416، الشيخ السبحاني، تلخيص الشيخ الرباني الكلبايكاني.
  • (33)العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت: 134- 135، الشيخ السبحاني، ترجمة الشيخ جعفر الهادي.
  • (34)من محاضرة في الليلة الثالثة من محرم الحرام 1426هـ للسيد منير الخباز.
  • (35)الإمامة: مطهري(قده): 51- 52.
  • (36)شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد ج 2 ص 271 – 272
  • (37)سورة التوبة، الآية 105.
  • (38)سورة البقرة، الآية 143.
  • (39)ميزان الحكمة، ج3، ص2135، الريشهري
  • (40)نفس المصدر ص2134.
  • (41)بحار الأنوار ج41، ص329، المجلسي (قده)
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى