نظرية الحكم على الميزان العلوي

مقدمة

تُعدّ مسألة الإمامة أكثر شيءٍ جدلاً في الأوساط الفكريّة الإسلاميّة، حتّى يمكن اعتبارها سبباً رئيساً وحاكماً على بقيّة الأسباب الّتي أدّت إلى انقسام الأمّة الواحدة إلى مذاهب يستحلّ أتباع بعضها دماء البعض الآخر!

والجوانب الّتي من الممكن أن تُطرق في ساحة هذا العنوان جوانب متعدّدة، حيث يمكن النظر إليه من الزاوية المعرفيّة، أو القرآنيّة، أو الفكريّة، كما يمكن تشريحه بالمبضع العقائديّ، أو الفقهيّ، أو الاجتماعيّ، أو السياسيّ.

ومن أهمّ الأبعاد الّتي تُتَناول تحت ظلّ مفهوم الإمامة هذا الجانب الأخير، أعني: الإمامة السياسيّة، ومن أهمّ شعبها ما يرجع إلى تحديد شكل الحكم، ومنطلقه، وطريقة إدارته، وكلّ ما يمكن أن يندرج تحت عنوان: (نظريّة الحكم).

وقد تعدّدت النظريّات المتداولة في مسألة الحكم، واختلفت إلى حدّ التضارب الكبير، وقد نوقشت في عدد من العلوم المعنيّة بهذا الشأن من زوايا متعدّدة، تتلاءم كلّ زاوية منها مع اهتمامات العلم الّذي بُحثت فيه، وذلك كعلم السياسة مثلاً، أو علم القانون، أو الحقوق، والكلام، والاجتماع، وغير ذلك، والسؤال الجذريّ الّذي يشكّل نقطة انطلاق الخلاف الحاصل هو: أنّ الحاكميّة والسلطة الّتي تُعدّ منبعاً لكلّ ما يترتّب على مسألة الحكم، ما هو مستندها بالتحديد -والّذي يسوّغ تسلّط جهةٍ أو شخصٍ معيّنٍ على أمّةٍ بأكملها-؟ ويمكن إرجاع هذا الاختلاف إلى مذهبين:

المذهب الأول: هو المذهب الإلهيّ، والمذهب الثاني: هو المذهب الوضعيّ.

وملخّص الفارق بين المذهبين أنّ الأوّل يرى أنّ الحاكميّة على المجتمعات الإنسانيّة في ابتدائها ومنتهاها إنّما هي بالأصالة لله (عزَّ وجلَّ) وحده، لا حقّ لغيره فيها إلاّ على نحو التبع، بينما المذهب الثاني يرى أنّ الحاكميّة مستندةٌ إلى البشر أنفسهم، غير مستمدّةٍ من جهةٍ خارجةٍ عن إطار الإنسان، وقد صيغت هذه النظريّة بإبراز مجموعةٍ من المناشئ المتصوَّرة لهذه الحاكميّة ضمن إطار الإنسان وحده، ممّا تسبّب في إيجاد عدد من المذاهب التي تندرج تحت هذه النظرية، فمنهم من أرجع الحاكميّة إلى الطبيعة البشريّة، ومنهم من أرجعها إلى القوّة والتغلّب، أو العقد الاجتماعيّ، أو العقل التجريبيّ، أوغير ذلك ممّا ذُكر في محلّه.

وحكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، الّتي استمرّت قرابة أربع سنين ونصف، لا شكّ في أنّها كانت تنتمي إلى المذهب الأوّل، ممّا يعني أنّها كانت حكومةً تنتمي إلى فكر يقابل تماماً ما هو رائجٌ في هذا العصر من أفكارٍ تنتمي إلى المذهب الثاني في توصيف شكل الحكومات المطلوب، وأصلها، وأساسها، وعلى ذلك، فإنّ حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) تعترضها -بطبيعة الحال- جملةٌ من الإشكالات الّتي أنتجت المذهب الثاني، ويمكن فهم جميع هذه الإشكالات في أساسها الّذي انطلقت منه، أذكره من أجل مواجهته بالتطبيق العمليّ العلويّ لمنطلق الحكومة في فهمه المعصوم (عليه السلام)، وما ترتّب على ذلك من آثارٍ عمليّةٍ تكذّب روح الاعتراض الّذي وُجِّه إلى هذا النوع من الحكومات.

الإشكال:

مفاد الاعتراض باختصار: إنّ الحكومات الإلهيّة حكومات فرديّة، لا تقيم للإرادة الجماعيّة أيّ وزن، ولمّا كانت الحكومة تعني التسلّط، والتحكّم، وتوجيه الرغبات، والإرغام على الالتزام بقوانين معيّنة تفرزها الإرادات الفرديّة، وغير ذلك ممّا يترتّب على هذا العنوان، فإنّ فرديّة الحكومة الإلهيّة تعني: تغليب رأي شخصٍ، أو رأي جهةٍ، وفئةٍ محدّدةٍ، على رأي الآلاف، أو الملايين، وذلك في جميع المجالات المصاحبة للهيمنة السياسيّة، كالمجال الاقتصاديّ، والاجتماعيّ، والأمنيّ، والمدنيّ، والعسكريّ، والدينيّ، والثقافيّ، والإعلاميّ، وغير ذلك، وفي ذلك نقضٌ واضحٌ لمبدأ الحرّيّة، فأين هو دور الناس في الحكومة الدينيّة حينئذٍ؟! وأين هي عقولهم في إدارة أنفسهم؟! هل أنّ المجتمعات في الفكر الإسلاميّ مجرّد قطعان تُساس بعصا الجنّة والنار؟!

من هنا اختار هؤلاء المذهبَ الثاني، الّذي يحفظ قيمة الإنسان حسب ادّعائهم، والإجابة على هذا الاعتراض تعدّدت بتعدّد المشارب الفكريّة ضمن الإطار الإسلاميّ نفسه؛ لأنّ المذهب الإلهيّ في تفسير الحاكميّة لدى الحكومة قد تعدّدت فيه الآراء أيضاً، وإن كانت متّفقةً على أصالة إلهيّة السلطة في الحكومة الإسلاميّة، فلنتعرّض لبعض نماذج مدافعة هذه الشبهة لدى الإسلاميّين، لنرى كيف أنّ الأنموذج العلويّ هو الأنموذج الوحيد القادر على ردّ هذه الشبهة بشكلٍ منطقيٍّ معقولٍ، إلى جانب حكومة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وكذلك حكومة الإمام الحسن (عليه السلام)، وهي النماذج الثلاثة الوحيدة الّتي استطاعت أن تبرز حقيقة المذهب الإلهيّ في الحكومة، مع اختلاف ظروفها.

أختار من المدافعات لهذه الشبهة ثلاث مدافعات: الأولى: مبدأ الشورى، الثانية: الجماهيريّة الشعبيّة، الثالثة: الأنموذج العلويّ.

المدافعة الأولى: مبدأ الشورى

الأنموذج الأوّل الّذي يحاول أن يدفع هذه الشبهة عن حياض الإسلام، هو ما قال به أبناء العامّة في تفسير طبيعة العقد الاجتماعيّ بين الحاكم والمحكوم حسب المذهب الأوّل، وملخّص هذه الرؤية هو التالي: إنّه في ظلّ أصالة الحاكميّة الإلهيّة، يأتي مبدأ الشورى ليحرّك العقل الجمعيّ للأمّة في اختيار حاكمها أولاً، وفي أسلوب إدارة الحكم ثانياً، وهذه ممازجةٌ معقولةٌ بين أن يكون الحكم في منشئه الأوّل بيد الله سبحانه، وفي أن يكون -من جهة اختيار الحاكم، ومنهج الإدارة- بيد الأمّة، ومستند هذه الرؤية جملة من النصوص، منها:

ما نُسب إلى عمر في أنساب الأشراف للبلاذريّ: “فمن بايع رجلاً على غير مشورةٍ، فإنّهما أهلٌ أن يُقتلا”(1)، وجاء لفظها في صحيح البخاري: “من بايع رجلاً عن غير مشورةٍ من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الّذي بايعه، تغرّة أن يُقتلا”(2)، وفي فتح الباري لابن حجر: عن عمر: “فمن تأمّر منكم على غير مشورةٍ من المسلمين، فاضربوا عنقه”(3)، وهناك نصوص أخرى.

وقريب من هذه النظريّة -أعني نظريّة الشورى- نظريّاتٌ أخرى، إمّا أنّها تفسّر آليّة الشورى، أو أنّها تُعَدّ في قبال نظريّة الشورى؛ تكيّفاً مع ما جرى بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من تخبّطٍ واضحٍ في تطبيق مبدأ الشورى المُدَّعى، فمن الأوّل: القول بمراجعة أهل الحلّ والعقد، وباصطلاح العصر: النُّخَب، وفي تحديدهم خلافٌ أيضاً، وكذلك القول باتّفاق المهاجرين والأنصار، أو أهل المدينة خاصّةً، ومن الثاني: القول بالبيعة بأشكالها المتعدّدة.

وفي جميع هذه الأقوال يبرز دور الجماهير المباشر -أو غير المباشر- في ظلّ أصالة الحاكميّة الإلهيّة كما لا يخفى، وبهذا تُدفع الشبهة المذكورة.

مناقشة:

ولكنّ هذه المدافعة لا تخلو من مناقشاتٍ عديدةٍ، فهي وإن أصلحت من جهةٍ، ولكنّها أفسدت من جهاتٍ، ويمكن مناقشتها بالتالي:

إنّ مبدأ الشورى بهذا الطرح يتنافى مع مبدأ أصالة السلطة الإلهيّة في الحكم! ولا يمكن الجمع بينهما بكلام معقول؛ حيث إنّ النتائج العمليّة لحاصل محاولات الجمع يكذّب إمكان الجمع. وتوضيح ذلك: إنّ أصحاب هذه النظريّة حاولوا أن يجمعوا بين مبدأ الشورى، وبين مبدأ أصالة السلطة الإلهيّة بالتالي: قالوا: إنّ تشريع الشورى جاء من الله (عزَّ وجلَّ)، وهذا يعني أنّ الله (عزَّ وجلَّ) هو من أمر بالشورى في انتخاب الإمام، والشورى بهذا التقريب تطبيقٌ لأمر الله (عزَّ وجلَّ)، فكيف تكون خارجةً عن سلطته؟!

ونقول في الجواب: هذا أوّل الكلام، حيث إنّ الشورى لا يمكن أن تكون أمراً تشريعياً صادراً من الله سبحانه في أمر الخلافة والإمامة، وإلاّ لزمت مجموعةٌ من اللوازم الفاسدة، ومن أهمّ ما يردّ هذا المبدأ في نفسه في مسألة الإمامة:

1) (احتماليّة خطأ نتيجة الشورى): إنّ الشورى تعتبر مجازفةً خطيرةً من الناحية العمليّة؛ ذلك أنّها قد تقوم بتعريض الأمّة إلى الضياع إذا أدّت الشورى إلى خيارٍ خاطئٍ في هذا الموقع الحسّاس، خصوصاً مع إمكان دخول المطامع والأهواء في هذا الأمر العظيم، وهو ما حصل فعلاً بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) بشهادةٍ من أحد أقطاب هذا المبدأ، فقد روى ابن عباس كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: قال عمر: “أتدري يا ابن عباس ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: لكنّي أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فيجخفوا جخفاً، فنظرت قريش لنفسها فاختارت، ووُفّقت، فأصابت”(4).

إذاً: لا يمكن ادّعاء العصمة في الشورى، والاستناد إلى نظرية عدالة الصحابة لا ينفع؛ لأنّ التاريخ أثبت اختلاف الصحابة فيما بينهم إلى حدّ الاحتراب، والاقتتال.

2) (هل الشورى محدودةٌ بزمنٍ؟ أم هي مستمرّةٌ؟): إنّ فرض الشورى كمبدأٍ أصيلٍ -لا يتبدّل- لاختيار الحاكم يعني أنّ هذا المبدأ ينبغي له أن يستمرّ في الأمّة إلى ما بعد عهد الصحابة، ولم يدّعِ أحدٌ العصمة في الأمّة أجمع بالشورى، نعم ادُّعِيَت عصمة الأمّة في موارد الإجماع عند بعضهم، والشورى ليس بالضرورة أن تؤدّي إلى إجماع في الرأي، ومع الالتفات إلى ذلك، من حقّنا أن نتساءل: أين هو مبدأ الشورى من حكّام هذا العصر ممّن يدين أصحاب رؤية الشورى لهم بكلّ الولاء والطاعة؟!

3) (الشورى تساوي الفوضى بهذا المعنى): إنّ الشورى تعني أن يكون شخصٌ ما صاحباً للأمر، يقوم بمشاورة الآخرين، واستجماع الآراء، وضمّها إلى رأيه، فيأخذ بعد ذلك بالرأي الأصوب حسب ما تمّ جمعه، ولا يمكن افتراض شورى لا وجود فيها إلى صاحب شأن تكون له الكلمة الأخيرة، وإلاّ كانت الشورى تساوق الفوضى بهذا المعنى المفترض لا محالة! وحينها يكون مآل الشورى –إن قلنا بها- إمّا إلى سلطة الفرد الواحد، وإمّا إلى الفوضى، وكلاهما خروج عن مبدأ الشورى.

4) (ما هو الحلّ في حال اختلف المتشاورون؟): لو كانت الشورى هي المبدأ الّذي يحدّد الحاكم، فما هو الحال فيما لو اختلفت نتيجة الشورى لدى المتشاورين؟!

فهل يُقَدَّم الأكثر؟! والله (عزَّ وجلَّ) لا يعترف بالأكثريّة كمائزٍ مطلقٍ في كتابه، حيث إنّها مذمومةٌ في كثير من المواطن الّتي تشمل مورد الشورى أيضاً!

وهل يؤخذ برأي الأقلّ؟! فما هو المرجّح لقول الأقليّة حينئذٍ؟!

ولو تساوى الطرفان، فما هو المرجّح لقول أحدهما؟!

5) (تخلّف نظرية الشورى عن التطبيق عند أصحابها!): بعد هذا وذاك، فإنّنا نجد الصحابة أنفسهم لم يلتزموا بمبدأ الشورى، حيث خلافة عمر جاءت بالتنصيص، وقبلها خلافة أبي بكر جاءت بـ”فلتة وقى الله المسلمين شرَّها”(5) بحدّ تعبير عمر، فـ”من عاد لمثلها فاقتلوه”(6)! أمّا عثمان فعلى ظاهر الشورى، وباطن النصّ! أمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فبالإجماع، وأمّا معاوية فبالقهر والغلبة، فأين تطبيق مبدأ الشورى لدى الصحابة؟! فإمّا أن يُقال بخطأ نظريّة عدالتهم حيث تركوا ما شرّعه الله (عزَّ وجلَّ)، وإمّا أن يُقال بخطأ المبدأ نفسه، وأنّه لم يكن من تشريع الله (عزَّ وجلَّ) من الأساس!

ومناقشة أصل ثبوت مبدأ الشورى لانتخاب الحاكم في الشريعة الإسلاميّة بهذا وبغيره، يكشف عن عدم صلاحيّة هذا المبدأ لمدافعة الشبهة المتقدّمة؛ حيث لا يصحّ مدافعة شيءٍ بإفساد أشياء!

المدافعة الثانية: الجماهيريّة الشعبيّة

الأنموذج الثاني هو ما قد يُفهم من كلمات بعض الكتّاب، حين يأتي للدفاع عن الحكومة العلويّة، بعد أن يقارن بينها وبين أشكال أخرى من الحكومات الدينيّة السابقة، واللاحقة، فيحاول أن يثبت من خلال هذه المقارنة أنّ الدولة العلويّة دولة إنسانيّة، جماهيريّة، شعبيّة، لا تبرز فيها النزعات الإلهيّة بحدّ تعبيره، بينما الحكومات الأخرى كانت استبدادية، ودور الجماهير فيها كان معطّلاً تماماً، وإن حاول البعض التبرير إليه بالنظريّات المتقدّمة، من الشورى، والبيعة، وأهل الحلّ والعقد، وغير ذلك ممّا ذُكر آنفاً.

قال الكاتب: “ولقد كانت بيعة الإمام أوّل حركة انتخابٍ جماهيريٍّ حقٍّ في تاريخ الإسلام، فمن ثمّ فإنّ دولة الإمام قامت على أكتاف الجماهير، لتعبّر عن مصالح الجماهير، رافعةً راية الإسلام النبويّ”(7)، وقال في موضع آخر: “إنّ الدولة الإسلاميّة في منظور آل البيت ليس لها شكلٌ محدّدٌ، ومعالم وأطر ثابتة، وهي متحرّرة تماماً من النزعة الإلهيّة، ومثل هذه الأمور إنّما هي متروكةٌ للاجتهاد”(8)، وفي موضع آخر قال في مقارنته بين الدولة الأمويّة والدولة العلويّة: “إنّ دولة الإمام عليّ هي دولةٌ متغيّرةٌ حسب متطلّبات الواقع، ومصالح الجماهير، بينما دولة الأمويّين ثابتة المعالم، والأطر”(9)، هذه الكلمات -وغيرها- من قبل الكاتب قد توحي بهذه الرؤية، حول كيفيّة الحكم في نظر أهل البيت (عليهم السلام)، وإن كانت بعض الكلمات الأخرى في نفس الكتاب قد توحي بأمر آخر!

وعلى أيّة حالٍ، فإنّه يتّضح بهذا الرأي أيضاً طريقٌ من طرق مدافعة الشبهة المتقدّمة؛ فحسب ما قد يُفهم من هذا الرأي أنّ الدولة الدينيّة المتمثّلة في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) مثلاً، هي دولة جماهيريّة، تعتمد شرعيّتها على الناس، كما ثبت في التأريخ من أنّه بعد مقتل عثمان، انهالت الناس بالإجماع على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأعطته بذلك شرعيّةً تمكّن من خلالها أن يحملهم على المحجّة البيضاء، جاء في نهج البلاغة عن علي (عليه السلام): “فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كلّ جانب، حتّى لقد وُطئ الحسنان، وشُقَّ عِطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم”(10)، وعلى هذا، فإنّ الأمر في تحديد واختيار الحاكم يُعَدّ أمراً اجتهاديّاً وجماهيريّاً حسب هذا التقريب.

واستشهد صاحب هذا الرأي بحالة الخلاف الفقهي الموجودة في نظريّة ولاية الفقيه على هذه الرؤية.

مناقشة:

وهذه المدافعة لا تصمد أمام النقاش أيضاً؛ حيث يؤخذ عليها التالي:

إنّ هذا القول يُعَدّ خروجاً عن مبدأ المذهب الإلهيّ في تحديد منبع السلطة في الدولة الدينيّة، فإنّ أمر الحكم فيها بيد الله (عزَّ وجلَّ) أصالةً، وبيد الممثّل عنه تفرّعاً، فلا بد من تصوير صورةٍ يُحفظ فيها هذا المبدأ، فلا يمكن الركون إلى ما يتنافى في نتيجته مع هذا المبدأ، والقول بهذه المدافعة يؤدي إلى تصادم مع مبدأ أصالة السلطة الإلهية، حيث أُعطيت الشرعية هنا للإمام من الجماهير، على غرار نظريّة الديمقراطيّة، هكذا قد يُفهم من الكلمات السابقة، أما إذا كان مقصود الكاتب أمراً آخر بحيث لا يتضارب مع هذا المبدأ -كما قد يُفهم من كلمات أخرى، في مواضع أخرى من نفس الكتاب-، فكان ينبغي اختيار الكلمات المناسبة الّتي لا توقع في هذا الوهم.

ولعلّ هذه الرؤية موجودة عند غير هذا الكاتب المحترم أيضاً، كما قد لمسناها من بعض الأطراف السياسيّة النشطة، بل قد يكون لها حضورٌ وتأصيلٌ في كتاباتٍ هنا وهناك، فإن كان ثمّة شيءٌ من ذلك -وهو كائن- فالجواب هو الجواب.

وهناك مناقشاتٌ أخرى، أعرض عنها؛ طلباً للاختصار.

ومن هنا أنتقل إلى المدافعة الثالثة والأخيرة.

المدافعة الثالثة: الأنموذج العلويّ

أمّا المدافعة الثالثة، فهي ما يمكن الاعتماد عليه في بيان حقيقة دور الجماهير في مسألة الحكم، وهي مدافعةٌ مستوحاةٌ من الأنموذج العلويّ في الحكم الإسلاميّ، والّذي يُعَدّ تطبيقاً دقيقاً ومعصوماً للنظريّة الإسلاميّة في الحكم، حاصل هذه المدافعة يقول: إنّ دور الجماهير في الحكومة الدينيّة -حسب المذهب الإلهي- دورٌ أساسٌ، لا غنى للدولة عنه في جانبين: الجانب الأوّل: من حيث الابتداء، والجانب الثاني: من حيث البقاء، والاستمرار، وتوضيح ذلك:

أمّا من حيث الابتداء: فإنّه يُترك لعقل الجمهور أن يستكشف المصداقَ الصحيح للحاكم المعصوم، وفق ما يقدّمه هذا المصداق من أدلّةٍ وبراهين قطعيّةٍ على أحقّيّته بالإمامة، سواء أكانت براهين قوليّة، أم فعليّة، كما في المعاجز والكرامات.

وأمّا من حيث البقاء والاستمرار: فإنّ دور الجماهير يتمثّل في تمكين هذا الحاكم من إخراج ولايته من حيّز القوّة، إلى حيّز الفعل، والتحقّق، وذلك بتقديم البيعة له، والتعهّد بالطاعة، والانصياع إلى أوامره القياديّة والإرشاديّة، ومراقبة جهازه الحكومي، وإسداء النصح والمشورة في الأمور التنفيذيّة، وما شابه ذلك، ومن الواضح أنّه مع انعدام ممارسة هذا الدور التنفيذيّ من التعهّد وغيره، فإنّ الحاكم الفعليّ المُنَصَّب من الله سبحانه لا يمكن له أن يمارس ولايته؛ حيث لا يكون مبسوط اليد حينئذٍ، فتتعطّل بذلك مصالح الأمّة.

وهذا هو تماماً ما حصل بعد رحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، حيث تعطّلت الإمامة السياسيّة للإمام عليّ (عليه السلام) لمدّة تقارب 25 عاماً، وذلك لا يعني أنّه لم يكن إماماً فعلياً طيلة هذه المدّة، بل يعني ذلك أنّ خصوص إمامته السياسيّة قد تعطّلت من الناحية الفعليّة في هذه السنين، وليس ذلك إلاّ لأنّ الأمّة قد طغت، فلم تختر ما اختاره الله (عزَّ وجلَّ)، لأحقاد بدريّةٍ، وخيبريّةٍ، وحنينيّةٍ، وغيرهنّ، وقد ورد أنّه (عليه السلام) قال في هذا الشأن -معاتباً الأمّة-: «فأفتيتم في دين الله بغير علمٍ، واتّبعتم الغواة، فأغوتكم، وتركتم الأئمّة، فتركوكم»(11).

ثمّ بعد أن وقع الإجماع على إمامته (عليه السلام)، تفعّلت إمامته تنفيذياً، وعملياً، فلم يكن دور الجماهير هو إعطاء الشرعية، بل كان دورها هو تفعيل الشرعيّة، وفرقٌ جوهريٌّ بين الأمرين، ثمّ بعد هذا التفعيل يستمرّ دور الأمّة، متمثّلاً في مراقبة الجهاز الحاكم، حيث وإن ثبتت العصمة في رأس الحكم، إلاّ أنّها لم تثبت في فروعه من الولاة، والقضاة، ورؤساء الجند، وغيرهم من إداريّي الدولة، فافتقرت بذلك الدولةُ إلى المراقبة العامة، وتقديم النصح، والمشورة، وما شاكل.

وبهذا يتبيّن أنّ هذه المدافعة المبيّنة لواقع الدولة في الإسلام، لا تحاول أن تلغي أصل مبدأ المشورة المذكور في المدافعة الأولى، وكذلك هي لا تلغي أصل دور الجماهير المذكور في المدافعة الثانية، بل هي تجمع بين الأمرين معاً بترشيدهما، وببيان الحقّ فيهما، فبالنسبة إلى الشورى قال السيّد الشهيد الحكيم في كتابه (دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة): “لقد أعطى الإسلام وأهل البيت  (عليهم السلام) أهمّيّةً خاصّةً للشورى، بحيث يمكن أن نقول: إنّ نظريّة الحكم على مستوى التنفيذ في رأي أهل البيت  (عليهم السلام) تقوم على أساس الشورى”(12).

وهذا ما نجده واضحاً في العديد من تصريحات أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد نُقل عنه: «الاستشارة عين الهداية»(13)، و: «لا ظهير كالمشاورة»(14)، «من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها»(15)، «قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه، من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء»(16).

وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى جماهيريّة الدولة العلويّة، فقد اتّضحت جماهيريّتها لا بالمعنى الوارد في المدافعة الثانية، بل بمعنى أنّها دولةٌ اختارت فيها الأمّةُ حاكمَها ابتداءً على نحو كشف المصداق، واستمرّت في مدّ الدولة بالمكنة، والغلبة، بالطاعة، وبالنصح، والمشورة، والمراقبة.

ومن تعابير أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك: «فلا تكفّوا عني مقالةً بحق، أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق ما أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني»(17)، وهو محمولٌ على خطأ الدولة، لا خطئه (عليه السلام) -كما أوّله بعض العلماء-؛ فهو معصومٌ، منزّهٌ عن الخطأ بلا شكّ، ويمكن حمله أيضاً على أنّه أراد الإشارة بذلك إلى فقره -وعجزه، وقصوره، وتقصيره- المحض في نفسه أمام الله (عزَّ وجلَّ)، لو لا تسديده تعالى، وتوفيقه، على غرار قوله (عزَّ وجلَّ) في حقّ يوسف الصديق (عليه السلام): «لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ»(18)، ولعلّ هذا هو الأوفق بالعبارة، والأظهر منها.

وقد كان (عليه السلام) يحرّض الأُمّة على مراقبة الولاة، ومراقبة أُمراء الجيوش، ومراقبة القضاة، ولقد كانت الأمّة تعيش في عهده عزّةً، ومنعةً، وشعوراً بالذات، لم تُلغَ فيه إرادتُهم، ولم يُقْصَ فيهم أحدٌ، بل كان تعامله (عليه السلام) -حتّى مع معارضيه، ممّن شهروا في وجهه السيف- تعاملاً إنسانيّاً، مبدئيّاً، خُلُقيّاً، جرّأ عليه سفلة الأمّة، حتّى تجرؤوا على تكفيره، وسبّه، وشتمه فوق المنابر ثمانين سنة، وهو لا يزداد بذلك إلا عُلُواً، وبياناً، وجلاءً.

وبهذا اتّضح الوجه الصحيح في نفي شبهة تعطيل دور الجماهير في الدولة الدينيّة، استيحاءً من الدولة العلويّة، وللبحث تتمّة تتعلّق بنفي شبهة الاستبداد عن الدولة الدينيّة إن لم تكن مدارةً بيد المعصوم، لعلّي أوفّق مستقبلاً للتعرض إليها إن شاء الله تعالى، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

المصادر والهوامش

  • (1) أنساب الأشراف، البلاذري، ج1، ص584.
  • (2) صحيح البخاري، ج8، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، ص26.
  • (3) فتح الباري، ابن حجر، ج7، ص55.
  • (4) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج12، ص53.
  • (5) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج30، ب22، ص443.
  • (6) المصدر نفسه.
  • (7) السيف والسياسة، صالح الورداني، ص105.
  • (8) المصدر نفسه، ص188.
  • (9) المصدر نفسه، ص187.
  • (10) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج1، ص35.
  • (11) الكافي، الكليني، ج8، ص32.
  • (12) دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة، السيد محمد باقر الحكيم، ج2، ص25.
  • (13) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج4، ص48.
  • (14) بحار الأنوار، عن النهج، العلامة المجلسي، ج72، ص104.
  • (15) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج4، ص41.
  • (16) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، المحمودي، ج7، ص315.
  • (17) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، العلامة المجلسي، ج26، ص527.
  • (18) يوسف: 24.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى