المستشرقون والقرآن الكريم

 المقدمة

هناك أناس من الغرب تعرضوا إلى دراسة حضارة الشرق، وتراثه، وثقافته، وما يتعلق به من أمور ثقافية، واقتصادية، وسياسية… وغيرها، وفي موضوعنا هذا نتطرق إلى قسم خاص من هذه الفئة، وبالأخص إلى واحد من هذه الفئة؛ وهم المستشرقون الذين تعرضوا إلى الكتاب المقدس عند الشرق، الذي يشكل المحور الأساسي عندهم، وعلى دستوره تقوم حياتهم الشرقية، ألا وهو القرآن الكريم المنزّل من عند خالق البشرية جمعاء، وقبل أن نتعرض إلى هذا القسم من المستشرقين، نوضح الصورة العامة للمستشرقين، لكي نتعرف على بعض آرائهم، والرد عليها فنقول:

جاء في كتاب (قراءة نقدية في تاريخ القرآن للمستشرق ثيودر نولدكه. حسن علي حسن مطر الهاشمي) في تعريف الاستشراق لغةً واصطلاحاً:

الاستشراق لغةً واصطلاحاً

الاستشراق لغةً:

اشتقاقه من استشرق، على وزن استفعل، وهو للسؤال والطلب غالباً، نحو: (استخرجته). ويجيء للاعتقاد في الشيء أنّه على صفة أصله نحو: (استنوق الجمل) أي: حُسِب الجملُ ناقةً. ويكون للتحول إلى الشيء حقيقة، نحو (استحجر الطين)، أي: صار حجراً. أو مجازاً أي: صار كالحجر في الصلابة. وعلى قياسه تقول: (استشرق الغربي) أي: صار شرقياً، وقد يُراد منه الدخول في الشرق، فنقول: (أشرق الرجل) أي: دخل في شروق الشمس، وفي التنزيل في سورة الحجر: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}[1] أي مصبحين. وتقول: (أشرق القوم) أي دخلوا في وقت الشروق، وفي سورة الشعراء: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}[2] أي لحقوهم وقت دخولهم في شروق الشمس.

وفي كتاب (المستشرقون والدراسات القرآنية: للدكتور محمد حسين على الصغير) يعرّف الاستشراق: “الاستشراق بتعبير موجز: دراسة يقوم بها الغربيون لتراث الشرق وبخاصة كل ما يتعلق بتأريخه، ولغاته، وآدابه، وفنونه، وعلومه، وتقاليده، وعاداته”[3].

أما اصطلاحاً:

مصطلح الاستشراق يرجع إلى العصر الوسيط، بل إلى العصور القديمة، أي إلى الوقت الذي كان فيه البحر المتوسط كما قيل يقع في وسط العالم، وكانت الجهات الأصلية تتحد بالنسبة إليه. فلما انتقل ثقل الأحداث السياسية بعد ذلك من البحر المتوسط إلى الشمال، بقي مصطلح الشرق دالاًّ على الدول الواقعة شرق البحر المتوسط.

ويبدو أنّ مصطلح الشرق لم يقتصر على هذه الرقعة جغرافياً فحسب، بل تجاوز إلى غرب الجزيرة العربية، وشمال أفريقيا، وذلك بعد الفتوحات الإسلامية، فعدّت كل من مصر والمغرب وشمال أفريقيا، وما تعرّب من سكان هذه الدول من الشرق، فشملها هذا الاسم باعتبار دينها الإسلام، ولغتها العربية.

وكما تخطّى مصطلح الشرق حدوده الجغرافية إلى غرب الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، فقد تخطّى مصطلح الاستشراق الغربيين، وتجاوزهم إلى المستغربين بعامّة، فمن لم يعتنق اِلإسلام ديناً، ولم ينطق بالعربية لغةً، وكان من شأنهم أن بحثوا في تراث الشرق لغةً وأدباً. وإن كانوا شرقيين، فشملهم فعادوا مستشرقين.

وحينها يصحّ لنا إطلاق الاستشراق الروسي على المعنيين بالشؤون المشار إليها من قضايا الشرق الثقافية، وهكذا يقال الاستشراق الياباني أو الصيني، كما يقال الاستشراق الأميركي، أو الإنكليزي جنباً إلى جنب[4].

وعرّف آخرون الاستشراق اصطلاحاً: “هو علم يدرس تراث الشرق وحضاراته ومجتمعاته، ماضيها وحاضرها، ويدخل ضمن معنى الشرق، أي منطقة شرقية”، لكن (المصطلح) هنا يعني أحياناً: (ماله علاقة بالدراسات الإسلامية والعربية، أو اللغات التي أثرت العربية فيها، كاللغة التركية، والفارسية).

وبعبارة أخرى: إنّ للاستشراق المصطلح إطلاقين:

الأول: البحث في تراث الشرق عامة.

الثاني: البحث في تراث الإسلام، وكل ماله صلة به خاصة.

وقد بدأت هذه الدراسات تتسع حتى أصبح لكل دراسة مساحتها التي تُعنى بها، فبدأ بعضهم يطلق على دراسة اللغة العربية، وشؤون العرب، تسمية الدراسات العربية (Arabistics).

ويطلق على المستشرقين المتخصصين باللغة العربية مصطلح (المستعربين). وعليه فإنّ الاستعراب فرع من فروع الاستشراق، وقد يتسع هذا المصطلح، ليشمل كل باحث غير عربي قد تخصص في دراسة العربية وما يتعلق بها من العلوم والمعارف، حتى وإن كان شرقياً.

فالياباني أو الصيني مثلاً قد يكون مستعرباً، ولكن لا يمكن اعتباره مستشرقاً، لكونه شرقياً أصلاً بحكم الجغرافيا.

نعم يمكن اعتباره مستشرقاً من باب التوسع اللفظي، فيكون مستشرقاً بالمعنى الخاص. وبذلك تكون النسبة القائمة بين الاستشراق والاستعراب، نسبة العموم والخصوص من وجه، إذ يجتمعان في الغربي إذا نظر إلى العالم العربي، فهو حينها مستعرب ومستشرق.

ويفترق الاستعراب عن الاستشراق، إذا كان الدارس للشؤون العربية صينياً، أو يابانياً، أو هندياً. ويفترق الاستعراب عن الاستشراق، إذ لم تكن الدراسة الشرقية، التي يُعني بها الغربي عربية، كأن تكون هندية، أو فارسية، أو تركية[5].

نشأة الاستشراق وتأريخه

يمكننا حصر أراء الباحثين في تأريخ الاستشراق، في النقاط الآتية:

الأولى: يرجع بعض الباحثين الاستشراق إلى أواخر القرن السابع من الميلاد[6].

ويستند في ذلك إلى كتابات بعض المسيحيين من العرب عن الإسلام، من أمثال: (يوحنا الدمشقي) وأضرابه. إلاّ أنّ هذا الرأي غير منسجم مع المفهوم العام للاستشراق، لأنّ (يوحنا الدمشقي) لم يكن غربياً بل هو مسيحي عربي، أي شرقي، وليس مستشرقاً.

الثانية: ومنهم من يرجع الاستشراق إلى المرحلة التي نقل فيها الكنيسيون علوم الكنيسة، وفلسفة اليونان، من الحواضر العربية إلى روما، حين كانت الكنيسة في احتضار فكري، فبدأت هذه المرحلة منذ وقت مبكر في تأريخ الإسلام، فكان أعظم ما قام به العرب، بعد نشرهم الإسلام، قيامهم بترجمة آداب وفلسفات العالم، وخاصة اليونانية، والهندية، والفارسية، ومناقشتها والرد عليها.

فكانت علوم الكنيسة من العلوم التي تناولوها بالترجمة، والنقد، والمناقشة. وكان للإسلام بذلك الفضل على الغرب. فبدون هذه الترجمات لم يكن لدى الغرب قدرة على استعادة تراثه اليوناني والروماني، وخاصة في العصر الذي أطبق الجهل فيه على جميع الشعوب الأورُبية[7].

الثالثة: هناك من الباحثين من يرى الاستشراق نتيجة طبيعية من نتائج الحروب الصليبية، لكونها آخر مراحل الصراع الديني المسلح بين المسلمين والمسيحيين؛ إذ توصل الغرب بعد ذلك الصراع الطويل إلى قناعة مفادها: (عدم إمكان التغلب على المسلمين عسكرياً، ما داموا متمسكين بدينهم وقرآنهم)؛ حيث قال في ذلك قائد الحملة الصليبية السابعة -والأخيرة- (لويس التاسع) وهو ملك فرنسا (1226-1270م)، إذ صرّح للجهات المعنية في أورُبا بعد عودته من أسرِه في مدينة المنصورة بمصر: “إنّه لا جدوى من القتال مع المسلمين؛ لأنّهم يملكون عقيدة راسخة تدفعهم إلى الجهاد، وتحضّهم على التضحية بكل ما يمتلكون، وعليه لا بدّ من الفصل بين المسلمين وبين مصدر قوتهم المتمثل بالقرآن الكريم، من طريق الغزو الفكري”.

فتبنّت الكنيسة هذا المشروع، وقامت برعاية كلّ الجهود الرامية إلى ذلك، وتطورت بالتدريج لتكون فيما بعد حركة الاستشراق؛ وعليه يكون الاستشراق نشأ في القرن الثاني عشر من الميلاد، مقترناً بظهور أوّل نتاج استشراقي بترجمة معاني القرآن الكريم، وظهور أوّل قاموس لاتيني- عربي[8].

الرابعة: منهم من يرى أنّ الاستشراق نشأ في القرن العاشر للميلاد، حيث بدأت الدراسة الغربية للشرق، والتي كان رائدها الراهب (جربير) الذي تعلم العربية في قرطبة، ثم عاد إلى بلاده ليتولى البابوية، ملقباً نفسه: (البابا سلفستر الثاني).

الخامسة: وأخيراً من يُرجع نشأة الاستشراق إلى القرن الثامن عشر، متخذاً من حملة (نابليون بونابرت) على مصر نقطة انطلاق للحركة الاستشرافية، حيث اصطحب نابليون في حملته العسكرية مطبعةً وعدداً من العلماء والباحثين، مما دفع إلى القول بأنّها بداية الاستشراق.

هذا ويحاول الدكتور (سعدون محمود الساموك) إرجاع جذور الاستشراق إلى القرن الميلادي الأول، فقد قال: “لا بد من التنويه إلى أنّ دراسة الغربيين لأحوال الجزيرة العربية أو الشرق، قد سبقت عصر الصليبين بكثير. وحسب آراء المؤرخين، فقد عثر على كتابٍ لمؤلفٍ غربي مجهول، بعنوان: (الطواف حول البحر الإريتري)، يعود وفقاً لرأي (الدكتور جواد علي) إلى نهاية القرن الأول للميلاد”[9].

دوافع الاستشراق

إذا نظرنا إلى أهداف الاستشراق فنجدها متغايرة في مقصودها فمنهم غرضه التبشير، والبعض الآخر هو الاستعمار، وقسم آخر بهدف البحث العلمي فنوضح كالآتي:

أ- الدوافع التبشيرية:

ذهب (رودي بارت) إلى أنّ الهدف الرئيسي للمستشرقين في بدايات الاستشراق في القرن الثاني عشر الميلادي وفي القرون التالية له: هو التبشير، وعرّفه بأنّه: “إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين المسيحي”، ويمكن الرجوع في ذلك إلى الكتاب الذي وضعه: (نورمن دانيل) باسم: الإسلام والغرب (1960م).

وقد أكّد تُهم المستشرقين التبشيرية الأستاذ (محمد البهي) بكتابٍ أسماه (المبشرون والمستشرقون) في موقفهم من الإسلام، وقد ردّ عليه الدكتور (محمد يحي الهاشمي)، الذي فنّد أغلب النوايا الهامشية للاستشراق، نحن لا ننفي جميع هذه الادّعاءات بنية التبشير، كما أننا لا نوافقها جميعاً، فمنهم للاستعمار أيضا ً، كما أنّ منهم من هو منصف ببحثه العلمي وسنذكر أمثلة على ذلك.

يلحظ أنّ جماعة من المستشرقين قد وصف القرآن بأنّه نسيج من السخافات، وبأنّ الإسلام مجموعة من البدع، وبأنّ المسلمين وحوش، ومن ضمن من عبّر بذلك من المستشرقين (نيكولا ديكيز، وفيفش، وفراتشي، وهوتنجر، ويلياندر، ويريدو) وغيرهم.

كما أنّ قسماً آخر من المستشرقين الألمان واليهود أمثال (فيل، وجولد سهير، وبول) قالوا بأنّ القرآن حُرّف وبُدّل بعد وفاة النبي، وفي صدر الإسلام الأول، وأنّ النبي كان يصاب بالصرع! وأنّ ما كان يسميه الوحي الذي ينزل عليه إنّما كان أثر لنوبات الصرع! فكان يغيب عن صوابه، ويسيل منه العرق، وتعتريه التشنجات، وتخرج من فيه الرّغوة، فإذا أفاق من نوبته ذكر أنّه أُوحي إليه، وتلا على المؤمنين ما يزعم أنّه من وحي ربه.

وقد تكفل بالردّ على هذه المزاعم الكاذبة جملة من المستشرقين المنصفين لا سيما (السير وليام موير) في كتاب (حياة محمد): فكان ما تحدث فيه عن منزلة القرآن ودقة وصوله سالماً، خير ردّ على التجني والحقد الأعمى، واعتبر ذلك تهرّباً عن البحث العلمي الرّصين، وعقّب على ظاهرة الوحي، فنفى ما افتراه الجاهلون على النبي من حالات الصرع المدعاة، لأنّ حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام العطل، وهذا ما نشاهده عياناً في حالات الإغماء، وقد أيّد كل من (الأب هنري لامنس)، و(فون هامر) مذهب (موير) في التفريق بين حالة الصرع والوحي.

بينما زعم آخرون: بأنّ النبي كان في القرآن ساحراً، وأنّه لم ينجح إلى كرسي البابويّة، فاخترع ديناً جديداً لينتقم من زملائه. وقد هزّ هذا التحدي السافر المستشرق (آميل درمنجهام)، ففند أباطيل هؤلاء الدعاة وحمل عليهم، وردّ هذه التهم الرخيصة التي خالفت الواقع.

وبذلك أُدين المستشرقون المتطرفون بفم المستشرقين المنصفين[10].

ب-الدوافع الاستعمارية:

وقد يكون دافع الاستشراق دافعاً استعمارياً تمليه طبيعة عمل المستشرقين في البلدان العربية والإسلامية، من ضرورة إتقان اللغة، والتخصص بجملة من فنون الشرق، أن يشكك المسلمين بعقيدتهم، أو يسفّه أحلامهم، أو ينحو باللائمة على أئمتهم، أو يقلل من أهمية تراثهم.

يقول الأستاذ نجيب العقيقي: “فلما أرادت معظم دول الغرب عقد الصلات السياسية بدول الشرق والاغتراف من تراثه، والانتفاع بثرائه، والتزاحم على استعماره، أحسنت كل دولة إلى مستشرقيها فضمهم ملوكها إلى حاشياتهم أمناء أسرار وتراجمة، وانتدبوهم للعمل في سلكي الجيش والدبلوماسية إلى بلدان الشرق، وولوهم الكراسي اللغات الشرقية في كبري الجامعات والمدارس الخاصة، والمكتبات العامة، والمطابع الوطنية، وأجزلوا عطاءهم في الحل والترحال، ومنحوهم ألقاب الشرف وعضوية المجامع العلمية”[11].

وقد يكون الدافع الاقتصادي الذي أوجده الجهد الاستعماري مرتبطاً بالهدف العلمي باعتبار الاستشراق مهنة عملية يوظف لها الأكْفَاء والمتخصّصون، فأساتذة اللغات الشرقية في العصر الوسيط وتراجمته عملوا لقاء أجر، وأوائل المستشرقين وعلماء الجدل والموسورن نالوا جزاءهم بإرساء النهضة الأوروبية على التراث العربي[12].

ج- الدوافع العلمية:

وهناك من المستشرقين الذين كرسوا جهودهم على الوصول إلى الحقيقة العلمية، وكان هدفهم البحث العلمي، والوقوف على الحقائق، ولم تتدخل الأهواء في نقل ما توصلوا له من معارف، ووقائع وجودية، فأنصفوا الناس في إيصال تلك النتائج والمعارف والحقائق العلمية إليهم.

فقد أخذوا على أنفسهم منهجاً علمياً حيادياً وموضوعياً، تجرّد من جميع السلبيات التي واكبت الدراسات الاستشراقية الأخرى، ونذكر من أولئك على سبيل المثال: (جان جاكوب رسيكه)، و(لورا فيشيا فاغليري)، و(روجيه غارودي) وغيرهم[13].

وهنا نتطرّق إلى من هو أكثر المستشرقين شهرة وكتاباته عن القرآن والنبي محمد، فنتطرق إلى تعريف المستشرق، وما يقوله في القرآن والنبي، ألا وهو المستشرق: (ثيودور نولدكه) ونوجز حياته في سطور:

ولد (ثيور دور نولدكه) في مدينة هامبورغ -التي أطلق اسمه فيما بعد على أحد شوارعها- في الثاني من مارس سنة 1836م في أسرة عريقة قاتل قدماؤها الرومان، وشغل أفرادها مناصب إدارية وعلمية كبيرة. اشتهر (نولدكه) بمتانة الخلق وسعة الأفق، ووضوح الفكرة، والتزامه أسلوباً علمياً صارماً طبع به الدراسات الشرقية طوال سبعة عقود من حياته. وقد درس اليونانية واللاتينية على يد والده، الذي كان وكيلاً للمدرسة الثانوية، ثمّ صار بعد ذلك ناظراً للمدرسة الثانوية في مدينة (لنجن) وفيها قضى (نولدكه) من 1849م-1853م، للاستعداد للدخول تحت إشراف أبيه، فأصبح ذا باعٍ طويلٍ في الآداب اليونانية واللاتينية. وكان قد بدأ قبل ذلك بالإلمام بمبادئ اللغة العبرية. كما وقع له حادث جسماني اضطرّه إلى الانقطاع فترة عن الدراسة في المدرسة الثانوية، فوجّهه (إنفالد) إلى دراسة اللغتين العبرية والعربية وآدابهما، فدرس عنده اللغة السريانية، كما حضر درس (برتو) عن الآرامية الخاصّة بالكتاب المقدّس، ودرس السنسكريتية عند (بنفاي)، وكذلك بدأ وهو طالب في الجامعة دراسة اللغتين الفارسية والتركية.

نال درجة الدكتوراه الأولى سنة 1856م وهو في العشرين من عمره على رسالته التي كتبها باللاتينية والتي تناول فيها (أصل القرآن وترتيب سوره) وبعد عامين من ذلك خصّ هذا الكتاب بدراسة عميقة، حينما أعلنت أكاديمية باريس عن جائزة لبحث يكتب في هذا الموضوع، فتقّدم له (نولدكه) وتقاسم هو و(شبرنجر)، و(ميكليه آماري) الجائزة التي ضوعفت حتى نال كل واحدٍ منهم مبلغ (1333) فرنكاً فرنسياً[14].

والعجيب أنّه لم يرحل إلى البلاد العربية والإسلامية مطلقاً، رغم تخصّصه في لغاتها، وآدابها، وتاريخها، وجغرافيتها.

تزوّج (نولدكه) سنة 1864م، وكانت ثمرة هذا الزواج عشرة أولاد من البنين والبنات، توفي ستة منهم أثناء حياته. وبعد وفاة زوجته بأربع سنوات، وفي ربيع 1920م بالتحديد ارتحل (نولدكه) إلى مدينة (كاركسرويه) في منطقة الراين الأعلى، حيث أقام في منزل ابنه الذي كان آنذاك يعمل مديراً للسكك الحديدية، حيث قضى عقده الأخير، وكانت وفاته، في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر، عام 1930م[15].

ظاهرة الوحي عند نولدكه:

أولاً قبل الشروع في هذا الموضوع، نتطرّق إلى تعريف الوحي، ومفهومه، واختلاف أنواعه، وما هي المعاني المختلفة من هذا المفهوم، والأسباب التي دعت بعض الغربيين إلى التنكر من الوحي، ثم العودة إلى الإيمان به، وما هو منظورهم للوحي الذي يتلقاه نبينا محمد فنقول:

أ- الوحي في اللغة:

الإشارة، والكتابة، والمكتوب، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفّي، وكلّ ما ألقيته على غيرك، وأوحى إليه: بعثه، وألهمه…، والوحي: السيد الكبير، والنار، والملك، والعجلة، والإسراع…. واستوحاه: حرّكه ودعاه ليرسله[16].

ب- الوحي في المصطلح الديني:

ما ينزله الله على أنبيائه ورسله، قال محمد فريد وجدي:

“إنّ الوحي لغة هو الإعلام في خفاء، ثم اصطلح على أنّه تعليم الله لأنبيائه أمور الدين بواسطة الملائكة يرسلهم إليهم، وهو بهذا المعنى عام في أكثر الأديان السماوية ولاسيّما الأديان الإبراهيميّة الثلاثة الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام”[17].

ج- استعمالات الوحي في القرآن الكريم:

لقد استعمل الوحي في القرآن الكريم في معانٍ مختلفة منها:

1-    الإيماء، كما في قوله تعالى حكاية عن زكريا: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}[18].

2-    الإلهام الغريزي والفطري، قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}[19].

3-   الإعلام أو الخطور الباطني، كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[20].

4-    الوساوس الشيطانية، كقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}[21].

5-    الوحي السماوي، الذي يتلقاه الرسل والأنبياء من مصدر غيبي بجامع الخفاء، وقد استعمل في القرآن بكثرة، وأضحى هو المراد في المصطلح الديني، وعلى سبيل المثال قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}[22].

وكقوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}[23][24].

د- الفرق بين الوحي النبوي وغيره:

لقد أدى عدم الالتفات عند البعض إلى استعمال القرآن لكلمة الوحي في معنييه، اللغوي والاصطلاحي إلى الخلط والاشتباه، إذ ساوى بين الوحي الذي ينزل على الأنبياء، والوحي الذي ينزل على غيرهم من الصالحين والعرفاء، ممن هم دون الأنبياء في القداسة، مما أدى هذا الالتباس إلى اعتبار الوحي تجربة دينية يخوضها النبي على المستوى الشخصي، كما يحصل لسائر الأولياء والصالحين، في حين أنّ هناك بوناً شاسعاً بين الوحيين، ولبيان الفارق بين الوحي النازل على الأنبياء وغيره النازل على سواهم، أخذ المتكلمون من المسلمين يطلقون على الوحي النازل على غير الأنبياء تسميته بالإلهام، أو الخطور النفسي، تمييزاً له عن الوحي النبوي. وهو وإن كان كذلك في الغالب، ولكنه ليس دائماً بالضرورة، فلا يمكننا أن نقول بأنّ الملك الذي تمثل للسيدة مريم العذراء÷ كان حضوراً نفسياً أو إلهاماً؛ وعليه نقول: إنّ الوحي النازل على النبي يمتاز بأمور منها:

أولاً: إنّ النبي يعلم مصدر الوحي، وأنّه من الله، بخلاف الوحي النازل على غيره فليس من الضرورة لمن يستشعره من الأولياء والصالحين أن يعلم مصدره.

ثانياً: إنّ الوحي النازل على الأنبياء لهداية الناس، وإخراجهم من الضلالة إلى الهدى فلا بد من أن يكون الموحى إليه معصوماً من الخطأ على مستوى التلقي والتبليغ، فأي احتمال للخطأ أو اللبس في حقه يعدّ تغريراً ونقضاً للغرض، ومخالفاً للحكمة من بعثته وإرساله. ويدور نزول الوحي الرسالي على النبي مدار توفره على هذه العصمة وعدم انسلاخه منها، فلو انسلخ منها انسلخت النبوة منه وزالت عنه، وبذلك قال الله على نحو الشرطية غير المتحققة: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}[25].

كما أخبرنا القرآن أيضاً عن (بلعم بن باعوراء) الذي وصل بطاعته مقاماً قارب فيه الأنبياء، فأضحى مستجاب الدعوة، ولكنه في لحظة ضعف أخلد إلى الأرض، فزال عنه جميع ما ناله بالاستحقاقات السابقة، وعاد خاسراً خاسئاً حسيراً، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}[26].

وعليه يمكن القول: إنّ الوحي باعتبار معانيه اللغوية والاصطلاحية مفهوم مشكك، يختلف في مراتبه شدّة وضعفاً بحسب سعة وتقبل الأفراد، فيبدأ درجاته الضعيفة آخذاً منحى صعودياً، حتى يبلغ الذروة عند الأنبياء والمرسلين، على الشروط المتقدّمة التي تتوفر فيهم دون سواهم[27].

وعلى غرار ما تقدّم من التفريق بين الوحي وغيره نأتي إلى كلام المستشرق (ثيودور نولدكه).

كيف آمن (نولدكه) بنبوّة محمد؟

لم تسر نظرة الغرب بالنسبة للوحي على وتيرة واحدة، فقد تغيّرت النظرة إليه طردياً مع التغيرات التي عصفت بهذا العالم ابتداءً من القرون الوسطى إلى عصر النهضة، ثم الثورة الصناعية، وصولاً إلى معجزة الروح، والظاهرة الأرواحية التي سادت المجتمعات الغربية في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر للميلاد، فقد ثبت علمياً أنّ للإنسان شخصية باطنة وراء شخصيته الظاهرة، وآمنوا بهذه الشخصية. إلا أنّهم على رغم إيمانهم هذا أنكروا على هذه الشخصية أن تتصل بما وراء الغيب، دون أن يقدّموا دليلاً على توقفهم عند هذا الحد، اللهم إلا أن نعزوا ذلك إلى انقطاع عهد النبوات منذ أن التحق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى، فانقطع الوحي السماوي، واستمّر على مستوى ما يصطلح عليه بالإلهام، الذي لا يصل بصاحبه إلى مستوى الوحي، والاتصال بالغيب، وفقاً لمعناه المصطلح، من هنا فقد نسج (نولدكه) بوصفه واحداً من أولئك الغربيين على هذا المنوال، فآمن بنبوّة رسول الله على هذه الطريقة الخاصة، فقال: “لا بد لنا من الاعتراف بأنّ محمداً كان بالحقيقة نبياً، إذا محّصْنا شخصيّته بتجرّد وتمعّن، وفهمنا النبوّة فهماً صحيحاً” [28][29].

من حقنا أن نتساءل: ما هو الفهم الصحيح للنبوة عند (نولدكه)؟

وقد أجاب عن ذلك قائلاً: “جوهر النبي يقوم على تشبّع روحه من فكرة دينيّة ما، تسيطر عليه أخيراً، فيتراءى له أنّه مدفوع بقوة إلهية، ليبلغ من حوله من الناس تلك الفكرة على أنّها حقيقة من الله”[30][31].

فهنا يتضح لنا التناقض الذي عليه (نولدكه) أولاً يقول: إنّه يقول جوهر النبي… فكرة دينيّة ما تسيطر عليه أخيراً، فيتراءى له أنّه مدفوع بقوة إلهية… على أنّها حقيقة من الله، وبعدها يقول: لا بدّ لنا من الاعتراف بأنّ محمداً كان بالحقيقة نبياً، فهنا نجد التهافت في كلامه؛ كيف أنّ النبي كان نبياً بالحقيقة، وقد فسّر النبي أنّه متأثر بفكرة وهمية دينية تسيطر عليه، ويتراءى له أنّه مدفوع بقوة إلهية! فإذاً ما هو عندك يا (نولدكه) معنى النبي؟! إما هو نبي مرسل من قبل الله، أو هو إنسان ليس بنبي ويتراءى له أنّه نبي بسبب الوهم الذي يعيشه من الفكرة الدينية المسيطرة عليه؟ أو نقول إنّ (نولدكه) قد فهم النبوّة فهماً خاطئاً، أي كلّ من تسيطر عليه فكرة دينية، حتى المصاب في عقله يحسب نفسه أنّه مرسل ونبي فيكون على هذا المقياس عند (نولدكه) نبياً على الحقيقة.

والغريب أنّ هذا ما يلتزم به (نولدكه على المستوى العلمي، فالنبوة عنده ثوبٌ فضفاضٌ يتسع لكلّ من يتقمّصه ويرتديه، حتى لو كان مهرجّاً مثل (مسيلمة الكذاب)، و(طليحة)، والمتنبئة (سجاح) التي انتهت جولتها الدينية مع تجربة (مسيلمة) إلى مشروع خيري وعاطفي تمّ تتويجه أخيراً بحفلة زفاف[32].

كما أنّ العجيب بالنسبة لـ(نولدكه) الذي قرأ تاريخ المسلمين والإسلام أن يجعل مستوى النبوة إلى هذا الحد من السذاجة وعدم رزانة العقل بحيث يصدّق بفكرة تسيطر عليه؟، وكيف أنه (نولدكه) غاب عن ذهنه ونسي المعاجز التي سطرها التاريخ عن النبي، اللهم إلا أن يكون (نولدكه) لا يعترف بها بأنّها معاجز، ويعتبرها أكاذيب في نظره مع أنّها من التاريخ، وأكد عليها المسلمون في إحصاءها، فهل (نولدكه) يؤمن ببعض التاريخ ويكفر ببعض مع كثرة تواتره؟ وهو الملقب عنه بشيخ المستشرقين، فكيف لم يلحظ أهمية أن يأتي مدّعي النبوة ببينات وبراهين وأدلة تصدّق مدعاه؟ ولو أتى أحدٌ إلى (نولدكه) وقال له إني نبي ومرسل فهل يصدّقه بمجرّد سماعه، أم يطلب منه أدلة مدعاه؟ هذا بالنسبة لشخصه هو، فكيف يسمح لشعوب وأمم آمنت بالنبي من دون ما تتأكد من مدعاه؟ وهل كل تلك الأمم والشعوب بهذا المستوى من السذاجة تصدّق رجلاً بمجرد أن تأثر بفكرة؟!

وقد قال السيد الخوئي في بيان ذلك: “إن السفارة الإلهية من المناصب العظيمة التي يكثر لها المدّعون، ويرغب في الحصول عليها الراغبون، ونتيجة هذا أن يشتبه الصادق بالكاذب، ويختلط المضلّ بالهادي، وإذاً فلا بدّ لمدّعي السفارة من أن يقيم شاهداً واضحاً يدلّ على صدقه في الدعوى، وأمانته في التبليغ، ولا يكون هذا الشاهد من الأفعال العادية التي يمكن لغيره أن يأتي بنظيرها، فينحصر الطريق بما يخرق النواميس الطبيعية، وإنّما يكون الإعجاز دليلاً على صدق المدعي، لأنّ المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع (الخارق) من أحد إلا بعناية من الله تعالى وإقدار منه، فلو كان مدّعي النبوة كاذباً في دعواه، كان إقداره على المعجز من قبل الله تعالى إغراء بالجهل، وإشادة بالباطل، وذلك محالٌ على الحكيم تعالى، فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالة على صدقه”[33].

والمعجزة التي جاء بها نبينا بحيث يراها ويلمسها من زمانه إلى يوم القيامة خالدة ما خلد الدهر ألا وهي القرآن الكريم فقد جاء في كتاب الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[34].

مذهب (نولدكه) في الإعجاز القرآني:

لقد فرّغ (نولدكه) الإعجاز القرآن الكريم من محتواه ويفهم من كلامه أنّه لا يعتقد بإعجاز القرآن، بل يعتقد أنّ النبي محمداً تحدى المشركين بشيء لا علم لهم به، ولا معرفة وعليه فإنه جاء لهم بشيء لا حول لهم ولا قوة، بمعنى آخر لا يُسمى تحدياً لأن التحدي فيما يقدرون عليه من ما اشتهروا به، كما جاء النبي موسى ببياض يده وقلب حقيقة العصا إلى حقيقة الثعبان، في قومٍ سحرة يراءون للناس ويخيّلون لهم أنّ العصي تنقلب حيّات وثعابين، كما جاء النبي عيسى لقوم يشتهر فيهم الطب فكانت معجزته يبرئ الأكمه ويحي الموتى وهكذا، فنرجع إلى ما يعتقد (نولدكه) في إعجاز القرآن فكان يقول: “إذا تفحصّنا تحدي محمد عن كثب، اكتشفنا أنه لم يتحدّ خصومه أن يأتوا بما يضاهي القرآن من ناحية شعرية أو خطابية (بلاغية) بل يُضاهيه من حيث الجوهر (عقائدية) وهذا مالم يكن في وسع أعدائه بطبيعة الحال فكيف كان لهم أن يدافعوا عن الإيمان القديم بالآلهة، وكان على اقتناع شديد به، بالطريقة نفسها التي دافع فيها ذاك عن وحدة الله وما يتعلق بها من عقائد؟”[35].

 ونحن إذا رجعنا إلى كلام (نولدكه) لوجدنا أنه يرجع إلى هذا النوع من المحال، وعليه لا يمكن أن يكون ما قاله صحيحاً، إذ لا يمكن للمشركين أن يأتوا بما هو توحيدي؟ مع بقائهم على الشرك، للتنافي الذاتي بين الشرك والتوحيد، نظير التنافي بين الزوجية والثلاثة، وهذا يفسّر أيضاً إشكالنا على النصارى حين ذهبوا إلى التثليث، مع ادّعائهم التوحيد، وعليه لا يمكن أن يكون النبي قد تحداهم بهذا النوع من التحدي المحال في ذاته[36].

بل إنّ المراد من التحدي هو الإعجاز البلاغي والبياني، أو أن الإعجاز البلاغي هو أحد وجوه الإعجاز القرآني (وحتى الآن لم تنجح أي محاولة في هذا المجال).

محاولات فاشلة في معارضة القرآن:

حاول (ثيودور نولدكه) إثبات بعض المحاولات الناجحة بزعمه في معارضة القرآن والإتيان بمثله، فقال: “لم يتلاشَ تحدّي محمد من دون صدى. ففي أثناء حياته وبعد فترة قليلة من وفاته ظهر في أماكن مختلفة من شبه الجزيرة العربية رجالٌ ادعوا أنّهم أنبياء قومهم، وأنهم يتلقون الوحي من الله. هؤلاء هم لقيط بن مالك العماني، وذو الخمار عبهله بن كعب الأسود، وطليحة الأسدي، ومسيلمة التميمي، وأخيراً (النبيّة) سجاح. وقد أطلقوا آيات لم تصلنا منها إلا أقوال مسيلمة، وهي مع أنّها لا تتعدّى كونها شذرات فقط، تطلعنا على الأفكار الدينية التي نشرها هذا الرجل. ولكونه ديناً وعى قوته وأراد أن يجذب إليه العالم كله، لأنه الدين الحقّ الأفضل، أعلن الإسلام الفتيّ الذي كان يجاهد من أجل بقائه أن كلّ هذه الحركات خداع الشيطان وعلمه”[37].

تعقيباً على هذا الكلام نقول: إنّ هذا العدد الكبير من أدعياء النبوة من الذين لم يدّعوها إلا بعد أن شاهدوا ما وصل إليه النبي من سطوة، وما حقّقه من انتصارات على أعدائه حتى أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فنظروا إلى الأمر من زاويتهم المادية البحتة، ورأوا في انتصار النبي غلبة له على خصومه، ومن هنا أطلق أبو سفيان كلمته المشهورة حين قال للعبّاس عم النبي يوم فتح مكّة: “لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً”[38].

فالمسألة عنده وعند أمثاله مجرّد ملك وزعامة دنيوية، ولذلك كثر أدعياء النبوّة عندما فتح الله عليه، وتصوّروا أنّ بإمكانهم بلوغ ما بلغه النبي بمجرّد ادّعاء النبوة والتظاهر بنزول الوحي عليهم، وإلا أين كانوا حينما كان المسلمون مستضعفين، يتخطّفهم الناس من كل جانب، وذاقوا ما ذاقوا من العذاب والعنت والحصار والمقاطعات؟![39].

أولاً: نتساءل هل الذي كما يدّعيه (نولدكه) أنه خداع الشيطان وعمله، أنّ الشيطان لا يجعل أولياءه يدعون إلى الخير طوال حياتهم، ومن كان في بداية ادّعاءه أنه يريد المصلحة للناس والعباد، لا بدّ وأن يأتي يوم ويظهر كذب هذا الادّعاء، وفساد مرماه ومقصده، فيظهر الظلم بعد أن يصل إلى مقام السلطة والرئاسة وهذا ما نراه في كثير من حكّام الزمان الظّلام، حيث يدّعي أنه منقذ الشعب، وإذا صار في مقام الرئاسة، أذاق شعبه ويلات من العذاب، فهل كان النبي محمد من هذا القبيل يا (نولدكه)؟ أما قرأت التاريخ وأنت من يقال عنه أنه تخصّص في التاريخ الإسلامي -أن كثيراً من أصحابه- وهو في هذا المقام الأول في الدولة الإسلامية -ممّن يتجرأ على النبي ويسيء إليه فضلاً عن أعداءه، حتى قال روحي فداه: >ما أوذي نبي مثل ما أوذيت<.

ثانياً: هل قال العلماء فيمن ادّعى النبوّة من بعده في أن ادعائهم وأقوالهم وتصرّفاتهم أنّها توافق الحكمة والعقل والعلم المكتشف كما جاء بالنسبة للنبي محمد؟ ولو كان كذلك لظهرت لنا حكمهم وأقوالهم، ولنقلها التاريخ لنا فإذاً لو كان لبان.

ونأتي ببعض الشواهد على صحة مدعى النبي من المسلمين وغيرهم فنقول:

ما أفاده السيد الخوئي حيث قال: “أخبر القرآن الكريم في غير واحد من آياته عما يتعلق بسنن الكون ونواميس الطبيعة وغيرها مما لا سبيل إلى العلم به في بدء الإسلام، إلا من ناحية الوحي الإلهي، وبعض هذه القوانين وإن علم بها اليونانيون في تلك العصور، أو غيرهم ممن لهم سابق معرفة بالعلوم، إلا أنّ الجزيرة العربية كانت بعيدة عن العلم بذلك، وإن فريقاً مما أخبر به القرآن لم يتضح إلا بعد توفر العلوم وكثرة الاكتشافات، وهذه الأنباء في القرآن كثيرة”[40].

هذا من جانب بعض من جهة المسلمين، أما بعض من جهة الغربيين فنقول: قال (رينوت) في الإعجاز العلمي: “يجب أن نعترف بأنّ العلوم الطبيعية والفلك والرياضيات التي أنعشت أوروبا في القرن العاشر مقتبسة من القرآن”[41].

وقال المستشرق الفرنسي (موريس بوكاي): “إذا أخذنا مستوى ما بلغته العلوم في عصر محمّد بنظر الاعتبار، لم يعد بإمكاننا أن نصدّق بأن القرآن نتاجٌ بشري، وذلك لما يحتويه هذا الكتاب من العقائد العلمية في الكثير من مضامينه… وعليه من المعقول جدّاً عدم الاكتفاء باعتبار القرآن وحياً فحسب، بل ويجب علينا أن نضع >الوحي القرآني< في مرتبة ممتازة جداً، لما يتمتع به من أصالة مضمونة في إثبات حقائق علمية لم يؤمن بها العلم الحديث إلا من خلال البحث والتحقيق، بعد أن كان يعدّها تحدّياً للفرضيات البشرية”[42].

هذا والعلم الحديث يكشف لنا كلّ يوم عن حقائق ومعارف جديدة ودقيقة وعظيمة، مما تطرّق إليها القرآن الكريم الذي هو معجزة نبينا.

الخاتمة

إنّ المقام ليطول في ذكر أحقانية النبي، ومعاجزه التي شهد بها الأعداء قبل الأصحاب والمسلمين الذين أيقنوا بصدق ما جاء به الرسول، ولكن لو كان حسب ما يدعيه (نولدكه) بأن الذي جاء به النبي هي مجرّد تخيّلات، وخدع شيطانية، لكان فرصة واسعة وسانحة لأعدائه بأن يظهروها، في مواجهته وتكذيبه، وهذا ما لم يقدروا عليه، بل اعترفوا بعجزهم عن مواجهته، ولذلك حاولوا أن يُثنوه عن هدفه وهو إبلاغ الرسالة بإغرائه بمناصب فقال مقولته المشهورة: >والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه<[43].

فأردت في هذه الأسطر القليلة أن أذكر بعض التفاهات التي ذكرها المستشرق (نولدكه) لأنّ المقام لا يسع أن نذكرها جميعاً.

المصادر والهوامش

  • [1] الحجر: 73.
  • [2] الحجر: 60.
  • [3] المستشرقون والدراسات القرآنية: للدكتور محمد حسين علي الصغير: ص11.
  • [4] المصدر السابق: ص11-12 بتصرّف.
  • [5] قراءة نقدية في تاريخ القرآن، حسن علي حسن مطر الهاشمي: ص16-18.
  • [6] الاستشراق أهدافه ووسائله لمحمد فتح الله الزيادي: ص24، ط1998.
  • [7] المصدر السابق: ص18-20.
  • [8] المصدر السابق: ص20-22.
  • [9] المصدر السابق: ص 22-24 بتصرف.
  • [10] المستشرقون والدراسات القرآنية للدكتور محمود حسين على الصغير: ص13-15.
  • [11] المصدر السابق: ص14-15.
  • [12] المصدر السابق: ص 16-17
  • [13] قراءة نقدية في تاريخ القرآن للمستشرق ثيودور نولدكه. حسن علي حسن مطر الهاشمي: ص31-32.
  • [14] المصدر السابق: ص 97-98.
  • [15] المصدر السابق: ص 101.
  • [16] المصدر السابق: ص 121.
  • [17] قراءة نقدية في تاريخ القرآن، للمستشرق ثيودر نودلكه، حسن علي حسن مطر، ص122- 124.
  • [18] مريم: 11.
  • [19] النحل: 68.
  • [20] القصص: 7.
  • [21] الأنعام: 121.
  • [22] الشورى: 7.
  • [23] يوسف: 3.
  • [24] المصدر السابق ص 122-124.
  • [25] الحاقّة: 44-47.
  • [26] الأعراف: 175-176.
  • [27] المصدر السابق: ص125-127 بتصرف.
  • [28] نقلاً عن نولدكه، ثيودور، تاريخ القرآن: ج1، ص4.
  • [29] قراءة نقدية في تاريخ المستشرقين: ص146-147.
  • [30] نقلاً عن نولدكه، ثيودور، تاريخ القرآن: ج1، ص3.
  • [31] قراءة نقدية في تاريخ القرآن ص 147.
  • [32] المصدر السابق: ص 149.
  • [33] قراءة نقدية في تاريخ القرآن للمستشرق ثيودور نولدكه – حسن على حسن مطر الهاشمي ص 150، نقلا عن البيان في تفسير القرآن للسيد أبو القاسم الخوئي: ص37–38، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، قم المقدسة، 2007م.
  • [34] الحجر: 9.
  • [35] نفس المصدر: ص152–153، نقلاً عن نولدكه، ثيودور، تاريخ القرآن: ج1، ص50-51.
  • [36] المصدر السابق: ص 153.
  • [37] نقلاً عن كتاب نولدكه، ثيودور، تاريخ: ج1، ص51.
  • [38] بحار الأنوار، المجلسي، ج33، ص208.
  • [39] المصدر السابق: ص160.
  • [40] المصدر السابق: ص172-173، نقلا ً عن كتاب الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن.
  • [41] نفس المصدر: ص178 نقلاً عن الإعجاز العددي في القرآن لبيضون، لبيب: ص89، مؤسسة الأعلمي، 2005، بيروت.
  • [42] نفس المصدر: ص178، نقلاً عن القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم لبوكاي، موريس: ص302، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996. [43] سيرة ابن هشام ج1 ص266.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى