ثقافة

الخطاب الحسيني أمام تهمة الخرافة

المقدمة

لا يخفى على أحد من المنصفين أهمية الموقع الحساس الذي تتبوؤه القضية الحسينية ضمن سلسلة مكونات الفكر الإسلامي الأصيل، وأنّ هذه القضية بالذات شغلت حيّز الأُسّ، الذي لولاه لما بقي من الدين إلا اسمه ورسمه، ولكان خواءً من أي مضمون وجوهر يعبّر عن الأطروحة الإلهية التي جاء بها رسول الله| لكي ينقذ بها العالم بأسره، ولكي يبني دنيا وآخرة عامرتين بنور الإيمان، وتتجلى هذه الفكرة بأجزل وأوضح بيان فيما ورد عن النبي نفسه في قوله: >حسين منّي، وأنا من حسين<[1].

ما يمتلك هذا التأثير المهم في حفظ الإسلام يتجلّى في مرحلته الأولى في ذات الفكر الحسيني الذي جاء به الحسين في نفس الأمر والواقع، والذي يُتداول ويُتناول بالبحث والتدقيق والتفتيش طيلة أيام السنة بشكل عام، وفي أيام عاشوراء بشكل خاص، وذلك ما يمكن توصيفه بالمرحلة الثانية، والتي تتمثل في إبراز هذا الفكر على شكل خطاب حسيني نخاطب به العالم، وذلك عبر المادة المقدمة من خلال قنواته المتعددة، والتي من أهمها في الدرجة الأولى: المنبر الحسيني، ثم الموكب العزائي، والشعر، والأدب، والفن، والمسرح، والمرسم، والندوات، والمؤتمرات، وغير ذلك من وسائل تشكل في المحصلة مجموع قنوات الخطاب الحسيني بما تعطيه من مضامين، وقراءات، وفهم لهذه الثورة المباركة المقدسة.

فنحن بحاجة إلى التفريق بين أمرين قد يبرزان عادةً على هيئة أمر واحد في الظاهر، ممّا يصعّب من عملية التفكيك بينهما، وهما: الأول: الفكر الحسيني في نفس الأمر والواقع، الثاني: الخطاب الحسيني، ونعني بالأول: نفس ما آمن به سيد الشهداء من أهداف، ومنطلقات، ونفس ما اتخذه من قرارات أدار بها الثورة، ونفس ما قام به من مجموع الخطب، والمواقف، ونعني بالثاني: القراءات المقدمة من أصحاب الفكر والنظر في سبيل إبراز الفكر الحسيني، وهي تشمل جميع مفردات هذا الفكر المكونة من مزيج البعدين: المعرفي، والعاطفي.

وعلى هذا نعرف: أنّ كلاً من الفكر الحسيني والخطاب الحسيني يختلفان في المفهوم، وأما في الصدق والانطباق، فهما قد يتطابقان، وقد لا يتطابقان، وبقدر ما يمتلك صاحب الخطاب من علم ومعرفة وقرب من الإسلام المحمدي الأصيل، فإنّه سيوفّق في فهم هذه الثورة، وبالتالي في إبرازها عبر خطاب موفق في بيان حقيقتها دون زيادة أو نقصان، فيتصادق عنده الفكر مع الخطاب حينئذٍ، وبقدر ما يفتقد صاحب الخطاب ذلك، فإنّ خطابه سيعود مجرد اجتهاد خاطئ في فهم هذا الفكر، لا تكون له قيمة واعتبار من هذه الجهة.

وإذا دققنا النظر، فإننا سندرك أنّ مسؤولية جميع من يدّعي انتماءً لخط الحسين تتلخص في ضرورة بذل الجهد الصادق ووفق الآليات المنطقية، والشرعية من أجل الوصول إلى إنتاج خطاب متصادق مع الفكر، ومن هنا تأتي ضرورة وخطورة مسألة التقييم والنقد للـ(خطاب)، وليس (الفكر)؛ لأنّ الفكر في نفسه معصوم بلا شك، لكونه فكر الحسين بن علي، أما الخطاب فهو مجرد اجتهادات لا نصيب لها من العصمة إلا بقدر ما يوفق الله تعالى، وهي بذلك قد تخطئ، وقد تصيب.

فحين نسأل: لماذا الحديث حول ضرورة نقد وتقييم الخطاب الحسيني المعاصر؟

الجواب: لأنّه سلاح ذو حدين: يمكن أن يكون حين يُضبط أسمى خطاب ديني مؤثّر في النفوس على مرّ العصور، ويمكن أن يكون حين يُتجنّى عليه فيفلت خطاباً مثيراً للفتنة، فتاكاً، مدمراً، محققاً لمآرب ومصالح الطغاة والمستكبرين على المستوى المحلي، والإقليمي، والعالمي.

إشكال:

إذا عرفنا ذلك، يمكننا أن نبدأ في فتح باب النقد والتقييم لهذا الخطاب من خلال تناول ظاهرة (السخرية) التي تزايدت وتيرتها في الآونة الأخيرة تجاه الخطاب الحسيني بشكل عام، وحاصل التأمّل في ذلك يقول: إنّ هناك ملامح مشروع متكامل، تُصرف عليه الأموال، وتُستأجر له العقول والأقلام، يهدف إلى إبراز ما يمارس في هذا الموسم المقدس، على أنّه خرافة، وأساطير، وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، يُخدع بها ممارسوها، فضلاً عن غيرهم، مما أنتج لنا ظاهرة السخرية التي يقوم بها الغرباء عن مدرسة أهل البيت تجاه هذا الخطاب، والذي يتمثل في الكثير من الروايات التي تتكلم عن قضية الحسين، والتي تصل إلى الناس اليوم بصيغة محاضرة، أو قصيدة، أو لوحة فنية، أو مشهد تمثيلي، وغير ذلك، خصوصاً تلك المضامين التي لا تكون فيها قابلية الإذعان السريع، لغرابتها، ومن أمثلتها:

1ـ ما يتعلق بحضور مأساة الحسين في زمن الأنبياء، وتفاعلهم معها قبل وقوعها.

2ـ ما يرتبط بتفاعل الكون بحيواناته، ونباتاته، وجماداته مع فاجعة كربلاء.

3ـ ما يذكر من الثواب الجزيل على زيارة الحسين، والبكاء عليه، وإحياء أمره.

وغير ذلك الكثير مما يشكل منظومة الخطاب الحسيني بنحو يعم جميع صوره، وأطروحاته العلمية، والعاطفية، والخطابية، والشعرية، والفنية، والحاصل في النتيجة: أنّ جملةً من مضامين الخطاب الحسيني المعاصر، تصل إلى بعض المخاطبين في صورة الخرافة العصية على التصديق.

تحليل لأسباب السخرية:

وقبل أن نلج في محاولة معالجة هذه المسألة، دعونا أولاً نقوم بتحليل أسباب هذه السخرية، والتي تشكل مانعاً وحاجزاً كبيراً، يحول دون التفاعل مع مبادئ الحسين عند هؤلاء، مما يخسرهم الكثير الكثير مما يحتاجونه للرقي في الدنيا والآخرة.

وحين نتأمل، سوف نجد أنّ أسباب هذه السخرية تعود إلى ثلاث مكونات أساسية، أولها يتعلق بالمادة الملقاة في هذا الخطاب، وثانيها يتعلق بالمتلقي، وثالثها يتعلق بالملقي:

أولاً: غرابة هذه المضامين من حيث عدم وضوح الهدف منها بالنسبة إلى هؤلاء، وعدم إمكان فهمهم الكثير من منطلقاتها، ونتائجها، ولوازمها، وحقائقها، خصوصاً أنّ الأمر متعلق بمن لا ينتمي إلى البيئة التي ترسل فيها هذه المضامين إرسال المسلمات، وقد جاء عن الأمير: >إنّ علمنا أهل البيت يُستنكر، ويُبطل، وتُقتل رواته، ويساء إلى من يتلوه بغياً وحسداً لما فضّل الله به عترة الوصي، وصي النبي|<[2].

ثانياً: طبيعة الذهنية التي صُقلت على نحو محدد، وفق أهداف مرسومة لدى الساخرين، والذين ينقسمون إلى قسمين: أصحاب الذهنية البسيطة، وأصحاب الذهنية المعقدة، ومن أبرز سمات أصحاب الذهنية البسيطة أنّها تنطلق في فهم ما يقوله أصحاب الخطاب الحسيني من خلال:

1)  الخلط: بين الشيعة والغلاة، الرافضة، المجوس، اليهود، النصارى..، والخلط بين مسائل العقيدة وبين أصول الدين كما نبّه عليه بعض المختصين، وهو ما يدعوهم إلى تكفير كل من اختلف معهم في أمر، ولو كان من جزئيات العقيدة، بل ولو كان من جزئيات الأحكام الشرعية ربما.

2)  التطرف والتشدد في الأحكام، مع الابتعاد عن الموضوعية، وذلك كنتيجة طبيعية للخلط المذكور.

3)  المحدودية في الإدراك، وما يمكن أن نسميه بالمنهج الجزئي الضيق في فهم كلام الشيعة، وهذا أيضاً جاء نتيجة للأمر الأول (الخلط)، وقد شهد به من كان يحسب عليهم في يوم من الأيام، وهو سماحة الدكتور عصام العماد (حفظه الله)، الذي قال في كتابه المنهج الجديد والصحيح في حوار الوهابيين: “كما أننا لا يمكن أن نستنقذهم إلا إذا أحسنّا الظن بهم، فهم إخواننا، إلاّ أنّهم يتصفون بالبساطة في التفكير”[3]، فأنت هنا تتكلم عن دماغ مغلق، مجيّر لصالح بعض الأفكار الجزئية التي لا يمكن فهم الأوسع منها بسهولة لدى هؤلاء.

أما أصحاب الذهنية المعقدة، فهم غالباً ما ينتمون إلى مذهب أهل البيت، غير أنّهم ألِفوا واستأنسوا بمنهج التشكيك، والذي يرجع إلى جذر الجهل المركب، فدعاة ما يسمى بالتجديد، يرون ضرورة تقديم قراءات نقدية عصرية تقوم على أساس هدم الكثير من الموروث التقليدي القديم، وكثير من هؤلاء يحسب أنّه يعلم، وهو لا يعلم، خصوصاً حينما يفتقد آليات الفهم المنطقية في التقييم، ويقوم بترديد ما يقول به نخب هذا الاتجاه، دون أن يدرك عمق ما في أطروحتهم الهزيلة غير الموزونة، وذلك لمجرد الأنس بما ينادي به هؤلاء من مفاهيم تبرز في ظاهر جميل، يجد فيه الإنسان ذاته حين يتحرر من نزعات ما يسمونه بالتخلف! وحينها: قد يصل الحال بهم للأسف الشديد إلى: (السخرية)!

ثالثاً: الثالث من مكونات أسباب السخرية هو: طريقة طرح هذه الأخبار لدى البعض دون مراعاة لهذه الذهنية، ودون التفريق بين المخاطب المهيأ لاستقبال مثل هذه المضامين، وبين من لا يكون مهيأ لها، سواء عند غير أتباع هذه المدرسة، أو حتى من بعض أتباعها، ممن صيغت عقلياتهم على رفض مثل هذه المضامين لسبب وآخر كما ذكرنا.

المعالجة:

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا هو: ما هو الحل؟! كيف علينا أن نواجه مد السخرية هذا بالطريقة المناسبة؟

حين نرجع إلى المكونات الثلاثة السابقة، نجد أنّ الجزء الأهم من المشكلة يتمثل في المكون الثالث؛ ذلك لأنّ المكونين الأول والثاني يعدّان إما من الأمور غير القابلة للتبديل، كما في المكون الأول، وإما أنّهما يعدّان من الأمور صعبة التبديل، كما في المكون الثاني، وعليه: لا بد من التركيز على المكون الثالث الذي يرتبط بالملقي، لأنّه من النوع القابل للتغيير، وهنا تصورات مطروحة:

1)  منهج التكتم: هناك من ينادي بأسلوب التكتم على هذه المعارف السامية، والتخلي مطلقاً عن إذاعتها، لكونها معدودة من أسرار آل محمد|، والتي ورد الكثيرُ من الروايات بلسان تحريمها، بل التشدد في تحريمها، منها:

*ما ورد عن أمير المؤمنين: >أتحبّون أن لا يكذب الله ورسوله؟! حدثوا الناس بما يعرفون، وأمسكوا عما ينكرون<[4].

*وعن عبد الأعلى بن أعين، قال: قال لي أبو عبد الله جعفر بن محمد: >يا عبد الأعلى، إنّ احتمال أمرنا ليس بمعرفته، وقبوله، إنّ احتمال أمرنا هو صونه وستره عمن ليس من أهله<[5].

*وعن علي بن الحسين: >حدثوا الناس بما يعرفون، ولا تحمّلوهم ما لا يطيقون، فتغرونهم بنا<[6].

*وعن الصادق: >إنّي لأحدّث الرجل الحديث، فينطلق فيحدث به عني كما سمعه، فأستحل به لعنه، والبراءة منه<[7].

*وعنه: >إنّ المذيع لأمرنا كالجاحد به<[8].

*وعن أبي سعيد المدائني قال: قال أبو عبد الله: >أقرئ موالينا السلام، وأعلمهم أن يجعلوا حديثنا في حصون حصينة، وصدور فقيهة، وأحلام رزينة، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما الشاتم لنا عرضاً، والناصب لنا حرباً، أشد مؤونة من المذيع علينا حديثنا عند من لا يحتمله<[9].

وفي النتيجة: إنّ دعاة هذا المنهج يرون ضرورة صون هذه المعارف عن غير أهلها، وأنّ طرحها ينبغي أن يكون بميزان دقيق جداً، بحيث يضيق من دائرة المتلقي تضييقاً شديداً، ويقصر إمكانية تبليغ هذه المعارف على ثلة خاصة جداً، يعد إخراج هذه المعارف إلى غيرها خيانة عظمى لأهل بيت النبوة.

2)  منهج التشكيك: ويعتمد هذا المنهج على رفض هذه الروايات عادةً، بحجة أنّها تتعارض مع (العقل)! وغالباً ما لا تكون تشكيكات أصحاب هذا المنهج مبنية على أسس علمية رصينة، بل هي تركز أكثر ما تركز على ما يؤدي إلى التحرر من الموروث لحساب فكرة التحرر، وهذا ما يمكن أن يتحقق بالتركيز على الجانب الكمّي في التشكيك أكثر من الجانب الكيفي، فترى غالب الحجج ركيكة كيفاً، إلا أنّها كثيرة كمّاً، وهذا في حدّ ذاته يؤدي الغرض المتمثل في التحرر، وبهذا يخلص أصحاب هذا المنهج إلى نتيجة حاصلها: أنّ مدّ التشكيك في الموروث، والمناداة بضرورة مراجعته، وعدم التسليم بكل ما جاء فيه، من شأنه أن يقف في وجه مدّ السخرية ضد قضية الحسين، لأنّ مد التشكيك إن صح التعبير سيقطع على الآخر طريق التعميم على كل الشيعة أنّه مذهب خرافة؛ ذلك لأنّه سيتورط أمام وجود هذا المد التشكيكي من داخل البيت الشيعي، وسيضطر حينها إلى توجيه سخريته فقط إلى نمط خاص من الخطاب الحسيني.

3)  منهج التصادم والتحدي: وهو يبتني على أساس من الإصرار على تبليغ هذه المعارف بقوة، رغم ما قد تسببه من بعض الآثار السلبية، وذلك بحجتين نقضية، وحلية:

أما النقضية: فإنّ هناك الكثير من المعارف الدينية المسلمة التي تستنكرها البيئات الفكرية البعيدة، وذلك مثل شعائر الحج مثلاً، فهل نتخلى عن هذه الشعائر؟! وهل نتخلى عن الخطاب الديني المتعلق ببعض المضامين الغريبة على أسماع الآخرين، بحجة أنّها ستستنكر من قبلهم؟!

وأما حلاً: فلأنّ هذه الآثار السلبية ناشئة من تقصير أصحابها، لا لقصور في نفس الحقائق المبلَّغة، فما دامت حقاً، فمن حقها أن تبرز وتظهر للعلن، وهذا ما قد يعبر عنه البعض بضرورة الانتقال من منهج الدفاع، إلى منهج الهجوم، مع ملاحظة ما يمتلكه المذهب في أصول اعتقاده، وفقهه، وجميع ما يمت إليه بصلة، من قوة في الحجة، والبيان، فلا مناص من الثقة بالمطروح أولاً، والإصرار على تبليغه ثانياً.

وقد يؤيد ذلك كثير مما ورد في ضرورة إذاعة الحق، وعقاب من كتمه:

* فقد قال تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[10].

* وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ}[11].

* وعن رسول الله|: >من علم علماً وكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار<[12].

* وعن الكاظم: >قل الحق وإن كان فيه هلاكك، فإنّ فيه نجاتك، ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فإنّ فيه هلاكك<[13].

وغير ذلك من شواهد تدل على ضرورة الإصرار على بيان الحق دون مجاملة لأحد.

إذاً: فإنّ مواجهة مد السخرية حسب هذا التوجه تتمثل في التصادم، والمضي في الحق دون مبالاة، على مبدأ: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}[14].

4)  منهج الموازنة: ويعتمد هذا المنهج على أساس النظر إلى أدلة وحجج أصحاب التوجه الأول والثالث، ويمكن تلخيصه في: ضرورة ترشيد الخطاب بما يوازن بين الأمرين: ضرورة تبليغ هذه الحقائق، وضرورة المحافظة عليها من الشبهات، والسخرية، والاستهزاء حين تصل إلى غير أهلها، وبهذا نفهم، أنّ ما ذكر عند أصحاب الرأي الأول من ضرورة التكتم، صحيح بوجه، غير صحيح بوجه آخر، فإنّ التكتم المطلق، وبهذه السعة التي تضيق من دائرة المتلقي، فيه ما فيه من المبالغة التي تفوت على الناس بث هذه الحقائق الحسينية المهمة عبر الخطاب الحسيني، يدرك ذلك من خلال أدلة أصحاب الاتجاه الثاني في ضرورة الجهر بهذه الحقائق، ومن جانب آخر، فإنّه من خلال النظر إلى أدلة الاتجاه الأول في ضرورة التكتم، يعلم عدم صحة إطلاق الجهر بهذه الحقائق كما يرى أصحاب الاتجاه الثاني.

والحاصل: إنّ التكتم مطلوب في محله، والإذاعة مطلوبة في محلها، ولنستشهد على فكرة ترشيد الخطاب هذه بالروايات التالية:

* عن النبي| قال: >إنّ عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم<[15].

* وعن أبي جعفر البصري قال: دخلت مع يونس بن عبد الرحمن على الرضا، فشكى إليه ما يلقى من أصحابه من الوقيعة، فقال الرضا: >دارهم؛ فإنّ عقولهم لا تبلغ<[16].

* وعن رسول الله|: >إنّا أُمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس بقدر عقولهم، أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض<[17].

*وعن جابر الجعفي، قال: دخلت على أبي جعفر وأنا شاب، فقال: >من أنت؟< قلت: من أهل الكوفة، جئتك لطلب العلم. فدفع إليّ كتاباً، وقال لي: >إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية، فعليك لعنتي، ولعنة آبائي، وإن أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية، فعليك لعنتي، ولعنة آبائي<. ثم دفع إلي كتاباً آخر، ثم قال: >وهاك هذا، فإن حدثت بشيء منه أبداً، فعليك لعنتي ولعنة آبائي<[18].

*وعن الصادق للمعلى بن خنيس: >يا معلى، لا تكونوا أسرى في أيدي الناس بحديثنا، إن شاؤوا منّوا عليكم، وإن شاؤوا قتلوكم<[19].

يقول العلامة المجلسي: “والذي يظهر من جميع الأخبار إذا جُمع بعضها مع بعض: أنّ كتمان العلم عن أهله، وعمن لا ينكره، ولا يُخاف منه الضرر: مذموم، وفي كثير من الموارد محرّم. وفي مقام التقية، وخوف الضرر، أو الإنكار، وعدم القبول، لضعف العقل، أو عدم الفهم، وحيرة المستمع: لا يجوز إظهاره، بل يجب أن يحمل على الناس ما تطيقه عقولهم، ولا تأبى عنه أحلامهم<[20].

تنبيه: ومن الضروري أن يُعلم أن كيفية ترشيد الخطاب الحسيني لا ينبغي أن تكون سلبية، بمعنى أن تكتفي بقراءة الآخر، وتقييم ما يستطيع أن يتلقاه، والاكتفاء بتبليغ ما يتمكن من تقبله، بل لا بد من أن تكون إيجابية، بمعنى أن يحمل صاحب الخطاب الحسيني همّ مشروع التغيير عبر ما يمتلكه هذا الخطاب من مضامين وحجج، فأولاً: يقرأ الآخر، وثانياً: يفهم تركيبته الذهنية، ثم يقوم ثالثاً بتهيئة المقدمات التي تؤهل هذا الآخر قدر الإمكان لتلقي هذه المعارف المهمة.

النتيجة:

ومن هنا يُعلم أنّ مفاد هذه المعالجة لا يعني التكتم المطلق على مقاماتهم كما يحاول البعض أن يروّج له، حتى وصلت المسألة ببعضهم إلى التشكيك في نفس هذه المقامات! ولا يعني كذلك صدم واقع التخلف الذي يعيشه كثيرون تجاه أئمة أهل البيت بطريقة اندفاعية غير مدروسة، تكون لها جملة من الآثار السلبية التي من أهمها رفض هذه الحقائق، والتشكيك بها، بل والجرأة على ادعاء سخفها، كما يجهد الكثيرون منهم في ذلك! والمسألة تحتاج إلى موازنة دقيقة، تعطي مضامين هذا الخطاب حقها، ولا شك في أنّ هذه الموازنة ليست بالأمر السهل الذي يُترك فيه التشخيص إلى خطيب هنا، أو رادود هناك، بل لا ينبغي أن يبتعد الخطاب الحسيني عن يد أمنائه من العلماء والفقهاء، لكي لا يقع في هذه الإشكالية المدمرة.

إنّ الفكر الحسيني في نفسه لا ينقصه شيء، بل قد يُتجنى عليه بأفهام ضيقة، تبرز في خطابات غير مثمرة، بل قد تكون لها آثار عكسية تماماً، تفوت الفرصة على الآخرين في تلقي هذا الخطاب بأريحية، وبتقبل تام، فإنّ مِن خصائص الخطاب الحسيني: قدرته على التأثير العاطفي من أجل خلق أجواء مهيئة للتفاعل مع قضية الحسين، ومن الإجحاف أن تحول هذه الخاصية إلى ما يؤدي إلى عكس هذا المرجو، فنحن جميعاً أمام مسؤولية كبيرة يجب أن نفهم خطورتها، حتى لا نكون من أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[21].

والحمد لله أولاً وآخراً.  

المصادر والهوامش

  • [1] الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص 127.
  • [2] بحار الأنوار للمجلسي ج2 ص78 باب 13 النهي عن كتمان العلم ح65.
  • [3] المنهج الجديد والصحيح في حوار الوهابيين ص95.
  • [4] مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج12 ص275 باب 30 باب وجوب كتم الدين عن غير أهله ح1.
  • [5] نفس المصدر: ح3.
  • [6] الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني ص41 باب ما روي في صون سرّ آل محمد ح1.
  • [7] نفس المصدر ح7.
  • [8] مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج12 ص291 باب 32 باب تحريم إذاعة الحق مع الخوف به ح5.
  • [9] بحار الأنوار للمجلسي ج2 ص79 باب13 النهي عن كتمان العلم والخيانة وجواز الكتمان عن غير أهلهح73.
  • [10] سورة البقرة: 42.
  • [11] سورة البقرة: 159.
  • [12] الرسالة السعدية للعلامة الحلي ص6.
  • [13] الاختصاص للمفيد ص32.
  • [14] سورة هود: 38.
  • [15] بحار الأنوار للمجلسي ج2 ص66 باب13 النهي عن كتمان العلم والخيانة وجواز الكتمان عن غير أهله ح7.
  • [16] مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج12 ص215 باب 13 استحباب الرفق بالمؤمنين في أمرهم بالمندوبات والاقتصار على ما لا يثقل على المأمور ويزهده في الدين وكذا النهي عن المكروهات ح4.
  • [17] بحار الأنوار للمجلسي ج1 ص106 باب3 احتجاج الله تعالى على الناس بالعقل وأنّه يحاسبهم على قدر عقولهم ح4.
  • [18] بحار الأنوار للمجلسي ج2 ص70 باب13 النهى عن كتمان العلم والخيانة وجواز الكتمان عن غير أهله ح28.
  • [19] بحار الأنوار للمجلسي ج٢ ص٧٢ باب13 النهي عن كتمان العلم والخيانة وجواز الكتمان عن غير أهله  ح34.
  • [20] بحار الأنوار للمجلسي ج2 ص73.
  • [21] سورة الكهف: 103. 
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى