مفهوم الحرية

مدخل

من الجوانب التي هي مورد ابتلاء المؤمنين هي المفاهيم الفكرية ذات التأثير على سياق الحياة، كمفهوم الثقافة والتطور والعولمة والديمقراطية. ولعل جميع هذه المفاهيم ترجع بجذورها بنحو أو بآخر إلى مفهوم الحرية، الذي لا يقصر تاريخه عن تاريخ الفكر الموجود بين أيدينا. وهذه محاولة للتعرف على هذا المصطلح على ضوء الدين والعقل، فإن التعرف على الشيء هو أصل التعامل معه. والعصمة لأهلها.

تحرير محل الكلام

إن البحث في حقيقة المفاهيم الذهنية كمفهوم الحرية وعدم الدقة في تشخيصها من شأنه أن يؤدي إلى ضياع محل النزاع. وذلك لأن المفاهيم بلحاظ وجودها تنقسم إلى مفاهيم ذهنية وانتزاعية وإلى مفاهيم عينية وانضمامية(1). ففي القسم الثاني لا توجد مشكلة في التشخيص لوضوح المشار إليه كمفهوم الماء والهواء والحركة. أما القسم الأول فيصعب ضبطه في حد جامع ومانع، لعدة أسباب: أولا: بسبب تعدد لحاظات نفس المفهوم، وثانيا: بسبب تعدد الحيثيات المكانية والزمنية التي انتزع منها هذا المفهوم، وثالثا: بسبب تعدد الأغراض التي من أجلها جرى ذلك الانتزاع. ومفهوم الحرية ليس بدعا من هذه المفاهيم، فهو باعتباره من المفاهيم الذهنية خاضع لجميع هذه العوامل.

تعدد لحاظات الحرية

لما كانت الحرية بمعناها الذهني من المفاهيم التي تحتاج إلى غيرها لكي توجد في الخارج، فإن احتمالات تحققها منوطة بالظرف المتحققة فيه، وهذا ما يسبب تعدد المعاني المحتملة. فإذا كان المقصود من الحرية هو عدم الكون في السجن، فهي الحرية من الحبس. وإذا كان المقصود هو عدم الاعتماد على الآخرين في الاستدلال، فهي الحرية العلمية. وهكذا.

ولكن قد يطلق مصطلح الحرية ولا ينسب إلى ما به يتحقق، ورغم ذلك، فإن العقلاء يرتبون الأثر على هذا الإطلاق. وهذا بظاهره يتنافى مع ما ذكرنا قبل قليل أن الحرية لا تكون مستقلة، فكيف تثور الشعوب مرتبة الأثر على ما ليس مضبوطا بالنسبة إليها؟ الجواب أنه حتى عندما يطلق هذا المصطلح بدون قيود مقالية فإنه يتضمن مفهوم التحرر من الشيء الذي يجعل الشعب فقيرا مثلا أو يجعل الإنسان تابعا لغيره، والانصراف يكون بحسب المقام. ولا يمنع أن يكون ذلك الشيء مبهما لأن انصراف الذهن إلى ذلك الشيء يكفي لترتيب الأثر وإن كان مبهما. وهذا نظير من عبَدَ اللهَ خوفا، فلا يجب تعيين الشيء الذي يخاف منه، هل هو النار، أم عذاب القبر، أم البعد عن قربه (سبحانه وتعالى)، فإن التعيين التفصيلي يغني عنه التعيين الإجمالي إذا دار الأمر بين عدة أمور يكون أثرها العملي على السلوك واحد. وهذا المعنى مطرد في الكثير من شئون الحياة.

وهناك ثمة حالة ثالثة، وهي ما إذا أطلق مفهوم الحرية مجردا عن جميع السياقات المقالية والأدبية والسياسية وغيرها. وهذه الحالة تشترك مع الحالة السابقة في كون المفهوم مبهما. لكنه في الحالة السابقة كان يدور بين عدة أمور يعلم الشعب مثلا بأن تحرره في التخلص من إحداها، أما في هذا الفرض فالحرية تطلق ولا تقيد بشيء من ذلك، بل المقصود هو ذاتها. فلا بد حينئذ من إرجاعها إلى الإنسان الحر ذاتا أو ما يعبر عنه بالإنسان الأبي. والشاهد على ذلك هو انصراف الذهن إلى هذا المعنى مع إطلاق معنى الحرية بلا قيود مقالية أو حالية، كقول المتدينين بأن “الإنسان الحر” لا يكون عبدا لغيره، وقول الليبراليين بأن “الإنسان الحر” لا يتخذ من الدين بديلا عن تفكيره. وقد يناقش في أن هذه الحالة الثالثة لا وجود لها، لأن الانصراف لا يتم، أو لأن المتكلم عادة ما يكون كلامه محفوفا بقرينة تعين مراده بحرية ذات الإنسان. ففي هذا الفرض تكون الحرية بهذا المعنى كالحالة الثانية.

وعلى أيِّ حال، فإن هذا أهم معاني الحرية، لأن الاتصاف بهذا المعنى أو عدم الاتصاف لا يعتمد على شيء إلا على نفس الإنسان. وهنا يأتي السؤال: ما هو القيد الذي لو ألقاه عن ظهره لتلبس بالحرية الذاتية؟ إن الجواب عن ذلك يرتبط بالقيم التي يحملها الإنسان في داخله، فإن ما يحمله الإنسان من قيم منوط بما يحمله من رغبة في التخلص من مضاداتها. هذا النوع من الحرية في نظر القرآن الكريم هو التخلص من الشيطان {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(2)، فالتحرر هو عين العبودية، والانفصام عن القيود هو عين الانصياع لها.

نماذج من تعدد استعمالات الحرية

قد تتعدد الأحوال التاريخية، كأحوال الفئة الحاكمة عادلة أم ظالمة، وبطانتها، والصراع بين الشعوب، والقيادة الفكرية فلسفية كانت أو متلبسة بالدين أو غير ذلك. ومن المناسب هنا عرض نماذج متعددة لاستعمالات بعض المفكرين لمصطلح الحرية من أجل الوقوف على مدى مطاطية هذا المصطلح بحسب الأحوال والأغراض وفلسفة المتكلم. فتارة يكون المراد واضحا، وتارة يكون مبهما، وتارة يكون واضحا من جهة ومبهما من جهة أخرى، وهكذا.

يقول مهاتما غاندي: “إن الحرية ليست لها قيمة إذا لم تتضمن الحرية في ارتكاب الأخطاء”. ويقول سورن كيركارد: “الناس يطلبون حرية التعبير كتعويض عن حرية التفكير التي نادرا ما يستعملونها”. ويقول مالكوم إكس: “لا يمكن الفصل بين السلام والحرية؛ لأنه لا يمكن أن يكون إنسان يعيش في سلام إذا كان فاقدا للحرية”. ويقول لينين: “ما دامت هناك دولة، لا يمكن أن توجد حرية. إذا وجدت الحرية، فإن الدولة غير موجودة”(3).

أما مقولة كيركارد فهو يشير فيها إلى حريتين تختلفان في متعلقهما، فواحدة راجعة إلى التعبير وأخرى إلى التفكير. والمفهوم من كلامه أن حرية التفكير متاحة للجميع، بينما حرية التعبير منوطة بالنظام السياسي أو الاجتماعي السائد. ولكن لا بد من الرجوع إلى أفكاره الأخرى لمعرفة حدود حرية التعبير التي يشير إليها. فعلى هذا تكون حرية التعبير من المفاهيم المتفاوتة قوة وضعفا، وفي هذه الحالة قد يكون ما يعتبره كيركارد حرية هو ما يعتبره آخرون ليس كذلك. والنتيجة واضحة وهي عدم ثبات هذا المفهوم.

أما غاندي، فهو أشار في مقولته إلى حريتين، ثانيتهما مأخوذة قيدا في تعريف الأولى، بدليل أنه لو انتفت الحرية الثانية لما كانت الأولى حرية. فالحرية الثانية وإن عبر عنها بالحرية، إلا أن المقصود بها إما التسامح، أو القانون الذي يتفهم الأخطاء، أو غير ذلك. فإنه لو كانت الحرية الثانية كالحرية الأولى للزم تفسير الحرية بالحرية، وهذا مستبعد. وأنت ترى أننا فهمنا الحريتين بمعنى مختلف بتحليل ذهني، وما الذي يمنع الآخرين من تفسيرهما بمعان أخرى، فيحصل الاختلاف. فالمفهوم غير ثابت.

أما كلام لينين فلا بد من حمله وفق مفهوم الدولة الشيوعية المرتقبة التي يؤمن بها لينين. فإن هذه الدولة مسبوقة بمخاضات تاريخية يكثر فيها الأخذ والرد بين الطبقات، ولينين بذلك يريد بيان أن الإنسان ما لم يصل إلى رقيه بصيرورته شيوعيا فلا مفر من استعلاء طبقة على طبقة، وهذا معناه أن الدولة موجودة لأنَّ الاستعلاء مساوق لمفهوم الدولة. أما لو وجدت الحرية فهذا معناه أن الإنسان قد وصل إلى ذروة كماله، وانتفت بذلك الدولة لعدم الحاجة إليها. والأقرب أن الحرية وفق هذا التفسير راجعة إلى أفعال الإنسان، بشهادة الصراع المذكور.

أما كلام مالكوم إكس فيحتمل عدة احتمالات، منها أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش في سلام داخلي (أي أن تكون نفسه ثابتة ومطمئنة) إذا كان يفكر بعقل غيره. فالحرية على هذا شأن داخلي يقرره نفس الإنسان، فالقيد داخلي. ويحتمل ثانيا أن يكون المقصود هو الشعب المقيد بالقوانين الجائرة، فهذا الشعب لا يقر له قرار حتى يثور ويأخذ بحقه. فالقيد على هذا التفسير خارجي. ويحتمل ثالثا بأن الشعب المقيد بالقوانين الجائرة لا يعيش سالما بمعنى مطمئنا. وهكذا يحتمل كلامه وجوها أخرى.

وقد فصل الدكتور عبد الرحمن بدوي -في موسوعة الفلسفة- المعاني المتعددة التي استعملت فيها كلمة (حرية) على مدى التاريخ، إلى أن وصل إلى استعمالاتها في أوروبا في العصر الحديث، وحصرها في ثلاثة معان:

أ – الحرية تتعلق بالعلاقة الخارجية للكائن الحي مع الوسط المحيط به، وتدل على الإمكان السلبي والإيجابي لأن يفعل ما يريد.

ب – الحرية تدل على علاقة محددة فطرية أو مكتسبة للإنسان مع ذاته ومع فعله، بها يتميز هذا الفعل من التصرف بحسب الهوى. وبهذا المعنى تكون الحرية هي إمكان الإرادة بمعنى معين.

ج – الحرية تدل على أساس انثروبولوجي بمقتضاه يكون الإنسان نفسه الأصل في إرادة أو عدم

أو الحرية المتعالية(4).Liberum arbitrium  إرادة كذا، إنها حرية الاختيار.

لماذا كان تعريف مفهوم الحرية غامضا

قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي تحديد ما هو الشيء المقصود بالغموض. فمقصودنا بالغموض هنا هو مفهوم الحرية عندما يطلق بلا قرينة، فيعود حينئذ إلى الإنسان الحر، وليس المقصود هو الحرية المضافة إلى غير نفس الإنسان كحرية التجوال وحرية التفكير وحرية التعبير، لأن الغامض في تلك الحريات غالبا ليس هو مفهومها بل الغامض فيها هو حدودها الخارجية. فمثلا لما يحدد كيركارد مقصوده بحرية التعبير، فواضح أن المقصود هو عدم تقييد الناس بموانع التعبير عما يريدون. إنما الغامض في ذلك هو مدى الحرية المطلوبة. فهل يطالب كيركارد بمجتمع تغيب فيه الدولة، أم يطلب نحوا من الحرية مقيدا بالقوانين الموضوعية؟ وبذلك، فلعل ما يسميه هو حرية يعتبرها الشيوعي لا حرية.

أما مفهوم الإنسان الحر، فعلى أن الحرية بصورة إجمالية هي التحرر من القيود، إلا أن النفس الحرة من أي شيء يجب أن تتحرر؟ الجواب عن ذلك في قمة الغموض، وهو راجع في تعريفه إلى ما يعتقده صاحب التعريف. فالبحث تارة يقع في الحد وتارة في الحدود.

ونحن نتسائل هل أن مفهوم الإنسان الحر يمكن فهمه مستقلا عن الفطرة أو لا يمكن ذلك؟ وبتعبير آخر، لا شك أن العقل يدرك وجود المفاهيم المجردة كالوجود والحرية، ولكن هل إدراك العقل لوجود هذه المفاهيم ناشئ عن كونه معقلا لانطباعها بعد أن لم تكن موجودة عنده، أم هو كاشف عنها بعد أن أودعها الخالق في فطرته واضطر إلى التفكير فيها بعد أن كانت جزءا من جبلته؟

وهذا سؤال مهم في سياق البحث، لأنه على التقدير الثاني -وهو الصحيح على ما سيأتي- تثبت الملازمة بين الدين بما هو ملازم للفطرة وتعريف الحرية. فلا بد حينئذ من الاعتماد على الدين في فهم المفاهيم التي هي من قبيل الحرية.

ما هي الفطرة

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(5).

قال الراغب الأصفهاني: “وفطر الله الخلق هو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال”(6).

لقد ذكر المفسرون عدة احتمالات لهذه الآية، ورجح جمع منهم العلامة في الميزان أن كلمة فطرة في الآية منصوبة على الإلزام أي أن تقدير الكلام هو (و الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها)(7). فالآية تشير إلى ضرورة الإقبال على الدين وأن ذلك متقوم باختيار الإنسان أن يلزم الهيئة المترشحة في داخله وهي هيئة لا ينالها التغيير ولا التبديل. فالدين بشقيه: بما هو كاشف عن الحقائق الكونية أو أوامر مولوية لا يخالف الفطرة، بمعنى أن النفس لا تجد غضاضة من قبول هذا الدين بما لديها من هيئة مترشحة، ولا تستنكف على فطريتها أن تقبل ما يأتي به هذا الدين، لا بمعنى أنها تحفظ كل ما تحتاج إليه في مقام العلم وفي مقام العمل.

والفرق بينهما إنما هو في التفصيل من قبل الدين والإجمال من قبل الفطرة. وبحسب تعبير العلامة في الميزان معلقا على قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}(8): “والمراد فيها بالإنسان الفطري الإنسان الساذج الذي يعيش على الفطرة الإنسانية الذي لم تفسده الأوهام الفكرية والأهواء النفسانية فإنه بالقوة القريبة من الفعل بالنسبة إلى أصول العقائد الحقة وكليات الشرائع الإلهية، فإنه يعيش ببعث وتحريك من فطرته وخصوص خلقته”(9).

ويقول العلامة الشهرستاني في هامش تصحيح الاعتقاد للمفيد: “الفطرة هي ما يقتضيه الشيء لو خلي ونفسه وبدون مانع، فإذا قيل: (الصدق فطري في البشر) معناه أن الإنسان لو خلي ونفسه فإن حالته الفطرية تقتضي أن يصدق كلامه…” إلى أن يقول: “وبعبارة فنية (إن الفطرة اقتضاء لا ضرورة) كما يصرح بذلك حديث «كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه»”(10).

كلام لجون لوك حول الأفكار الفطرية

يعتبر جون لوك (م1690) أبا لليبرالية السياسية الحديثة، وهو صاحب تأثير كبير على من جاء بعده من هذه المدرسة.

قال الدكتور عبد الرحمن بدوي في موسوعة الفلسفة: “لكن جاء لوك وأنكر نظرية الأفكار الفطرية، وقال إن عقل الطفل يولد صفحة بيضاء لم ينقش عليها من قبل شيء. والدليل على ذلك أن الأطفال لا يعون مبادئ المنطق (الهوية وعدم التناقض). والبدائيون يعيشون دون أن يصوغوا مبادئ المنطق. وشاهد آخر هو أن الناس يختلفون اختلافا شديدا في تقرير ما هو خير وما هو شر… وهنا يذكر لوك أن هناك شعوبا ليست لديها أية فكرة عن الله وعن العقائد الدينية الأساسية بوجه عام. فلو كان الله قد أعطى أفكارا فطرية لكان قد أعطى الناس فكرة عن ذاته، لكنه لم يفعل ذلك.

ولا يستطيع المدافع عن الأفكار الفطرية أن يجيب قائلا: إن بعض الأفكار الفطرية بمعنى أن في الناس استعدادا فطريا لاكتسابها حالما يجربون ويتعلمون استخدام عقولهم، إذا بهذا المعنى كل فكرة هي فطرية، ولا محل للتمييز حينئذ بين أفكار فطرية عالية اليقين وبين أفكار غير فطرية أقل مرتبة من اليقين”.

ثم يبين الدكتور بدوي أن لوك كان مسيحيا، ولكنه كان يعتقد أن الوحي ينبغي أن يمتحن بواسطة العقل. ويرى لوك أن مصدر المعرفة هو التجربة التي تملأ العقل بالمعلومات بعد أن كان صفحة بيضاء(11).

إذن لا محل للفطرة عند جون لوك، ومصدر الأفكار هو التجربة. والمهم هنا هو أن نضع كلامه في الميزان في ظل ما ذكرناه من أصالة الفطرة. نقول إن ما فنده لوك في تناوله للفطرة هو غير الذي ادعيناه من معنى الفطرة. ذلك أن الفطرة كما فسرها مجموعة معلومات أولية يعتقد بوجودها القائلون بالفطرة، ولكن قلنا بأن الفطرة هيئة مترشحة في النفس لفعل من الأفعال، وهي اقتضاء لا ضرورة. فلا يمنع أن تتفاوت من حيث البروز والخفاء، كما في حديث يهودانه وينصرانه. وهذا لا ينافي قوله تعالى: {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}(12)، لأن العلم عرضة للتبدل والتغير {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}، أما الفطرة فهي هيئة لا تقبل التبدل والتغير {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}، ولو كانت سنخا من المعلومات لكانت كما ذكره جون لوك.

صمود الفطرة وتهافت الأفكار المضادة لها

لما ثبت أن الخالق فطر الإنسان على كيفية معينة وهي الفطرة ثبت أنها ليست من القضايا العقلية القابلة للنقض. فما ناقش إنسان الفطرة إلا ووقع في التناقض والضبابية، وإن خفيت الضبابية بسبب ضياع الحقائق في ازدحام الكلام وعدم سكوت الجاهل.

إذن يمكن فهم هذه الحقيقة من القرآن الكريم، وهي أن الانطلاق من غير مبدأ {مِنْ رَبِّكَ} يوقع في التناقض لا محالة {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}(13). وهذا بخلاف الفلسفات البشرية، فإن مجرد عدم ادعاءها وصلا بمبدأ {مِنْ رَبِّكَ} تكون قد أوقعت نفسها في غير ما ترجو لنفسها من كشف للحقيقة. فالتناقض والضبابية دخيلان فيها منذ البداية. فكيف يتصور للفلسفات البشرية كالمادية والواقعية أن تكشف كشفا حقيقيا عن مفهوم متجذر في الفطرية كمفهوم الحرية بالمعنى الذي نبحث عنه. وهذا أول الكلام.

ومن هنا يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «أول الدين معرفته»(14)، أي الدين بالمعنى الذي بينته الآية الكريمة، ذلك الذي لا ينفك عن فطرة الله. ومفهوم ذلك أن من لم ينطلق من معرفته لم يصل إلى الدين، وبالتالي جانب الفطرة، وبالتالي وقع في إشكاليات فكرية مستعصية.

الإمام الحر

منذ استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام) ثم أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد، وجد الإمام الحسين (عليه السلام) في مرحلة التمهيد للثورة. وكما أن الإمام الحسن (عليه السلام) ضحَّى بشخصيته ومكانته الاجتماعية لما قبل الصلح لكونه أكبر خير يحفظ به الإسلام، كذلك أقدم الحسين (عليه السلام) نحو مشروعه بنفس هذه الروح. مع ملاحظة أن الحسين (عليه السلام) كان مجال الاعتذار عن المسؤولية عنده أكبر وأكثر مصداقية لمبرر الأوضاع السياسية الصعبة قبل وبعد موت معاوية، ولكونه بذلك يكون على خطى أخيه الحسن (عليه السلام) بحسب الظاهر، وبذلك يفلت من استنكار سكوته إلى حد كبير.

إلا أن روحه الثائرة ظهرت منذ وقت مبكر في خطاباته لمعاوية ومعاتبته على سوء فعله كقتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحجرا وأصحابه وادعاءه زيادا وقتله الحضرميين وإمارته يزيد. فقال له فيما قال: «واعلم أن الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيا يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا قد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية»(15). فهو منذ ذلك الحين أعلن الثورة على يزيد، وعلم منه يزيد ذلك.

وظهرت في خطاباته العامة كخطابه العلماء في منى قبيل موت معاوية. قال واصفا حزب الشيطان: «في كل بلد منهم على منبره خطيب مصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبديء المعيد»، ثم قال: «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان، ولا التماسا من فصول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإنكم إلا تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير»(16).

وقال للحر في طريقه إلى كربلاء، لما هدده بالموت: «أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وسأقول لكم كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله فخوفه ابن عمه:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

                        إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه 

                        وفارق مذموما وخالف مجرما

أقدم نفسي لا أريد بقاءها

                        لتلقى خميسا في الوغاء عرمرما

فإن عشت لم أُلَمْ وإن مت لم أُذم

                        كفى بك ذلا أن تعيش مرغما(17)

وقال في نقل آخر فيما قال: «ليس الموت في سبيل العز إلا حياة خالدة، وليست الحياة مع الذل إلا الموت الذي لا حياة معه». وإن في هذا الكلام لعبرة من أراد فهم الحرية على حقيقتها.

الحرية في كلماته (عليه السلام) في كربلاء

منها قوله للحر بن يزيد الرياحي، الذي ترك الدنيا وراءه، واستطاع أن يغلب الظن باليقين، وجاء تائبا فقال له الحسين (عليه السلام): «أنت الحر، كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة، انزل»(18).

وقال: «ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون»(19).

فبقوله: كونوا أحرارا في دنياكم، أرجعهم إلى ما لا يسعهم إنكاره، وهي البصيرة في قوله تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}(20)، وهذا نحو من الحرية، المقصود منه أنه إذا لم يوجد لديكم الدافع لقبول الحق (وهو الدين)، أفليس لديكم مانع عن قبول الباطل (وهو النفس الحرة؟). وهذه مرتبة من مراتب حرية النفس.

خاتمة

خلاصة الكلام أن مفهوم الحرية ليس من المجردات الذهنية وحسب، بل لا بد من انتسابه إلى شيء آخر -كحرية التعبير أو حرية النفس- لكي يوجد في الخارج. وهذا المفهوم تارة يطلق منسوبا أو مع قرينة تدل على مراد المتكلم، ولو إجمالا، وتارة يطلق ولا يراد منه إلا معناه على إطلاقه. وقلنا بأنه إذا ما أريد نفس المفهوم على إطلاقه فالمراد به هو الإنسان الحر أو النفس الأبية. وتفسير ذلك يرجع إلى ما يحمله الإنسان من قيم ومبادئ. فالمسلم يفسر هذه النفس بالنفس العابدة الخاضعة لله (عزّ وجلّ)، فكلما توغلت في الطاعة كلما اشتدت فيها الحرية. والليبرالي يرى أن هذه النفس إنما هي النفس التي لا تخضع لغيرها في التفكير سواء على المستوى الديني أو غيره. وهكذا.

وقد اختلفت استعمالات هذا المصطلح اختلافا شديدا بحسب العصر والمكان والأحوال والأفكار، وقد استشهدنا نماذج لشدة هذا الاختلاف، ثم ذكرنا ما توصل إليه أحد الباحثين من تفصيل للمعاني الثلاثة التي استعمل فيها هذا المصطلح في العصور المتأخرة.

ثم ذكرنا بأن الفطرة هيئة مترشحة عليها النفس وأنها قوة قريبة من الفعل، وأن تفسير مفهوم قريب من الفطرة كمفهوم الحرية، إذا أريد به حرية النفس، لا يمكن استقراره إلا على أساس يتوافق مع ما جبل عليه الإنسان من فطرة التوحيد وشريعة الإسلام. والدليل على رسوخ الفطرة وتهافت ما يخالفها هو قوله تعالى {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}. وختمنا الحديث بمواقف وكلمات للإمام أبي الأحرار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) فيها من معاني الحرية ما يفهمها المنصفون وحري بأن تتربى على مثلها الشعوب وتشرب من عذب ماءها القلوب.

والحمد لله أولا وآخرا.

المصادر والهوامش

  • (1) راجع كتاب أسئلة وردود ج4 الحرية والتعددية / آية الله الشيخ مصباح اليزدي.
  • (2) النحل: 99.
  • (3) موقع الكتروني www.thinkexist.com.
  • (4) موسوعة الفلسفة ج1 ص 458
  • (5) الروم 30.
  • (6) المفردات في غريب القرآن ص 503.
  • (7) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي ج 16.
  • (8) البقرة 213.
  • (9) المصدر ص 187.
  • (10) تصحيح الاعتقاد ص 61.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى