أمل الأحرار الحجة المنتظر (عج) – في حوار مع آية الله السيد حسين الشاهرودي

تشرفت «رسالة القلم» بإجراء هذا الحوار حول الإمام الحجة(عج) مع سماحة آية الله السيد حسين الشاهرودي (حفظه الله)، وهو أحد أساتذة البحث الخارج المعروفين في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة، وابن المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي (حفظه الله)، ومن المعروفين بالتواضع والأريحية، فلذلك صار ملاذا لطلبة العلوم الدينية. وكان الحوار معه في ليلة الجمعة حيث فرغ سماحته من إمامة المصلين في مسجد الإمام الرضا(ع) بجوار مرقد الطاهرة فاطمة المعصومة(ع) في قم المقدسة، وكان كالتالي.

سماحة السيد تقبل الله أعمالكم.

 تقبَّل اللهُ منا ومنكم.. وفقكم الله…

بسم الله الرحمن الرحيم، ما هو مقام الإمام المهدي (عج) من بين الأئمة والرسل(ع)؟

 أما مِنْ بين الرُّسل ما سوى نبيِّنا محمد(ص) بحسب الأخبار الكثيرة الواردة من طرقنا والتي نعتمد عليها، مقام الأئمة أكبر وأفضل من الأنبياء؛ لأنَّ الأنبياءَ بعد أن كانوا يمتحنون يصبحون أئمة بعد ذلك، كما جاء في قوله تعالى في حق إبراهيم(ع): بسم الله الرحمن الرحيم {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}(1)، بعد الامتحان أصبح إماما، وأما هؤلاء فهم أئمة قبل ذلك.

وأما بالنسبة للأئمة الآخرين بحسب الروايات، فإنه(عج) أنزل من الخمسة الطيبين أصحاب الكساء(ع) وأفضل من سائر الأئمة، ولعلَّ سبَبَ أفضليته على سائر الأئمة، طولُ مدة غيبته، وتجرعه للغصص والمشاكل؛ فإنه أكثرهم مسؤولية من جهة طول الزمان.

في الحديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، ما هي المعرفة المطلوبة بالنسبة لصاحب العصر والزمان(عج)، وهل هناك تناف أو تمانع بين غيبته وبين معرفته؟ وما هي فائدة معرفته في غيبته؟

 هذه ثلاثة أسئلة، بالنسبة للسؤال الأول: فإن المعرفة لها درجات، وكلما كانت أكثر كانت أحسن، لكنَّ الروايةَ تذكر أن المقدارَ اللازمَ لكي يمنعه عن الميتة الجاهلية هو أن يعرفه، فالمقدار الأقل من المعرفة هو ما جاء في بعض الأخبار في تفسير ما جاء في الزيارات (عارفا بحقه) أو (عارفا به) قال: «أن تعرفَ أنَّه إمامٌ مفترض الطاعة»، إذا عرف أنه إمام مفترض الطاعة فهذه معرفة به، غاية الأمر المعرفة لها درجات، لكنَّ المقدار اللازم هو هذا.

والسؤال الثاني: أصلا، لا شك في عدم المنافاة، مثلا نحن الآن نعرف النبي(ص) على الرغم من أنه رحل عن هذه الدنيا إلى العالم الآخر فضلا عن غيبته، وأيضا نحن نعرف الله(سبحانه وتعالى) وبدون معرفة الله يكون الشخص كافرا، ومع ذلك نقول: الله لا يرى، وهو غائب عن الأعين، ولئن كان الإمام الحجة(ع) أحيانا يرى، أو أنه يرى من غير أن نعرفه كما جاء في الأخبار أنه: (كل سنة يحضر الموسم وترونه ولا تعرفونه، ويراكم ويعرفكم)(2) فهذا بطريق أولى، ولهذا مجرد كون الشخص غائبا لا يؤثر في معرفته، وكذلك العكس، فأحيانا يكون الشخص أمامك جالسا وليس بغائب، وتراه بأمِّ عينيك ومع ذلك لا تعرفه، فالمعرفة والغيبة ليس بينهما تناف، المهم أن تعرف أنَّ هذا الإمام هو ابن الحسن العسكري(ع)؛ يعني من أولاد النبي الأعظم(ص)، وأنه مفترض الطاعة، هذا كاف في معرفته. وأما قول بعضهم أنَّ إمامَ الزمان المراد منه هو القرآن فهذا اشتباه، لأنَّه يقول: (إمام زمانه)، والقرآن إذا كان إماما وقدوة فهو قدوة في جميع الأزمنة، لا أنه إمام زمان شخص دون شخص، والحال أن الرواية تقول: (من مات ولم يعرف إمام زمانه) فمعناها أن لكل زمان إمام وكل شخص لابد أنَّ يعرفَ ذلك الإمام الذي في ذلك الزمان.

وأما الجواب عن السؤال الثالث: ففائدةُ معرفةِ الإمام، تخلُّصُ الإنسان من الميتة الجاهلية، لأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فكما أنَّ معرفة النبي(ص) تكون سببا للإسلام، ومن لا يعرفه يكون غير مسلم، ومن لا يعرف الله لا يكون موحدا، والحال أنهما غائبان عن الأنظار، ومع ذلك ففائدة معرفته أنه يخرجنا –معرفة النبي- من غير الإسلام إلى الإسلام، فالفوائد كثيرة وأحدها التخلص من الميتة الجاهلية، كحال معرفة النبي ومعرفة الله. أما كونه غائبا أو حاضرا فلا يؤثر في فائدة معرفته، وإلا لقلنا أنه لا فائدة في معرفة النبي(ص)، والحال أن غيبة النبي(ص) أكثر من غيبة الإمام الحجة(عج) كما قلنا، فهو(ص) رحل من هذه الدنيا، ولكنَّ الإمامَ الحجة(عج) موجود، الإمام الحجة(عج) يُرَى بدون أن يعرف، والنبي(ص) لا يُرَى.

سيدنا ما هو الهدف من الغيبة؟

 في الروايات ورد أنَّ الهدفَ الأصليَّ يتَّضح بعد أن يظهر ويحضر، يتبين الهدف الكامل، وبنحو كامل حينها يعرف، لكنَّ الأسباب والأهداف المذكورة في الأخبار متعددة، منها أنه لو كان حاضرا لكان يبتلى ببيعة الفسّاق، مثل ابتلاءاتنا بإقامة العلاقات مع الدول الكافرة عبر تبادل السفارات وما ماثل ذلك، بخلاف ما لو كان غائبا، الروايات تعبر أنه لا يكون في عنقه بيعة لأحد، فلو ظهر وأراد محاربة دولة كافرة لا تستطيع الاحتجاج عليه بالأمان المأخوذ من الحكومة الإسلامية عبر تبادل السفارات، الإمام لا يحتج عليه بذلك؛ لأنَّه ليس في عنقه بيعة لأحد، وأيضا من فوائد الغيبة أنَّه في البداية وكما ورد في الروايات المعتبرة كان يخاف عليه من قتل الأعداء، فكما قُتِلَ آباؤُه الطاهرون كان سَيُقتل(عج)، ولكنَّ استشهادَ آبائِه الطاهرين(ع) ليس بخطورة استشهاده(عج)؛ لأنَّ كلَّ إمامٍ يأتي إمامٌ مكانَه ليقومَ بدوره، بخلاف الإمام الأخير فحينما يقتل ويستشهد لا يوجد من يقوم مكانه، ولذلك يشير الإمام(ع) لبطنه أي أنه يقتل، فغيبته لكي لا يقتل، ولهذا كان يمنع حتى من اسمه الشريف، فلماذا يمنع الاسم؟ يجيب الإمام(ع): (لأنه إذا عرف الاسم وقع الطلب)، وهذه أصح الروايات لأنَّ كل سلسلتها ذهبية، فالروايات المعتبرة الأخرى بعضهم قد يتوقف فيها، وكل واحد يشكل بإشكال ولا يقولون بحجية الخبر الواحد بسبب الروايات، ولكن خصوص هذه الرواية غالبا يقبلونها، السيد الخميني(ره) وكذلك السيد الشهيد الصدر يلتزمان بأن هذه الرواية جيدة جدا، الرواية التي في آخرها يقول الإمام(ع): (إذا وقع الاسم وقع الطلب، وإذا وقع الطلب – أشار إلى بطنه–) أي يقتل الإمام الحجة؛ أي أن الاسم أيضا كان ممنوعا، فيبدو أن أصل المسألة للحفاظ على روحه(ع)، فكان في ذلك الزمان حتى معرفة الاسم يؤدي إلى الطلب، لذلك في ذلك الوقت كان ذكر الاسم حراما، ولكن بعد ذلك انتفى ذلك الأمر، فحتى لو عرف الاسم ما كانوا يستطيعون طلبه. فلذلك نقول: أحد أسباب الغيبة هو الخوف عليه. وورد في الأخبار بعض الأمور الأخرى مثل أن الله(سبحانه وتعالى) ليس ببخيل، وكذلك هو(ع) ليس ببخيل، فلو كنتم أنتم تتقبلون وجوده لما كان يبخل، لكن بما أنكم لا تتقبلون وجوده، فإما أن تقتلوه، وإما أن تشردوه، فلذلك غاب، من هذه الجهة، وإلا إذا فُرِضَ أنَّ الناس يصيرون جيدين كما جاء في بعض الأخبار، يسأل الإمام الصادق(ع): متى يظهر الإمام الحجة(ع)، الإمام الصادق(ع) يجيبه بأنك تعرف الجواب من خلال أحوال أصحابك وأقربائك وجيرانك، فمتى ما صاروا متدينين بالمعنى الواقعي فالإمام الحجة ليس ببخيل، إذن فأصل الغيبة ليس من قِبَلِه، بل من باب أنه لا يكون له مورد، ككل شخص يريد أن يقيم حكومة إسلامية يرى الوضع غير مهيأ.. يعني الغيبة حالة ضرورية، كما نقول أنه لا يريد الغيبة، الناس صاروا سبباً للغيبة، وكما قال ذلك العالم: (وجوده لطف، وتصرفه لطف آخر، وغيبته منا) يعني الغيبة ليس فيها فائدة لنا بل فيها ضرر علينا، لكن لماذا وقعنا في هذا الضرر؟ لأجل تصرفاتنا، يعني نوعا ما الغيبة فيها ضرر، فيها خسارة لوجود الإمام الحجة(ع)، فلا نستطيع أن نقول: ما هي فائدة الغيبة، بل فيها خسارة، لكن لماذا وقعنا في هذه الخسارة؟ نقول: ككل خسارة في الدنيا، لماذا يقع الإنسان فيها؟ لأنَّه لا يختار الطريق الصحيح فحينها يقع فيها.

ذلك يعني أن السبب راجع إلى الناس؟

 نعم، في الرواية أن سببه هذا، لا أنَّه على الرغم من تهيؤ الناس لإقامة الحكومة العالمية الإسلامية ومع ذلك يغيب، لو كان كذلك لكان بخلا، والبخل لا يكون بالنسبة إليه(ع)، إلى أن يتهيأ الصعيد لإقامة الحكومة حينها يظهر(ع).

هل يظهر الإمام الحجة(ع) هاديا أم منتقما؟

 بحسب الأخبار الاثنان، أصل نصب الإمام(ع) لهداية الأمة، غاية الأمر، بما أن الإمام أو أي شخص يكون له القوة والقدرة، لابد في ضمن الهداية أن يأخذ بحق المظلوم، لأنَّ القرآن يؤكد أنَّ الظالم ملعون، فلابد أن يكون ضد الظالم ومع المظلوم، والأمير كذلك في نهج البلاغة يقول: (كونوا للظالم خصما وللمظلوم عونا)، فهذا أحد أعماله من باب أن وظيفته أن يكون للمظلوم عونا، فالمظلوم من أهل البيت، وأمه الزهراء فهو ينتقم لهم بحسب الآية القرآنية: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}(3) بما أن الله جعله وليا لدم الزهراء ودم الحسين(ع) وغيرهم، فالقرآن يقول: {جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}، الله أعطاه هذا السلطان، فقط يقول القرآن: {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}، يعني فقط بمقدار الحق الشرعي يأخذ، لا يأخذ أكثر من ذلك، مثلا لأجل حمزة قال النبي(ص) أنه يقتل سبعين شخصا في مقابله، جاء الوحي ينهى عن ذلك ويقول له بأن يجعل نفسا بنفس، وكذلك لو كان هناك أشخاص يرضون بقتل الحسين(ع)، ففي بعض الروايات أنه يقتل الراضين بقتل الحسين، كيف؟ لأنَّ القرآنَ يجعل الراضي بقتل أحد قاتلا، فقد جاء في القرآن خطابا لليهود المعاصرين للنبي(ص): {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(4)؛ يعني أيها اليهود لماذا قتلتم الأنبياء السابقين، فلهذا أحدهم يسأل الإمام الصادق(ع): كيف يقول القرآن ذلك وهؤلاء لم يعاصروا أي نبي، هم لم يقتلوا الأنبياء السابقين، والنبي الموجود بعد لم يقتلوه، فكيف يقول القرآن أنهم قتلوهم –بصيغة الماضي-؟ حينها يجيبه الإمام(ع) أن القرآن هكذا يحكم، أن من رضي بعمل قوم فهو منهم، فلهذا إذا كان هناك من يرضى بقتل الحسين(ع) فهو من قتلته، وكذلك من يرضى بظلم الزهراء فهو ظالم لها، كما قال ذلك الشاعر:

وقولة لعلي قالها عمر

                        أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها

                        إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

فالقرآن ينسب القتل حتى إلى الراضي، ثم يقول: {جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}(5).

ما هو تصوركم بالنسبة لعلامات الظهور وحتميتها؟

 علامات الظهور نقطع بأنَّها متحققة، إلا أنَّ المشكلَ أنَّ في الأخبار تقسيما للعلامات إلى أقسام ثلاثة؛ البعيدة والمتوسطة والقريبة، وورد في الروايات أنَّه قد تكون علامة موجودة ولكن الفاصلة بين هذه العلامة وبين ظهوره مدة طويلة جداً، فلذلك لا يمكن الاعتماد على مثل هذه العلامات ما دامت مواجهة بهذه المشكلة، إلا على القسم الأخير من العلامات، وهي المتصلة بالظهور، لا أنَّها منفصلة عن الظهور ولو بسنين كثيرة، وتلك العلامات المتصلة للآن لم تتحقق، وهي مثل طلوع الشمس من مغربها، والصوت من السماء، والكف في السماء، وهكذا السفياني بالشكل الذي يأتي في الصحراء وتخسف به الأرض، هذه الأمور لم تحصل حتى الآن، لكنْ إذا تحققت تكون متصلة بظهور الحجة، فما حدث ليس متصلا بظهور الحجة، والمتصل بظهوره(ع) لم يحدث، لكن مع ذلك نحن نتفاءل بالخير، لأنه: (تفألوا بالخير تجدوه)، وكل جمعة -كما عليه الأخبار- ننتظر ونترقب ظهوره(ع)؛ يعني الأمل والرجاء لا منافاة فيه مع عدم اطمئناننا بقرب ظهوره، لكن باب الاحتمال والرجاء موجود، بل إذا نيأس فذلك ذنب كبير، لأنَّه ورد في الروايات أنَّ اليأسَ من رحمة الله ذنبٌ كبير، فمن ييأس من ظهوره هو آيس من رحمة الله وأنَّ الله قد أراد إظهاره(ع)، إذا قلت: لا لن يأتي الآن فهو بنفسه ذنب كبير.

بعضهم يحاول تطبيق هذه العلامات على بعض الحوادث التي حدثت، فيعتبر مثلا قيام الجمهورية الإسلامية في إيران بداية الظهور؟

 نحن نوافق ذلك، ولكن بالقيد الذي جاء في الروايات، أنه قد تكون الفاصلة بين العلامة وبين ظهور الإمام(ع) مثلا خمسمائة سنة، فإذا كانت الفاصلة بيني وبينه خمسمائة سنة، فكما يقول الشاعر: إذا مت عطشانا فلا نزل القطر. بحسب كلام ذلك الشخص وأنا لا أقبل هذه المقولة، بل إذا مت فلينزل القطر للآخرين، فلهذا إذا كانت خمسمائة سنة فهذه كأنَّها ليست بعلامة، ما دام لا يوجد ضمانة أنه بعد العلامة بيومين أو خمسة عشر يوما كما في بعض الأخبار، أو في نفس اليوم يأتي الإمام الحجة(ع) فوجود هذه العلامات مبتلاة بما في هذه الرواية كأنْ تكون الفاصلة كبيرة جدا.

وقد يحصل بداءٌ في علامات الظهور؟

 ذاك إضافة على هذا، يزيد على الطين بلة، لكن إذا فرض أنه حتى بدون البداء، الرواية تقول أن العلامة الآن، معناها أن الإمام يظهر لكن متى يظهر؟! أي مقدار بقي؟ بالنسبة إلى الله هو حتى بالنسبة ليوم القيامة يقول: {يَرَوْنَهُ بَعِيدًا  وَنَرَاهُ قَرِيبًا}(6)، فيوم القيامة إذا كان قريبا فالحجة كذلك ظهوره يكون قريبا بسبب هذه العلامات، فإذا جعله قريبا، فالقريب بأي معنى؟ بالمعنى المتضمن لمثل هذا المقدار من الفاصلة، فلذلك نحن لا نعتمد على هذه العلامات إلا على العلامات التي ذكرت الروايات أنها متصلة بالظهور، العلامات الحتمية، والعلامات المتصلة، والحتمية بمعنى أنه لا بداء فيها، المهم الاتصال، متصلة يعني في حدود خمسة عشر يوما يأتي، فلهذا أنا أوافق على كون هذه علامات، لكن ما فائدة هذه العلامة بالنسبة لي؟ التي تقول بأنَّ الإمام الحجة(ع) يظهر بعد خمسمائة سنة، فما الفرق بين كونها بعد خمسمائة سنة أو خمسة آلاف سنة؟ أنا لن أدركه حينما أموت بعد مائة سنة.

ما رأيكم فيما يتناقل عن بعض العلماء بين الفينة والأخرى أن شيوخ هذا الزمان سوف يدركون الإمام، لا فقط خصوص الشباب؟

 على حد الاحتمال والرجاء أنا أوافق ذلك، لكن إذا وصل إلى حد التوقيت فالروايات تقول: كذب الوقّاتون، وحتى لو اتفق أن اتصل شخص بالواقع فعلم أنَّ الإمامَ الحجةَ(ع) يظهر بعد سنة، هذا المطلب إذا أسرَّه لا يضر، لكنْ إذا أظهره وأشاعه فإن الله(سبحانه وتعالى) لأجل أن يكذبه يؤخره، كما ورد في بعض كلمات الصالحين السابقين، ذكروا لي بأنَّ الإمام الحجة قال: أني أردت أن أظهر ولكن بسبب ذياعكم تأخر الظهور، وفي الروايات أيضا ورد أنَّ الإمام الصادق(ع) كان مقدَّرا أن يكون هو الإمام المهدي(ع)، وبشَّر أصحابَه بأنَّه سوف يأخذ الحكومة العالمية الإسلامية، ويكون هو المهدي لكنَّ الشيعة أذاعوه، وبسبب إذاعة الشيعة لذلك الإمام الصادق(ع) يقول أن هذا كان سرا من أسرار آل محمد(ع)، وأنتم أذعتموه، فنتيجته أنه تأخر، ولكن إلى متى؟ قال أن هذا المقدار لم يحدد بالسنين، التأخر السابق من زمان أمير المؤمنين(ع) إلى زمان الإمام الحسين(ع) كان مقدرا، أنه يكون بعد كم سنة، فالرواية تقول أنهم قتلوا الحسين(ع) -صلى الله عليك يا أبا عبد الله، صلى الله عليك يا أبا عبد الله، صلى الله عليك يا أبا عبد الله- فتأخر إلى زمن الإمام الصادق(ع) فبين الوقت أيضا، ولكن هذا الوقت الثاني حينما أفشي وشاع صار تأخير، ولذلك أنا أنصح كل من يعرف واقعا -بأي سبب من الأسباب- أن الإمام الحجة(ع) بعد سنة -مثلا- يظهر، أنه لا يُظهر ذلك، لماذا لا يظهر؟ لأنَّه إذا أظهره فإنَّ الله(سبحانه وتعالى) يؤخره، وأما إذا تسألون: لماذا هذا؟ وما هو ملاكه وحكمته؟ لماذا يؤخره الله؟ لأنَّه ورد في الأخبار أنَّ ظهوره فجأة، ونكتة أنه فجأة، لأنَّه إذا كان مع الإعلان فلا يستطيع أن يغلب الكفار والمشركين إلا بالمعجزة، والله سبحانه لا يريد إظهاره بالإعجاز، وإلا لو كان يريد ذلك بالإعجاز، لجعل الله(سبحانه وتعالى) أمير المؤمنين(ع) هو الحجة وجعله يقيم الحكومة الإسلامية، الله ليس ببخيل، لماذا أخَّرَ إلى أكثر من ألف سنة؟! إذا كان بالإعجاز والإجبار، فأمير المؤمنين يكون بالإعجاز وبالقوة والقهر والغلبة يكون حاكما على كل العالم. فمن هنا نعرف أنَّ الله سبحانه لا يريد أن تصير الحكومة الإسلامية العالمية للإمام المهدي كلها بالإعجاز، نعم الإعجاز أمر جانبي موجود في البين، من نصرة الملائكة.. ولكن هناك شيء غير إعجازي، وهو المنصور بالرعب، وأنا لمست مثل هذا الأمر في الجبهة، فكان المقاتل العراقي يمتلك الأسلحة المتطورة جدا، ولم يكن لدينا نحن مثل ما لديهم، ولكن بما أنَّا نَهجمُ عليهم فجأةً، كانوا يرفعون أيديهم وينادون: الأمان!! ولكن إذا كان هناك جاسوس في البين يخبر العراقيين أنَّ في هذه الليلة يكون هجوم فجائي، بمجرد أن يعرف الرئيس بوصول الخبر للخصم فإنِّه يلغي هذه الحملة والهجوم، لماذا؟ لأنَّ الهجومَ إنَّما يؤثر ويكون مفيدا، إذا كان مع الإخفاء وكان فجأة، فالروايات أيضا تشير إلى هذا المعنى، لذلك لو فرض أنَّا نحن المؤمنون نعرف أنَّ الإمام الحجة يظهر بعد يومين، فلا بد علينا أن نخفي ذلك. فقط نهيئ أنفسنا، منتظرين للظهور، كما هو معنى الانتظار وهو أفضل الأعمال، أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، يعني أن أكون متهيئا ولكن لا أعلن. أحدهم كان يقول: لنفسر انتظار الفرج… أنا قلت له أنت إنسان عربي وتعرف اللغة، وأنَّ العرف ماذا يفهم من هذه الرواية، أنت اسأل أمك العجوزة في البيت، اسألها أنَّكِ إذا جاءكِ ضيفٌ ماذا تصنعين؟ ستقول: أنا أعمل عملين، سلبا وإيجابا، سلبا: أكنس البيت، وأزيل كل الأوساخ والأمور المنفرة للضيف، وأخرجها من داري. وأما الإيجاب: فأنا أسأل الضيف عن كل ما يحبه، عن طعامه، هل يأكل خبزا؟ أرزا؟ وأهيئ له كل ما يريد، أما إذا كانت هي منتظرة، وفي نفس الوقت نائمة، ولم تقم بتهيئة الطعام ولا كنس البيت، تقول أنها منتظرة؟ بل تضحكون عليها، قال: لا، قلت: إذن فالانتظار أمر عرفي يجمع بين هذين العملين السلبي والإيجابي، نفس ذلك انتظار الإمام المهدي(ع)، انظر هو ماذا يبغض وماذا يحب؟ فأخرج من قلبك الرذائل وأدخل في قلبك فضائل الأخلاق، وكذلك في العمل، حتى تتهيأ، حينما يأتي يريد أناسا مخلصين وعالمين، أنت أيضا اجعل نفسك كذلك حتى إذا جاء يقول: أنت معي، ككل شخص تنتظره فأنت لا تنام عنه في الدار، فلذلك لا نحتاج لتفسير الانتظار كما يحاول البعض أن يفسره، بل نقول: ضعه على ظاهره العربي كما تفهمه العجائز.

ما معنى كون المهدي(عج) وجه الله في دعاء الندبة: (أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء)؟

 معنى وجه الله أنَّه إذا أراد الإنسان أن يتوجه إلى الله فلابد أن تكون هناك وسيلة، إذا أنت توجهت إلى الإمام المهدي(ع) وبما أنَّه مندكٌّ في الله سبحانه، فتوجهك إليه توجه إلى الله تعالى، كما هو حال المدن والبلدان إذا سافر الرئيس وجعل نائبا له، فنائب رئيس الجمهورية يقوم مقامه، لأنَّه ليس موجوداً، فأنت إذا أردت أن تتوجه إلى رئيس الجمهورية أو الملك فأنت تتوجه إلى هذا الباب. فيعبر عن الإمام(ع) بأنه باب الله، ووجه الله بمعنى أنَّه الطريق إلى الله. فقط يأتي هذا السؤال: الله ليس كالملك، الملك ليس حاضرا في بلدك فأنت تتوسل بهذه الواسطة عند الملك الغائب، ولكنَّ الله ليس كذلك بل هو حاضر موجود في كل مكان {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}(7)، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ}(8)، فإذا كان الله موجودا دائما، الملك إذا كان عندك، فهل تتركه وتتوجه للوزير؟ هذا سؤال قد يعرض، الجواب: نعم الله موجود، لكن إذا كان هو يحب هذا، يحب أن نتوسل بالأئمة إليه فماذا تقول؟ تقول: بأي دليل؟ نقول: القرآن يقول في أبناء يعقوب: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}(9)، فالنبي يعقوب(ع) لم يقل لهم: يا أبنائي أنتم مشتبهون، والله ليس كملك بعيد، بل هو قريب أقرب إليكم من حبل الوريد، يسمع السر وأخفى، فأنتم رأسا استغفروا الله، لماذا تقولون لي وتجعلوني واسطة للاستغفار؟ هو لم يقل لهم هكذا، والنبي إذا رأى مشكلة ومخالفة لابد أن لا يسكت، والقانون يقول: الساكت عن الحق شيطان أخرس، فلا يصح من النبي أن يسكت عن المخالفة، وهو مع ذلك قبل منهم، قال لهم: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ} فمعناه صحة عملهم، وكذلك الآية التي نقرأها في زيارة النبي(ص): {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}(10)، هذا قد يقال إذا ضممنا إليه طلبهم من النبي الاستغفار، وإلا اكتفينا بالآية السابقة، أو أن الحواريين يقولون لعيسى(ع):{هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}(11) لكان عيسى(ع) يقول لهم: أنتم اسألوا الله، لماذا تسألوني أنا؟ فهذا دليل على أن الله جعل طريقا، كما أنه يحب أن ندعو الله في بعض الأمكنة {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}(12)، والحال أنَّ الله في كل الأمكنة موجود، ولكنَّه يحبُّ أنْ يذكرَ في بعض الأمكنة أكثر. هنا الله أيضا يحب هذا، لأنَّه من طريق وجه الله وهو الأئمة(ع)، فنتوجه إلى الله بهم على الطريقة القرآنية التي يدعونا الله إليها.

ما رأيكم في تطبيق الروايات (القائلة بأن كل راية قبل راية المهدي فهي راية ضلال) على بعض الفئات المؤمنة التي تسعى للإصلاح في الأرض؟

 ورد في روايات متعددة، منها في بداية الصحيفة السجادية للإمام السجاد(ع)، حيث كان للشهيد الصدر مقدمة عليها يبدو أنها وردت في مقام التحذير عن الادِّعاء، أنَّه لا يأتي كل شخص ويدعي الحق، فهذا تحذير كما تحذر ولدك حينما يخرج من الدار، فأنت إذا لم تحذره يستسلم لكل من يراه، فبيعة البيت بيعة صداقة وصدق وصفاء، وليس فيها كذب، فهذا متعود على هذه الحالة، لكن إذا خرج من البيت يعتمد على كل أحد، فأنت لكي تمنعه من هذه الحالة تقول له: لا تتبع كل أحد. هذا في نظري لأجل الحَذَر، أن لا يكون المعيار عندنا في كل راية تقوم هو ادِّعاء أصحابها في إرادة إقامة الحق وإقامة الحدود، لا ننظر إلى ما يدعيه من ادِّعاءات، بل ننظر إلى عمله الخارجي، كما قال الإمام الصادق(ع): (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم) أي بأعمالكم، فغرض الرواية، أنه لا تنظروا إلى ادعاءاتهم وراياتهم، فقط انظروا إلى عملهم.

روايات بمعنى أن كل راية تخرج بالسيف.

 هناك روايات كثيرة في هذا الصدد، لا فقط في مقدمة الصحيفة السجادية، في الوسائل روايات كثيرة، هذه موجودة..

فهل يُتَصرَّف في دلالة الروايات من باب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يتوقف على إعمال القوة.

 يعني سبب التصرف أنَّه إذا رأى الإنسان منافاة يفعل ذلك، وأما إذا لم ير منافاة بين إقامة الحدود وبين ذاك، من باب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالحج، فسبب وجوب الحج الاستطاعة، ولكن هل يجب على الإنسان أنْ يحصِّل الاستطاعة؟! لا.

لو بُسطت يد الفقيه؟

 نعم لو بسطت يجب، لكن لا يجب عليه البسط، إيجاد القدرة ليس واجبا، فإذا كان قادرا وليس فيه ضرر يعمل، كما في المستطيع {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}(13)، هنا أيضا توجد شروط، فإذا كان هناك ضرر فالنهي عن المنكر لا يجب، إقامة الحدود متى ما صار الإنسان مبسوط اليد يقيم، ولكن إذا كان شرط إقامة الحدود غير موجود، فعندنا قانون في الأصول وهو أن شرط الوجوب لا يجب تحصيله، ولذلك لا يجب تحصيل الاستطاعة، والذي يجب تحصيله هو شرط الواجب، فإذا كان الواجب فعليا وجب تحصيل شرطه، لكن إذا كان الواجب مشروطا بشرط ما فإنَّ تحصيلَ ذلك الشرط ليس بواجب. ولكن إذا رأى شخص ملازمة، فالنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف يستلزم هذا الأمر، فعند ذلك لابد من حمل هذه الروايات على ما قلته من التحذير لكثرة الدجالين، فالصالحون قليلون، والدجالون كثيرون، فهذه للتحذير بأن لا تنظروا إلى ادِّعائهم بل انظروا إلى عملهم.

وهذا يحتاج إلى تأمل، لأنَّ هذا المطلب فيه نواح متعددة، من ناحية إقامة الحدود، ومن ناحية كثرة الروايات، ومن ناحية بيان العلة كالتعبير بأنه (اصطلمته البلية، فكان ذلك زيادة في مكروهنا)(14)، وبعض الأخبار تقول أنك إذا عطلت عشرة حدود، أفضل من أن تقيم حدا واحدا على خلاف الحق، يعني أنك لا تجلد عشرة أشخاص زناة أو سرّاق، لا تجلدهم ولا تقطع أيديهم، هذا أقل ضررا من أن تجلد شخصا واحدا وهو غير زان اشتباها، فلذلك فهذه المشكلة موجودة في الحدود، أحيانا إذا حصلت التباسات فنفس ضرر ذلك المورد القليل أكثر من الترك الكثير، عشرة هناك، وهنا واحد، هذا الواحد أكثر ضررا من تلك العشرة، على الرغم من أن الحد الواحد أفضل من مطر السماء أربعين يوما كما عُبّر في الرواية، فمطر السماء أربعين يوما كم هي فائدته؟! إقامة حد واحد أفضل منه، ومع ذلك في روايات أخرى تقول أنه إذا وقع حد اشتباها وخطأ لا سمح الله، فضرره وملاكه وفوته للمصلحة أكثر مما إذا ترك الحد لعشرة أشخاص، ولهذا فهذا يحتاج إلى تأمل كثير في الجوانب المختلفة، وهذا سؤال جاءني ابتداءاً ولم أتأمل فيه من قبل، فهذا المقدار الذي جاء في نظري، وأنَّه ما من عام إلا وقد خص، يعني العام يقول: (كل راية) كما تقول: (كل عالم يجب إكرامه)، لكن يأتي مخصص، تقول: (أما زيدا فلا تكرمه)، فإما أن يكون تخصيصا، وإما أن يكون ذلك الجواب الأول، وإما أن يكون إخبارا عن أمر واقعي، يعني أنه يصير سببا، لا يقول أن وظيفتك ليست هذه، بل هي وظيفتك، لكنَّه خبر وتنبؤ بأنه على الرغم من عملك بوظيفتك إلا أنه تصطلمك البلية، مثل قولنا في زيد أن قيامه كان واجبا -على فرض قولنا بأن قيامه واجب-  لكن مع ذلك اصطلمته البلية فتأذى الإمام، فمن الناحية الشرعية يقول: إنك يجوز لك أن تخرج أو يجب عليك، لكن من ناحية التكوين والإخبار الخارجي، نقول: في نفس الوقت الذي كان هذا واجبا عليك، إلا أنه في نفس الوقت يكون موجبا للأذى عليك، وتصطلمك البلية ويكون زيادة في مكروهنا، فالاحتمالات موجودة، تحتاج للتأمل لنرى هل يوجد احتمالات أخرى، أو أي هذه الاحتمالات أحسن، هذا يحتاج إلى تأمل.

الإنسان المؤمن كيف يتعرف على كونه أهلا لنصرة الإمام المهدي(عج)؟ يكون مرضيا عند الإمام المهدي(ع) وممهدا لظهوره؟

 بحسب الأخبار لابد أن يسعى الإنسان لتطبيق تعاليم أجداده الطاهرين(ع) على نفسه، ولكن في نفس الوقت بعض الروايات تقول أنك قد تكون مؤهلا وتكون قد وصلت لتلك الدرجة المهيأة لنصرة الإمام، ومع ذلك الله يجعلك لا تعرف ذلك؛ لأنَّك إذا عرفت ذلك وأنَّك من الأنصار قد يعرض عليك العجب، وإذا عرض عليك العجب كل ذلك يزول، بل في بعض الأخبار (لولا أن المؤمن يعرض عليه العجب لما كان الله يمنعه من صلاة الليل ولا ليلة واحدة)، لكنَّ اللهَ يرى أنَّه إذا لا يمنعه من صلاة الليل فهذا يحصل له عجب، ولهذا كثير من المؤمنين يبنون على أن يصلوا كل ليلة صلاة الليل، ويعدوا المنبه ولكن الله أحيانا يمنعهم لأجل هذا. وأيضا هناك رواية أخرى: (لا تخرج نفسك عن حد التقصير)، ولهذا الإنسان العارف الكامل كلما كثر كماله لابد أن لا يخرج نفسه من التقصير، بمجرد أن يخرج نفسه عن هذا الحد، وعرف بأنه كامل، فهذا يؤدي إلى نقصه، فلذلك فليس تحصيل هذه المعرفة شرطا، بل هي مرفوضة ومبغوضة، لأنَّها تنافي قوله: (لا تخرج نفسك عن حد التقصير)، غاية الأمر أنَّ عليه أنْ يطبق على نفسه كل عمل من تعاليم الأئمة الطاهرين(ع)، ويقول: أنا بعد مقصر، أنا بعد لم أصل إلى تلك الدرجة.

ما معنى ما ورد من أن الإمام(عج) إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد؟

 الآن لا تنظر إلى الشيعة القلة، فالأكثر من غيرهم وأعمالهم في الغالب على خلاف الإسلام الواقعي، فإذا كان الناس كلهم متعودين على هذه الطريقة وجاء الإمام(ع) بخلاف ذلك يصير أمرا جديدا، وأيضا أنه أمر جديد باعتبار أن الإسلام صار عتيقا خلقا بسبب عدم العمل به، فما يأتي به الإمام(عج) يكون أمرا جديدا. وهناك أيضا نظرية المحقق الخراساني(ره) في الكفاية، يقول: إن بعض الأحكام الشرعية لم تصل إلى مرحلة الفعلية مرّ الليالي والأيام إلى أن تظهر شمس الهداية ويرتفع الظلام؛ فمعناه أن هناك قسما من الأحكام لم تصل إلى الفعلية فيجعلها فعلية، فمثلا مانع الزكاة لا يوجد له حد، بل يعزّر، لكنَّ الإمام الحجة(ع) يقتل، وأيضا النبي(ص) يقول: (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان)، لكن الإمام الحجة(ع) يأتي ويحكم  -بحسب بعض الروايات- ويقضي بحكم داود؛ يعني بالحكم الواقعي، ولا تقل أنه صار على هذا أفضل من النبي، لا لم يصر أفضل من النبي(ص)؛ لأنَّ الفرق لا يرجع إليهما (صلوات الله عليهما وآلهما) بل يرجع إلى شعبيهما، فشعب النبي(ص) كان شعبا متخلفا وضعيفا، ما كان يستطيع تحمل الحكم الواقعي، بخلاف شعب الإمام(ع) بحسب بعض الروايات أنه يضع يده على رؤوسهم فتكمل عقولهم فيتقبلون الواقع، فكما كان الشعب النبوي في ذلك الوقت لا يتقبل الواقع، كذلك في الرواية أن داود(ع) أيضا كان هكذا يقول أني أريد الحكم الواقعي لا الحكم الظاهري، فجاء رجل شيخ وأمسك بيدِ شابٍ وأن هذا دخل بستاني وسرق عنقودا وكان ينتظر من النبي(ع) يأخذ منه الحق، ولكن النبي فعل العكس، بل قال: أيها الشاب كل البستان لك، وهذا السيف أيضا لك، ولك حرية أن تقتل هذا الشيخ أو لا تقتله، فالناس صارت عندهم ضجة، فقال لهم إني أعرف الحكم الواقعي، وهو أن والد هذا الشاب قُتل على يد هذا الشيخ في الزمان القديم، وسلب منه البستان، فهذا هو صاحب البستان بالإرث، وهو أيضا صاحب الحق في القتل لأجل القصاص، لكن رأى أنه لا يستطيع أن يقول لكل الناس ذلك وأن يقنعهم، لا يقتنعون حينما يرون الظاهر، فرجع عن قوله، وقال: يا الله اجعلني كالسابق، يعني بالحكم الظاهري حتى أتخلص من هذه المعاناة، فالنبي(ص) أيضا في زمانه لم يكن الناس يتعبدون جدا، بل كثيرا ما كان يقول شيئا ويعارضه بعضهم كما في صلح الحديبية، فالشعب الذي على هذا الحال لابد أن يقول النبي لهم: إنما أقضي بينكم بالبيِّنات والأيمان، كما أنك لو كنت في جمع من أصدقائك الذين يقبلون كل كلامك فأنت تتكلم معهم بكل ما في قلبك، ولكن لو كنت في حضور عام لا يقبلون كل كلامك فأنت تكلمهم بالمقدار الذي يتقبلونه منك، لا تكلمهم بالشيء الواقعي، فهذا الفرق يرجع إلى الشعبين، لا إلى الشخصين الشريفين(ع)، فلا يصير دليلاً على أفضلية الإمام الحجة(ع) على النبي الأعظم(ص).

 أحسنتم سيدنا.. طيب الله أنفاسكم.

 سلمكم الله إن شاء الله.

المصادر والهوامش

  • (1) البقرة 124.
  • (2) في كمال الدين ص440، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن عثمان العمري(رض) قال: سمعته يقول: «والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه».
  • (3) الإسراء 33.
  • (4) آل عمران 183.
  • (5) الإسراء 33.
  • (6) المعارج 6-7.
  • (7) الحديد 4.
  • (8) المجادلة 7.
  • (9) يوسف 97.
  • (10) النساء 64.
  • (11) المائدة 112.
  • (12) النور 36.
  • (13) آل عمران 97. (14) ميزان الحكمة ج1 ص181
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى