نهضة الإحياء والإبقاء

إن المتأمل في النهضة المباركة لسيد الشهداء (ع) تأملاً يتناسب وحجم هذه النهضة، يجد أنها تتميز عن جميع النهضات السابقة لها بشكل يجعل نجمها متألقاً تألقاً بارزاً خلفنا في سماء التاريخ، فهي في جميع حيثياتها وجوانبها متفوقة على نظيراتها سواء من حيث الدافع والمحرك والمنطلق الذي أوجدها على أرض الواقع، أو من حيث نفس الشخصية الناهضة، وكذلك الشخصيات المشاركة في إتمام حلقات سلسلة النهضة من أولياء وأشقياء، من رجال ونساء، من كبار وصغار، من أناس بلغوا القمة في شرفهم ونبلهم، وأناس على العكس منهم قد بلغو القمة في دناءتهم وخستهم، من أناس قد جسدوا كل ما تحمله كلمات الإباء والصمود والثبات والإيمان من معنى، وأناس قد مثلوا كل ما تحمله كلمات الجبن والطمع وضعف الإيمان من معنىً، وكذلك تمتاز هذه النهضة بآثارها وثمارها التي نضجت بعد حين وحتى يومنا هذا، وبدروسها الجمة التي حبتنا إياها من وفاء وإيثار وصبر و شجاعة وتوبة وإنابة وحب لله ولرسوله ولأولي الأمر من بعده، وكذلك تعطي دروساً في آثار حب الدنيا والنفس والكثير الكثير من الدروس والعبر التي يمكن أن تتصوّر عندما تطرق كلمة (كربلاء) باب الذهن فترد إليه قصة كربلاء لا يستطيع فهمها على الوجه الأتم إلا المعصوم، لأنها وُلِدَت على يد المعصوم لكننا لا نترك الميسور بالمعسور، ونحن في هذه الأسطر المعدودة نحاول أن نتناول جانبا من أهم جوانب هذه الثورة العظيمة وكل جوانبها أبحر لا يملك مثلي سبر غورها لاستخراج لآلئها ومكنوناتها، وأنّى لمثلي أن ينتفع بشكل مقبول بأبحر حسين؟

سؤال مهم يطرح نفسه، وإجابته تبين لنا أهم جانب من جوانب النهضة الحسينية، علامة استفهام كبيرة تعترض أذهان الكثيرين، وبإزالتها تتبين لنا أهمية هذه النهضة العظيمة بشكل يجعلنا نجعل من أنفسنا حين نتعامل مع هذه الثورة تعامل سذاجة وقصر نظر، السؤال هو: «ما هي غاية الحسين (ع) من إيجاد قصة كربلاء؟»

هل كان سلطاناً ساعياً إلى الملك بخروجه؟ هل كان طامعاً في الخلافة بغير حق؟

أم كان لـه قصداً آخر وراء ذلك كله؟ جواب ذلك نستطيع أن نستمع إليه من لسان واسطة الفيض الأعظم النبي الأكرم (ص) حين يقول «حسين مني وأنا من حسين» ما معنى قولـه (ص) أنه من حسين؟! يفسر البعض هذا المقطع من الحديث الشريف أن الدين القيّم، دين الحق، دين الإسلام الذي أتى به محمد ابن عبد الله (ص) دين لا يمكنه الصمود والبقاء إلا بثورة يؤديها سبط موجده تشحنه بها عزة وقوة ورسوخاً وثباتاً، وعندما نقول أن الإسلام لا يستطيع الصمود إلا بهكذا ثورة نعني أن بقاءه متعسر من دون قيام هذه النهضة المباركة بسبب الظروف المحيطة آن ذاك، والتي تتحتم ثورة من هذا النوع لكي تضمن إحياء هذا الدين وبقاءه واستمراره، ولسنا نعني بالطبع أن أطروحة هذا الدين في نفسها ضعيفة مما يؤدي إلى انهيارها وعدم صمودها، فإنه لا يصدر من الكامل إلا الكامل.

ثورة الحسين (ع) الشريفة من العظمة بحال تمكّن الإسلام أن يستمر ويبقى إلى قيام القائم المنتظر، نعم، هذه سعة طاقة هذه الثورة، طاقة هائلة تشحن الإسلام بشحنات الصمود والمقاومة لأجل البقاء بمفعول معتد مداه لمئات بل آلاف السنين، بل أن ثورة الإمام الحجة (ع) تستمد عطاءها وقوتها ونجاحها من ثوره جده الحسين (ع)، ومن هنا نستطيع القول والتأكيد على أن الإسلام دين محمدي الوجود حسيني البقاء، هكذا كان الرسول الأعظم  من الحسين (ع)، وهنا هو الهدف من خروج الحسين (ع) حفظ دين الإسلام ليس في ذلك الحين وحسب، بل إلى سطوع نجم غرّة جبين حفيده الأنجب على العالمين، وقد صرح الإمام الحسين (ع) في ساعة هي من أصعب الساعات بهدفه وغايته من الخروج في قوله «إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني» لكي يؤكد للأجيال المتعاقبة أهمية إحياء ذكر هذه الثورة لما لها من تأثير في تهيئة النفوس للثورة العظمى التي ستثبت أوتاد خيمة الإسلام ليعم الخير جميع العالم بتطبيق، هدف الخلق وهو إقامة الحكومة الإلهية والخلافة الحقة لله تعالى في أرضه، هذا هو هدف نهضة الحسين (ع)، إحياء الدين الذي قد شهد العالم احتضاره لكي يبقى لظهور منقذ الأمة، إحياء الدين الذي كان ينتظر من يجهز عليه فلا يبقى له ذكر، وهذا ما أكد عليه سيد الصبر السجاد (ع) حينما رجع إلى المدينة وسأله إبراهيم ابن طلحة «من الغالب» فقال لـه (ع): «إذا دخل وقت الصلاة فأذن وأقم تعرف الغالب» هذه هي نهضة الحسين (ع)، نهضة الإحياء والإبقاء

المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى