بحث في تحريف القرآن الكريم

مقدّمة: لماذا الحديث حول تحريف القرآن؟

الحديث حول هذا الموضوع لأنّ القرآن هو المرجع، والقول بالتحريف في بعض معانيه ينافي حجّيّتَه، قال الفيض الكاشانيّ (رحمه الله): “لو كان تطرّق التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن، لم يبقَ لنا اعتمادٌ على شيء منه؛ إذ على هذا يحتمل كلّ آية منه أن تكون محرّفة، ومغيّرة، وتكون على خلاف ما أنزله الله، فلا يكون القرآن حجّة لنا، وتنتفي فائدته، وفائدة الأمر باتّباعه، والوصية به، وعرض الأخبار المتعارضة عليه”(2)، وفي ذلك تهديدٌ كبيرٌ للهُوِيّة الإسلاميّة عند جميع المسلمين أمام بقيّة الأمم.

ولأنّ القول بالتحريف يستلزم إبطال دليل النبوّة، وكذا قد يلزم منه إزالة جميع -أو بعض- الآثار المترتّبة على نفس وجود القرآن المجيد.

ثمّ إنّ هناك من قال بالتحريف من بعض علماء الشيعة صراحةً، وكذلك من الصحابة، ومن العامّة التزامًا، بل صراحةً أيضًا، فكان ذلك داعيًا لرفع شبهة واقعيّة، لا مجرّد فرضيّة محضة، لا واقع لها.

ولأنّنا متّهمون بالتحريف كشيعةٍ أوّلًا، وكمسلمين ثانيًا -ممّا يستوجب تثبيت كلّ ما يترتّب على القول به علينا-، فوجب الحديث عن التحريف لردّ ذلك كلّه، وذلك في عدّة نقاط: الأولى: في تحقيق معنى التحريف. الثانية: في استعراض الأقوال في التحريف. الثالثة: حول مستندات شبهة التحريف. الرابعة: في ردّ شبهة التحريف.

النقطة الأولى: معنى التحريف:

للتحريف عدّة معانٍ متصوّرة، بل أغلبها واقع، ويغنيك عن استقرائها ما أفاده السيّد الخوئيّ (قدِّس سرُّه) في البيان، حيث قال:

“يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدة معان على سبيل الاشتراك، فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين، وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضا، وبعض منها وقع الخلاف بينهم. وإليك تفصيل ذلك: الأول: نقل الشيء عن موضعه، وتحويله إلى غيره، ومنه قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}(3).

ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله، فإنّ كل من فسّر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرّفه.

الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات، مع حفظ القرآن، وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزاً في الخارج عن غيره.

والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً، فقد أثبتنا لك فيما تقدم عدم تواتر القراءات، ومعنى هذا أنّ القرآن المنزل إنّما هو مطابق لإحدى القراءات، وأما غيرها فهو إما زيادة في القرآن، وإما نقيصة فيه.

الثالث: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل.

والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام، وفي زمان الصحابة قطعا، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه، وهذا يدل على أنّ هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه، وإلا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها، وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف، منهم عبد الله ابن أبي داود السجستاني، وقد سمى كتابه هذا بكتاب المصاحف. وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة إما من عثمان أو من كتاب تلك المصاحف، ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء الله تعالى أنّ ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين، الذي تداولوه على النبي (صلّى الله عليه وآله) يداً بيد. فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنّما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان، وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة.

وجملة القول: إنّ من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف -كما هو الصحيح- فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأول إلا أنّه قد انقطع في زمان عثمان، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وأما القائل بتواتر المصاحف بأجمعها، فلا بد له من الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل، وبضياع شيء منه. وقد مرّ عليك تصريح الطبري، وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف الستة التي نزل بها القرآن، واقتصاره على حرف واحد.

الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل، والتسالم على قراءة النبي (صلّى الله عليه وآله) إياها.

والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً. فالبسملة -مثلاً- مما تسالم المسلمون على أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة، وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة، فاختار جمع منهم أنّها ليست من القرآن، بل ذهبت المالكية إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلا إذا نوى به المصلي الخروج من الخلاف، وذهب جماعة أخرى إلى أن البسملة من القرآن.

وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة، واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضاً -وستعرف تفصيل ذلك عند تفسيرنا سورة الفاتحة-.

إذاً فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف يقيناً، بالزيادة أو بالنقيصة.

الخامس: التحريف بالزيادة بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل.

والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة.

السادس: التحريف بالنقيصة، بمعنى أنّ المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه على الناس.

والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف، فأثبته قومٌ، ونفاه آخرون”(4).

وملخّص القول: إنّ التحريف اصطلاحاً -حسب الاستقراء- على معانٍ متعدّدة، أوّلها -حسب الترتيب المزبور- هو: تغيير المعنى المقصود، والتصرّف في بيانه خلاف مراد المتكلّم، وهو ما يُعرف بالتحريف المعنويّ.

وثانيها هو: حصول الزيادة والنقيصة في الحروف، والحركات؛ بسبب تعدّد القراءات، رغم حفظ القرآن الأصليّ المنزل قطعاً في أحدها، دون أن يتميّز من بينها في الخارج.

وثالثها هو: وقوع النقص -أو الزيادة- في الواقع إلى زمان معيّن في بعض نسخ القرآن، رغم وجود وتعيّن القرآن الأصليّ دون زيادةٍ، أو نقيصةٍ.

والرابع منها هو: وقوع الزيادة والنقيصة مع التسالم على قراءة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لها.

وأمّا الخامس والسادس فواضحان، وقد اتّضح أيضاً من كلامه (قدِّس سرُّه) ما هو ممكنٌ ثبوتاً من بين هذه المعاني، وما هو غير ممكن، ثمّ ما هو واقعٌ منها إثباتاً، وما هو غير واقع.

ثمّ لإثبات المعنى الأخير، سيقت مجموعةٌ من الأدلّة لدى القائلين به، ستتّضح في النقطة الثالثة إن شاء الله تعالى، وقبل التعرّض إليها، لا بدّ من استعراض الأقوال في مسألة التحريف أوّلاً.

النقطة الثانية: الأقوال في مسألة التحريف:

لا بأس بالتعرّض إلى الأقوال في مسألة التحريف الأعمّ من معناه الخامس والسادس؛ وذلك لأنّ بعضها سينفع في الإجابة عن الشبهة كما سوف يتّضح، وهي بالإحصاء السريع كالتالي:

القول الأوّل: هو القول بالزيادة في بعض المواضع المستقرَأة، والجزم بوقوعها، كما هو لازم ما اشتُهر عن ابن مسعود من نفيه لجزئيّة المعوّذتين، ونهيه عن قراءتهما على أنّهما قرآنٌ، وحكِّهما عن مصحفه، -وإن كانت هذه النسبة باطلة عند جملة من المحقّقين-(5)، وكذلك هو ظاهر من يقبل ببعض الروايات الّتي تفيد في ظاهرها الزيادة، وكذلك من يلتزم بزيادة البسملة.

وهذا قولٌ شاذٌّ، لا يضرّ بالإجماع على عدم الزيادة؛ لأنّه مردودٌ عليه بما سيأتي، ممّا يبين القطع باشتباه من قال به، حيث إنّه محجوج بالتواتر كما عن العلّامة الطباطبائي (قدِّس سرُّه)(6).

القول الثاني: هو القول بالنقيصة، كما هو متبنّى بعض المحدّثين، كالسيّد نعمة الله الجزائري، والشيخ يوسف البحرانيّ، والمحدّث النوريّ(رحمهم الله جميعًا)(7)، وكما هو لازمٌ من تصحيح الروايات الصريحة في القول بالنقصان عند الكثير من علماء الجمهور، وإن صرّحوا بخلافه قولًا في هذا العصر.

القول الثالث: من نفى التحريف مقيَّدًا بما يُخِلُّ بأوصاف القرآن الكريم، وبما أُنزل من أجله، مع احتمال وقوعه بنقيصةٍ في حركةٍ، أو حرفٍ، أو جملةٍ، أو حتّى آيةٍ مكرّرةٍ مثلًا، أو تغييرٍ في الترتيب، بحيث لا يؤدّي ذلك إلى تغيير معاني الآيات، ولا يؤثّر في حجّيّة القرآن، ولا أوصافه، ولا آثاره، كما هو ظاهر العلّامة الطباطبائيّ في ميزانه، حيث قال (قدِّس سرُّه): “فالّذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي (صلّى الله عليه وآله) بعينه، فلو فُرض سقوط شيء منه، أو تغيّر في إعراب، أو حرف، أو ترتيب، وجب أن يكون في أمر لا يؤثّر في شيء من أوصافه، كالإعجاز، وارتفاع الاختلاف، والهداية، والنوريّة، والذكريّة، والهيمنة على سائر الكتب السماويّة، إلى غير ذلك، وذلك كآية مكرّرة ساقطة، أو اختلافٍ في نقطة، أو إعراب، ونحوها”(8).

القول الرابع: وهو القول المشهور شهرةً عظيمةً بين علماء الإماميّة، وعليه جلّ علمائنا، وهو القول بنفي التحريف بالزيادة والنقيصة جملةً، وتفصيلا، وقد التزم به الأعمّ الأغلب من الأصوليّين والأخباريّين(9) على حدٍّ سواء، ومن القائلين بهذا القول: رئيس المحدّثين ابن بابويه الصدوق، والسيّد المرتضى علم الهدى، وشيخ الطائفة الطوسيّ، والعلّامة الحلّيّ، والمحدّث الخبير الحرّ العامليّ، ومن المتأخّرين: العلّامة السيّد شرف الدين الموسويّ، وزعيم الحوزة العلميّة، أستاذ الفقهاء السيّد الخوئيّ، والإمام العظيم روح الله الموسويّ الخمينيّ، وغيرهم من العظماء.

النقطة الثالثة: أدلّة شبهة التحريف:

وبعد استعراض الأقوال في المسألة، واتّضاح وجود قولين بالتحريف، أحدهما بمعنى الزيادة، والآخر بمعنى النقيصة، وبعد اتّضاح شذوذ القول بالزيادة، ومخالفته للإجماع، ينحصر الحديث في مناقشة القول بالنقيصة، والعمدة في أدلّة القائلين بوقوع التحريف -بهذا المعنى- مسائل:

الدليل الأوّل: دلالة طبيعة الأشياء، فما نُقل من طريقةٍ لجمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر بنفسه يؤدّي إلى الإذعان بحتميّة وقوع النقيصة فيما بين أيدينا من مصحف؛ حيث إنّ ما نُقل من عدم جمع القرآن في عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وإرجاء جمعه في مصحفٍ واحدٍ إلى ما بعد رحيله (صلّى الله عليه وآله) باقتراحٍ من غير المعصوم -بحيث كانت العمليّة -حسب النقل- برمّتها بعيدةً عن المعصوم (عليه السلام)-، والاختلاف في قبول هذا الاقتراح، ثمّ كون الفيصل في الركون إليه أمرًا غيبيًّا غير واضح البرهان كما ادُّعي في هذا النقل(10)، ثمّ طريقة الجمع الّتي ادُّعي أنّها كانت بتكليف زيد بن ثابت، وجمعه للقرآن من صدور الرجال، واللخاف، والعُسُب، والأكتاف(11)، وإثبات ما جيء به إذا شهد عليه اثنان، وإسقاط ما لم يشهد عليه إلّا واحد، -ما نُقل- يدلّ على تقريب حدوث التحريف طبعًا، وعادةً.

الدليل الثاني: الروايات الدالّة على ذلك في كتب الفريقين، وهي تنقسم إلى عدّة طوائف، منها ما دلّ على الزيادة، ومنها ما دلّ على النقيصة.

الدليل الثالث: القول بتواتر القراءات السبع، والّذي يساوق القول بالتحريف كما لا يخفى.

والردّ على هذه الأدلّة سيتّضح ممّا يلي في النقطة الرابعة.

النقطة الرابعة: الاستدلال على عدم التحريف:

وهناك أدلّةٌ كثيرةٌ تدلّ على الجزم واليقين بعدم وقوع التحريف الأعمّ من معناه الخامس والسادس، نذكر منها ما يلي:

الدليل الأول -ولعلّه عمدة الأدلّة-: القول بتواتر القرآن الكريم، إمّا تواتر أصله فحسب، دون قراءاته مطلقاً، وإمّا تواتر قراءته المشهورة فقط، أعني: رواية حفص عن عاصم، وإمّا تواتر جميع قراءاته السبع، وفي المسألة أقوال، وصلاحيّة القول بالتواتر للدلالة على نفي التحريف الأعمّ من معناه الخامس والسادس، إنّما تنسجم -تمام الانسجام- مع ثاني هذه الأقوال دون الأوّل والثالث كما يظهر، وهي لا تنسجم معهما إلّا بتكلّف، وتأوّل؛ حيث يلزم من القول الأوّل -الّذي يقول بعدم تواتر جميع القراءات- أن يبقى رسم القرآن -الّذي ينحفظ به أصل القرآن حسب المدّعى- مردّداً بين كلمتين بمعنيين مختلفين، لا ندري أيّهما هو القرآن -بعد نفي تواتر كلا القراءتين-، وهذا هو عين عدم الانحفاظ! حيث كيف لي أن أكتفي بانحفاظ القرآن بتواتره في أصله الّذي يدل عليه الرسم قبل التنقيط، مع أنّ ذلك لا يوصلني إلى التنزيل، ويبقيني في حيرةٍ أمام معنيين مختلفين؟! وهل القرآن إلّا معانيه أوّلاً، وألفاظه ثانياً، ورسمه ثالثاً؟! فإذا انحفظ الرسم دون أن يكون صالحًا للدلالة على خصوص اللفظ المنزل، فالمعنى، فأيّ انحفاظ للقرآن حينئذٍ؟! وهل سيفيدنا تواتر أصل القرآن -بهذا المعنى- في ردّ شبهة التحريف بالزيادة والنقيصة، مع أنّ لازم عدم تواتر جميع القراءات ليس سوى القول بهذا النوع من التحريف كما يظهر؟!

وأمّا القول الثالث، فلزوم التحريف منه أوضح، حيث مُفاده أنّ كلًّا من مثل: (ننشرها)، و(ننشزها) متواترٌ، رغم علمنا من جهة أخرى بصحّة إحداهما فقط، وهل هذا إلّا عين القول بالزيادة والنقيصة؟!

وسيأتي مزيد توضيحٍ لذلك في مناقشة الشبهة الثالثة، فانتظر.

وكيفما كان، فإنّ القول بتواتر القرآن مفيدٌ في الجملة لردّ شبهة التحريف؛ لأنّ التواتر يفيد العلم، ولذلك ركّزت عليه كلمات علمائنا، قال السيّد المرتضى: “إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت، والدواعي توفّرت على نقله، وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذكرناه؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينيّة، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كلّ شيء اختُلف فيه، من إعرابه وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً، أو منقوصاً، مع العناية الصادقة، والضبط الشديد؟!”(12).

وقال العلّامة الحلّيّ: “الحقّ أنّه لا تبديل، ولا تأخير، ولا تقديم فيه، وأنّه لم يزد، ولم ينقص، ونعوذ بالله تعالى من أن يُعتقد مثل ذلك، وأمثال ذلك؛ فإنّه يوجب التطرّق إلى معجزة الرسول (صلّى الله عليه وآله) المنقولة بالتواتر”(13).

وقال الحرّ العامليّ: “إنّ من تتبّع الأخبار، وتفحّص التواريخ والآثار، علم -علمًا قطعيًّا- بأنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر، وأنّ آلاف الصحابة كانوا يحفظونه، ويتلونه، وأنّه كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مجموعًا، مؤلّفًا”(14).

وقال السيّد شرف الدين: “فإنّ القرآن العظيم، والذكر الحكيم، متواترٌ من طرقنا بجميع آياته، وكلماته، وسائر حروفه، وحركاته، وسكناته، تواترًا قطعيًّا عن أئمّة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام)، لا يرتاب في ذلك إلاّ معتوهٌ، وأئمّة أهل البيت كلّهم أجمعون رفعوه إلى جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن الله تعالى، وهذا أيضًا ممّا لا ريب فيه”(15).

وعلى أساس ثبوت التواتر، فإنّ كلّ ما دلّ ظاهرًا -ولو كان بسندٍ صحيحٍ- على تحريف القرآن -إن لم يمكن تأويله، وكذا ما دلّ عليه نصًّا-، فيجب طرحه؛ لأنّ روايات الآحاد -الّتي غاية ما تورثه ظنًّا- لا تصمد أمام التواتر المفيد للعلم، وبهذا يتّضح الجواب على ما سيق من روايات تدلّ على التحريف، فهي بالإضافة إلى سقم سند الكثير منها، وعدم دلالة الكثير منها على التحريف محلّ النزاع، -حيث مضمون الكثير منها ناظرٌ إلى التحريف المعنويّ-، لا يمكن أن تعارض تواتر القرآن معارَضةً مستقرّةً، حتّى لو كان بعضها صحيح السند.

نعم، ادّعى بعضٌ تواتر روايات التحريف أيضًا، وقد رُدَّت هذه الدعوى بتفصيلٍ ذكره جملةٌ من الأعلام، حيث أنكروا صحّة هذه الروايات، فضلًا عن تواترها، قال السيّد المرتضى: “نقلوا أخبارًا ضعيفةً ظنّوا صحّتها، لا يُرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته”(16)، والعجيب أنّ بعض مدّعي تواتر روايات التحريف، هم أنفسهم من نفى التحريفَ بعباراتٍ صريحةٍ في مواضع أخرى من كتبهم، وذلك كصاحب البحار، وصاحب الوسائل، وقد ذُكرت وجوهٌ لتأويل كلامهم، وفي الجمع بين ما تضارب منه في ذلك(17).

هذا، وقد عرفت أنّ دليل التواتر لا يمكن له أن يردّ شبهة التحريف إلّا بعد تحديد متعلّقه أنّه الرواية المشهورة على الخصوص، وإلّا وقعنا به فيما هربنا عنه!

الدليل الثاني: ما أسماه الشهيد السيد محمّد باقر الحكيم (قدِّس سرُّه) بـ(دلالة طبيعة الأشياء)، وهو نفس ما استدلّ به بعضٌ على التحريف كما تقدّم، والمقصود بها: “مجموع الظروف والخصائص الموضوعيّة والذاتيّة المسلَّمة واليقينيّة الّتي عاشها النبيّ والمسلمون والقرآن، أو اختصّوا بها، ممّا يجعلنا نقتنع بضرورة قيام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بجمع القرآن في عهده”(18)، وملخّص ما ذكره (رحمه الله) أنّ هذه الظروف والخصائص هي ما يلي: (أهمّيّة القرآن الكريم/ والخطر في تعرّضه للتحريف بدون التدوين/ وإدراك النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لهذا الخطر/ ووجود إمكانات التدوين/ وحرص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على القرآن، والإخلاص له)، وبمجموع ذلك ينبغي الالتزام بأنّ ما تقتضيه طبيعة هذه الأشياء المذكورة، هو تحقّق الجمع في عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بيد المعصوم (عليه السلام)، لا كما نُقل في دليل التحريف.

وكذلك قال السيّد العامليّ في مفتاح الكرامة: “والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل القرآن من أجزائه، وألفاظه، وحركاته، وسكناته، ووضعه في محلّه؛ لتوفّر الدواعي على نقله من: 1)المُقِرِّ؛ لكونه أصلاً لجميع الأحكام. 2) والمنكِر؛ لإبطاله؛ لكونه معجزاً. فلا يُعبأ بخلاف من خالف، أو شكّ في المقام”(19)، وتقدّم في كلام السيّد المرتضى ما يشير إلى ذلك أيضًا.

ولمّا كان الأمر كذلك، يمكن نفي نظريّة جمع القرآن بعد عهده المبارك (صلّى الله عليه وآله)، -والّتي تؤدّي إلى حتميّة القول بالتحريف-؛ حيث إنّ طبع ما ذكرته روايات هذه النظريّة يحدث قوّة احتمال التحريف، إن لم يورث الاطمئنان به، وبهذا يتبيّن الجواب على الدليل الأوّل لشبهة التحريف، حيث إنّ ما ذُكر فيه ليس معقولًا أوّلًا، ومنافٍ لقدسيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ثانيًا، ونقولاته مضطربةٌ ومتضاربةٌ دلالةً ثالثًا، فضلًا عن الحديث حول سندها رابعًا، حيث هي روايات عامّية كما اتّضح، لا تنسجم مع المنقول من طرق أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الشأن، من أنّ الجامع هو عليّ (عليه السلام)، إمّا في عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وإمّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى (صلّى الله عليه وآله) بتكليفٍ منه.

ومن هنا نقول: إنّ دلالة طبع الأشياء على العكس تمامًا ممّا ذُكر في الاستدلال على التحريف، فهي تقضي بحتميّة جمع القرآن، وكتابته في عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ جمعه لم يُترك إلى استقراء -وتتبّع- ما كُتب منه هنا أو هناك، أو حُفظ منه في صدر هذا أو ذاك، وكذلك لم يُترك إلى الاجتهاد، ولا إلى إقامة البيّنة، وغير ذلك ممّا يوجب بطبعه فوات بعض آياته على الأقلّ، بل إنّه كان بيد من خوطب به (صلّى الله عليه وآله)، وتحت مسؤوليّته الخاصّة، إمّا مباشرةً، وإمّا بتفويضه الأمرَ إلى المؤتمن المعصوم، أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما دلّت عليه بعض الروايات من طرقنا، وعليه: فلا مكان لادّعاء إمكان فوات شيءٍ منه، كما لا محلّ لادّعاء ورود ما هو زيادة عليه فيه أيضًا.

الدليل الثالث: الأحاديث الصحيحة -بل المتواترة في بعضها- الّتي لازمها نفي التحريف، وإلّا لزمت لوازم فاسدة، وهي أوضح دلالةً، وأقوى سندًا من الأحاديث المستدلّ بها على التحريف، منها:

1) أخبار الثقلين، فقد تواتر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حديث الثقلين، الّذي رواه جمهور علماء المسلمين بأسانيد متكثرّة، متواترة، وبألفاظٍ مختلفةٍ متنوّعةٍ، عن أكثر من ثلاثين صحابيٍّ وصحابيّةٍ، وأحد ألفاظه: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(20).

2) وكذلك أخبار وجوب عرض الأخبار على الكتاب مطلقًا، أو عند التعارض، فعن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله): «إنّ على كلّ حقٍّ حقيقةً، وعلى كلّ صوابٍ نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»(21)، وعن الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه»(22).

3) وكذلك الأحاديث الّتي تبيّن أنّ الموجود من القرآن بين الناس، هو كتاب الله تعالى، والّذي تترتب عليه آثار قرآنيّته جميعًا، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «كتاب ربّكم فيكم، مبيّناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه..»(23)، وعن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه كتب في رسالته إلى سعد الخير: «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه، ولا يرعونه، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية»(24).

4) الأخبار الّتي تأمر بالأخذ بهذا القرآن المنتشر بين المسلمين، وعدم اعتراض الأئمّة (عليهم السلام) عليه، بل احتجاجهم به.(25)

5) الأحاديث المبيِّنة لفضل سور القرآن، وآياته، ممّا يدلّل على كونه مجموعًا في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله)، مُتَلَقًّى منه عند كافّة المسلمين.(26)

6) الأحاديث الّتي تذكر أنّ جملةً من الصحابة قد ختموا القرآن على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حياته عدّة مرّات، كعبد الله ابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وغيرهما(27).

ووجه الملازمة بين عدم تحريف القرآن، وبين دلالات هذه الطوائف المتعدّدة من الروايات الشريفة ظاهرٌ، وبعض هذه الطوائف إن أمكن الإيراد على وجه الملازمة فيه، فإنّ بعضها الآخر معتصمٌ -بقوّة دلالته- عن ذلك.

الدليل الرابع: بعض الآيات الشريفة، وذلك بضميمة الإجماع على عدم الزيادة، إمّا في القرآن ككلٍّ، وإمّا في خصوص الآيات محلّ الاستدلال؛ لكي لا يلزم الدور، وكذلك بضميمة ضرورة إمضاء أهل البيت (عليهم السلام) للقرآن الموجود، والّذي تعدّ هذه الآيات جزءًا مشمولًا منه لهذا الإمضاء.

ومن تلك الآيات: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(28)، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(29)، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(30)، بناءً على أنّ المقصود من النور هو القرآن، كما وصفه الله تعالى بذلك في قوله: {فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا}(31)، وقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}(32)، و: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ}(33).

وبعض هذه الآيات وإن نوقش في دلالته على نفي التحريف -كما فعل صاحب الحدائق مثلًا-، إلّا أنّ بعضها الآخر ليس كذلك، ولا سيما الآية الأولى.

الدليل الخامس: منافاة القول بالتحريف مع إعجاز القرآن، وبطلان النبوة بذلك، وهذا لازم فاسد لا يمكن الالتزام به؛ لأنّه ثبت قطعًا أنّ الإسلام هو الدين الخاتم الّذي أراد الله له البقاء، فلا بدّ من بقاء معجزته للدلالة المستمرّة عليه.

الدليل السادس: نفس فصاحة -وبلاغة، وأسلوب- القرآن الكريم، الّتي هي محفوظةٌ في جميع آياته، ونفس ما نلمسه من آثاره الّتي أخبر هو بها، وذلك دالٌّ ذاتًا على عدم التحريف، واختار هذا القول العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله) بما ينسجم مع قوله المتقدّم في التحريف، قال (رحمه الله): “والتعويل في ذلك على ما قدمناه من الحجّة في أوّل هذه الأبحاث، أنّ القرآن الّذي بأيدينا واجدٌ للصفات الكريمة الّتي وصف الله سبحانه بها القرآن الواقعيّ، الّذي أنزله على رسوله (صلّى الله عليه وآله)، ككونه قولًا فصلًا، ورافعًا للاختلاف، وذكرًا، وهاديًا، ونورًا، ومبيّنًا للمعارف الحقيقيّة، والشرائع الفطريّة، وآيةً معجزةً، إلى غير ذلك من صفاته الكريمة.

ومن الحريّ أن نعوّل على هذا الوجه؛ فإنّ حجّة القرآن على كونه كلام الله المنزل على رسوله (صلّى الله عليه وآله)، هي نفسه المتّصفة بهاتيك الصفات الكريمة، من غير أن يتوقّف في ذلك على أمر آخر وراء نفسه، كائنًا ما كان؛ فحجّته معه أينما تحقّق، وبيد من كان، ومن أيّ طريقٍ وصل.

وبعبارة أخرى: لا يتوقّف القرآن النازل من عند الله إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) -في كونه متّصفًا بصفاته الكريمة- على ثبوت استناده إليه (صلّى الله عليه وآله) بنقلٍ متواترٍ، أو متظافرٍ، وإن كان واجدًا لذلك، بل الأمر بالعكس؛ فاتّصافه بصفاته الكريمة هو الحجّة على الاستناد، فليس كالكتب، والرسائل المنسوبة إلى المصنّفين، والكتّاب، والأقاويل المأثورة عن العلماء، وأصحاب الأنظار، المتوقّفة صحّة استنادها إلى نقل قطعيٍّ، وبلوغٍ متواترٍ، أو مستفيضٍ مثلًا، بل نفس ذاته هي الحجّة على ثبوته”(34)، وقريبٌ منه ما ذكره الشيخ زين الدين البياضيّ العامليّ، حيث قال: “ولو زيد فيه أو نُقص، لعلمه كلّ عاقلٍ، وإن لم يحفظه؛ لمخالفة فصاحته، وأسلوبه”(35).

وبجميع ما تقدّم تتّضح الإجابة عن الدليلين الأوّلين من أدلّة القول بتحريف القرآن، وبقيت الإجابة فقط عمّا يتعلّق بتواتر القراءات السبع، والّذي لازمه التحريف، والجواب عن هذه الشبهة بوجوهٍ:

الأوّل: أنّ تواتر القراءات السبع بأجمعها غير ثابتٍ، بل هو معلوم البطلان، -كما أثبته السيّد الخوئي (قدِّس سرُّه) في كتابه البيان، وكما استدلّ عليه الشيخ جعفر السبحاني كذلك في موسوعة طبقات الفقهاء، وسيأتي نقل محلّ الشاهد منه بعد قليل-، ولا بدّ هنا من ضميمة، وهي: القول بتواتر القراءة المشهورة، فيتمّ بذلك ردّ هذه الشبهة؛ وذلك لما تقدّمت الإشارة إليه من أنّ لازم نفي تواتر جميع القراءات، والاكتفاء بتواتر أصل القرآن فقط، غير كافٍ في ردّ شبهة التحريف.

وعليه: فإنّ وجود قراءاتٍ ستٍّ غير القراءة الأصليّة، غيرُ ضارٍّ بالقراءة المتواترة المشهورة، وهو لا يعني تحريفًا بعد سقوطه عن الاعتبار بمعارضته للمتواتر، وحاله في ذلك هو حال محاولات التحريف الكثيرة الّتي باءت بالفشل، فإنّ عدم التحريف لا يعني عدم وقوعه مطلقًا كمحاولة ولو تكوينًا، بل يكفي في صدقه فشل أيّ محاولة فيه.

وقد يرد عليه: أنّ هذا قياسٌ مع الفارق، حيث محاولات التحريف الّتي صدرت من بعض العرب لم ترقَ إلى حدٍّ تُقرأ فيه كقرآنٍ منزَلٍ، بل بانت بَشَرِيَّتُها من أوّل الأمر، بينما في القراءات الستّ، نحن نتحدث عن مصاحف، وقراءاتٍ متداولةٍ بين ملايين المسلمين كقرآن منزَلٍ من الله سبحانه! فهي وإن لم تكن معتبرةً شرعًا -حسب هذا القول-، إلّا أنّها نجحت في منادّة القرآن الكريم في بعض المناطق الإسلاميّة لا أقلّ!

وقد لا ينفع في ردّ ذلك القول بأنّ القراءات مرجعها إلى مجرّد الاختلاف في الاجتهاد النحويّ، مع بقاء جوهر القرآن الكريم محفوظًا مصانًا عن التحريف، وهذا ما استقربه بعضهم، وقد دلّت عليه بعض الروايات، قال الشيخ السبحانيّ: “والدليل الواضح على أنّها من اختراعات القرّاء: إقامتهم الحجّة على قراءتهم، ولو كان الجميع من صميم القرآن لما احتاجوا إلى إقامة الحجّة، ويكفيهم ذكر سند القراءة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومع ذلك فالقرآن مصونٌ عن هذا النوع من التحريف؛ لأنّ القراءة المتواترة هي القراءة المتداولة في كلّ عصر، أعني: قراءة عاصم برواية حفص، القراءة الموصولة إلى عليٍّ (عليه السلام)، وغيرها اجتهادات مبتدَعة، لم يكن منها أثرٌ في عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولذاك صارت متروكةً، لا وجود لها إلّا في بطون كتب القراءات، وأحيانًا في ألسن بعض القرّاء؛ لغاية إظهار التبحّر فيها”(36).

وما ذكره (حفظه الله) في ردّ ما ذكرناه قبل قليل، خلاف ما يشهد به الواقع من انتشار هذه القراءات، واعتمادها في بعض المصاحف، ولو في بعض مناطق المسلمين.

وممّا يقوّي القول بوجود التلازم بين أصل وجود القراءات الستّ -فضلًا عن ممارسة قراءتها- وبين القول بنوع من أنواع التحريف، ما جاء عن عبد الأعلى قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): أصحاب العربيّة يحرّفون كلام الله (عزَّ وجلَّ) عن مواضعه»(37)، فإنّ ظاهر هذه الرواية أنّ وجود القراءات المختلفة -الأعمّ من الستّ- يعدّ تحريفًا.

وقد عالج السيّد الخوئيّ (قدِّس سرُّه) هذه الإشكاليّة الّتي نبّهت عليها الرواية بقوله: “إنّ الظاهر من الرواية تفسير التّحريف باختلاف القرّاء، وإعمال اجتهاداتهم في القراءات. ومرجع ذلك إلى الاختلاف في كيفية القراءة مع التحفّظ على جوهر القرآن وأصله.. فهذه الرواية لا مساس لها بمسألة التّحريف بالمعنى المتنازع فيه”(38).

وظاهر هذا الكلام منه (قدِّس سرُّه) أنّه يستظهر من هذه الرواية المعنى الثاني المتقدّم منه في معاني التحريف، وقد تقدّم عدم البأس في الالتزام بوقوعه، كما هو لازم إثبات وقوعه، وقد أبرز هنا وجه عدم البأس في ذلك بقوله: (ومرجع ذلك..).

وقد نسأل هنا: أنّه كيف يمكن حصر اختلاف القراءات فيما يرجع إلى مقولة الكيف فقط، رغم أن كثيرًا من مواضع الاختلاف في القراءات لا مفرّ من القول بأنّه راجعٌ إلى مقولة الجوهر، والمادّة؟! ألا ترى الفرق -مثلًا- بين قولك: {كَيْفَ نُنْشِزُهَا}(39)، وبين قولك: {كيف ننشرها} أنّه راجعٌ إلى المادّة لا إلى مجرّد الكيف؟!

ثمّ كيف لنا أن نخرج مفاد هذه الرواية عن مسألة التحريف بمعنى النقيصة، والحال أن الاختلاف بين القراءات يؤدّي في كثير من مواضعه إلى القول بالنقيصة؟! فعلى قراءة (ننشرها) مثلًا، نقصت كلمة (ننشزها)، وزادت كلمة: (ننشرها).

أقول: هو أدرى بمراده (قدِّس سرُّه).

وصفوة القول: إنّه لما ثبت بطلان تواتر القراءات الستّ، فإنّه ليست لهذه القراءات حجّيّةٌ أصلًا، فلا تصلح للمعارضة؛ إذ الظنّيّ ليست فيه قابليّة المعارضة للقطعيّ، وإلى هنا يكون الحديث نافعًا في إثبات عدم التحريف بمعنى أن تكون هناك زيادةٌ أو نقيصةٌ حجّةٌ، أمّا هل ينفع ذلك في ردّ التحريف بمعنى أن تكون هناك كلماتٌ وحروفٌ منسوبةٌ -ولو كانت غير حجّةٍ- على نحو الزيادة إلى كتاب الله بحيث يُعمل بها كحجّة -ولو اشتباهًا-؟ أو أن تكون هناك حروفٌ وكلماتٌ سقطت من الكتاب الأصليّ كذلك؟ أقول: إنّ ما ذُكر غير كافٍ في ردّه، والله العالم.

وما يسهّل الأمر أنّ هذا المعنى من التحريف غير المردود -حسب الدعوى- لا مانع من الالتزام به، بعد افتراض أنّه لا يتحقّق به شيءٌ من المحاذير المتقدّمة اللازمة للقول بالتحريف المُشْكِل، شأنه في ذلك شأن سائر معاني التحريف الأخرى، الّتي ثبت وقوعها دون أن يلزم منها محذورٌ عقليٌّ، وذلك كما تقدّم في المعنى الأول، والثالث، والرابع، فقد ثبت وقوع هذه المعاني دون لزوم أيّ محذورٍ يلزم منه إبطال حجّيّة القرآن، أو دليل الإعجاز، وغير ذلك من المحاذير الّتي تقدّمت.

الثاني: أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وبالتالي فإنّ القراءات السبع كلّها تعدّ أفرادًا حقيقيّةً لعنوان القرآن.

وفيه: أنّ تواتر القراءات السبع كلّها مردودٌ كما تقدّم، فلا يصلح غير المتواتر للاحتجاج به، فليس من المعلوم أنّ خصوص هذه القراءات -غير القراءة الثابتة بالتواتر- هي بعينها ما نزل من القرآن على سبعة أحرف ليكون مصداقًا له، خصوصًا مع ملاحظة أنّ القراءات -في الواقع- أكثر من سبعٍ، بل من عشرٍ، وحمل هذه الروايات على خصوص المشتهر منها تحكّمٌ لا دليل عليه، بعد أن كانت هذه القراءات لاحقةً لزمان التنزيل، لا مقترنةً به.

هذا إن التزمنا بوضوح صحّة ظاهر دلالات هذه الروايات في إفادتها هذا المعنى من النزول على سبعة أحرف، ولكنّ هذه الروايات -على فرض صحّة ذلك- مؤوَّلةٌ بالبطون، أو بغيرها ممّا ذُكر في محلّه، وذلك وفقًا للقرائن الصارفة لها عن هذا الظاهر المدَّعى.

الثالث: أنّ هذا المقدار من التحريف الناشئ عن الاختلاف في القراءة لا يضرّ في صدق قضيّة: عدم وقوع التحريف؛ لأنّ المقصود من عدم وقوع التحريف هو: عدم وقوع ما يبطل الغرض من إنزال القرآن الكريم، بأن يبطل حجّيّتَه، أو إحدى صفاته الثابتة، أو آثاره، وبركاته، وواضحٌ أنّ تعدّد القراءات ليس له هذا المفعول، فالقرآن الّذي أراد الله تعالى بقاءه، واستمراره، وقصد حفظ حجّيّته، وصفاته، وبركاته، وسائر آثاره، باقٍ رغم تعدّد قراءاته، ولا تنافي بين الأمرين.

وهذا الجواب -كما ترى- إنّما يتلاءم مع مبنى العلّامة الطباطبائيّ في نفيه لتحريف القرآن الكريم بالمعنى الّذي تقدّم منه (رحمه الله).

وبهذا كلّه يتبيّن أنّ القرآن مصونٌ عن التحريف المشكل، وأنّ كلّ ما أوهم خلاف ذلك لا يُعبأ به؛ لكونه قد خالف طريقًا يقينيًّا في إثبات عدم تحريف القرآن الكريم بالمعنى الّذي تلزم منه المحاذير العقليّة، والنقليّة القطعيّة.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا.

المصادر والهوامش

  • (1) سورة الحجر، الآية: 9.
  • (2) الوافي، الفيض الكاشاني، ج9، ص1778، تحقيق ضياء الدين الحسيني، ط الأولى، س 1406هـ.
  • (3) سورة النساء: 46.
  • (4) البيان في تفسير القرآن، السيد الخوئي، ص197-200.
  • (5) راجع: التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف، السيد علي الحسيني الميلاني، ص158، ط2، س 1417 هـ، وقد قال: (فمن الزيادة في القرآن -في السور- ما اشتهر عن عبد الله بن مسعود، وأتباعه، من زيادة المعوّذتين، فقد روى أحمد -وغيره- عن عبد الرحمن بن يزيد: (كان عبد الله يحكّ المعوّذتين من مصاحفه، ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله تعالى، وفي الإتقان: قال ابن حجر في شرح البخاري: (قد صحّ عن ابن مسعود إنكار ذلك))، وكذلك استبعده عن ابن مسعود جملة من المحققين السنة والشيعة، كالفخر الرازي، والباقلاني، وابن حزم، بل عدّه بعضهم نسبة كاذبة على ابن مسعود، وكذلك على أبيّ بن كعب -الّذي نسبت إليه هذه التهمة أيضا بنحو مخفّف-؛ تحقيقا لغرض سلطوي يمسّ فضيلة للحسنين (عليه السلام)، راجع: تدوين القرآن، الشيخ علي الكوراني، ص102، ط الأولى، س 1418هـ.
  • (6) تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائي، ج20، ص394، مؤسسة النشر الإسلامي.
  • (7) راجع: الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، الشيخ يوسف البحراني، ج4، ص66، تحقيق شركة دار المصطفى (صلّى الله عليه وآله) لإحياء التراث، ط الأولى، س 1423هـ. وراجع: كتاب فصل الخطاب للمحدّث النوري.
  • (8) تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج12، ص107، مؤسسة النشر الإسلامي.
  • (9) قد يتوقّف البعض في إمكان الالتزام بنسبة القول بعدم التحريف إلى بعض المحدّثين، رغم أنّهم قد رووا رواياته في كتبهم! والجواب: أنّ الرواية أعمّ من الاعتقاد.
  • (10) وأعني به ما جاء في الخبر من أن إقدامهم على الجمع -رغم اختلافهم فيه في بادئ الأمر- كان متّكئًا على ما ذكروه من أنّ الله شرح صدرهم لذلك! ففي البخاري: (عن زيد بن ثابت، قال: بعث إليّ أبو بكر لمقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بقرّاء القرآن في المواطن كلّها، فيذهب قرآنٌ كثير، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه و[آله و] سلم)؟! فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني في ذلك، حتّى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الّذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: وإنّك رجل، شابٌّ، عاقلٌ، لا نتّهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول(الله صلى الله عليه و[آله و] سلم) فتتبّع القرآن، فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلّفني نقل جبل من الجبال، ما كان بأثقل عليّ ممّا كلّفني من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه و[آله و] سلم)؟! قال أبو بكر: هو والله خيرٌ. فلم يزل يحثّ مراجعتي، حتّى شرح الله صدري للّذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، ورأيت في ذلك الّذي رأيا، فتتبّعت القرآن، أجمعه من العسب، والرقاق، واللخاف، وصدور الرجال، فوجدت آخر سورة التوبة (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إلى آخرها مع خزيمة، أو أبي خزيمة، فألحقتها في سورتها). صحيح البخاري، البخاري، ج8، كتاب الأحكام، ص 118، سنة الطبع: 1401هـ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى