نسب الروح ونسب الدم

المقدمة

كثيرة هي تلك العادات والتقاليد الجاهليّة التي ألغاها وأطاح بها الإسلام بنبوّة خاتم الرسل(ص) وقوّض عروشها بمعاول الأحكام الإلهيّة التي تتناسب مع الفطرة الإنسانيّة، إنفاذا لحكم الله الذي يؤهّل الإنسان – بترقّيه على مدارج الكمال خطوة فخطوة – إلى أن يكون خليفة الله على أرضه محقّقا بذلك هدف الخلقة، وملامح أفكار وثقافة عرب الجاهلية لا تخفى على المطّلع والمتصفّح لبطون كتب التاريخ من خلال قراءة السير والأشعار والخطب التي تنقل الإنسان لذلك الواقع المعاش في تلك الفترة، وتوقفه على أهمّ ملامح تلك المرحلة المخجلة للإنسانيّة، فتتبيّن بعد ذلك للمطّلع عظمة الإسلام وإعجاز آياته التي نقلت أناسا كانوا يعيشون البهيميّة والسبعيّة بأعلى مستوياتهما – حتى وصلوا إلى التّدني عن مرتبة العجماوات والبهائم – إلى الإنسانيّة والتحضّر، نقلتهم من حالة الحيرة والضياع واللاهدفيّة في العيش إلى حالة الإدراك والوعي ومعرفة هدفيّة الحياة، وأهّلتهم لقيادة الأمم والشهادة عليها بجعلها أمّة وسطا، ووضعت تحت أيدي هؤلاء العرب كنوز المشرق والمغرب، وأسّست لهم دولة تحفظ كيانهم وتؤمن حالهم وتكفل حقوقهم وتنظّم أمورهم وتجعل لهم قيمة ووزنا بين الأمم، وأخضعت لهم أعظم دولتين في ذلك الحين، فأذلّت بذلك جباه الكفر وكبرياءه، وجدعت أنف الشرك والإلحاد وخيلاءه.

وليس أبلغ ولا أفصح مما قاله أمير البلغاء والفصحاء(ع) في وصف تلك المرحلة الصعبة من حياة العرب بشكل خاص والناس بشكل عام بكلمات تهتزُّ لها النفوس وتضطرب لها الأعضاء وتدرك بها العقول والقلوب حجم تلك النعمة الإلهيّة التي أوجدت محمّداً (ص) ودينه الإسلام، فقد عجّت خطب أمير المؤمنين(ع) بوصف تلك الفترة لما يمتلكه هذا الوصف من أهميّة في تعريف نعمة النبوّة، وقد بلغت هذه الخطب في ما وجدتُه عشر خطب لا على نحو الحصر(2 ).

ولست أجد بعد ذلك أرقى بيانا وأفصح لسانا من كلمات أطلقها لسان الصدّيقة الطاهرة(ع) في وصف حال العرب والأمم آنذاك في خطبتها المعروفة في مسجد رسول الله(ص) أمام جموع المسلمين حين قالت : ((وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القدّ والورق، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله تعالى بمحمّد… ))(3 )، ومن أبرز تلك المفاهيم الخاطئة التي كانت حاكمة ً النفوس في تلك الفترة هي نزعة القبلية البغيضة والتعصّب الأعمى للقبيلة والعرق والنسب والدم، وهذه الثقافة الساقطة – التي نعيشها وللأسف في واقعنا العمليّ من حيث نشعر أو لا نشعر – قد لاقت من قبل الإسلام مواجهة حادّة وتصادما عنيفا هدّ ركنها وأحلّ عُراها، ولكي نتعرّف على الثقافة البديلة التي جاءت بها أطروحة الإسلام، لا بد من التفريق بين قسمي النسب والتعرّف على معالمهما وطبيعتيهما وكيفيّة تعامل الإسلام معهما.

أقسام النسب :

ينقسم النسب بلحاظ انتسابه إلى الروح أو المادّة إلى نسب روح ونسب مادّة أو دم، وإلى كلّ قد أشارت الآيات الكريمة والروايات الشريفة، وقد أولى الإسلام عنايته الفائقة للإثنين من خلال وضع القوانين وبيان المعالم وتفصيل الدقائق وتوضيح الضوابط العامّة التي تحكم كلا النوعين.

وهذا الاهتمام البالغ قد أولاه الإسلام للإثنين، لما لهذين المفهومين من مدخليّة عظمى في حفظ وتأصيل الكثير من مفاهيم الإسلام التي تدخل كل واحدة منها في تركيبة البنية النهائيّة للمجتمع المسلم من عنصري أصول الإعتقاد وفروع العمل، أما عن الأول فتكمن أهميّة الإلتفات إلى مضامينه وقوانينه في حفظ المجتمع في ما يرتبط بالجنبة العقائديّة الخُلقيّة له، ونظرته ورؤيته الكونيّة التي تتجسّد بعد ذلك في سلوك أفراده العمليّ وتعاطيهم التفاعليّ مع الآخر في مختلف المجالات، وأمّا الثاني فتتّضح أهميّة التعرّف عليه والإلتزام بقوانينه في حفظ المجتمع في ما يرتبط بالجنبة التشريعيّة الفقهيّة، وذلك يتّضح من خلال التعرّف على مقصودنا من كلا القسمين.

أوّلا : نسب الدم :

 وقد بدأنا به لوضوحه وعدم احتياجه لزائد كلام وكثرة بيان، فالمقصود بنسب الدم هو ذلك النسب الذي ينشأ عن أصل نكاح مشروع أو رضاعة أو مصاهرة بالشروط المذكورة في كتب الفقه المعاملاتيّ المندرجة تحت عنوان كتاب النكاح، وتحكم هذا النوع من النسب الكثير من الأحكام التي تتعلّق بالفرد أصالة ثمّ بالمجتمع تبعا، من قبيل أحكام النكاح والطلاق والإرث والوصيّة والحضانة وغيرها، وهو ما يُصطلح عليه حديثا بالأحوال الشّخصيّة، وعلى أساس هذا النوع من النسب تقوم وتبتني العلاقات والروابط الأسريّة والاجتماعيّة، واهتمام الشرع بهذا النوع من النسب ظاهر غير خاف، يتّضح من خلال التعرّف والاطّلاع على الأحكام المفصّلة التي جاء بها القرآن الكريم والروايات الشريفة، وبمراعاة هذه الأحكام يصلح المجتمع وتُحفظ الأنساب وتُحترم النفوس وتسير عجلة الروابط الاجتماعية بشكل يكفل لها الاتزان ويضمن لها التوافق ويُبعدها عن التخبّط والتعثّر، فتُجنّب بمسيرتها بهذا الشكل الأفراد عن التشاكس والتباغض والتناحر، وغيرها من ضمانات وثمرات تنتج عن الأخذ بهذه الأحكام الإلهيّة المتعلّقة بما أسميناه بنسب الدم.

وأمّا التخلّف عن إجراء هذه الأحكام فعواقبه ممّا لا يخفى على ذي بصيرة في أنّه يعطي نتائج معكوسة تماما لما قدّمناه من نتائج الأخذ بما أنزل الله تعالى، فما ينادي به البعض ممّن أغرته ثقافة الغرب المنحلّة من تقنين للأحوال الشخصيّة يعطي ثمارا عفنة فاسدة تعود على المجتمع بالأضرار التي تتعهّد بإفساد المجتمع وتضييع الأنساب واحتقار النفوس وتخبّط مسيرة عجلة العلاقات الإجتماعيّة وانحلال وتفكّك مركّباتها وأواصرها، وقد بيّن ذلك العلماء الأجلاء في خطاباتهم وكتاباتهم ممّا يطرح حاجة التفصيل.

ثانيا : نسب الروح :

و أعني به ذلك النسب الذي يرتبط بما وراء المادّة والدم، والذي أثبته القرآن وأقرّته الروايات وأتت به أطروحة الإسلام كثقافة بديلة عن تلك التي كانت سائدة في أوساط العرب ومحيط الجاهليّة الجهلاء، وهذا النسب أوسع من سابقه وأرحب، وشجرة عائلته أكبر حجما وأعظم شأنا، وموازين هذا النسب تختلف عن موازين النسب الآنف الذكر، وأحكامه أرقى مستوى  وأسمى غاية وأنبل هدفا من مستوى وغاية قسيمه – مع التّأكيد على أهميّة الإثنين -، ولذلك لا بدّ من التعرّف على معالم هذا القسم الذي ألفتنا سابقا علاقته الوطيدة ببناء الجنبة العقائدية الروحية للإنسان ومدخليته في تركيبة الوعي الديني والأخلاقي للمجتمع، وهذا ما نروم إليه من خلال الأسطر القادمة إن شاء الله تعالى.

النسب الروحيّ في القرآن :

قال الله تعالى في كتابه المجيد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}(4 )، تلاحظ أنّ هذه الكلمات النورانية الشريفة جاءت صريحة في نفي كون كنعان مصداقا من مصاديق عنوان أهل نوح(ع) تعليقا على كلام نبيّ الله نوح(ع)، ولكنّنا نعلم في الطرف المقابل يقينا ثبوت بنوّة كنعان لأبوّة نوح(ع) وانتسابه لأبيه بالشكل الطبيعيّ العرفيّ، لأنه من الواضح كون الابن أحد أبرز وأقرب مصاديق الأهل، ويدلّ على ثبوت بنوّة كنعان لأبوّة نوح(ع) قول نبيّ الله {إِنَّ ابنِي مِنْ أَهْلِي} فدليل نسبة نوح(ع) لكنعان برابطة الأبوّة لا أوضح منه ولا أبين في إثبات المراد، فلا يجوز على الأنبياء الكذب أو اللغو في الحديث كما ثبت في محلّه لأنّ قبحه ظاهر، ناهيك عن إقرار الله سبحانه هذه الرابطة الأبويّة الابنيّة – على اختلاف الجهة – لنوح(ع) وكنعان في قوله عزّ من قائل {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}( 5).

ثمّ لا تخفى عليك هذه النكتة بأن الله تعالى لم ينف بنوّة كنعان، بل نفى مصداقيّة انطباق كليّة الأهل على كنعان، ونستطيع صياغة السؤال الذي يطرح نفسه هنا بالعبارة التالية ((أليست البنوّة أحد الجزئيّات التي تنقل الذهن منها إلى المفهوم الأعمّ الكليّ المتمثّل في كلمة الأهل ؟ )) وبعبارة أخرى، كيف يصحُّ القول بأن كنعان ابن لنوح(ع) في حين خروجه في الوقت نفسه عن كونه مصداقا لكلّيّة أهل ؟ لا يستقيم هذا الاجتماع إلا بالقول أنّ البنوّة هنا ملحوظة بلحاظ مغاير للحاظ الأهل يُخرجها عن التأهّل إلى صيرورتها فردا من أفراد الأهل، فإنّ جزئيّة البنوّة في هذه الآية الشريفة ملحوظة بلحاظ المادّيّة أو الدميّة إن صحّ التعبير، بينما كلّيّة الأهل ملحوظة بلحاظ الروح والمعنى، وواضح أنّ البنوّة الدميّة ليست جزئيّة من جزئيّات كلّيّة الأهل الروحيّة، بل هي جزئيّة من جزئيّات كلّيّة الأهل الدّمّيّة، فيتّضح بذلك الفارق ويرتفع به الإشكال، ويتجلّى سبب قوله تعالى {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} جوابا على الاستفهام المُستبطَن في إخبار نوح(ع) اللهَ تعالى ببنوّة كنعان وأنّ البنوّة مصداق من مصاديق الأهل فيجري بذلك وعد الله سبحانه بالإنجاء على هذا المصداق المنطوي تحت هذه الكلّيّة، لكنّ الله تعالى بيّن له اختلاف اللحاظ بقوله سبحانه{ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، فيبين بذلك أنّ هناك موازين فوق موازين هذه النشأة في انعقاد رابطة الأبوّة والبنوّة، فثبت بذلك وجود نسب وراء نسب الدم المتعارف بيننا، وهو أعلى رتبة وأسمى مقاما لتعلّقه بالأنبياء والصالحين فقط كما سيتبيّن لك إن شاء الله تعالى، ولنصطلح عليه بنسب الروح كما أسلفنا.

معيار وضابطة التأهّل للدخول إلى نسب الروح :

يتّضح من خلال قوله تعالى { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } معيار صلاحيّة الفرد وأهليّته في انتسابه إلى شجرة النسب الروحيّ، فإنّ الانتساب إلى هذه الشجرة المباركة لا يكون إلا عن طريق تحوّل الإنسان إلى الطرف المقابل بأن يكون عملا صالحا، وواضح ٌ لأهل الاطّلاع أنّ التعبير في وصف إنسان بأنّه عمل غير صالح يفيد مبالغة شديدة في وصف هذا الإنسان بما يمتلكه من حالات وملكات تجعله المصداق الأبرز لحالة الإنسان المنغمس في الشهوات والرذائل، وتُصوّر حاله بأنّه مندكّ في ما خالف الفطرة الصافية ممّا جعله العمل غير الصالح بعينه، وأصبح وجوده مسانخا لحقيقة العمل غير الصالح فلا اثنينيّة ولا تكثّر، وليس هناك وجودان أو ماهيّتان تُضاف إحداهما إلى الأخرى، بل فنى واندكّ الأوّل في الثاني حتّى أصبحا ماهيّة واحدة لا تركيب فيها من حقيقتين، ومن ذلك نستفيد أنّ من أراد تحصيل الأهليّة للدخول في شجرة عائلة الصلحاء وطلب الانتساب لهذه الشجرة الطيّبة الأصل والفرع، لا بدّ له من تحصيل الأسباب التي تجعله عملا صالحا بالمعنى المتقدّم في ضدّه، فإن كانت صيرورة الإنسان عملا غير صالحا – لا أنه يعمل العمل غير الصالح – تجعله خارجا غير مؤهّل للانتساب إلى شجرة الصالحين والحيازة على شرف أبوّة الأنبياء له في العرف الروحيّ، فلا بدّ أنّ عكس ذلك يُثبت هذا المعنى معكوسا أيضا، فإن صيرورة الإنسان عملا صالحا – لا أنه يعمل العمل الصالح – هي فقط التي تؤهّله للدخول إلى هذه الشجرة والانتساب إلى أبوّة الأنبياء فتُصيّره ابنا لها ليصح بالتالي إطلاق عنوان الأهل عليه وإن لم يكن ابنا في عرف نسب الدم.

فمجرّد عمل الإنسان العمل الصالح لا يجعله لائقا لنيل هذا المنصب إلا أن يصبح هو والعمل الصالح حقيقة واحدة لا واسطة بينهما في الواقع الخارجي، وقد استفدنا ذلك بالمقابلة كما تقدّم. هذا هو نسب الروح في القرآن الكريم، وهو ما أشار إليه باقر علوم أهل البيت(ع) في ما نُقل عنه ((لا تتّخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا مؤمنين، فإنّ كلّ سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع إلا ما أثبته القرآن ))(6).

نسب الروح في الروايات الشريفة :

بعد إثبات تواجد معنى ما أطلقنا عليه بنسب الروح بين الآيات الشريفة الصامتة، كان لابد لإتمام البحث من الإشارة إلى وجود ذلك المعنى بين كلمات الآيات الشريفة الناطقة المتمثّلة في أحاديث أهل البيت(ع). فقول رسول الله(ص) ((سلمان منّا أهل البيت ))(7)، يعطيك حالة مشابهة لسابقتها في سورة هود ولكنها أتت هنا بشكل معاكس، حيث أنّ الآية الشريفة أثبتت بنوّة الدم لكنعان بالنسبة للأنبياء ونفت بنوّة الروح له، وحديثنا الشريف هذا أثبت انتساب سلمان لأبوّة الأنبياء ونفى – ضمنا – انتساب الدم له، وبالنظر إلى الحالتين يتّضح جليّا الفرق وتتأتّى لنا النتيجة واضحة بأقلّ تأمّل وبلا عناء، بأنّ حقيقة ما أطلقنا عليه نسب الروح موجودة في المصدرين المعتمدين الشريفين، فقد أثبت التاريخ أنّ سلمان(ع) فارسيّ الأصل وُلد في بلاد فارس لأبوين مجوسيّين لا يعرفان عن التوحيد شيئا، فمن أين صار سلمان من أهل البيت(ع) ؟ مع الالتفات إلى أنّهم أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة وخزّان العلم ومنتهى الحلم(8 )، وغيرها من أوصاف خطيرة جليلة لك أن تحصل عليها وعلى غيرها عند قراءتك الزيارة الجامعة الكبيرة لأئمّة أهل البيت(ع) وغيرها من زيارات، من أين حصل سلمان على هذا الشرف الذي ما بعده شرف ؟

نستطيع أن نقول بأنّه ما حصل على ذلك إلا بصيرورته عين العمل الصالح ممّا أهله للانتساب إلى محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين وذريّتهم من الأئمة المعصومين عليهم جميعا أفضل الصلاة وأزكى السلام، هكذا صار سلمان من أهل البيت(ع) – مع مراعاة مقام النبوّة والإمامة بالطبع، فلا سلمان ولا غيره يوضع في مصافّ هؤلاء، كيف وهم نور الله في الأرض وحجج الإله على الخلق -، وإلا لا خلاف بينهم أن الزهراء سلام الله عليها مكلّفة بالحجاب في حضور سلمان على الرغم من كونه من أهل البيت(ع) كما أشار الحديث الشريف، وليس ذلك إلا لاختلاف حقيقتة هذين النوعين من النسب، فلهذا قوانينه وأحكامه ولذاك قوانينه وأحكامه.

و في إثبات هذه الحقيقة من خلال الروايات عن طريق آخر، لا بأس بنقل هذا الحديث الشريف عن رسول الله (ص) الذي جاء في البحار، نُقل عنه (ص) بأنه قال : ((كلّ حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي))(9 )، فقل لي بأبيك أيّ حسب ونسب هذا ينسبه رسول الله(ص) لنفسه ليكون سببا ووسيلة لنيل الشفاعة والنجاة ؟ إن قلت أنّه نسب الدم رفضته لما فيه من منع عقليّ ونقليّ، أمّا الأوّل فهو الظلم بعينه أن يكون الفاسق من ذرّيّة رسول الله(ص) في الجنّة لا لشيء إلا لكونه ابنا لرسول الله(ص)، بينما يرزح ذلك الفاسق الذي لا ينتسب إلى رسول الله(ص) بقرابة دم تحت وطأة تعذيب زبانية جهنّم، والظلم ليس له وجود في ساحة الباري جلَ عنه سبحانه، وأمّا الثاني فلإطلاق نفي هذا النوع من التوسّط من دون بيان استثناء له في قوله عزّ من قائل {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ} (10 )، ومن البيّن أنّ المقصود بالأنساب هنا هو نسب الدم بجمع القرائن الدالّة عليه وليس هنا محلّ عرضها، فلا يبقى إلا استظهار أن النسب الموجب للنجاة في مقصود رسول الرحمة(ص) هو نسب الروح لمناسبة المعنى واستقامة الكلام به وموافقته للكتاب والسنّة في ما ظهر لك من سابق الكلام.

أفراد شجرتي نسب الدم والروح :

1- شجرة نسب الدم : إنّ الكلام الزائد في بيان أفراد شجرة الدم يُعتبر لغوا في الحديث أرفع نفسي المثقلة عنه، حيث أن ماديّتنا الرهيبة جعلت مفاهيم المادّة أقرب إلى عقولنا وآنس إلى نفوسنا، وحيث أن بيان شجرة الدم يدخل تحت هذا العنوان، وبيان الواضح البديهيّ فضول في الكلام ومضيعة للوقت، أصرف الحديث إلى بيان أفراد شجرة نسب الروح فذلك زبدة الكلام وقمّة المقام.

2- شجرة نسب الروح : تتكون هذه الشجرة من أب وأمّ وأبناء لهما فقط، فتفترق بذلك عن شجرة نسب الدم في الجدّ والحفيد والعمّ والخال ومؤنّثهم، ويكمن الفارق الأهمّ في العلاقة التي تربط أفراد عائلة هذه الشجرة مع بعضهم البعض، وفي ثمرات هذه العلاقة وما يترشّح عنها من إيجابيات دنيويّة وأخرويّة، ولكي يتّضح ذلك أكثر، أدعوك للتعرّف على أفراد هذه العائلة بشكل مفصّل بما هداني له فكري القاصر عسى أن يمنّ الله تعالى علينا بأن نكون خدمة لأفراد هذه العائلة الطاهرة المصطفاة لا أقلّ والله المستعان.

أ- أب شجرة نسب الروح : إن الحديث القائل ((أنا وعليّ أبوا هذه الأمّة ))(11)، لا يترك بوضوحه أدنى مجالا للشكّ في أبوّة رسول الله(ص) وابن عمّه أمير المؤمنين(ع) لهذه الأمّة، وهو من الصراحة بمكان تجعل النفوس تُسلّم وتذعن لهذه الأبوّة الروحيّة المتمثّلة في شخص الرسول الأعظم(ص) وأمير المؤمنين(ع)، وهذه الأبوّة ثابتة أيضا للأئمّة الأطهار(ع) من صلب أمير المؤمنين(ع) بدءاً بالحسن(ع) وانتهاءً بالحجّة (عج)، ويدلّ عليه وصف العسكريّ(ع) للشيعة المنقطعين عن رؤية الإمام، – سواء في زمانهم أم زمن الغيبة لإطلاق الأحاديث ووجود القرائن التي يُفهم منها ذلك من كلامهم(ع) – حيث قال سلام الله عليه بعد وصف اليتم المعروف وبيان فضل كافل يتيمه : ((وأشدّ من يتم هذا اليتيم يتيم انقطع عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه في ما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا، فهذا الجاهل بشريعتنا، المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى))(12).وأشدّ منه وضوحا ذلك الحديث الذي نُقل عن لسان الصدّيقة الطاهرة(ع) بعد ما جاءتها تلك المرأة فأكثرت السؤال ثمّ قالت : لا أشقّ عليك يا بنت رسول الله (ص). فبيّنت لها الزهراء(ع) بعد ذلك فضل من تصدّى لإرشاد الضالّ وهداية المحتار إلى أن قالت – وهو محلّ الشاهد – : ((ثمّ ينادي منادي ربّنا عزّ وجلّ : أيّها الكافلون لأيتام آل محمّد، والناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمّتهم..))(13)، إلى آخر الحديث، فانظر إلى تعبير ((عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمّتهم )) تدرك أبوّتهم (ع) لشيعتهم، وكذلك الكثير من الروايات الصادرة عن أهل بيت العصمة(ع) التي تزخر بهذه التعابير مؤكّدة ً هذه الحقيقة(14 ).

ب- أمّ شجرة نسب الروح : بعدما انتهينا من توضيح وتشخيص مصداق الأب لهذه الشجرة المباركة – وهو عنوان النبيّ ونائبه الإمام – استفادة من الأحاديث الشريفة، ننتقل لتشخيص مصداق أمّ هذه الشجرة، فمن يا ترى هي هذه المرأة التي تقوم هذا المقام الخطير وتشغل هذا المنصب الإلهيّ العظيم ؟ من هي هذه الطاهرة التي تنعش النفوس وتحييها بعد موتها بمفاهيم الحبّ الإلهيّ ؟ ولعمري فإنّ هذا هو الإحياء الحقيقيّ لا إحياء موتى الأبدان، من هي هذه المصطفاة لإيصال الخلق إلى مقام التوحيد الخالص من شراكة أصنام الكثافة واللطافة ؟ قبل البدء بتعريف هذه الشخصيّة العظيمة لا بدّ من دفع توهّم متوقع في إجابة هذا التساؤل، حيث قد يجيب البعض بأن هذه الأمّ هي من أشارت إليها الآية السادسة من سورة الأحزاب في قوله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}(15 )، وممّا لا شكّ ولا ريب فيه أنّ هذه الأمومة المشار إليها في الآية الكريمة لا تدخل تحت عنوان أمومة الدم، والمتأمّل للحظات في الآية يدرك سريعا هذا المعنى، لأنّه من الجليّ أنّ زوجات النبيّ (ص) لسن أمّهات للمؤمنين بمعنى والدات لهم، ويدلّك عليه الوجدان والواقع، فأيّ أمومة هذه إذن التي تشير إليها الآية الشريفة ؟ هل هي أمومة نسب الروح التي أشرنا إليها سابقا ؟ في جواب ذلك نقول أنّ المنع ظاهر في ذلك، والمعنى بيّن في نفي معنى أمومة نسب الروح عن مقصود الآية الشريفة، وهل يصلح بأبيك أن تكون بعض زوجات النبي(ص) ممّن ثبتت أذيّتهن لرسول الله (ص) في عدّة مواقف أشار إلى بعضها القرآن ونبّهت عليها الروايات – أمّهات للمؤمنين بهذا المعنى الذي يجعلهما كفوا لأبوّة محمّد وآله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ؟؟.  فما هو مقصود الآية الشريفة ؟؟.  أقول أنّ الاحتمال وارد وقويّ في أنّ أمومة زوجات النبي(ص) للمؤمنين تكون بلحاظ أبوّة رسول الله (ص) لا أكثر، فهنّ كزوجات الأب اللاتي لا يجوز نكاحهنّ أبدا، فإثبات الأمومة لهنّ يكون من هذه الجهة لا غير في إثبات هذا الحكم واعتبارهن كزوجات الأب اللاتي يشتركن مع الأمّ في هذا الحكم فقط، وأنّى لزوجة الأب أن تكون كالأمّ أو تقوم مقامها ! هيهات هيهات ! لا يكون ذلك إلا للأوحديّة من النساء، ثمّ كيف يُعقل أن يأمرني ربّ العالمين بتقديس من أعلنت بغضها وحربها لأمير المؤمنين(ع) أمام الملأ في وقعة الجمل وغيرها ؟ أم كيف يجتمع أن تكون أمّي الروحيّة عدوّة لأبي الروحيّ ؟ هذا لعمري شطط في الحديث وزيغ عن المعقول وخروج عن منهج التفكير القويم، فليس أمامنا بعد ذلك إلا أن نثبت اعتبار أمومة زوجات النبي (ص) للمؤمنين باللحاظ المتقدّم.

من هي أمّ شجرة عائلة الروح إذا ؟ 

بعد ذلك من حقّك أن تسأل عن أمّك الروحيّة لتتعرّف عليها وتذوب في حبّها وتستغرق في شخصيّتها وتتعرّف على مقاماتها وتنهج نهجها وتطيع أمرها وتجتهد في تقديسها وتبجيلها واحترامها بكلّ ما أوتيت من قوة وجهد وطاقة، يا ترى من هي هذه التي تصلح أن تكون كفوا لأبوّة محمّد وعليّ وأبنائهما عليها وعليهم جميعا أفضل الصلوات وأزكى التحيّات ؟ نستشفّ من كنية قد أطلقها الأب الروحيّ الأعلى رسول الله(ص) على ابنته الطاهرة الصدّيقة فاطمة جوابا لهذا السؤال الخطير، ورد في كتاب حياة الصدّيقة فاطمة(ع) للطبسيّ أنّ من كنى فاطمة(ع) ((أمّ أبيها))(16 )، وهذه الكنية كما لا يخفى قد أطلقها رسول الله(ص) عليها، وبيان وجه الاستشفاف كما يلي : نستطيع أن نقول بكلّ بساطة أنّه لمّا كان رسول الله(ص) هو أبونا الروحيّ كما تقدّم ثبوته، كانت بالضرورة أمّه أمّنا، فإنّك تجد بديهيّا ثبوت أصالة أمومة أمّ الأب في عرف نسب الدم، فكذلك أمّ أبيك الروحيّ، فهي أمّك الأصليّة من دون اعتبار ووضع واتّخاذ، وهذا ما يفسّر غرابة هذا الحديث ويحلّ إشكاله الكامن في التساؤل عن كيفيّة أن تكون الزهراء بنتا للرسول(ص) في نفس الوقت الذي تكون فيه أمّا له، فجواب هذا التساؤل يكون كالتالي : أنّنا قدّمنا أنّ موازين نسب الدم تختلف عن موازين نسب الروح، وهما عالمان مختلفان لا دخل لأحدهما بالآخر إلا في الرابطة الجامعة بين النظرة العقائديّة من جهة والسلوكيّة من جهة أخرى، فكلاهما مكمّل للآخر، وأحدهما في طول الآخر، ولا ضير ولا استحالة بأن يكون الشخص ابنا دمّيّا لأب روحيّ في حال كونه ليس ابنا روحيّا له، أو أن يكون الشخص ابنا روحيّا لأب روحيّ في حال كونه ليس ابنا دمّيّا له، وقد ظهر ذلك في كنعان ونوح(ع) كمثال للأوّل، وفي سلمان ورسول الله(ص) كمثال للثاني، وهكذا أيضا تكون فاطمة(ع) أُمّا للرسول(ص) في نفس الوقت الذي تكون فيه بنتا له، ولا بدّ لإتمام فائدة الكلام من التنويه على أنّ أمومة فاطمة(ع) للرسول الأكرم(ص) تختلف عن أمومتها للمؤمنين، فلا يُتصوّر أنّ رسول الله(ص) وهو أفضل وأكمل الخلق يهتدي بهدى فاطمة(ع)، حيث أنّه هو مرجع الهادين، يُؤتى ولا يأتي بأبي هو وأمّي، فلتفسير ذلك، وللخروج عن هذا التزاحم، لا بدّ من القول أنّ رسول الله(ص) حينما أطلق هذه الكنية على بهجة قلبه أراد بذلك إثبات أمومتها الحقيقيّة للمؤمنين بلحاظ أبوّته لهم كما بيّنّا، وأنّ أمّ الأب أمّ أصليّة بينما زوجته ليست كذلك.

ج) أبناء شجرة نسب الروح : يتبيّن من خلال الكلام السابق تحت عنوان معيار وضابطة التأهّل للدخول إلى نسب الروح من هم أبناء محمّد وعليّ وفاطمة وأبنائهم عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، فنستطيع أن نقول باختصار أنّ أبناءهم هم المؤمنون الشيعة الذين وصلوا إلى مرتبة الفناء في العمل الصالح حتّى أصبحوا وإيّاه حقيقة واحدة، فكون الإنسان هو عين العمل الصالح يجعله قادرا على الدخول إلى هذه العائلة المباركة والانتساب إليها وإلا فلا، وهذا يعني أنّ من يعمل العمل الصالح من دون وصوله إلى هذا المقام ليس مؤهّلا لأن يكون منتسبا إلى هذه الشجرة بالمعنى الحقيقيّ، فعليه أن يجتهد في تحصيل أسباب هذا الفناء. 

الخلاصة :

تبيّنت بعد ذلك أطروحة الإسلام البديلة، والعناية الفائقة التي أولاها لكلا النوعين من النسب، وكيف أنّ هذه العناية تكفل انسجام النفوس مع قوانين الاثنين لموافقتها فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا بدّ من الإشارة في ختام البحث بأنّ مراعاة وإقامة قوانين وأحكام كلا النسبين واجب عينا على كلّ مسلم، حتّى تتحقّق بذلك الوجوب استقامة الفرد ومن بعده استقامة المجتمع، لأنّها قوانين الله التي أنزل على عباده نورها، ونشر عليهم بها رأفته ورحمته، وأراد بها إيصال عباده إلى الهدف المنشود من إقامة المجتمع الفاضل بقيادة خليفة الله على أرضه، وبدون تحقيق النظرة الصحيحة لهذين النسبين لا يمكن الانتهاء إلى مثل هذا المجتمع.

 اللهم اجعلنا ممّن ناديته فأجابك، وأمرته فأطاعك، وأرشدته فاهتدى، ونهيته فانتهى، ورويته فارتوى، بحقّ آبائنا النجباء، وأمّنا فاطمة الزهراء، صلواتك يا ربّ عليهم أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. 

المصادر والهوامش

  • (1) الفرقان : 54.
  • (2) وهي الخطبة الثانية والسادسة والعشرين والثالثة والثلاثين والتاسعة والثمانين والخامسة والتسعين والسادسة والتسعين والإحدى وخمسين بعد المائة والإحدى وتسعين بعد المائة والثامنة والتسعين بعد المائة والثالثة عشر بعد المائتين، ولك الرجوع إلى كتاب سيرة سيّد المرسلين للشيخ السبحاني ّ ص88، 89، 90، 91.
  • (3 )  بيت الأحزان للشيخ عبّاس القمّيّ (ره) ص145.
  • (4 ) سورة هود : 45- 46.
  • (5 ) سورة هود : 42.
  • (6 )  أصول الكافي ج1، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث الثاني والعشرون، ص59.
  • (7 )  سلسلة الأركان الأربعة (2) سلمان الفارسيّ لمحمّد جواد آل فقيه، ص83.
  • (8 )  لا يخفى عليك أنّ هذه محاولة إلى إلفات وتذكير القارئ الكريم إلى عظمة ومنزلة أهل بيت العصمة(ع) الّذين انتسب إليهم سلمان وغيره من الأولياء الكمّل، وليست محاولة إلى إثبات هذه المقامات ونسبة هذه الأوصاف إلى سلمان(ع)، كيف وهم من هم بأبي هم وأمّي، لا يدانيهم أحد في فضل ولا منقبة ولا مقام، بل لا يطمع ولا يفكّر أحد في إدراك مقاماتهم(ع)، وذلك ما أشارت إليه نفس الزيارة الجامعة في قول الهادي(ع)  (حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع.. ) إلى آخرهذه المعاني في الزيارة الشريفة.
  • (9 )  بحار الأنوار ج7، الباب الخامس (صفة المحشر)، ص94.
  • (10) المؤمنون – الآية 101.
  • (11 ) بحار الأنوار ج16، الباب السادس (أسماؤه (ص) وعللها )، ص95.
  • (12 )  منية المريد ص114.
  • (13 ) منية المريد ص115.
  • (14 )  انظر منية المريد من ص114 إلى ص118.
  • (15) سورة الأحزاب: 6.
  • (16 )  حياة الصدّيقة فاطمة(ع)  للطبسيّ، ص28.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى