تأملات في مفردات دعاء مكارم الأخلاق

المقدمة

لقد احتوت الصحيفة العلويّة السجادية مضامينَ فائقة تفتّقت عن معدن الإمامة فاستغنت بذلك، كما صرّح بعضٌ من كبار العلماء، عن الإسناد. وهي الصحيفة المتلقاة بالقبول والاهتمام من لدن أساطين علماء الطائفة وعارفيها ومَن تأمّل فيها وجد صدق هذا الكلام بعين الشهود. قال المولى محمّد تقي المجلسيّ في روضة المتّقين: “عبارة الصحيفة دالة على أنَّها ليست من البشر -سيما من عمير ومتوكل اللذين ليسا من علماء

العامة ولا من علماء الخاصّة- فإنّ علماء العامّة كيف يمكنهم أنّ ينسبوا ذلك إلى أئمتنا (عليهم السلام)، والخاصّة كيف كانوا بهذه الفضيلة العظيمة ولم يكن يعرفهم أحد أصلاً، على أنّ الوجدان الخالي عن التعصّب يجزم بأنّها فوق كلام المخلوق، ويمكن أن تكون من كلام الله تعالى، بأن تكون منقولة عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)”.

وقال السيد السند العلي صاحب الرياض: “واعلم أنّ هذه الصحيفة عليها مسحة من العلم الإلهيّ، وفيها عبقة من الكلام النبويّ، كيف لا، وهو قبس من نور مشكاة الرسالة، ونفحة من شميم رياض الإمامة، حتى قال بعض العارفين: إنّها تجري مجرى التنـزيلات السماويّة، وتسير مسير الصحف اللوحيّة والعرشيّة؛ لما اشتملت عليه من أنوار حقائق المعرفة، وثمار حدائق الحكمة. وكان أحبار العلماء، وجهابذة القدماء من السلف الصالح يلقّبونها ب‍زبور آل محمّد و إنجيل أهل البيت”(1).

ثم يضيف المحقق الكلباسيّ في رسائله الرجالية كلاماً لابن شهر آشوب وآخر له بنفس المضمون، فلاحظ.

هذا، ونذكر في طيات هذه المقالة بعضاً يسيراً من الموارد التي اختلفت فيها تعبيرات دعاء مكارم الأخلاق، بحسب النّسخ المرويّة بالطّرق المختلفة، من حذف كلمة وإضافة أخرى ونحاول الترجيح بينها من خلال المعنى لا غير. ومن الواضح أنّ هذا لا يغني من الواقع شيئاً وهذا لا يحتاج إلى بيان ولكن حسبنا أن يكون التدبّر هو المقصود.

قوله (عليه السلام): «اللهم وفر بلطفك نيتي، وصحح بما عندك يقيني».

فقد ورد في نسخة الشهيد الأول (رحمه الله): «وفره بلطفك نيتي».

قال السيد علي خان المدني (رحمه الله): “وفي رواية بعض النسخ: وفَرِّه -بفتح الفاء وتشديد الراء المهملة وكسرها وبعدها هاء ساكنة- فعل أمر من الفراهة. قال ابن الأثير في النِّهاية: دابّة فارهة، أي نشيطة جادة قويّة”، ثم قال السيد: “ومن عجيب ما وقع لبعض المترجمين هنا أنّه ظنّ أنّ الهاء في هذه الرواية ضمير متصل بفعل الأمر من التوفير فقال: مرجع الضمير النية بتأويل المذكور ونيّتي بدل من ضمير وفره. انتهى. وهو خبط أوقعه فيه التصحيف المذكور”(2).

فهاهنا روايات ثلاث:

الأولى: «وَفِّرْ بلطفك نيتي». فيكون المطلوب هو التوفير. ووفور النيّة كما عن شرح الدارابي عبارة عن بلوغها إلى درجة الكمال في الإخلاص(3).

قال السيد علي خان (رحمه الله) أنّ المعنى على هذه الرواية هو: “اجعل نيتي تامّة كاملة بكونها خالصة لوجهك الكريم، مِن غير نقص فيها بشوب غرض آخر

قال بعض العارفين: إنّ عون الله للعبد بقدر نيّة العبد، فمن تَمّت نيّته تم عون الله له بقدرها”(4).

والثانية: «وَفَرِّه بلطفك نيّتي» على أنّ فَرَّه فعل أمر من الفَراهة.

والثالثة: «وَفَّره بلطفك نيتي»، على أن الهاء ضمير متصل فيصير المعنى: اللهم وفّره بلطفك، أي وفر نيتي بلطفك، ويكون لفظ نيّتي في آخر الجملة إفصاح بعد الإضمار، والضمير في وفره يؤول بالرجوع إلى المذكور.

والمحاكمة إنّما بين المعنيين الأولين، بعدما كان المعنى الثالث لا يخلو من كلفة والمفترض أنّ العبد في مقام الدعاء لا يلتفت إلى إنشاء هذه العبارات البعيدة عن السليقة والمحتاجة لإعمال الفكر في استخراج المعنى، لكونه منشغلاً بما لا يدع له مجالاً لذلك. وعلى هذا، وبالاعتماد على التفسيرين المنقولين (الثاني والثالث)، فالمعنيان متقاربان في الرجحان، لأنّ طلب النيّة الكاملة التي ليس فيها نقص بشوب غرض آخر لا يقلّ أهميّة عن طلب النيّة الجادة القويّة الفارهة. إلا أنّ طلب تتميم النيّة، وهو المعنى الأول، أبلغ من طلب تقويتها، لأنّ التتميم فيه إشعار بأنّ الناقص غير المتمم لا فائدة فيه، لأنّ العبرة إنّما بالشيء بعد تمامه واجتماع أجزاءه التي باجتماعها يترتب الأثر. وهذا بخلاف طلب التقوية الذي لا يخلو من شائبة الاعتداد بهذه النيّة التي على هذا المعنى إنّما تحتاج إلى التدعيم بعد أن كانت صالحة في حدّ ذاتها. فكأنّ الداعي على المعنى الأول يطلب من الله أن يأخذ بيده في جميع المراتب، وهذا أنسب بمقام الضراعة من طلب الفَراهة. هذا، مع أنّ استعمال الفَراهة غير مأنوس في مثل النيّة وأمثالها، بخلاف استعمال الوفرة فيها. ولكن هذا بحاجة إلى استقراء ومتابعة.

قوله (عليه السلام): وترك التعيير، والإفضال على غير المستحق.

فقد ورد في نسخة المحقق الكركي «وترك التقتير» بدلاً عن ترك التعيير. ومما يرجّح لفظة «التقتير» هو الفقرة التالية لهذه الفقرة “والإفضال على غير المستحق”. رجّح هذا المحقق الدارابي مبرراً له بأنّ إعطاء غير المستحق إسراف فناسب أن يقابل التقتير. ومما يرجّح لفظة “التعيير” مقابلة هذه الفقرة بالفقرة السابقة وهي طلبه (عليه السلام) من الله أن يمنّ عليه بإيثار التفضّل الذي هو اختيار الإحسان إلى النّاس، فناسب أنّ يردفه بالطلب منه أن يترك إلحاق العار بهم وهو ترك التعيير.

ولكن الذي يجعل الأسبقيّة للفظ التعيير أمور:

الأول: إنّ قوله “وترك التقتير” شامل لجميع أنواع وأحوال ترك التقتير، مع أنّ ترك التقتير ليس محموداً على كل حال، بل يستحب التقتير على النّفس في بعض الموارد، إما من باب ترويضها وعدم تعويدها على الانهماك في الملذة فيصعب عليها النقلة، وإما من باب مواساة الإخوان. فقوله وترك التقتير مع عدم تقييده بشيء شامل بظاهره لمطلق أفراد التقتير.

إشكال على هذا الكلام ورده:

ربما يقال: نحن لا نسلم شموله لجميع أحوال التقتير، بل لفظ التقتير منصرف عن التقتير المحمود لأنّ الملحوظ في سوقه مع إطلاقه ليس إلا جنبة الذّم. وهذا نظير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}(5)، حيث لم يقيّد لفظ التقتير في الآية بشيء، بينما كان عليه التقييد بالتقتير المذموم. إذاً فإطلاق التقتير لا ينافي أنّ منه أفراداً محمودة لانصرافه عنها.

الجواب: أمّا بالنسبة إلى الآية فالتقتير فيها ليس مطلقاً بل أخذ بكونه الحد الأقصى المقابل للإسراف، وذلك بقرينة المقابلة بالإسراف، وهذا تعبير آخر عن تقييد التقتير بالمذموم. فإنّ لحاظه بكونه ضداً للإسراف يضيّق من دائرته وإن كان مقتضى اللفظ السعة. وأما أصل مسألة الانصراف عن التقتير المحمود إلى خصوص المذموم، فهذا الانصراف لا يتم لأنّ الداعي كان بإمكانه أن يطلب الاعتدال في الإنفاق بدلاً عن ترك التقتير، وهذا هو مقتضى الأصل لأنّه طلب مباشر والحال أنّ طلب عدم التقتير طلب لذلك بالملازمة. فلمّا عدل عن الأصل علمنا بوجود نكتة لهذا العدول تجعل هذا الانصراف مشكوكاً. وهذا يلحظ عموماً في أساليب المحاورة.

والآن نعود لمرجّحات هذا الرأي.

الثاني: إنّ ما ذكره المحقق الدارابي من مرجّح غير مسلّم، لأنّ الإفضال على غير المستحق وإن كان تبذيراً كما ذكره ولكن لماذا قيّده الإمام (عليه السلام) في الدعاء بغير المستحق ولم يقيّده بإنفاقه في غير محله؟ وبعبارة أخرى، إنّ الإفضال على غير المستحق إنّما هو فرد من أفراد الإسراف، والإسراف أوسع منه. فمقتضى المقابلة التي ذكرها هو أن يدعو الله بأن يبعده عن مطلق الإسراف وهو إنفاق المال في غير محله، لا أن يبعده عن إنفاق المال على غير المستحق فقط، لأنّ الذي يقابل مطلق التقتير هو مطلق الإنفاق في غير محله لا حصّة خاصّة منه. وهذا يكشف عن أنّ المقابلة ليست هي الملحوظة، وبذلك تسقط عن كونها مرجحاً.

هذا، وقد صرح بعض الفقهاء باستحباب التقتير على النّفس والتوسعة على العيال. وأما التعيير فهو مذموم على كل حال، فناسب أن يكون هو المعنى الذي طلب الابتعاد عنه. ولو فرضنا أنّ مؤمناً عيّر من يستحقه، فلا يسمى هذا تعييراً. فلا يتوهم بأنّ التعيير أيضاً محمود في بعض الحالات.

والثالث: هذا كله مع أنّ تتبع فقرات الدعاء يكشف عن التنقل الدائم بين الفضائل والرذائل المتنوعة بحيث يكاد يكون ذلك هو مبنى السياق العام للدعاء. فلا استيحاش في إرداف صفة بأخرى. وعليه يمكن توجيه أنّ التنوع لا يقلّ رجحاناً عن المقابلة.

قوله (عليه السلام): «اللهمّ صلِّ على محمّد وآله، واجعل أوسع رزقك عليّ إذا كبرت، وأقوى قوتك فيّ إذا نصبت».

فقد ورد في بعض النسخ «وأقوى قوتك فيّ إذا قنَـِيت» بفتح النون وكسرها. فهذه ثلاث نسخ. أما قوله «فيّ إذا نصبت»، فمعناه أن يا رب اجعل لي القوة حين لزم عليّ التعب، حتى يمكنني تحمل التعب والمشقة. وأما على نسخة قنيت بفتح النون، فذكروا أنّها مأخوذة من قنى له الشيء وقاني له، أي دام. فالمعنى أن يا رب اجعل لي القوة إذا طال دوامي بالطاعة. أما على كسرها، فالمعنى اجعل لي القوة إذا لزمت العبادة ولازمتها.

ولا يخفى أنّ المعنى على فتح النون لا يصلح بحسب الظاهر أن يكون سبباً لطلب القوة، لأنّ طول الدوام بالطاعة إذا أرجعنا طلب القوة معه إلى كون العبد لزم عليه التعب الذي تضعف معه العبادة، فهذا راجع للفرض الأول وهو لفظة إذا نصبت. فلفظ قنيت بفتح النون على هذا الإرجاع الذي أرجعناه تكون دلالته على المطلوب التزامية، ولا يخطر في البال مبرر مقنع ليطلب العبد القوة احترازاً عن التّعب بلفظ لا يدلّ عليه إلا بالالتزام، خصوصاً أنّه إذا أرجعناه إلى طلب القوة لأنّه أطال العبادة، فهذا لا يخلو من منّة من العبد على الله. وهذا مِن أشدّ ما يفسد الغرض من الدعاء، ولا بد من الهروب منه تحقيقاً وتلويحاً.

وأما على كسر النون، فيرد عليه ما ورد على فتحها. فالحاصل أنّ المقام لا يناسب طلب شيء بناء على شيء قد فعله المكلّف، كيف والمنة لله عليه في ذلك. إلا أن نرجع إلى المعنى الأول، فهو المتعيّن.

قوله (عليه السلام): «اللهمّ اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التّمني والتّظني والحسد ذكراً لعظمتك وتفكراً في قدرتك وتدبيراً على عدوّك، وما أجرى على لساني من لفظة فحش أو هجر أو شهادة باطل أو اغتياب مؤمن غائب… نطقاً بالحمد لك».

فقد جاء في نسخة «جرى» بدون الألف بدلاً من «أجرى» فعلى حذف الألف يكون الملحوظ نفس ذلك الذي جرى على اللسان، وعلى إثباتها يكون الملحوظ كون إبليس قد أجرى ذلك مضافاً إلى نفس ذلك الذي جرى. ويقوى إثبات الألف لتضمّنه معنى الاعتراف والنّدم على كون إبليس قد تمكّن من التصرف في اللسان، رغم أنّ المرء له تمام السلطنة على لسانه. ولكن يناقش بأنّ حذف الألف وإن لم يكن فيه معنى الاعتراف بغلبة الشيطان، ولكنّ الداعي في مقام الندم والفزع من الذنب لا يستحضر إلا الطامّة العظمى وهي ذنبه، ويغنيه ذلك عن تذكر أنّ الشيطان أو غيره كان السبب في ارتكابه لذلك، لأنّ ذلك يشغله عن النّدم. فمع النّدم الشديد لا يكاد المرء يتذكر شيئاً حتى يتذكره بل ويصفه بأبلغ الكلمات. فهذه القرينة لوحدها لإثبات الألف لا تخلو من معارضة.

ومع ذلك فالأقرب هو إثبات الألف، وذلك بملاحظة أنّ العدول من صيغة المضارع غير المتعدية في قوله (عليه السلام): «يلقي الشيطان في روعي» إلى صيغة الماضي المعداة في قوله (عليه السلام): «أجرى على لساني» إنّما جاء لغاية مهمة، وهي أنّ إلقاء الشيطان في الروع مستمر ودائم لأنّه ليس من قدرة المكلف منع الإلقاء -بل الشيطان يلقي حتى في روع الأنبياء. أما أنّه هل يحصل به التأثر أم لا فتلك مسألة أخرى. وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «إنّ لي شيطاناً ولكني صرعته» ومن هنا ناسب في إفادة الإلقاء أن يأتي بما يفيد الاستمرار ذاتاً. وأما الجريان على اللسان، وهو نفوذ نفثات الشيطان من جنان الإنسان إلى جوارحه ولسانه، فتحققه غير معلوم، لأنّ سلطان الشيطان على سعته فهو محدود. ومن هنا ناسب الإتيان بصيغة الماضي لأنّ الملحوظ في الماضي حتى المستمر حالة أنّ الشيء قد تحقق، وفي المضارع المستمر أنّه مستمر التحقق. ولا يضره أنّ الماضي مفيد للاستمرار أيضاً، إذ من المعلوم أنّ كون الشيء قد تحقق فيه معنى أنّه قد لا يتحقق. وأما مستمر التحقق فليس النّظر فيه إلى قضية أنّ الشيء قد حدث. فالحاصل أنّ العدول إلى المضيّ أعطى معنى التحقق، وإثبات الألف أعطى معنى أنّه من الشيطان. ولولا إثبات الألف لكان معنى التحقق ناقصاً، لأنّ المهم أنّ الشيطان قد تسبب، لا صرف أنّ الجريان قد وقع.

والشيء الآخر، مع غض النّظر عن قضية العدول، يمكن إثبات هذا الرأي أيضاً بأنّ الفقرة المبتدأة بنسبة الإلقاء إلى الشيطان «ما ألقى الشيطان في روعي» كأنّها شروع في تعداد مشاغبات الشيطان التي يضعف عندها العبد رغم قدرته على دفعها بما وهبه الله من العقل والاختيار، ولا يبعد أن يكون ذكر ما جرى على اللسان متمم لذلك التعداد، فلا بد من نسبة الجريان إلى إجراء الشيطان حينئذٍ.

قوله (عليه السلام): «اللهمّ لا تدع خصلة تعاب مني إلا أصلحتها، ولا عايبة أؤنب بها إلا حسّنتها، ولا أكرومة في ناقصة إلا أتممتها. اللهمّ صلِّ على محمّد و آل محمّد…».

فقد ذكر المحقق الداماد (رحمه الله): أنّ «في» بالتخفيف لا بالتشديد، ولم تشتهر بالتشديد إلا لأنّ بعض من استوحش من تخفيفها لعدم التفاته إلى دقيق المعنى قد أضاف إليها التشديد. قال: “ولا أكرومة من كرائم الأخلاق في درجة ناقصة. من: نقص الشيء نقصاً ونقصاناً فهو ناقص. أي: في ملابسة شائبة من شوائب الرذائل تشنها وتنقصها وتحطّها عن درجة الكمال. ومنه في التنـزيل: نصيبهم غير منقوص. هذا إذا حملنا ناقصة على اسم الفاعل. أما إذا حملناها على المصدر -إذ فاعلة من أوزان المصدر كالفاتحة والعافية والكاذبة- فالمعنى: ولا أكرومة في نقصان إلا أزحت نقصانها وأتممت كمالها”. ثم قال في ترجيح التخفيف على التشديد: “ومن القاصرين في عصرنا من لم يكن يستطيع إلى إدراك الغامضات والنّقص عن مضايق المعضلات سبيلاً فحرفها إلى ((في ناقصة)) بإضافة في إلى ياء المتكلم والتشديد للإدغام ونصب ناقصة على أنّ هي صفة أكرومة المنصوبة على المفعوليّة. ففشا ذلك التحريف في النسخ الحديثة المستنسخة”.

ثم ذكر سببين يجعلان الالتزام بالتشديد باعثاً على الهجنة في العبارة، وناقشه الشيخ محمّد تقي الشريعتمداري في حاشية رياض العارفين. أما السببان اللذان ذكرهما فحاصلهما أولاً: إنّ أكرومة معطوفة على خصلة، وهذا يقتضي أن يكون تقدير الكلام (ولا تدع مني أكرومة في ناقصة) فيجمع «مني» و«في» فيرجع إلى هجنة وضمة. وثانياً: أنّ الفصل بين الصفة والموصوف بالجار والمجرور مما يعد هجينا. أما مناقشة الوجه الأول فإنّ العطف ليس سوى أن يدخل على المعطوف ما دخل على المعطوف عليه، لا أنّه يلحقه ما يلحقه ليقال بلزوم لحوق «مني» لأكرومة. وأما مناقشة الوجه الثاني فلكون هذا شائعاً فهو غير مستهجن(6).

وكيف ما كان، فملخص ما ذكره في أصل المسألة أنّه على تخفيف الياء هناك معنيان محتملان:

الأول: على أنّ ((ناقصة)) اسم فاعل، فيكون المعنى اللهمّ لا تدع مني خلقاً كريماً ملابساً لشائبة تنقصه إلا أتممته.

الثاني: على أنّ ((ناقصة)) مصدر فيكون المعنى اللهمّ لا تدع مني خلقاً كريماً كائناً في نقصان إلا أتممته.

أما على تشديد الياء، فالمعنى واضح، وهو اللهمّ لا تدع مني خلقاً كريماً ناقصاً إلا أتممته.

وبهذا البيان يتضح مدى قرب المعاني من بعضها البعض بعد صرف النّظر عن السببين اللذين ذكرهما لدفع احتمال التشديد لأنّا نصرف النّظر عنهما إذ لم يذكر مرجحاً للتخفيف سواهما، وهما مناقشان. فالذي يترائى: إنّ المهم في مقام الدعاء بالإتمام ليس سبب أو كيفية نقصان الأكرومة بل المهمّ أنّها ناقصة، فإنّه لا عدم معرفة سبب أو كيفية النقصان يدفع الداعي لعدم الدعاء، ولا معرفة سببه هو الدافع للدعاء. فلا تبدو أهميّة للإفصاح عن أن طريق النقصان هو الملابسة لما ينقصه أو وصف الخلق بأنّه كائن ومستقر في النقصان. بل في هذه العجالة لا يظهر معنى ذو بال لتكلّف أنّه كائن في نقصان عوضاً عن مجرّد وصف الخلق بالنقصان. فالذي يظهر أنّ معنى التشديد أقرب لما قد تعتبره الأصل الخالي من التعقيد، والآخران بحاجة إلى تكلّف زائد.

والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

المصادر والهوامش

  • (1) نقلاً عن الرسائل الرجالية، لأبي المعالي محمّد بن إبراهيم الكلباسيّ، الجزء الثاني صفحة 589 – 591.
  • (2) رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين، السيد علي خان المدنيّ، الجزء الثالث صفحة 289.
  • (3) رياض العارفين في شرح صحيفة سيّد الساجدين، محمد بن محمد دارابي، صفحة 236.
  • (4) رياض السالكين صفحة 289.
  • (5) الفرقان 67.
  • (6) رياض العارفين في شرح صحيفة سيّد الساجدين، تأليف محمّد بن محمد دارابي، علّق عليه آية الله محمّد تقي شريعتمداري. صفحة 242.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى