لا يقنعون أبدا أنهم على طريق الحق

وأخيرا فالصفة الرفيعة الثالثة عشر لعباد الرحمن التي هي أهم هذه الصفات من وجهة نظر معينة : هي أنهم لا يقنعون أبدا أنهم على طريق الحق ، بل أن همتهم عالية بحيث يريدون أن يكونوا أئمة وقدوات للمؤمنين ، ليدعوا الناس إلى هذا الطريق أيضا .

إنهم ليسوا كالزهاد المنزوين في الزوايا ، وليس همهم انقاذ أنفسهم من الغرق ، بل إن سعيهم هو أن ينقذوا الغرقى .

لذا يقول في آخر الآية ، إنهم الذين يقولون : واجعلنا للمتقين إماما .

ينبغي الالتفات إلى هذه النكتة أيضا ، إنهم لا يدعون ليكونوا في موقع العظماء جزافا ، بل إنهم يهيئون أسباب العظمة والإمامة بحيث تجتمع فيهم الصفات اللائقة بالقدوة الحقيقية ، وهذا عمل عسير جدا ، وله شرائط صعبة وثقيلة .

ولا ننس أن القرآن لا يذكر في هذه الآيات صفات جميع المؤمنين ، بل أوصاف نخبة ممتازة من المؤمنين في الصف المتقدم بعنوان ” عباد الرحمن ” . نعم ، إنهم عباد الرحمن ، وكما أن رحمة الله العامة تشمل الجميع فإن رحمة الله بهؤلاء العباد عامة أيضا من أكثر من جهة ، فعلمهم وفكرهم وبيانهم وقلمهم ومالهم وقدرتهم تخدم بلا انقطاع في طريق هداية خلق الله .

أولئك نماذج وأسوات المجتمع الإنساني .

أولئك قدوات المتقين .

إنهم أنوار الهداية في البحار والصحاري . ينادون التائهين إليهم لينقذوهم من الغرق في الدوامة ، ومن السقوط في المزالق .

نقرأ في روايات متعددة أن هذه الآية نزلت في علي ( عليه السلام ) وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ونقرأ في رواية أخرى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ” إيانا عنى ” . )

ولا شك أن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من أوضح مصاديق هذه الآية ، لكن هذا لا يمنع من اتساع مفهوم الآية ، فالمؤمنون الآخرون أيضا يكون كل منهم إماما وقدوة للآخرين بمستويات متفاوتة .

واستنتج بعض المفسرين من هذه الآية أن طلب الرئاسة المعنوية والروحانية ليس غير مذموم فقط ، بل إنه مطلوب ومرغوب فيه أيضا . وينبغي الالتفات ضمنا إلى أن كلمة ” إمام ” وإن كانت للمفرد ، إلا أنها تأتي بمعنى الجمع ، وهكذا هي في الآية .

جزاءهم الإلهي

بعد إكمال هذه الصفات الثلاثة عشرة ، يشير تعالى إلى عباد الرحمن هؤلاء مع جميع هذه الخصائص ، وفي صورة الكوكبة الصغيرة ، فيبين جزاءهم الإلهي أولئك يجزون الغرفة بما صبروا .

” غرفة ” من مادة ” غرف ” ( على وزن حرف ) : بمعنى رفع الشئ وتناوله ، ويقال لما يغترف ويتناول ” غرفة ” ( كاغتراف الإنسان الماء من العين بيده للشرب ) ثم أطلقت على الأقسام العليا من البناء ، ومنازل الطبقات العليا ، وهي
هنا كناية عن أعلى منازل الجنة .

لذلك فإن ” عباد الرحمن ” بامتلاكهم هذه الصفات ، يكونون في الصف الأول من المؤمنين ، وينبغي أن تكون درجتهم في الجنة أعلى درجة أيضا .

المهم أنه يقول : إن هذا المقام العالي قد أعطي لهم بسبب ما قدموا من ضريبة الصبر والاستقامة في طريق الله ، ومن الممكن أن يتصور أن هذا وصف آخر من أوصافهم ، لكن هذا في الحقيقة ليس وصفا جديدا ، بل هو ضمانة تطبيق جميع
الصفات السابقة ، وإلا فهل يمكن أن نتصور عبادة الخالق ، ومواجهة الطغيان والشهوات ، وترك شهادة الزور ، والتواضع والخشوع وغيرها من الصفات بدون صبر واستقامة .

هذا البيان يذكر الإنسان بالحديث المعروف عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) حيث يقول : ” والصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ” فبقاء الجسد من بقاء الرأس ، ذلك لأن قيادة جميع أعضاء البدن تستقر في دماغ الإنسان .

وعلى هذا فللصبر هنا مفهوم واسع ، فالتحمل والصمود أمام مشكلات طريق الحق ، والجهاد والمواجهة ضد العصاة ، والوقوف أمام دواعي الذنوب ، تجتمع كلها في ذلك المفهوم ، وإذا فسر في بعض الروايات بالصبر على الفقر والحرمان المالي ، فمن المسلم أن ذلك من قبيل بيان المصداق .
ثم يضيف تعالى : ويلقون فيها تحية وسلاما .

أهل الجنة يحي بعضهم بعضا ، وتسلم الملائكة عليهم ، وأعلى من كل ذلك أن الله يحييهم ويسلم عليهم ، كما نقرأ في الآية ( 58 ) من سورة يس سلام من رب رحيم ، ونقرأ في الآية ( 23 و 24 ) من سورة يونس والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم . . . .
ترى هل ل‍ ” التحية ” و ” السلام ” هنا معنيان ، أم معنى واحد ! ؟ ثمة أقوال بين المفسرين ، لكن مع الالتفات إلى أن ” التحية ” في الأصل بمعنى الدعاء لحياة الغير ، و ” سلام ” من مادة السلامة ، وبمعنى الدعاء للغير .
على هذا نستنتج : أن الكلمة الأولى بعنوان طلب الحياة ، للمخاطب والكلمة الثانية طلب اقتران هذه الحياة مع السلامة ، ولو أن هاتين الكلمتين تأتيان بمعنى واحد أحيانا .
” التحية ” في العرف لها معنى أوسع ، فهي كل ما يقولونه في بيان اللقاء مع الآخرين ، فيكون سببا في سرورهم واحترامهم وإظهار المحبة لهم .

ثم يقول تبارك وتعالى للتأكيد أكثر : خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما .


  • تفسير الأمثل سورة الفرقان / اية الله مكارم الشيرازي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى