على عتبات الأمير (ع) – في حوار مع سماحة الأستاذ الشيخ نزار آل إسماعيل

تعريف مختصر بالشخصية المحاورة

سماحة الأستاذ الشيخ نزار آل إسماعيل (حفظه الله) هو أحد أساتذة الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، ممن اشتغل بالتحصيل في هذه المدينة المباركة من بدايات أيام شبابه، وباشر التدريس فيها مبتدئا بدروس المقدمات ومرورا بمرحلة السطوح، ويشتغل حاليا بإعطاء الدروس في بحث الخارج فقها وأصولا.

وأما أساتذته في بحث الخارج فهم:

1. سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني (حفظه الله).

2. سماحة آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (حفظه الله).

3. سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (حفظه الله).

بالإضافة إلى ما تقدم فإنه (حفظه الله) يشغل منصب المدير في مدرسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) للطلبة الحجازيين؛ والتي ينتسب إليها جمع من طلبة العلوم الدينية من مختلف الجاليات العربية، إضافة إلى مشاركته في المحافل العلمية، وكونه صاحب قلم له بحوثه وتحقيقاته.

وإليكم نص الحوار:

 من هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وما هو موقعه في الإسلام؟

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل خلقه محمد وآله الطاهرين. لا أدري من أي باب أدخل إلى هذه الشخصية.. بطبيعة الحال يبدأ الموقف مهيبا وأمام إنسان عاش للإنسانية جمعاء، فلو سألت العرفاء، أو سألت الفقهاء، أو سألت المتكلمين، أو سألت الحكماء، أو سألت كل البشرية لقالوا كلهم كلمة واحدة وهي «علي»، حتى قالها: (لولا علي لهلك عمر)، وقال: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن).. إنه المنار وإنه القدوة، ولا غرابة فهو نفس الرسول (صلّى الله عليه وآله).

أيها السائل عن قصتنا

             لو ترانا لم تفرق بيننا

روحه روحي وروحي روحه

             من رأى روحين حلَّت بدنا؟!

فلو أردنا الدخول من باب: (يا علي… ولا عرفك إلا الله وأنا)(1) لم نستطع أن نتحدث عن أي مفردة من مفرداتها، ومن الصعب أن نتمثل ولو صورة واحدة من صور حياته، حتى أن البعض قد اعتقد فيه اعتقادات انحرافية لما ظهر من أفعاله مما يبهر العقول، كما ظهر لعيسى من إحياء الأموات فرأوا العجز عن ذلك في القوة البشرية، ولكن لم يعلم هؤلاء بأنه جاء عن النبي (صلّى الله عليه وآله): «إن لله عبادا أطاعوا الله فأطاعهم يقولون للشيء بأمره كن فيكون»(2)، يقول ابن أبي الحديد:

تقبلت أفعال الربوبية التي

             عذرت بها من شك أنك مربوب

وقد قيل في عيسى نظيركمثله

             فخسر لمن عادى علاك وتتبيب

والشأن الباطني الذي هو أعلى من الشأن الظاهري لا نستطيع الوصول إليه، ولهذا قد تختلط الصفات فيكون في حالة إفراط كما فعل الغلاة، أو في حالة تفريط كما فعل الطرف المقابل، فعليه نترك هذا الأمر وهذه المعرفة وبهذا المستوى إلى من اختارهم: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(3).

إلا أننا لا نبتغي أن نقف عند ذلك، لأننا نريد أن نستذكر عليا في الصفات، ونريد أن نستذكر عليا ممارسة.. إذن لابد وأن ندخل على هذه الشخصية من الموقف العملي، فهم الذين أرادوا أن نتمثلهم في عمل وفي قدوة من باب: «ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد»(4) إشارة إلى الجانب العملي في شخصيته حتى نزرع في أنفسنا شجرة هواه ثم نزرعها في الآخرين: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(5).. فهذا الجانب يؤهلنا إلى أن نشير إلى شخصيته، فنقول: إن هناك مقامات ثلاثة للأنبياء والأئمة:

الأول: مقام البشرية، وبه يتعاملون مع الناس.

الثاني: مقام الرسالة، وبه يرشدون الخلق إلى توحيد الله وعبادته.

الثالث: مقام الولاية وبه يدعون الخاصة إلى السلوك.

فمن الخطأ أن نذكر اسم علي وفضائله للتبرك فقط، بل لابد وأن نتعدى في التحديد إلى البعد الآخر في هذه الشخصية وهو البعد العملي، فإذا أردنا أن نعرفه من هذا الجانب فنقول: الشخصية التي نتحدث عنها شخصية تناست مقامها وما لها من الصفات العظيمة لأجل الإسلام، لم يكن يصدر من أمير المؤمنين (عليه السلام) قول أو فعل إلا لنصرة الدعوة، فهو الإسلام المتجسد، فصبر ولمدة خمس وعشرين سنة في سبيل الحفاظ على الكيان الإسلامي ووحدة الأمة.. فهو رئيس دولة وحاكم عظيم كانت سلطته مبسوطة على بلاد واسعة، إلا أنه لم يجلس بعيدا عن ضوضاء الحياة وقضايا الناس، وإنما قاد المجتمع ومارس حياته كأحدهم، وحمل همومهم.. شخصية مظلومة، ومظلومية هذه الشخصية أنه كان يعيش مع أولئك الذين علت صرخات صلاتهم وتلاوتهم للقرآن على صداه(6)، والسؤال هو: أين كان صداه وأين كانت معارفه؟ أليس كان هو القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني»(7).

 وقف الأدباء والكتاب أمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقفة إجلال، فهل يستوقفكم شيء من كلماتهم وآرائهم في المقام؟

 إذا أرادت الإنسانية أن تتمثل البطولات فهذا هو علي (عليه السلام)، وإذا أرادت أن تتمثل الصلاح والسلوك فهذا هو علي (عليه السلام)، قد تغنى باسمه الملايين من البشر من أول العهد إلى يومنا وإلى أن يبعث الله من في الأرض.. هي الكلمة التي ترتكز على الأرض فتتناولها السماء عظمة وسموا وعزة، قال فيه الأدباء الكثير لكنهم لم يوفوا أبدا، إلا أننا نتمثل بكلام بولس سلامة في تصدير غديريته: «حقا إن البيان ليسف، وإن شعري لحصاة في ساحلك يا أمير الكلام، ولكنها حصاة مخضوبة بدم الحسين الغالي»، يقول بولس سلامة:

يا مليك الحياة أنزل علَيَّا

  عزمة منك تبعث الصبر حيَّا

جود كفيك إن تشأ يملأ الشمس

             نماءً ويفرش الجدب فيّا

يوقظ الوردة فالربيع على التل

            ضحوك الألوان طلق المُحيَّا

ويقول الشيخ علي التاروتي في مديحه:

سمعا مهفهفة الهفوف من هجر

            أنغمة الصوت ذا أم رنة الوتر

وذا الذي عطّر الآفاق فائحه

            ترديد نفسك ذا أم نفحة العطر

إلى أن يقول:

وذا الصقيل رقيق الحد أنفك أم

            سيف كسيف علي سيد البشر

مروي البواتر من دم العساكر

            حزاز الحناجر مولى الفتح والظفر

وهو العبوس إذا اصطاد النفوس

            وحصاد الرؤوس مزيل البؤس و الحذر

وهو الرؤوف ووهاب الألوف ورغـ

            ـام الأنوف لأهل الكفر والغير

بحر الفضائل ينبوع الفواضل حـ

            ـلال المشاكل أوج المجد من مضر

وهذه القصيدة الغراء كثيرة الأبيات وهي مستقاة من ينبوع الصفات التي فاضت من شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، والشعراء الذين تبركوا باسمه يصعب إحصاؤهم إلا أنا نتبرك بذكر اثنين منهم:

الأول: أبو الحسن حماد بن عبيد الله بن حماد العدوي العبدي المتوفى أواخر القرن الرابع، يقول:

وأريد أسأل مستفيدا قلت سل

  واسمع جوابا قاهرا لم يقهر

قال الإمامة كيف صحت عندكم

            من دون زيد والأنام لجعفر

قلت النصوص على الأئمة جاءنا

            حتما من الله العلي الأكبر

إلى أن يقول:

قلت الوصي على قياسك لم ينل

            حظ الخلافة بل غدت في حبتر

إذ كان لم يدع الأنام بسيفه

            قطعا فيالك فرية من مفتر

وهذه القصيدة مفعمة بالكناية والتعريض في أسلوب البرهان الجاد.

الثاني: الشيخ محمد السماوي:

يا لؤلؤ عقد قد أغنى

            وسحاب ربيع قد روض

سودت صحائف أعمالي

            وبمدح أبي حسن تبيض

أفليس الله له أعطى

            حكم الأخرى وله فوض

وحباه الأمر وولاه

            فيمن يهواه ومن يبغض

سيخاصم من عاداه غدا

            بقوي خصام لم يدحض

فأقام الهادي في (خم)

            والجمع هنالك لم ينفض

وكوثرية السيد الهندي «علم من فوقه نار»، وكل من هؤلاء الشعراء أدلى بدلوه جزاهم الله خير الجزاء، وأما كلمات العلماء والأدباء فقد فاضت وفاضت حتى أنه أخفى محبوه فضائله خوفا وأخفى أعداؤه فضائله حقدا وخرج من بين ذينك ما ملئ الخافقين.

يقول ابن أبي الحديد: “فأما فضائله عليه السلام فإنها قد بلغت من العظم والجلال والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها والتصدي لتفصيلها..”(8).

وقال أيضا: “وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر، قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

            بكيته أبدا ما دمت في الأبد

لكن قاتله من لا نظير له

            وكان يدعى أبوه بيضة البلد”

يقول عبد الرحمن الشرقاوي في مقدمة كتابه «علي إمام المتقين»: “فأرجو أن أكون قد وفقت في رسم صورة مضيئة للإسلام ولقدرته على مواجهة مشكلات العصر، من خلال تصويري للإمام علي بطلا خارقا ومفكرا وحكيما وعالما وزاهدا وإنسانا عظيما.. ويا لهذا البطل المثالي الذي كان يواجه بنبالة الفروسية وبعظمة الزهد وبسمو الفكر كل ما طالعته به الحياة الجديدة من أطماع وجحود ودسائس وحيل وأباطيل”.

وقد نسب إلى الإمام الشافعي أو ابن حنبل أنه حين سئل عن فضل الإمام علي (عليه السلام) قال: “ما أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله بغضا وحسدا، وأخفى محبوه فضائله خوفا ورهبا، وهو بين ذين وذين قد ملأت فضائله الخافقين”.

وروى العلامة الكنجي في الباب الحادي والثلاثين بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما أنزل الله تعالى آية فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} إلا وعلي رأسها وأميرها».

وصفه ضرار بن ضمرة: “وكان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ويستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته..”.

 ما هي العلاقة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين الرسول (صلّى الله عليه وآله) من جهة، وبينه (عليه السلام) وبين بني هاشم من جهة أخرى؟

 علاقة أمير المؤمنين (عليه السلام) برسول الله (صلّى الله عليه وآله) علاقة واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، وأفضل من بين هذه العلاقة هو القرآن الكريم في آية المباهلة حيث يقول: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}(9)، فالنفس واحدة، والكيان كيان واحد، والأهداف أهداف واحدة، ولا غرابة فإنه قد نشأ في حجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منذ نعومة أظفاره، وتغذى من علمه وعمله.. أسلم على يديه وهو فتى، قال ابن الصباغ المالكي: “فلم يزل علي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى بعث الله (عزّ وجلّ) محمدا نبيا، فاتبعه علي (عليه السلام) وآمن به وصدقه وكان إذ ذاك في السنة الثالثة عشر من عمره ولم يبلغ الحلم.. وأنه أول من أسلم وآمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الذكور”(10)، ولازم (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى الممات، وقال: «وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره..»(11)، وقال: «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه..»(12).

في الحقيقة يطول الكلام في بيان هذه العلقة حيث جاءت لإعداده في تحمل أعباء الرسالة، فهذا علي (عليه السلام) مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أول الدعوة، وهذا علي (عليه السلام) مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) في معاركه.. بدر وحنين والخندق وخيبر وأحد وتبوك و.. فهو صاحب راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث بقيت مرفرفة على رغم التخاذل من قبل البعض وفرارهم من الموقف.. إلا أن عليا (عليه السلام) بقي الدرع الواقي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وللمسلمين، فحمل ذلك الوسام الأكبر من قبل الرسول (صلّى الله عليه وآله): «برز الإسلام كله إلى الشرك كله»، وهكذا اتسعت العلقة لتشمل الأقارب إذ لم يكن أمير المؤمنين ليحصر نفسه بالدعوة وإنما جاء ليشارك عشيرته، ذلك عندما أمره الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالدعوة فقال (عليه السلام): «دعاني رسول الله فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت ذرعا وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره..» فاستجاب أمير المؤمنين لذلك فدعا عشيرته بعدما صنع صاعا من طعام وجعل عليه رجل شاة وسقاهم حتى رووا.

هذه العلقة أثرت أثرها في استجابة البعض للدعوة، فحمل أمير المؤمنين (عليه السلام) شعار الظل لبني هاشم، فرأوه القدوة الحسنة الصالحة لنصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). علاوة على ذلك تكون الصلة القريبة لبني هاشم بالولادة، فإنه هاشمي ولد من هاشميين، هذا النوع من التكوين يخلق في النفوس نظرة أخرى للشخص في الوسط الاجتماعي بالارتباط والتأثير.

  شخصية الإمام علي (عليه السلام) شخصية فريدة من نوعها، لها عدة من المميزات؛ كالبطولة والشجاعة، والعلم والأدب، وغيرها.. فهلا تفضلتم ببيان شيء من هذه الجوانب، وذكر بعض ما استوقفكم من هذه الصفات؟

 صفات كثيرة وعظيمة تحلى بها أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما أننا نبتغي من ذكرها الثواب والجزاء الحسن من قبل الله حتى تشملنا كلمتهم: «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا»، نريد أيضا أن نقدم الرؤية الواقعية لهذه الشخصية بعيدا عن الإشباع في الكلمات غير المفهومة.. علاوة على أنها شخصية معنوية وعرفانية؛ لأن عليا (عليه السلام) مرتبط بالفيض الإلهي وهذه جنبة لا يعلمها إلا الله (عزّ وجلّ)، ولا يمكن أن نتحدث عنها لأننا عاجزون جدا عن الوصول إلى أسرارها، فلذلك تستعصي عندها الكلمات:

بل هو أصل الكتب المنزلة

            فإنه نقطة باء البسملة

مصباح نور الأحدي الذات

            معلم الأسماء والصفات

إلا أن اليراع لا يتوقف في بيان الجنبة العملية لتلك الصفات، فمن صفاته:

1- المحافظة على الشريعة: ففي كل الأحداث من أول الدعوة وبزوغ نور الإسلام، إلى ما بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإلى الظروف التي عاشتها حكومته، لم ينس أمير المؤمنين الرسالة والحفاظ عليها، فدفع الحق عن نفسه لأجلها فوقف ناصحا ومشاركا هموم الأمة.. حتى أنه عندما جاءته الخلافة بعد مقتل عثمان كان يقول: «والله ما تقدمت عليها –الخلافة- إلا خوفا من أن ينزو على الأمر تيس من بني أمية فيلعب بكتاب الله عز وجل»(13)، فالمهم هو الإسلام والمسلمون والمستضعفون: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها».. فعلي (عليه السلام) قد كرس كل عناوينه لأجل الله (عزّ وجلّ)، ولأجل الإسلام، ولأجل الأمة والدفاع عن كل معاني الخير والصلاح.

2- الشجاعة: أما شجاعته فهي أوسع من أن يحصيها قائل.. ويكفي أن نذكر حادثة ليلة المبيت عندما قرروا إرسال رجل من كل قبيلة ليقتل النبي (صلّى الله عليه وآله)، واتفقوا على ليلة تنفيذ الخطة، فأتى جبرئيل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في فراشه وأذن له بالهجرة، فعند ذلك أخبر عليا (عليه السلام) بأمرهم وأمره أن ينام في مضجعه.. استقبل علي (عليه السلام) أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنفس صابرة مطمئنة حينما قال للرسول (صلّى الله عليه وآله): «أو تسلم يا رسول الله؟ فقال: نعم.. بذلك وعدني ربي» فتبسم وأهوى إلى الأرض ساجدا.. وعندما جاء الليل اتشح علي (عليه السلام) ببرد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واضطجع على فراشه، وجاء رجال قريش والشر يملأ نفوسهم فرأوا رجلا نائما، فأيقنوا بوجود النبي (صلّى الله عليه وآله) واطمأنت قلوبهم، ولما حان الوقت هجموا على الدار وكان في مقدمتهم خالد بن الوليد، فوثب علي (عليه السلام) من فراشه فأخذ منه السيف وشد عليهم ففروا من أمامه، وبذلك كتب الله السلامة لنبيه. هنا تتجلى العظمة وتتجلى كل معاني الشجاعة والتضحية، وقد باهى الله بهذه التضحية ملائكته فنزلت الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}(14).

3- العلم: ليس هنا توقف في الينبوع، تحار العقول في التفتيش عن الاستحالة، إلا أنها تخضع صاغرة أمامه. لقد ثبت أنه لابد للرسول من خليفة يجمع شمل الأمة ويرعاها ويحفظ الدين وامتداده، لئلا يذهب الناس عن الحق بعد تلك المتاعب والمصاعب التي لاقاها الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولا يمكن أن يقوم إنسان مقام الرسول إلا بأن يتحلى بالصفات التي تؤهله لهذا المنصب الخطير من علم وعدل وشجاعة، ولابد أن يكون علمه شموليا للمعارف والأحكام والأديان علما حضوريا، لأن كل صفة من تلك الصفات لابد أن تتواجد لديه بصورة أتم، ولا غرابة أن يكون لأمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك، فهذا آصف بن برخيا كان عنده حرف واحد وقد أحضر به عرش بلقيس بأسرع من طرفة عين، وقد أعربت الأحاديث بأن لدى الأئمة (عليه السلام) اثنين وسبعين حرفا، قد لا ندرك هذه الأسرار إلا أنه لا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا -من ناحية الاستطلاع- إثبات أن أمير المؤمنين رزق من العلم ما لا يحصى عددا ولا يتوقف أمدا.. والناس عيال عليه، والقائل هو الرسول (صلّى الله عليه وآله): «أقضاكم علي»، وروى الترمذي في صحيحه أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، وعلم علي (عليه السلام) كعلم النبي (صلّى الله عليه وآله) إلا أن علم علي بواسطة النبي، وعلم النبي بواسطة جبرائيل الأمين.. كيف وقد علمه رسول الله ألف باب من العلم ينفتح له من كل باب ألف باب، وهو القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني» بهذا الاطمئنان والتحدي، وفي مسند أحمد أنه لم يكن أحد من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول: (سلوني إلا علي بن أبي طالب)، وهناك المواقف الكثيرة التي يستشف منها ذاك المعنى: ولدت امرأة لستة أشهر فأمر عمر برجمها فقال له علي (عليه السلام): «إن أقل الحمل ستة أشهر بقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}(15)، وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} (16)»، كذلك حكمه في ذي الرأسين بإيقاظ أحدهما.. ومسائل القضاء كثيرة، فالصحابة كانت تشتبه عليهم الأمور والأحكام وكانوا يراجعونه في ذلك، ولم ينقل أنه (عليه السلام) راجع أحدا منهم في شيء.. نقل أن أبا بكر لقيه بعض اليهود فقال: أين الله؟ فقال: على العرش؟ فقال اليهودي:..خلت الأرض منه حيث اختص ببعض الأمكنة فانصرف اليهودي مستهزءا بالإسلام فلقيه علي (عليه السلام) فقال له: «إن الله أيّن الأين فلا أين له»، فأسلم على يده. وكذلك قضى عمر على امرأة حامل فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل»، فقال: لولا علي لهلك عمر. وهكذا كان علمه وقضاؤه، يقول سبحانه: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(17).

4- الأدب: فحدث ولا حرج، فهذا النهج الخالد إنما خلد بما أنه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذه الكثرة في الشروح لم تأت عليه إلا لأنه لإمام المتكلمين، يقول عنه ابن أبي الحديد: “وأما الفصاحة فهو (عليه السلام) إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وفي كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة”(18)، وقال عبد الحميد بن يحيى (م132): “حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت..”، وقال ابن نباتة: “حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة..”.

وكلماته المأثورة تعطينا صورة من تلك الدائرة، يقول: «إذا أقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم»، ويقول: «خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم»، وهناك جوانب في شخصيته يجري القلم عليها ولا يقف إلا أننا قاصرون عن إحاطتها في مثل هذه الدقائق.

 ما هو دور نهج البلاغة في النص الشرعي؟ وما هي المميزات لهذا الكتاب؟ ومتى برز وأخذ الناس يتداولونه في المجتمع الإسلامي؟ وهل هناك أمثلة عملية للاستفادة من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في عملية الاستنباط الفقهي؟

 «نهج البلاغة» هذا العنوان المرهف.. عظمة هذا الكتاب جاءت بعد القرآن الكريم، جاء هذا الكتاب ليقول كلمته في التعاليم الإسلامية-الاجتماعية-الأخلاقية-التاريخية-الحكومية، وهكذا كل ما يلزم الإنسان الرسالي في تراتيب حياته الفردية والاجتماعية، يقول السيد محمد محيي الدين عبد الحميد: “وبعد فهذا كتاب «نهج البلاغة» وهو ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  (رضي الله عنه)، وهو الكتاب الذي جمع بين دفتيه عيون البلاغة.. إذ كان من كلام أفصح الخلق بعد الرسول”، وقد احتوى من حقائق البلاغة ودقائق الفصاحة ما لا يبلغ قعره الفكر، يقول الإمام الشيخ محمد عبده المتوفى عام 1323هـ: “وتأملت جملا من عباراته من مواضع مختلفات، ومواضيع متفرقات فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبت وغارات شنت، وأن للبلاغة دولة وللفصاحة صولة” إلى أن قال: “ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي (رحمه الله) من كلام مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه جمع متفرقه وسمّاه بهذا الاسم «نهج البلاغة»، ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه”.

قام الشريف الرضي (رحمه الله) بجمعه من مصادره المعروفة سنة (400هـ) حيث قسم هذا الكتاب إلى خطب ورسائل وكلمات قصار، يقول: “ورأيت كلامه (عليه السلام) يدور على أقطاب ثلاثة: أولها: الخطب والأوامر، وثانيها: الكتب والرسائل، وثالثها: الحكم والمواعظ، فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم والأدب”(19). وقد اهتم بجمع كلامه بعض المتقدمين على الشريف الرضي مثل: 1- نوف بن فضالة البكالي. 2- ضرار بن ضمرة الضبائي. 3- الحارث الأعور الهمداني م(65هـ). 4- كميل بن زياد النخعي. 5- زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير المؤمنين، يقول الشيخ الطوسي في الفهرست: “زيد بن وهب له كتاب خطب أمير المؤمنين على المنابر في الجُمع والأعياد وغيرها”(20) 6- الأصبغ بن نباتة المجاشعي، وهو من خواص أمير المؤمنين وروى عهد مالك الأشتر. 7- إسماعيل بن مهران، قال عنه الشيخ الطوسي: “لقي الرضا وروى عنه وصنف مصنفات كثيرة منها خطب أمير المؤمنين”(21). 8- صالح بن حماد، قال عنه النجاشي: “لقي أبا الحسن العسكري، له كتب منها كتاب خطب أمير المؤمنين”(22) 9- هشام الكلبي (م206)، قال عنه النجاشي: “كان يختص بمذهبنا.. وله كتب كثيرة منها كتاب بالخطب”. 10- أبو الحسن علي بن محمد المدائني (م225).

وابتداء فإن العلماء يعرفونه إلى العالم الإسلامي من خلال الشروح بعددها الكثير، حتى أن صاحب الغدير أورد ما يقارب (81 شرحا) وصاحب الذريعة أورد ما يقارب (150)؛ ومن الشروح:

1- معارج نهج البلاغة لظهر الدين بن علي بن زيد البيهقي (م566).

2- منهاج البراعة لقطب الدين الراوندي (م573).

3- حدائق الحقائق لقطب الدين الكيوري البيهقي.

4- منهاج البراعة للسيد حبيب الله الخوئي (م 1324).

5- شرح الشيخ محمد تقي شوشتري (م 1415).

6- شرح ابن أبي الحديد المعتزلي.

7- شرح ابن ميثم البحراني (كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني).

لقد تناول العلماء والمسلمون نهج البلاغة تناول تقديس وعظمة، وإلا لما جاء مثل الخطيب المصري عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الفارقي المتوفى عام (374هـ) ليقول: “حفظت من خطب الإمام علي كثيرا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة، وحفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب”. وكذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي الخطيب الزاهد البغدادي عاش ثمانين سنة وتوفي عام (564هـ) وقد ترجم له ابن كثير في البداية والنهاية 12/ 260 وقال عنه أنه كان يحفظ نهج البلاغة. يقول المسعودي (م346): “والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، وتداول الناس عنه قولا وعملا”(23).

وعلى كل حال فقد أطبق العلماء على تقديس هذا الكتاب واشتهر اشتهارا لا يخفى على أحد.. وبعد هذا كله كيف يمكن أن نأتي ونشكك في نسبته لأمير المؤمنين، وللتوضيح هنا نقطتان:

الأولى: في نسبة هذا الكتاب لأمير المؤمنين، والثانية: كيف يمكن أن نتعامل معه في تفسير النص الشرعي المؤثر في عملية الاستنباط؟

أما النقطة الأولى: فيمكن أن نجيب عليها من خلال لسان العلماء، ومن خلال المواقف العديدة، ومن خلال القرائن والظروف المعينة، فهناك من شكك في نسبة هذا الكتاب للإمام (عليه السلام)، وأن ما في النهج انتحله الشريف، من أولئك الذين شككوا: 1- شمس الدين أحمد بن خلكان الأربلي البرمكي. 2- الصفدي في (الوافي بالوفيات 2/ 375). 3- بن تيمية في منهاج السنة. 4- الذهبي. 5- شوقي ضيف في (الفن ومذاهبه في النثر العربي)، وهذا الإنسان يحمل نفسية ضعيفة وهزيلة، فقد تتبع أمير المؤمنين حتى في نسبة تأسيس علم النحو في قصة الدؤلي المشهورة؛ حيث قال في كتابه (المدارس النحوية) ص14: “وكأنه لم يكن مشغولا حيث ذهب إلى العراق والكوفة بإعداد الجيوش لحرب معاوية، ولا كان مشغولا بحروب الخوارج، إنما كان مشغولا بالنحو ووضع رسومه وأصوله وفصوله، وطبائع الأشياء تنفي في تضاعيفها ما يقطع بانتحالها لما يجري فيها من تعريفات وتقسيمات منطقية لا يعقل أن تصدر عن علي بن أبي طالب أو أحد من معاصريه، ولعل الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم النحو..”، بهذه التوهمات الواهية أراد هذا الإنسان أن يدخل العلم بأوسع أبوابه، وكأنه تناسى الكلمات التي نقلناها عن حملة خطب أمير المؤمنين من مثل عبد الحميد بن يحيى (م132) وابن نباتة وأمثالهم.. أم أنه تناسى خطب الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأحاديثه التي فاضت وملأت صحاحهم مع أنه كان مشغولا بإقامة الدعوة والدولة الإسلامية والحروب مع العدو الكافر.

أما قوله بأن فيه تعريفات وتقسيمات منطقية.. إلخ، فهل أن النص الشرعي وفي مقدمته «القرآن الكريم» لم يأت بأدلة عقلية في ضمن الآيات الدالة على توحيد الله؟ وعلى أنه {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}(24)؟ ولكن المسافة بعيدة بين من التزموا بالقرآن بالتدبر في آياته الأنفسية والآفاقية {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}(25) وبين من جعل القرآن والعترة وراء ظهره مثل شوقي ضيف.

وكل هذا التشكيك إنما جاء ليحكي نفوسا بعيدة عن الإنصاف، ولا عجب في ذلك فإن ثلة ممن ادعى الأدب تمادى في التشكيك حتى في القرآن الكريم وبلاغته، وقد تصدى لهؤلاء أمثال مصطفى صادق الرافعي.. وكذلك فقد تصدى الكثير من العلماء لفريق التشكيك بنهج البلاغة من أمثال: ابن الجوزي ومحمد بن طلحة الشافعي وعبد الحميد الكاتب وهو القائل: “ما تعلمت البلاغة إلا بحفظ كلام الأصلع”.

وقد أوضح أمير البيان الأمير شكيب أرسلان حين زار دمشق بعد رجوعه من أوربا عندما جرى الحديث عن نهج البلاغة فقال أحدهم: إنه موضوع على لسان علي. ووافقه الباقون فسألوه عن رأيه فقال: إذا كان موضوعا فمن هو واضعه؟ هل هو الشريف الرضي؟ قالوا: نعم. قال: إن الشريف الرضي لو قسم أربعين رجلا ما استطاع أن يأتي بخطبة واحدة. قال صاحب الغدير: “والدعوى المجردة ببطلان أكثر ما فيه وعزو ذلك إلى سيدنا الشريف الرضي الذي عرفت موقفه العظيم من الثقة والعلم والجلالة، أو الترديد فيمن وضعه وجمعه بينهما مما لا يقام له في سوق الحقايق وزن، وليس له مناخ إلا حيث تربض فيه العصبية العمياء..”(26)، ومثله في شرح ابن أبي الحديد، يقول: “فأقول: لا يخلو إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا أو بعضه، والأول باطل بالضرورة لأنا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين.. والثاني: يدل على ما قلناه لأنَّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب، لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح.. ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصايد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام..لأنا متى فتحنا هذا الباب وسلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول الله أبدا”(27)، وهناك كلمات إعجاب من كثير من العلماء منهم الشيخ محمود الآلوسي، والشيخ ناصيف اليازجي، والدكتور زكي مبارك، وعباس محمود العقاد، والإمام محمد عبده، ولهذا جاء بعض الأعلام بكتابة رسائل ومؤلفات في مدارك نهج البلاغة، منهم:

1- الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، له كتاب «مدارك نهج البلاغة».

2- السيد هبة الدين الشهرستاني، له كتاب «ما هو نهج البلاغة».

3- العلامة السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، له كتاب «مصادر نهج البلاغة وأسانيده».

4- الشيخ عبد الله نعمة، له كتاب «مصادر نهج البلاغة».

وكذلك: ابن النديم والنجاشي والطوسي وياقوت الحموي وحاجي خليفة وابن الأثير وسبط ابن الجوزي وأبو القاسم النجفي، وآغا بزرك الطهراني، والعلامة السيد محسن الأمين.

بعد كل هذه الكلمات وكل هذا التتبع في خطب الأمير: (تقديسا- حفظا- شرحا) لا يبقى للمنصف أي شك في نسبة هذا الكتاب إلى أمير الكلمة علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وأيضا نضيف إلى ذلك:

أولا: موافقة هذا الكتاب لكل تلك الظروف التي عاشها أمير المؤمنين؛ من حرب أو ظروف الخلافة، أو ما عاشه الأمير من إقصاء، مما يجعلنا مذعنين بأن هذه الخطب في هذا الكتاب كانت تحكي شخصية واحدة فقط وهي شخصية علي (عليه السلام).

ثانيا: المعالم والمعارف والعناوين المبثوثة في هذا الكتاب تكشف عن كل ما ذكرناه سابقا، فقد حوى هذا الكتاب شتى العناوين:

1- ما وراء الطبيعة. 2- السلوك والعبادة. 3- الحكومة والسياسة. 4- الخلافة. 5- الحكم والحاكمية. 6- الشجاعة. 7- الدعاء. 8- الانتقاد. 9- المجتمع. 10- فروع الدين وأصوله.

وخصوصية هذه العناوين أنها اهتمت بالجانب العملي للإنسان، حتى أن كل عنوان من هذه العناوين حملت لفظة خاصة في البيان وفي الطرح، مثلا عندما نأتي إلى عنوان «التقوى» في خطبته لهمام وهي طويلة وقد تدرج أمير المؤمنين (عليه السلام) في البيان حتى وصل القمة، وفي الأخير (فصعق همّام صعقة كانت نفسه فيها)، فمن مقاطعها: “فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتحملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل” نفس هذه الخطب وهذه العناوين كانت موجودة في الأذهان وفي المجاميع قبل الشريف الرضي، ومع ذلك فهناك من لم يقبل هذه النسبة لعدة تشكيكات نذكر بعضها(28):

1- اشتمال نهج البلاغة على خطب ورسائل كثيرة مما يتعذر على الإنسان حفظها. وهذا التشكيك الواهي قد نسى التراث الضخم الذي خلفه الأدباء والعلماء على مر التاريخ، ونسى الحفّاظ الذين دونوا تاريخ الأدب بخطبه الطويلة.. كيف وقد حفظ عبد الحميد الكاتب سبعين خطبة من خطب أمير المؤمنين، وابن نباتة كان يحفظ مائة من مواعظه، ولا يخفى على الباحث بأن رسائل أمير المؤمنين كانت مكتوبة، كما أن عهده إلى مالك الأشتر كان مكتوبا، وذكر المؤرخون أن خطبة الإمام (عليه السلام) في الجهاد: (إنه باب من أبواب الجنة) كانت مكتوبة بخطه.

2- جاء في بعض الخطب ذكر الوصي والوصاية.. وهذا المصطلح لم يظهر إلا بعد استشهاده.

ويكفي في جواب هذا الاعتراض النظر إلى الأحاديث التي وردت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) مثل حديث الدار الوارد في مسند أحمد بن حنبل حيث قال النبي (صلّى الله عليه وآله) لما جمع عمومته وزعماء قريش وهم يومئذ أربعون رجلا: «فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» فأحجم القوم ولم يجبه أحد إلا الإمام علي (عليه السلام)، فقال مخاطبا للجمع: «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا».

3- بعض ما في النهج جاء في وصف الحيوانات وصفا دقيقا بأسلوب لم يعرف إلا في العصر العباسي؛ كوصف الطاووس، فمتى رأى الإمام الطاووس حتى يصفه؟!

هذا الاعتراض عجيب.. كيف تتصور عالما وأديبا يتفوه بهذا الكلام؟ وهل يخفى على أديب معلقة امرئ القيس الوصفية، وبتلك الدقة في الوصف والكناية، بل في ترتيب تصورات مترابطة بين الشاعر والوجود الآخر مما حوله من أشياء ووجودات؟ وهل أن الإمام لم ير الطاووس في سفراته إلى اليمن أو البصرة حتى لا يتمكن من وصفه؟! إنها اعتقادات مدفونة في تلك النفوس الهابطة.

نتيجة كل ما مر هو عدم إمكان التشكيك في نسبة هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

بعد بيان هذه النقطة الأولى نأتي هنا إلى النقطة الثانية وهي: هل من الممكن أن نتعامل مع هذا الكتاب المقدس في تفسير النص الشرعي المؤثر في عملية الاستنباط؟

يمكننا أن نتعرض إلى هذه النقطة في هذه العجالة بصورة مجملة جدا، هنا نذكر الأساس في التدرج للوصول إلى نتيجة معينة فنقول: كتاب نهج البلاغة إما أنه مندرج تحت كتب الأحاديث والأخبار (ما يحكي قول المعصوم)، أو أنه غير مندرج بل هو من الكتب المؤلفة من قبل العلماء -بمثابة الفقه الرضوي على مبنى المشهور- ولا سبيل لاختيار الثاني لعدة أدلة وافية تدرجه في قول المعصوم، فهناك قرائن كثيرة لا يشك القارئ أن الكتاب من صنيع أمير المؤمنين:

أولا: المداومة على حفظه وقراءته منذ العصر الأول وقبل عهد الشريف الرضي.

ثانيا: الحكاية عن نفسه في المواطن حسب الظروف التي عاشها.

ثالثا: حكاية الأحداث التي عاشها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكذلك ما ذكرناه سابقا.. كل ذلك شواهد على أنه من أحاديثه (عليه السلام)، وهناك مؤيدات كثيرة، منها: المضامين التي احتواها هذا الكتاب، وكذلك اجتماع الخاصة والعامة على هذه النسبة من دون تشكيك، فإذا ثبت بلا ريب بأن هذا الكتاب يحكي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) نأتي إلى مسألة حجيته وعدمها في عملية الاستنباط، وطبعا سيختلف القول بحجيته على اختلاف المباني:

فمنهم: من يقول باختصاص الحجية بالمسانيد من الأخبار من الصحاح أو الموثقات.

ومنهم: من يقول باختصاص الحجية بأخبار الكتب الأربعة.

ومنهم: من يقول بأن كل موثوق ومظنون بصدوره حجة، وهذا يعتمد على الشواهد والقرائن الظنية.

ومنهم: من يقول بحجية كل خبر غير معلوم الكذب أو غير مظنونه.

تظهر الفائدة حينئذ لمن يعمل بمطلق الخبر إذا انجبر ووافق الشهرة، أو إذا احتف بقرائن يطمئن إليها، هذا في الإلزام من الأحكام، أما في الآداب والسنن فيمكن أن يثبت ذلك من خلال قاعدة التسامح في أدلة السنن عند من يقبلها، أما إذا كان من الحكمة والإرشاد فلا نحتاج إلى كل هذا التكلف، فهذه كتب الفلاسفة والحكماء والتي اشتهرت نسبتها إليهم منذ آلاف السنين لم يأت أحد ليناقش في تلك النسبة، بل أخذوها واحتجوا بها في إثبات شيء أو نفيه، وناقشوا مضامينها بما هي منسوبة إلى أصحابها.

بطبيعة كل ما مرّ فإن الأحكام الإلزامية وغيرها تعود إلى مباني أصحابها، إلا أننا نستطيع أن نجمع بين كل هذه المباني والآراء تحت عنوان: «قبول الخبر إذا كان متسالم عليه» فيكون بمثابة «الناس مسلطون على أموالهم»، أو كان محفوفا بقرائن قطعية أو يطمئن إليها ولكن كل هذا البحث نحتاجه لو ثبت ورود حكم خاص معارض لأخبارنا المعمول بها، وهذا بحث مهم جدا يعتمد على التبويب الفقهي لنهج البلاغة حتى نرى المعارض من غيره، والظاهر أن ذلك التبويب الموسع غير موجود ويا للأسف وإن كان هنالك جهود مشكورة إلا أنها بقيت في دائرة ضيقة جدا. فالقول بأن غير الكتب الأربعة (وإن لم تكن بحيث يستغنى عنه الفقيه إلا أنها لا تعد ركنا لاستنباط الأحكام ومرجعا عاما للفقهاء الكرام)(29)، هذا الكلام يعتبر تراجعا عن البحث والتحقيق، خلافا لما كان عليه علماؤنا المتقدمون فإن لهم المبادرة الجادة في البحث والتحقيق عن القرائن المضمرة في هذه المجاميع من كلماتهم (عليهم السلام)، حيث حصلوا من خلال دراساتهم على لغة أخرى تسير بهم نحو أجواء النص وكأنهم إلى الواقع أقرب، ولو كان هناك تبويب فقهي لنهج البلاغة واستقراء للفروع الفقهية في نهج البلاغة لانكشف لنا عن خزانة ضخمة، ولتأسست لنا نظريات فقهية من مثل نظرية: «أحكام أهل البغي» حيث بادر بعض علماء السنة للإشادة بهذه الأحكام، إلا أن الزمان لا يتوقف فلنحاول أن نخلق في أنفسنا الإرادة في البحث والتمحيص، وقد ينفتح لنا من خلال ذلك رؤى عملية صائبة من نبع الواقع.

هناك نبذة من الأحكام مثل قوله (عليه السلام): «ومن تمام الأضحية استشراف أذنها وسلامة عينها، فإذا سلمت الأذن والعين سلمت الأضحية وتمت ولو كانت عضباء القرن تجر رجلها إلى المنسك». ومنها قوله (عليه السلام): «فامنع من الاحتكار فإن رسول الله  (صلّى الله عليه وآله) منع منه».

إلا أنه تستوقفني بعض الكلمات وهي: «لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض» و «إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها»، وهذه الكلمات تشير إلى مسألة فقهية وهي عدم جواز فعل النافلة في وقت الفريضة، واستدل على المسألة بعدة أدلة، إما من خلال الأدلة العامة في توقيت الفرائض وعدم تداخل النافلة مع الفريضة، أو لخصوص: «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة»، أو «لا تصلى نافلة في وقت فريضة»، أو قيل لأبي جعفر: مالي لا أراك تتطوع بين الأذان والإقامة كما يصنع الناس؟ فقال: «إنا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع»، وكل هذه النصوص المعتبرة ظاهرة في تحريم فعل النافلة في وقت الفريضة، وإذا ذهبنا لملازمة الوضع للتكليف كانت النتيجة بطلان الصلاة النافلة، وقد نستفيد البطلان من خلال النهي في العبادة وهو موجب لفسادها، أو لأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده على أضعف الأحوال، ويؤيده مقايسة فعل النافلة في الصلاة بفعل النافلة في الصوم فيما إذا كان عليه فريضة كما جاء في بعض الروايات: «أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان كان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟» قال: قلت: لا، قال: «فكذلك الصلاة»، نعم هناك من قال بالكراهة جمعا بين الأدلة المجوزة والناهية كما في هذه الرواية: قلت له (عليه السلام): إذا دخل وقت الفريضة أتنفل وأبدأ بالفريضة؟ قال: «الفضل أن تبدأ بالفريضة، إنما أخرت الظهر ذراعا عند الزوال من أجل صلاة الأوابين».

إلا أن هذه الأدلة مجاب عنها إما بعدم المكافأة للروايات المستفيضة المانعة، وإما بتأويل عنوان الفضل بالمشروعية بقرينة تخصيصه بالفريضة الدالة على عدم مشروعية النافلة كما فسره صاحب الحدائق (رحمه الله)، ولهذا أنكر الجمع بالكراهة نظرا إلى أن الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في غيره، كما أن النهي حقيقة في التحريم مجاز في غيره، فلا سبيل لحملها على غيرهما. ونتيجة مبناه أن الكراهة حكم من الأحكام الاعتبارية الشرعية محتاج إلى دليل اعتبار من قبل الشارع، والجمع هذا ليس دليلا على ذلك التشريع، إلا أنه (قدّس سرّه) تبنى الحكم بالكراهة الناتجة عن هذا الجمع في بعض المسائل الفقهية (انظر مسائل لباس المصلي تجد ذلك).

والعجيب أنه لا يوجد في استدلالهم كلمات من الأمير (عليه السلام) في هذه المسألة، مع أن الكلمة التي نقلناها صريحة بل أصرح من الروايات التي استدلوا بها عندما يقول: «لا قربة بالنوافل»، أو «فارفضوها»، هذه الكلمات لا تحتاج إلى مقدمات في الوصول إلى النتيجة لأنها نص في المضمون، والذي يحتاج إلى المقدمات إنما هو الظاهر حتى يتعين.

إن قلت: إن هذه الكلمات إنما نتعامل معها معاملة المرسل.

نقول: بعض الروايات التي جاءوا بها ضعيفة من الناحية السندية، وما ذلك إلا لأجل الاعتضاد أو الانجبار بالشهرة أو الاحتفاف، فنقول هنا بصورة التعجب: لماذا لم ينظروا إلى كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) الصريحة بنفس النظرة؟ ولو من باب التبرك باسمه (عليه السلام)! لا أريد أن أكثر العبارة، وإنما هي خطوط وإثارات نرجوا أن تتبعها استجابة لتخرج كلمات الأمير (عليه السلام) إلى النور، لتدوّن في كتاب بعنوان «نظريات أمير المؤمنين الفقهية» إن شاء الله.

 ترتبط أفراح الشيعة بعيد مهم وهو المسمى عندهم بعيد الغدير، فما هو منشأ هذا العيد؟ وهل هو من مختصات الشيعة أم أنه عيد لعموم المسلمين؟ وما هي الانعطافة التي أوجدها الغدير في تاريخ الإسلام؟

 إن واقعة «غدير خم» هي من أهم الأحداث التي وقعت في تاريخ الإسلام والمسلمين، لتشكل انعطافة كبرى في تاريخ الإنسانية، في العام العاشر للهجرة جاء الأمر للرسول (صلّى الله عليه وآله) ليبلغ الناس العهد المسؤول عنه يوم القيامة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}(30)، وإليك قصة هذه الحادثة الكبرى، فعند وصول الحاج منطقة الغدير (موضع بين مكة والمدينة بالجحفة) التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، نزل إليه جبرائيل الأمين عن الله (عزّ وجلّ) بقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} وأمره أن يقيم عليا علما وقائدا للناس ويبلغهم ما نزله فيه من الولاية، غيّر الرسول (صلّى الله عليه وآله) مسير القوافل نحو اليمن وأمرهم بالتوقف فتوقفت جميع المراكب وترجل الجميع، وكانت الحرارة بشدة حتى جعل الناس يلجؤون إلى تغطية رؤوسهم بطرف من ثيابهم ويضعون طرفا آخر تحت أقدامهم، ولف آخرون أقدامهم بعباءاتهم، لقد عمل الرسول (صلّى الله عليه وآله) عملا ليبقى الوضوح ركيزة في الأذهان حينما رفع عليا فوق المنبر، والسر في ذلك: حتى لا تبقى شبهة أو تشكيك في الأذهان، وعلى المنبر رفع الرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حتى وصلت قدما أمير المؤمنين إلى ركبتي الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما، فقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار».

وتشابكت كفاهما وكأنها

            شطرا فؤاد والأنامل أضلع

تتجلى صور هذا الإعلان في عدة نقاط يتبينها القارئ من خلال خطبة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومن النقاط الرئيسية التي تمثل سرّ إعلان الولاية:

1- تحذير الناس من أئمة يدعون إلى النار، حيث قال: «إن الله وأنا بريئان منهم»، وهذا بيان لخطين رئيسيين مستمرين في حياة الإنسان، وهما الخط الأبيض المتمثل في الامتداد للرسول (صلّى الله عليه وآله)، والخط الأسود والذي يقوده أئمة الكفر في الصدر الأول، إلى يومك هذا؛ المتمثل في الاستكبار العالمي وأمريكا.

2- بيان الامتداد الحقيقي على طول الخط حتى لا تنقطع الصلة بين الأرض والسماء، ونستطيع أن نبين هذا الامتداد في شخص علي؛ أي في الصفات، وكذلك الامتداد لبقية الأئمة (عليهم السلام)؛ أي في الأفراد.

والأول: وهو الامتداد في الصفات نفهمه من أن يوم الغدير هو يوم الجعل، أي جعل الإمامة، وهي في الحقيقة آخر جميع مراتب كمالات الإنسان، وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) أن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم (عليه السلام) عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وأن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وأن الله اتخذه  خليلا قبل أن يجعله إماما، فلما جمع له الأشياء قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}.

والثاني: وهو الامتداد في الأفراد، ونفهم هذه الجهة من الامتداد من قوله (صلّى الله عليه وآله): «من كنت مولاه فهذا علي مولاه..» ويفسره قوله (صلّى الله عليه وآله): «أيها الناس كأني قد دعيت فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، والذي يؤكد تحدثه (صلّى الله عليه وآله) عن هذا الامتداد أنه تحدث في خطبته عن الحجة المنتظر المصلح في آخر الزمان، فأشار إلى صفاته وأحواله: «ألا إن خاتم الأئمة منا القائم المهدي، ألا إنه الظاهر على الدين، ألا إنه المنتقم من الظالمين..».

كل هذا مثل الامتداد الحقيقي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أهل البيت حفاظا للدين عن الضياع، ومن بعدهم كان هذا الامتداد في الفقهاء: «فهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»، فهذه هي أواصر العلاقة من وحيها، فلا يمكن أن نتصور في نظرية الغدير أي انقطاع لتلك الصلة بالوحي الإلهي، فلو فتشت في كل الأديان (المسيحية واليهودية..) وفي كل المذاهب الإسلامية أيضا لن تجد هذه الميزة إلا في المذهب الإمامي، فكل تلك الأديان هي انقطاع عن الوحي، ولكن تأتي نظرية الغدير لتكرس الامتداد لضمان سلامة العقيدة وتحصينها عن الانحراف إلى آخر الدنيا، روى سعد بن عبادة قال: فوالله لقد سمعت رسول الله يقول: «إذا أنا مت تضل الأهواء بعدي ويرجع الناس على أعقابهم فالحق يومئذ مع علي».

فنظرية الامتداد سرٌّ آخر: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي»، فما دامت النبوة جاءت لعلاج الأمراض، وإيصال المجتمع إلى الصلاح والسعادة، وربط الإنسان بالسماء والإسلام رسالة شاملة كاملة فهي تحتاج إلى رعاية على طول الخط وإلى الأبد، والهدف من هذا الامتداد هو السير نحو الكمال والسعادة، فالأنبياء أنيطت إليهم مسؤولية هداية الناس عن طريق الوحي وهذا يثبت لزوم وضرورة وجود أفراد حفظة ينهضون بتعليم المجتمع بحيث تبقى هذه التكاليف السماوية ما دام الإنسان: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(31).

 في قضية زواج الزهراء (عليها السلام) لماذا قدّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) على من تقدم لخطبتها؟

 بادر القوم لخطبة فاطمة (عليها السلام) من أبيها طلبا للشرف ورغبة في المنزلة، ولا بد لكبار الصحابة أن يتقدموا لطلبها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكان الرسول يعرض في كل مرة بعد أن تظهر فاطمة عدم رغبتها في ذلك، والرسول في ذلك يريد أن يرسم الخطة في إطلاع البنت عن رغبتها لأنها الأساس في تقويم اللبنة الصالحة في العائلة، واستمر الرسول يعرض عمّن جاء لخطبتها ويردّه بقوله: «أنتظر فيها أمر القضاء» حتى استبد اليأس على أولئك، حتى جاؤوا إلى علي (عليه السلام) وهو ينضح الماء ليقولوا له: إن أهل الشرف تقدموا لخطبة فاطمة، ولكن الرسول ردّهم جميعا فحبذا لو عرضت خطبتك عليه، تهيئ علي للذهاب وقبل وصوله دار الرسول أتى الوحي ليقول للرسول: (يا محمد إن الله تعالى يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إني قد زوجت فاطمة ابنتك من علي بن أبي طالب في الملأ الأعلى، فزوجها منه في الأرض)(32).

يأتي الرسول (صلّى الله عليه وآله) ليقول لفاطمة (عليها السلام): «إن علي بن أبي طالب ممن قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه»، وهذه نقطة لم يقلها الرسول في غير مورد علي (عليه السلام)، وهذا يعني أن من خطب فاطمة لم يكونوا في مستوى صفات فاطمة (عليها السلام)؛ هذه الصفات والأوسمة التي جاءت من قبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فهي روح الرسول التي بين جنبيه، و «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع وعدّ منهن فاطمة»، وهي «من آذاها فقد آذى الرسول»، وهي: «من أبغضها فقد أبغض الرسول»، فإذا كان هذا مستوى فاطمة فما عساك تظن فيمن يستحق خطبتها غير علي بن أبي طالب، ونستطيع من خلال المعادلة الموجودة في آية المباهلة {وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}(33) أن نقول بأن هذه المعادلة جاءت لتركز هذا المستوى من الصفات، وقد أورد الثعلبي في تفسير قول ابن عمر: “لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبَّ إلي من حمر النعم: تزويج فاطمة، وإعطاء الراية، وآية النجوى”.

فما دمنا نتكلم عن هذا الزواج فلا بد وأن ننظر إلى أن تلك الصفات ليست لموضوع عاطفي أو نظرة خارجية، وإنما هي الصفات الإلهية المهمة المؤثرة في تكوين العائلة القائدة والعائلة القدوة، وهذا أمر خطير جدا على مستوى التغيير، إذن لا بد وأن يكون هناك من الصفات التي تؤهل الشخص إلى ذلك المستوى من:

1- العبودية لله والخروج من حكم النفس. 2- العلم الإلهي الذي يؤتيه من يشاء. 3- الشجاعة في الله. 4- العدالة في الدائرة الأوسع. 5- التقوى في النفس وفي الآخرين. ويتفرع على هذا كل صفات الخير.

 لعل لكلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في غرر الحكم طريقة خاصة ونفس خاص يميزها عن بقية كلماته، فهل توافقون على ذلك؟

 بطبيعة الحال ستكون الكلمات القصار لأمير المؤمنين لها ميزة خاصة، ووقع في العواطف والعقول، يستشعر ذلك أصحاب الذوق الرفيع لعدة جوانب، فهي:

أولا: تحوي زبدة من الأفكار في كلام موجز.

ثانيا: إنها شفافة التركيب والرؤية.

ثالثا: إنها في متناول الذهن، ولهذا يسترسل الإنسان في إتقانها وفي حفظها.

رابعا: قرب تلك الكلمات إلى الحس في بيان الهدف.

يقول (عليه السلام): «إذا أقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم».

«خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم».

«والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها»، وإن كانت هذه في خطبة إلا أنها جاءت على الألسن مثلا، واللدم: صوت الحجر أو العصا أو غيرهما تضرب به الأرض ضربا خفيفا، يقول: لا أقعد عن الحرب في سبيل الحق فيكون حالي حال الضبع مع صائدها، فأكون قد أسلمت نفسي على هذا الصوت وهو صوت الحيلة.. وإذا أردنا أن نتمثل هذه الكلمات فإن أهل الإيمان لا يقعدون عن إقامة الحق حتى يستسلموا لصوت أمريكا الشيطان الأكبر، حتى تنطلي علينا أصواتها وحيلها فننام فنصبح فريسة لهم.

 تناول بعض العلماء عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر بنحو من الشرح والتفصيل، فما هو هذا العهد الذي جلب انتباههم؟ وما هي مبادئه التي يدعى كونها من أفضل الأسس والقواعد التي تؤسس عليها الدولة الدينية؟

 العهد المقدس لأمير المؤمنين (عليه السلام) يمثل جزئيات الإنسان الحاكم، والإنسان الرسالي التي ترتبط بالتطبيق لا بالتنظير، فكل كلمة كلمة في هذا العهد لها مجال واسع من الدراسة، والعهد يمثل نظرية الحكم والحاكم، وهو حلقة وشيجة بين الحاكم والأمة في كل المجالات: الاجتماعية-السياسية- الاقتصادية.

فالعهد يمثل انعطافة في الحكم الإسلامي في سبيل إزالة التضليل الذي اتخذه الأعداء والمنافقون حيث بذلوا جهودا بإبعاد الناس عن التعاليم الدينية، وإرباك المجتمع وجعله يعيش ضبابية مميتة في التطبيق عبر أبواقهم الخبيثة بأن الدين لا يملك تقنينا للحكم.. فجاء هذا العهد لمواجهة هذه الذهنية السلبية بعناصر مميزة:

1- محورية «الحاكمية لله» في التطبيق: يقول (عليه السلام): «فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك..» إذن الارتباط بالله والنظر إلى عظمته يجعل الحاكم متواضعا، فيجعل أولا: حكمه مستمدا من التعاليم التي شرعها الله، وثانيا: أن يحصل بينه وبين الأمة تماسك وارتباط.

2- العدالة: وهي أن توصل لكل ذي حق حقه، يقول (عليه السلام): «أنصف الله من نفسك ومن خاصة أهلك»، «وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم»، ويقول: «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل» وأساس الحكم إقامة العدل، فالميل من قبل الحاكم هو الخروج عن الدائرة، وبالتالي سوف يشب سخط الناس ويسبب خللا وشللا في التطبيق.

3- التواضع: «واجعل لذوي الحاجات قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك» وهذا التواضع هو الجسر الذي يربط الحاكم بالمحكوم فيخلق من خلاله الطاعة.

4- البطانة: «ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار تطاول وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال»، وهذا في الحقيقة متفرع عن العدالة. والبطانة هي ما تسمى عندنا بالحاشية التي لها تأثير واضح على مجرى الأمور الاجتماعية والاقتصادية، وقد سببت الحاشية في كثير من الأحيان انحرافا وأضرارا لا تعوض، يحتاج الحاكم أو المتولي إلى تحجيمها، لأنها سوف تفصل الحاكم والمتولي عن الأمة، وسوف تخلق في الأمة ذهنية سلبية تجاه الدين، والحاشية في أغلب الأحيان لا تملك إلا التكبر والاستعلاء، لا تتجاوب إلا مع الكبار، فيحرمون أصحاب الحق حقوقهم، قد أغلقوا الأبواب على الفقراء والمحرومين فهم فئة استغلالية استغلوا الدين في تمشية مآربهم، والإمام (عليه السلام) ناظر إلى ما هو الغالب، وإلا فهناك من الحاشية ما لها تأثير إيجابي على الواقع الاجتماعي والديني.

5- البصيرة: هذه الصفة جاءت في ضمن أهداف النهج، لأنه العنصر الأساس في بقاء المشروع للإنسان المسلم في بعديه الفردي والاجتماعي، وفي كل النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفقدان هذا العنصر يعني السقوط أمام العدو المستكبر وأذنابه، وجاء هذا العنوان هدفا رئيسيا لعهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر، لأن العهد يكفل الناحية العملية بما يرتبط بالخواص، وبطبيعة الحال إنما البصيرة هي نفوذ الرؤية عند العمل وعند التطبيق وعند المحك، والمعضلة الأساس التي واجهها أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته هم أولئك الذين يدعون السير على نهج الإسلام وهم لا يفقهون شيئا (حيارى عن الحق لا يبصرونه) فصاروا ضحية مكر معاوية وبطش بني أمية، بخلاف الذين (حملوا بصائرهم على أسيافهم) فهؤلاء أمة واعية حيث وقفوا الموقف المشرف في نصرة الحق، وسبب ذلك أنهم انطلقوا من خلال الإخلاص لا من خلال الأهواء: «ما أخلص العبد الإيمان بالله (عزّ وجلّ) أربعين يوما إلا زهده الله (عزّ وجلّ) في الدنيا وبصّره داءها ودواءها».

هؤلاء يقفون إلى جانب الحق أينما كان وفي أي وقت، يتناسون عناوينهم في أيام الفتنة وعند المحك لينصروا الحق وأهله، وليكشفوا ألاعيب أمريكا وإسرائيل ومخططاتهم، وبالعكس فإن الفتنة تزيدهم صلابة ووعيا، وقد اعتبر الإمام (عليه السلام) الفتنة في جانب سلبي يستفيده السياسيون وأصحاب المصالح إلا أنها في الجانب الآخر تحمل وجهة تربوية «لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة لأنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن».

وهنا نسأل: ما هي وظيفة أهل البصيرة في حالة الفتنة والتباس الحق بالباطل؟

الأصل الأساس هو مواجهة أصحاب الفتنة الذين همهم إثارة النعرات والاختلافات والأحقاد في وسط المجتمع الواحد، وإذا لم يتحقق هذا الموقف الإيجابي فلا أقل من تحقق الموقف السلبي في مقابل الفتنة وهو الابتعاد عن أصحاب الفتنة حتى لا يستفيدوا موقفا في مقابل الحق.. كانت هذه البصيرة من الأهداف الواضحة لأهل البصيرة، يقول (عليه السلام): «ولا تدخلن في مشورتك بخيلا… ولا جبانا يضعفك عن الأمور»، ويقول (عليه السلام): «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء»، ويقول (عليه السلام): «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها».

لا نريد أن نطيل، وإلا فالنبع لا ينضب، والقافلة لا تهدأ، فالسلام عليك يا أمير المؤمنين، جئتك بنظرة الحاجة فأوف لنا الكيل.. هذا ما قصدته من هذه الكلمات، والحمد لله رب العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1) مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني، ج2، ص439.
  • (2) الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي، ج1، ص169.
  • (3) الأنبياء: 73.
  • (4) نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، ج3، ص70.
  • (5) الرعد: 11.
  • (6) يقول الإمام الخامنئي (حفظه الله): «ففي عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما كان الصفان أو الجيشانيلتقيان كان كل منهما يؤدي الصلاة، وإذا حل شهر رمضان كان الكل يصوم، وكانت أصوات وأصداء تلاوة القرآن الكريم تسمع من المعسكرين» إلى أن يقول: «هذه هي خصوصية عصر أمير المؤمنين، وآلام هذا الأمير وأوجاعه».
  • (7) نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، ج2، ص130.
  • (8) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج1،ص5.
  • (9) آل عمران: 61.
  • (10) الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ابن الصباغ المالكي، ج1، ص181- 182.
  • (11) نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، ج2، ص157.
  • (12) ن. م، ص157.
  • (13) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ، الريشهري، ج4، ص69.
  • (14) البقرة: 207.
  • (15) لقمان: 14.
  • (16) الأحقاف: 15.
  • (17) يونس: 35.
  • (18) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج1، ص8.
  • (19) من المقدمة على نهج البلاغة.
  • (20) فهرست الشيخ الطوسي، ص73.
  • (21) ن. م، ص11.
  • (22) ن. م، ص108.
  • (23) مروج الذهب، ج2، ص190.
  • (24) الأنبياء: 22.
  • (25) النساء: 82.
  • (26) موسوعة الغدير، العلامة الأميني، ج4، ص195.
  • (27) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج2، ص546.
  • (28) ومن أراد المزيد فليراجع مجلة «تراثنا» العددان الثالث والرابع (91- 92) السنة الثالثة والعشرون ذو الحجة 1428هـ موضوع «دعوات وشبهات أثارها البعض حول نهج البلاغة» للشيخ عبد الرسول الغفاري.
  • (29) مقدمة كتاب جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي، ج1، ص10.
  • (30) المائدة: 67.
  • (31) الأنبياء: 73.
  • (32) ذخائر العقبى، الطبري، ص32.
  • (33) آل عمران: 61.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى