تبديل السيئات حسنات

هنا عدة تفاسير ، يمكن القبول بها جميعا

1_ حينما يتوب الإنسان ويؤمن بالله ، تتحقق تحولات عميقة في جميع وجوده ، وبسبب هذا التحول والإنقلاب الداخلي تتبدل سيئات أعماله في المستقبل حسنات ، فإذا كان قاتلا للنفس المحترمة في الماضي ، فإنه يتبنى مكانها في المستقبل الدفاع عن المظلومين ومواجهة الظالمين . وإذا كان زانيا ، فإنه يكون بعدها عفيفا وطاهرا ، وهذا التوفيق الإلهي يناله العبد في ظل الإيمان والتوبة .

2_ أن الله تبارك وتعالى بلطفه وكرمه وفضله وإنعامه يمحو سيئات أعمال العبد بعد التوبة ، ويضع مكانها حسنات ، نقرأ في رواية عن أبي ذر : قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ” يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا صغار ذنوبه ، وتخبأ كبارها ، فيقال : عملت يوم كذا وكذا ، وهو يقر ليس بمنكر ، وهو مشفق من الكبائر أن تجئ ، فإذا أراد الله خيرا قال : اعطوه مكان كل سيئة حسنة ، فيقول : يا رب لي ذنوب ما رأيتها ها هنا ؟ ” قال : ورأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ضحك حتى بدت نواجذه ،ثم تلا : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات .

3_ التفسير الثالث هو أن المقصود من السيئات ليس نفس الأعمال التي يقوم بها الإنسان ، بل آثارها السيئة التي تنطبع بها روح ونفس الإنسان ، فحينما يتوب ويؤمن تجتث تلك الآثار السيئة من روحه ونفسه ، وتبدل بآثار الخير ، وهذا هو معنى تبديل السيئات حسنات .

ولا منافاة بين هذه التفاسير الثلاثة قطعا ، ومن الممكن أن تجتمع كل هذه التفاسير الثلاثة في مفهوم الآية .

الآية التالية تشرح كيفية التوبة الصحيحة ، فيقول تعالى : ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا .

يعني أن التوبة وترك الذنب ينبغي ألا تكون بسبب قبح الذنب ، بل ينبغي – إضافة إلى ذلك – أن يكون الدافع إليها خلوص النية ، والعودة إلى الله تبارك وتعالى .

لهذا فإن ترك شرب الخمر أو الكذب بسبب إضرارهما مثلا ، وإن كان حسنا ،لكن القيمة الأساس لهذا الفعل لا تتحقق إلا إذا استمد من الدافع الرباني .

بعض المفسرين ذكروا تفسيرا آخر لهذه الآية ، وهو أن هذه الجملة جواب على التعجب الذي قد تسببه الآية السابقة أحيانا في بعض الأذهان ، وهو : كيف يمكن أن يبدل الله السيئات حسنات ؟ ! ، فتجيب هذه الآية : حينما يتوب الإنسان إلى ربه العظيم ، فلا عجب في هذا الأمر .

تفسير ثالث ذكر لهذه الآية ، وهو أن كل من تاب من ذنبه فإنه يعود إلى الله ،ومثوبته بلا حساب .

وبالرغم من عدم وجود منافاة بين هذه التفاسير الثلاثة ، لكن التفسير الأول أقرب ، خاصة وأنه يتفق مع الرواية المنقولة في تفسير علي بن إبراهيم القمي في ذيل هذه الآية .


تفسير الأمثل سورة الفرقان / اية الله مكارم الشيرازي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى